أصول و محكمات /

مقاصد الشريعة عند الإمام الشافعي [ قراءة ]

[ الخميس 15 جمادى الآخر 1437 هـ ] [ 1385 ]

تكمن أهمية كتاب (مقاصد الشريعة عند الإمام الشافعي)، لمؤلفه البرفيسور أحمد فاروق بن مختار ، في كونه يكشف عن دور الإمام الشافعي في التأسيس لعلم مقاصد الشريعة. وقد تساءل الكاتب في مقدمة بحثه: هل يعقل أن مؤسس علم أصول الفقه لم يتحدث عن المقاصد؟ مشيرا إلى أن المتتبع لمباحث المقاصد لا يرى أنها مستقلة عن علم أصول الفقه. وكتأكيد من الباحث على دور الإمام الشافعي التأسيسي لعلم المقاصد ذكر أن الشاطبي -شيخ المقاصد- نقل فقرات حرفية من كتاب الرسالة للشافعي عندما أراد التحدث عن مسألة قصد الشارع في وضع الشريعة للأفهام, وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الإمام الشافعي هو أول من نبه على منهج مقاصد الشريعة, بل إنه أول من وضع ضوابط لفهم مقاصد الشريعة.

وبعد ذكر أسباب اختيار الباحث للموضوع وأهدافه, قسم الباحث الكتاب -الذي هو عبارة عن رسالة دكتوراه من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس بالمغرب- إلى قسمين وخاتمة؛ في كل قسم أكثر من باب, وضمن كل باب فصول ومباحث.

القسم الأول كان حول الفكر المقاصدي عند الإمام الشافعي، وتضمن أربعة أبواب. في الباب الأول "الإمام الشافعي ومقاصد الشريعة" أربعة فصول.

الفصل الأول تناول التعريف بالإمام الشافعي وبمقاصد الشريعة. وحول العلاقة والتأسيس أشار الباحث إلى نقل إمام الحرمين نصا عن الشافعي عند حديثه عن تقاسيم العلل والأصول يشير فيه إلى استعمال الشافعي لمصطلح "مقاصد الشريعة", وإن كان الكثير من الباحثين يذهبون إلى أن استعمال لفظ المقاصد بمدلوله الاصطلاحي لم يبرز إلا بعد انقضاء القرن الثاني الهجري. كما أشار إلى نقل إمام الحرمين لنصوص الشافعي في مقاصد الأحكام, كمقاصد الطهارة والزكاة والصوم والحج والقصاص والحدود والقضاء, ناهيك عن المقاصد الكلية. وقد ذكر الباحث بعض تلك النقول التي تشير إلى أن الإمام الشافعي استعمل مصطلح "مقاصد الشريعة" بمدلوله الخاص المعروف, بل أول من أطلقها حسب ما وصل إلينا من آثار العلماء في أصول الفقه عامة والمقاصد خاصة.

وتناول الفصل الثاني تأصيل الإمام الشافعي أصول مقاصد الشريعة. حيث يرى الباحث أن مباحث مقاصد الشريعة ليست علما مستقلا عن علم أصول الفقه, وإن كان هناك تجديد في المصطلحات, إلا أنه لا يصل إلى درجة قلب العلم إلى غيره, وإنما هو تجديد في صلب علم أصول الفقه وبنيته. وانطلاقا من هذه المقدمة تناول الباحث تأصيل الإمام الشافعي لعلم أصول الفقه ذو العلاقة الوثيقة بمقاصد الشريعة, من خلال إجماع جمهور المؤرخين بأن الشافعي هو أول من وضع علم أصول الفقه ودونها في كتاب.

كما أكد الباحث تأصيل الإمام الشافعي للقصد الإفهامي الذي يعتبر واحدا من أصول مقاصد الشارع من وضع الشريعة, حيث يأتي القصد الابتدائي أولا ثم الإفهامي ثم التكليفي ثم القصد الامتثالي التعبدي, مشيرا إلى أن ما كتبه الإمام الشافعي في الرسالة لا يخرج عن المبدأ الثاني من مبادئ مقاصد الشريعة, وهو قصد الشارع من وضع الشريعة للإفهام.

ومن أجل الدلالة على أسبقية الإمام الشافعي في تأصيله لمقاصد الشريعة الإسلامية أكد تأصيله للقصد الابتدائي من وضع الشريعة, الذي يعني أن الشريعة وضعت لمصالح العباد في الدارين, كما تناول تأصيل الإمام الشافعي للضروريات الخمس, بالإضافة للحاجيات والتحسينيات.

وعن اعتبار المقاصد عند الإمام الشافعي جاء الفصل الثالث. وقد اعتبر الباحث أن الإمام الشافعي هو مؤسس فكرة الاجتهاد المقاصدي أولا, كونه ذهب إلى أن اعتبار مقاصد الشريعة من أعلى مراتب الاجتهاد, حتى قدمها على الإجماع والقياس في الترتيب, وقد أورد الباحث ما نقله إمام الحرمين عن رد الشافعي على من أبطل المقاصد الكلية في الاجتهاد, بالإضافة للتنبيه في قسم الضروريات على مسألة تقديم القاعدة الكلية على القياس الجلي.

وفي الفصل الرابع تطرق الباحث تطور الفكر المقاصدي بعد الإمام الشافعي. وفيه أراد الباحث أن لا يغفل دور من جاء بعد الشافعي من العلماء في تطوير وترسيخ مباحث مقاصد الشريعة, سواء من علماء الشافعية أو من غيرهم. وقد بدأ بذكر دور علماء الشافعية الرائد في الفكر المقاصدي، ثم ذكر أعلام الفكر المقاصدي عن العلماء غير الشافعية.

وجاء الباب الثاني تحت عنوان "أصول الإمام الشافعي وعلاقتها بمقاصد الشريعة"، وابتداءه الباحث بتمهيد ذكر فيه طبقات العلم عن الإمام الشافعي, مشيرا إلى تقدم كليات الشرع ومصالحها العامة على الإجماع والقياس في أحد هذه التراتيب. وقد تناول في الفصل الأول علاقة الكتاب والسنة بمقاصد الشريعة، ثم تناول علاقة الإجماع بمقاصد الشريعة في الفصل الثاني. وعن علاقة الإجماع بمقاصد الشريعة أشار الباحث إلى أن الإجماع دليل تثبت بمقتضاه الأحكام وعللها ومقاصدها ابتداء, أو انتقالا من الظن إلى القطع, فيكون دور الإجماع عندئذ متمثلا في تقوية الحكم الظني والقطع به وإخراجه من دائرة الاحتمالات والتأويل.

كما تناول الكتاب في الفصل الثالث علاقة القياس بمقاصد الشريعة عند الإمام الشافعي؛ وعلاقة قول الصحابي بها في الفصل الرابع. فيما أوضح في الفصل الخامس "إبطال الاستحسان عند الإمام الشافعي وعلاقته بمقاصد الشريعة. وفيه أوضح الباحث مفهوم الاستحسان عند الإمام الشافعي أولا, وهو القول من غير استناد إلى خبر من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، ليشير ثانيا إلى الأدلة المقاصدية التي تدل على بطلان الاستحسان بالهوى, وإبطال هذا النوع من الاستحسان من خلال مقصد حفظ الدين.

في الباب الثالث تناول الباحث المصلحة المرسلة عند الإمام الشافعي وعلاقتها بمقاصد الشريعة؛ وفي الفصل الأول ذكر علاقة المصلحة المرسلة بمقاصد الشريعة، وأكد في الفصل الثاني اعتبار المصلحة المرسلة عند الإمام الشافعي.

كما تناول في الباب الرابع اعتبار المآل عند الإمام الشافعي وعلاقته بالمقاصد؛ وفيه أشار الباحث في التمهيد لأهمية اعتبار مآل الأفعال عند علماء الأصول والمقاصد, واعتبارها من المقاصد المهمة في الشريعة, مشيرا إلى أن أصل المآل ينبني عليه مجموعة من القواعد المقاصدية: كسد الذرائع والاستحسان ومراعاة الخلاف.

وتناول الفصل الأول قاعدة سد الذرائع عند الشافعي وعلاقتها بالمقاصد، مشيرا إلى مدى اعتبار الشافعي لقاعدة سد الذرائع أولا, وتأكيد علماء الشافعية على أن قاعدة سد الذرائع من القواعد التي يعتمد عليها في مذهب الشافعي في بيان حكم الوقائع التي تجدّ إذا لم يكن هناك نص يدل على حكم فيها بعينها, بينما يرى الباحث أن ما نص عليه الشافعي نفسه في كتابه الأم يؤكد أنه يأخذ بقاعدة سد الذرائع على الإطلاق, مستعرضا لنماذج من اعتبار هذه القاعدة عند الإمام الشافي والشافعية عموما. وعن علاقة سد الذرائع بمقاصد الشريعة أكد الباحث أنها من أكثر القواعد التصاقا وارتباطا بالمقاصد وذلك من عدة وجوه، وسرد هذه الوجوه.

كما تناول الفصل الثاني اعتبار الاستحسان عند الشافعي وعلاقته بمقاصد الشريعة؛ وأشار إلى بعض النماذج من اعتبار الاستحسان عند الشافعي. وعن مراعاة الخلاف عند الشافعي وعلاقتها بالمقاصد كان محور الفصل الثالث، وهي قاعدة متفرعة عن أصل مآلات الأفعال كما يؤكد الباحث، كونها مبنية على النظر فيما تؤول إليه الأفعال.

ثم خصص الكاتب القسم الثاني للحديث عن الاجتهاد المقاصدي عند الإمام الشافعي. وقد بين في الباب الأول المقاصد الخمسة عند الإمام الشافعي، حيث أشار الباحث إلى اعتبار الشافعي لمقاصد الشريعة الخمسة الضرورية؛ مخصصا فصلا كاملا لشرح وبيان كل واحدة من هذه الضروريات الخمس عند الشافعي.

كما تحدث الكاتب في الباب الثاني من القسم الثاني عن التعليل المقاصدي عند الإمام الشافعي؛ وقبل أن يشرع الباحث في فصلي هذا الباب, مهد بالرد على من ذهب من الباحثين للقول بأن الإمام الشافعي من المقلين في التعليل عموما وفي تعليل العبادات خاصة, مؤكدا أن الشافعي من المكثرين في تعليل الأحكام ومقاصدها.

وتناول في الفصل الأول التعليل عند الإمام الشافعي مستشهدا ببعض مسائل التعليل عند الشافعي، نظرا لعلاقة التعليل القوية بالمقاصد, ومشيرا إلى أن الشافعي يعتني بقواعد التعليل. وفي الفصل الثاني تطرق إلى التعليل المقاصدي عند الإمام الشافعي، وهو يعني التعليل بجلب مصلحة ودرء مفسدة. وفيه تناول الباحث عددا كبيرا جدا من المسائل المعللة مقاصديا من خلال تطبيقات فقهية مأخوذة من كتاب الأم للشافعي, سواء في العبادات: كالتعليل المقاصدي في جمع الصلاة أو جواز الفطر للمرضى والمسافرين.. وغيرها من أبواب الفقه, وقد أوصل الباحث هذه الأمثلة إلى 80 مثالا للتعليل المقاصدي عند الإمام الشافعي.

ختم الباحث كتابه بذكر أهم النتائج التي توصل إليها في بحثه.