الأخبار /

الدويش في ملتقى التأصيل الأول: الفكر ساحة صراع ولا يمكن فكه عن الواقع

[ الجمعة 27 محرّم 1438 هـ ] [ 7664 ]

ضمن سلسلة البرامج الهادفة التي يقيمها مركز التأصيل للدراسات والبحوث أقام قسم البرامج يوم الخميس -26 محرم 1438ه الموافق 27 أكتوبر 2016م- "ملتقى التأصيل" الأول لهذا العام.

وكان ضيف الملتقى، الذي كان تحت عنوان: "التربية والبناء الفكري"، الدكتور محمد بن عبدالله الدويش -الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (سابقا). والمشرف العام على موقع المربي. حيث ألقى فضيلته لمدة (40) دقيقة ورقة حول الموضوع، لتكون محور نقاش الملتقى وحوار المشاركين.

وفي مطلع اللقاء رحب مسئول قسم البرامج بالملتقى الأستاذ عبدالناصر المليكي بفضيلة الشيخ والحاضرين في الملتقى، معرفا في كلمته بالمركز وأنشطته، وبالملتقى وأهدافه، ومحاور اللقاء الذي استمر لقرابة الساعتين.

وقد تحدث فضيلة الشيخ في مطلع اللقاء عن مصطلح الفكر وسمات المجال الفكري، وأشار إلى أنَّ الفكر يختلف عن العلم في كونه معنى يحمل العمومية في دلالته والسيولة العالية في معانيه، فهناك خلاف كبير في تعريف الفكر وتحديد مجاله وفقا لاختلاف الرؤى والمذاهب الفكرية؛ خلافا لتعريف العلم والعلوم المستقرة التي يمكن تحديد مدلولها ومجالها وأدواتها.

وذكر أن من بين سمات المجال الفكر اتساع "الذاتية" فيه، فإنَّ المفكر لا ينفك عن شخصيته في أفكاره ونظرته وأسلوب تفكيره، حيث تغيب المعايير العلمية التي يمكن محاكمة العملية الفكرية إليها، كما هو في العلوم المادية والطبيعية والتجريبية والرياضية واللغوية والشرعية. وهذا ما يعطي الذات حضورا أكبر في خطابات المفكرين.

ونبه فضيلته إلى أن المجال الفكري ساحة للصراع، كون أن الفكر يتصل بالرؤى الكلية التي تتصادم فيها الحضارات والثقافات والديانات، فهو ينطبع بالخلافات والتناقضات الواقعة بين هذه الأطراف ويمثل مجالا من مجالات صراعها.

وأكد الشيخ محمد ارتباط الفكر الوثيق بالواقع، على عكس ما يعتقده البعض، فيخلط بين الفلسفة والفكر. فمعظم الاتجاهات والتيارات الفكرية هي وليدة الواقع، كما أنها تعالج بأطروحاتها ونظرياتها الواقع بغية التأثير فيه. فالفكر هو عملية تفاعلية مؤثرة ومتأثرة. وهذا ما يعطي المجال الفكري سمة سرعة التحول، التي يعتبرها المحاضر سمة بارزة في الأفراد والمجتمعات في هذا العصر. فإن النظريات الفكرية التي طرحت خلال عقود مضت شهدت تحولات جذرية وتغيرات شاملة وقفزات متنوعة، وأن هذا يأتي باعتبار سيولة الفكر من ناحية وعلاقته بالواقع المتحرك من ناحية أخرى.

وختم فضيلته الكلام عن سمات المجال الفكري بالتنبيه إلى تداخل الفكر مع علوم متنوعة، كالفلسفة والدين والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس والسياسة والاقتصاد وغيرها. فهو يأخذ منها ويعطيها، ويستخدمها في قراءته للواقع وتفسيره له وصياغة نظرياته حوله.

ثم تناول الدكتور محمد نموذجا مقترحا للبناء الفكري يمكن اعتباره محورا للنقاش والتأسيس عليه. ويقوم هذا المقترح على ثلاثة مرتكزات.

الأول البناء الإيماني المتمثل في ترسيخ اليقين، نظرا لكثرة الشبهات والشكوك التي تطرح اليوم في هذا الميدان، والتي بات يتأثر بها المتطلعون لبناء فكرهم نتيجة فقد التربية الإيمانية على حساب القراءة الواسعة البعيدة عن المنهل الشرعي. مؤكدا على أهمية في الاجتهاد في أسباب الثبات التي أمر بها المسلم شرعا، كي لا ينزلق في مهاوي الشكوك والشبه. ومن أهم هذه الأسباب الصلة المستمرة بالله تعالى، والتي بدأت تغيب في زحمة التنافس ورغبة الظهور وإبراز الأنا!

أما المرتكز الثاني –بحسب فضيلته- فهو اكتساب الأدوات والمهارات اللازمة للمفكر، والتي تزيد من قدراته التأملية، ونظراته النقدية، وإبداعاته التنظيرية. وهذا يتطلب توفر أصول العلوم الشرعية وقواعد الفهم الشرعي للمفكر المسلم، لأنه مرتبط في فكره وخطابه وسلوكه بمرجعية عليا هي الكتاب والسُّنة، وأن أي خلل في العلوم الشرعية وقواعد الفهم قد يجر إلى انحرافات كبيرة، وأخطاء جسيمة. وأكد المحاضر أنَّ مهارات التفكير وعاداته تنمى في الأفراد منذ الصغر، وهي مهارات يمكن اكتسابها لكنها تعتمد بالأساس على طبيعة الشخصية ذاتها. فلذلك ينبغي التمييز بين المواهب لمعرفة المؤهل للبناء الفكري وريادة المجال الفكري ولمن هو غير مؤهل لذلك.

وطالب الشيخ محمد بضرورة صياغة المحتوى المعرفي في المجال الفكري صياغة مناسبة، تعتمد على أسس موضوعية وتدرج متسق، تأخذ بالشباب في مجال الفكر الرحب والواسع نحو الرسوخ والارتقاء. وأكد أنَّ ردود الأفعال أو القص والنسخ الحاصل في هذا الميدان لا يؤسس لمحتوى معرفي بنائي، ما يعزز من التحدي الذي تواجهه المحاضن التربوية والتعليمية في هذا المجال.

وختم فضيلته كلمته بالحديث عن متطلبات مهمة في البناء الفكري، كاختيار الشخص المناسب استنادا لاهتماماته وميوله وقدراته ونمطه في التفكير، والتركيز على المتعلم، واختيار النشاطات الملائمة لهذا المجال الثري والخصب والمتشعب، كالحوارات، وورش العمل، وحلقات النقاش، وغيرها. مع لفته لضرورة الانتباه والوعي بالمخاطر التي تحيط بالمهتمين بهذا المجال كالشبهات التي تتنامى مع كثرة الجفاف والجدل، وكالتعالم الذي يحصل مع كثرة القراءة والاطلاع وتمرد الطموح، بالإضافة لروح السلبية التي يصاب بها المنشغل بالمجال الفكري، نتيجة كثرة النقد والملاحظات التي ترد عليه تجاه العاملين فتقعده عن العمل والانخراط في مجتمعه مجتهدا في إصلاحه.

من ثمَّ جرى فتح باب المداخلات والنقاشات من قبل الحاضرين، والذين تنوعت مجالات اختصاصاتهم واهتماماتهم بالشأن التربوي. وتكرم الشيخ المحاضر بالإجابة عن الأسئلة، ومحاورة المداخلين حول الموضوع.

وقد عبر الحاضرون –في ختام اللقاء- عن شكرهم لمركز التأصيل ولفضيلة الشيخ المحاضر، وارتياحهم لقيام هذه الفعالية التي يتطلع الشباب لها.