النهضة و التغيير /

إلزامية الشورى [ قراءة ]

[ الخميس 15 ذو القعدة 1437 هـ ] [ 1322 ]

تعتبر الشورى إحدى المبادئ والركائز الهامة في النظام السياسي الإسلامي, حيث جاء الأمر بها في القرآن الكريم لنبيه -صلى الله عليه وسلم، وللحكام والرؤساء المسلمين من بعده: ((فَبِمَا رَحمَةٍ مِن اللَّهِ لِنتَ لَهُم ولَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلبِ لَانفَضُّوا مِن حَولِكَ فَاعفُ عَنهُم واستَغفِر لَهُم وشَاوِرهُم فِي الأَمرِ فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الـمُتَوَكِّلِينَ))، آل عمران: 159. ومع أهمية الشورى ومنزلتها في الإسلام إلا أن الإشكال الذي ما زال مطروحا حتى الآن بشأنها هو: هل الشورى واجبة على الحاكم ابتداء وملزمة؟ بمعنى آخر: هل يجب على الحاكم المسلم أن يعرض الأمور العامة على المستشارين -مجالس نيابية أو غيرها؟ وعليه –أيضا- أن يلتزم بما يسفر عن الشورى من نتائج وقرارات؟

ناقش د. عبد الكريم حامدي هذه القضية في ورقة بحثية بعنوان: "محاسن الشورى وإشكالية لزومها في النظام السياسي الإسلامي"[1]. وقبل أن يجيب الباحث عن هذا التساؤل ذو الأهمية البالغة, ذكر شيئا من محاسن الشورى أولا. حيث اعتبر الباحث أن الآيتان: ((فَاعفُ عَنهُم واستَغفِر لَهُم وشَاوِرهُم فِي الأَمرِ))، آل عمران: 159، و((... وأَمرُهُم شُورَى بَينَهُم...))، الشورى: 38، أصلتا لمبدأ الشورى؛ وذاكرا بعض ما استنبطه العلماء من محاسن للشورى كأساس للحكم.

ومن أهمها –كما ذكر الباحث- أن في الشورى أخذ برأي الجماعة, ومن ثمَّ تطييب للخواطر واستجلاب للمودة، ورفع لأقدار المستشارين، وتأليف لهم على الدين. كما تقضي الشورى على النزعة الفردية الاستبدادية, وتغرس النزعة الجماعية في أمور السياسة والتشريع, فتكون المسؤولية قاسما مشتركا بين الحاكم والمحكوم. وفي الشورى عصمة للحاكم من اتخاذ قرارات فردية تضر بمصالح الأمة. وفي الشورى تذكير بأن الأمر ليس للحاكم ولا للحكومة, بل الأمر للأمة جمعاء؛ وما الحاكم إلا وكيل ونائب عن الأمة في تسيير شؤونها. وفي الشورى احترام للعقل الإنساني والإرادة الإنسانية والفطرة البشرية في التعبير عن الرأي وتبادل وجهات النظر.

مدى إلزامية الشورى:

حاول الباحث في هذه النقطة من الدراسة الإجابة على سؤال: هل الشورى واجبة على الحاكم نحو المحكومين بحيث لا يقضي أمرا إلا بعد مشورتهم؟ وهل هو ملزم باحترام نتائج الشورى وقراراتها؟ وذلك من خلال ما يلي:

أولا: حكم الشورى ابتداء:

ذكر الباحث أن الفقهاء اختلفوا في حكم الشورى ومدى وجوبها ابتداء على رئيس الدولة إلى قولين: الأول يرى الشورى غير واجبة بل مندوبة، واحتج هؤلاء بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ترك المشورة في قضايا كبيرة، كصلح الحديبية وبني قريظة وتبوك؛ وبأنَّ الخليفة أبا بكر -رضي الله عنه- لم يشاور الصحابة في إنفاذ جيش أسامة، وفي حروب الردة، وقتال مانعي الزكاة؛ وأن الأصل في الأشياء الإباحة, والوجوب لابُدَّ له من دليل, وبما أنه لا دليل على الوجوب فيبقى الأصل هو عدم الوجوب. والقول الثاني يرى أنَّ الشورى واجبة على الحاكم، ويأثم بتركها؛ واحتج بآيتي الشورى: ((وشَاوِرهُم فِي الأَمرِ))، و((وأَمرُهُم شُورَى بَينَهُم))، فالأمر في الآية الأولى محمول على ظاهره من الوجوب، ولم يرد نصٌّ يصرفه عن الوجوب إلى الندب، وفي الآية الثاني ذكرت الشورى بين فريضتين الصلاة والزكاة، فدلَّ على أنها فريضة؛ كما احتج بالتزام النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشورى في وقائع لا تحصى، منها وقعة بدر وأحد وغيرهما كثير؛ وقد سار الخلفاء الراشدون على منهج النبوة في التزام الشورى، في مسائل كثيرة: أبرزها تولية الخلافة.

وقد رجح الباحث الرأي الثاني حملا للنص الآمر بالشورى على ظاهره؛ ولأن الوقائع التي ترك فيها الرسول الشورى كانت لنزول الوحي بشأنها, وأن ترك أبو بكر -رضي الله عنه- الشورى كان تنفيذا لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم؛ ناهيك عن أن القول بالوجوب يتماشى مع روح الشريعة ومحاسنها, بينما القول بعدم وجوبها ينسف المصلحة منها.

ثانيا: حكم الشورى انتهاء:

استعرض الباحث هنا آراء العلماء في وجوب التزام الحكام بنتائج الشورى من عدمه؛ وهي:

الأول: لا إلزام في الشوى وللحاكم موافقة أهل الشوى ومخالفتهم، وبه قال جمع من الفقهاء؛ ودليلهم:

قوله تعالى: ((فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الـمُتَوَكِّلِينَ))، آل عمران: 159, وهي تشير إلى أن نتائج الشورى غير ملزمة، ويجوز للحاكم مخالفتها.

سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- العملية في صلح الحديبية, حيث تشير إلى أن الشورى إنما شرعت للتبصر بها لا للإلزام.

عمل الخلفاء، ومنه فعل أبي بكر -رضي الله عنه- في جيش أسامة، وفي حرب المرتدين.

رئيس الدولة مسؤول بشكل كامل عن أعماله, فلا يجوز إلزامه بتنفيذ رأي غيره من غير اقتناع وهو كاره.

صواب الرأي وخطأه مستمدان من ذاته وطبيعته، لا من كثرة عدد المؤيدين له أو قلتهم.

ولم يكتف الباحث بعرض أدلة هذا الفريق, بل أشار إلى بعض الردود على الاعتراضات عليه. من مثل: إن قالوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ برأي الأكثرية في أحد مع ميله إلى عدم الخروج.. فالجواب أنه أخذ برأيهم لأنه رأى ذلك، لا لأن الأخذ برأي الأكثرية ملزم.

الثاني: الشورى ملزمة للحاكم, وعليه أن يتبع ما تسفر عنه من نتائج؛ وأدلتهم:

قوله تعالى: ((وشَاوِرهُم فِي الأَمرِ))، ووجه دلالتها على لزوم الشورى أن العزم لا يكون إلا بعد الشورى.

قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما)، وهو ما يؤكد رجحان رأي الاثنين على الواحد, ومن ثم الأكثرية على الأقلية.

وقد رجح الباحث الرأي الثاني الذي يجعل نتائج الشورى ملزمة، لقوة الأدلة وضعف أدلة المخالفين؛ ولكون هذا الرأي يتفق مع محاسن الشورى ومقاصدها. وقد رد الباحث على اعتراضات من يرى عدم لزوم نتائج الشورى. ومن أبرز تلك الردود الرد على أن الأغلبية لا حجة لها، احتجاجا بقوله تعالى: ((وإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ..))، الأنعام: 116, لأن هذا وارد في التكاليف الكونية، وليس في التكاليف الشرعية, إذ قد يضل الناس عن أكثر حقائق الكون, ومن ثم لا يصلون إلى معرفة الله عن طريقها.

وختم الباحث -تأييدا لترجيحه رأي إلزام الحاكم بنتائج الشورى- أن القول بعدم لزوم العمل بثمرة الشورى يفضي إلى أن يصبح الأمر لا معنى له سياسيا, فيكون صوريا شكليا فارغا من أي مقصد وحكمة, ويؤدي إلى فتح باب الاستبداد في الحكم والتفرد بالرأي.

 

[1] مجلة البحوث والدراسات، جامعة باتنة، الجزائر، العدد: 4 لعام 2007م.