عدد الزيارات 343048 زائر
يتصفح الموقع حالياً 90 زائر
المملكة العربية السعودية المملكة العربية...(110285)
كندا كندا(70386)
الصين الصين(49815)
هولاندا هولاندا(38229)
إنجلترا إنجلترا(37381)
ألمانيا ألمانيا(36952)

بسم الله الرحمن الرحيم ::   آثار تطبيق الشريعة الإسلامية في منع الجريمة  :::::    النظام المعرفي الإسلامي.. رؤية تفسيرية  :::::    الهلالي يصف المشروع الإسلامي بالأكذوبة الموهومة  :::::    أخو المرشد الإيراني يُذكِّر رفسنجاني بفضيحة إيران جيت!!  :::::    تصعيدات أوروبية تجاه المسلمين   :::::    منظمة لاهافا.. إرهاب صهيوني مسكوت عنه  :::::    سرقة الغرب لمعالم الحضارة الإسلامية  :::::    السبب الأهم لتخلف المسلمين  :::::    أزمة التعليم والبحث العلمي المعاصر  :::::    الى .. تونس .. بداية صراع أم نهايته ؟!  :::::
الرئيسية متابعات
حول مفهوم الإنسانية والمشترك الإنساني عدد القراءات : 2373

13-10-2010  |  د. محمد عادل شريح
وإني استغرب هذه الدعوات التي يطلقها البعض"للأنسنة"أي لتبني المنظور الإنسانوي الغربي للحياة وتكريس الإنسان كقيمة مطلقة في الوجود ، دون أن يرى في ذلك خروج بالإنسان من دائرة الأديان

إن كلمات من نوع"الإنسان"و"الإنساني"و"الأنسنة"وغيرها من اشتقاقات، تتردد كثيراً في خطاب المثقفين العلمانيين العرب وأحياناً غير العلمانيين ، فهناك من يقول- دفاعاً عن رغبته في الأخذ عن الفكر الغربي- أن هذا الفكر هو فكر"إنساني"ولا ضير في الأخذ عنه ، وهناك من ينادي"بأنسنة الفكر الإسلامي"وقد تبنى مشروع الأنسنة في الثقافة العربية الإسلامية (محمد أركون مثلاً). وقد حَضرت منذ فترة وجيزة بعض المحاضرات في إطار الندوة الفكرية التي حملت اسم (المشترك الإنساني) التي نظمتها دار الفكر في سوريا.

وفي حين كان الكثير من المحاضرين والمشتركين يتساءلون عن الحكمة من تنظيم مثل هذه الندوة في مثل هذا الوقت، حيث يرى الكثيرين في الصراع الدائر عالمياً صراع حضارات وصراع قيم، كنت أتساءل مع نفسي ما هو المشترك وما هو قبل ذلك الإنساني؟.
وقبل أن نشرع في الإجابة على هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى أهميته، ذلك أن كثيراً من الخلط الفكري والتشويه يشوب الثقافة العربية الحديثة جراء غياب تعريفات دقيقة لمصطلحات حمالة لأوجه متعددة، من جهة أخرى فإن"الإنسانية"مصطلح مخادع فهو ككلمة مشتقة من الإنسان يحظى بمقبولية مسبقة لدى بني الإنسان، إذ كيف يمكن لأحد أن ينفيه دون أن ينفي نفسه؟

الإنسانوية كمفهوم حداثي

إن الأنسنة هي الطابع الغالب على الفكر الغربي الحديث، بل هي إحدى الأفكار المؤسسة للمنظومة الغربية بشكل عام، ولكي نجنب أنفسنا كثير من التداعيات الخاطئة، فإننا سوف نتحدث عن"الإنسانوية"كتيار فلسفي ذو مضامين محددة تاريخياً وفكرياً.

يعود تيار"الإنسانوية"إلى عصور النهضة الأوروبية وقد هيمن هذا التيار على الأدب والفنون والقيم الاجتماعية والفردية لذلك العصر، وقد جاءت هذه التسمية في سياق الصراع الذي نشب في تلك الفترة بين الكنيسة المسيحية التي هيمنت على الحياة الأوروبية طوال العصور الوسطى مع التيار الجديد الذي كان يسعى للتحرر لا من المسيحية فقط بل من الدين عامة، وقد تصدى أنصار التيار الجديد للكنيسة وعارضوا طروحاتها من خلال العودة إلى الأصول اليونانية الرومانية السابقة للمسيحية.

لقد أطلق اسم الإنسانويين Umanisti بداية على الشريحة المثقفة في عصر النهضة لأنها كانت مولعة ولعاً شديداً بالثقافة القديمة اليونانية والرومانية الوثنية، وكانوا يسمون دراسة الثقافة القديمة بالإنسانويات Umanita أو الآداب الأكثر إنسانية Litera Humaniores، وقد سعى هؤلاء لإحياء التراث الأفلاطوني في الفلسفة في محاولة منهم للتصدي لأرسطو الذي تبنته الكنيسة وشيدت على أساسة كل علومها اللاهوتية.

لكنهم في الحقيقة لم يكونوا أوفياء لأفلاطون أو لغيره من فلاسفة اليونان بقدر ما كانوا يستخدمونهم في حربهم ضد المسيحية. لكن أكثر ما تعلق به"الإنسانويون"هو مقولة الفيلسوف اليوناني القديم (براتاغورس)"الإنسان هو مقياس كل ما هو موجود على انه موجود ، وكل ما هو غير موجود على أنه غير موجود".

ولعل هذه المقولة هي أفضل مدخل لفهم المحتوى الفلسفي للإنسانوية، يقول كرين برنتين في تعريف الإنسانوية: إن (الإنسانيين) كانوا كذلك"لأنهم اعتقدوا أن الإنسان هو معيار كل شيء وأن كل امرء مقياس نفسه. شعارهم (الفردية)، كان هؤلاء الرجال فرديين يقابلون (التابعين) الجبناء الذين ينتمون إلى رهبان العصور الوسطى".

وهكذا فإن بداية عصر النهضة ، هو بداية عصر الإنسانيات Umanita على مستوى الفكر والأدب والفن والأخلاق، بل وعلى مستوى الدين (فقد استكملت هذه الدعوة الإنسانوية بالاحتجاج البروتستانتي، وهو في جوهره رفض للمؤسسة وسلطانها وتكريس للسلطة الفردية في شئون المعتقد)، إن الإنسانوية هي ثورة شاملة على القديم بكل أشكاله، فالإنساني يرفض المسيحية، حتى وإن اقتصر الرفض في تلك المرحلة على رفض الأخلاق والمؤسسات، ذلك لأن الدين المسيحي كما يقول ميكيافيلي في الأمير"يدعوننا إلى الاستخفاف بحب الدنيا ويجعلنا أكثر رقة وليناً، أما القدماء فكانوا على عكس هذا، كانوا يجدون أسباب بهجتهم في هذا العالم".

والإنسانوي يرفض الفلسفة المدرسية ، فلسفة تابعي أرسطو الجبناء من اللاهوتيين، والإنساني يرفض الأخلاق السائدة ويحرر نفسه منها، ويرفض التصور القديم للعالم.

ولنا أن نستمر طويلاً في الحديث عما يرفضه الإنساني، ولكن مقابل هذا الكم اللامتناهي من النفي والسلب الهادف إلى تدمير القديم، ما الذي يثبته؟

إن الإنساني يثبت شيئاً واحداً وأساساً لكل ما يمكن أن يعترف به ويقبله- وهو الإنسان الفرد، ولو حاولنا أن نختصر الإنسانية في كلمة واحدة لكانت هذه الكلمة- الفردية.

لقد بدأت الفردية تظهر أولاً كمبدأ أخلاقي، ثم أصبحت مبدأً اجتماعياً وصارت في المحصلة مبدأً وجودياً (أنطولوجياً) يرى في الفرد صورة الواقع الأكثر جوهرية وقيمة عليا في الوجود، أي أنها ترفض وجود أي مستوى أعلى من مستوى الوجود الفردي.
لقد عرف شيلر، وهو إنسانوي متأخر من القرن التاسع عشر وبداية العشرين، في كتابه (الإنسانية ، 1893) بقوله إن هذا المذهب الفكري (ي المذهب الإنسانوي) هو التعبير الحديث عن مقولة براتاغورس القديمة في أن"الإنسان مقياس كل شيء". لقد عبر هذا الإنساني المتأخر إلى حد ما، عن جوهر الدعوة الإنسانية، فهذه الدعوة هي دعوه لتحرير الإنسان من كل سلطة خارج حدود الإنسان ذاته، تحريره من فكرة الإله، وتحريره من الكنيسة، وتحريره من سلطه العادات.

لقد قام رابيليه- أحد ابرز رموز الأدب في عصر النهضة- بتأسيس ديره الخاص، وقد أراد له أن يكون"ديراً علمانياً حقاً يقبل الرجال والنساء على السواء، وقد نقش على مدخله هذا الأمر السار: افعل ما تشاء". لقد قدم رابيليه نموذجاً لما يعنيه (الإنسانوي) بالتحرر، هذه الفكرة التي تطورت بعد ذلك وكونت مضمون الفكرة اللبرالية.

إن المذهب الإنساني يرى بأن على الإنسان الفرد أن يصنع معاييره الخاصة للخطأ والصواب والخير والشر والجميل والقبيح. والإنسان بعد ذلك هو سيد نفسه، وسيد مصيره، وهو سيد الطبيعة ولا مكان لأي سيد آخر في هذا الكون سوى الإنسان.

إن الإنسانوية باختصار هي تأليه الإنسان. هذا هو خلاصة الأمر في الحديث عن الإنسانوية كتيار فكرى أسس للحداثة الغربية منذ بدايات عصر النهضة، إنه انقلاب على فكرة الإله لصالح الإنسان في فهم الكون والمجتمع، وإن كل ما تلا ذلك من ازدهار للفكر الفلسفي في الغرب منذ القرن السابع عشر حتى بداية القرن العشرين ما هو إلا محاولة لإعادة بناء العالم معرفياً من زاوية الرؤية الجديدة التي يحتل فيها الإنسان نقطة المركز، وليس غريباً والحال كذلك أن تكون هذه الحداثة قد وصلت إلى فكرة المادية ، وإلى بناء حضارة مادية ، فالمادية كامنة في أصولها الأولى.

الإنسان في الرؤية الإسلامية

نعود الآن إلى السؤال الذي أثرناه في بداية بحثنا ، إذا كان الإنسانية كتيار فكري في الغرب (وقد أسميناه بالإنسانوية) هي تأليه الإنسان عبر تكريس مركزيته الوجودية، فما هي الإنسانية من وجهة نظر إسلامية؟ وما هي حقيقة تكريم الإنسان الواردة في القرآن الكريم؟

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء7)

إن كرامة بني آدم هي خلقهم على فطرة تأهلهم لمعنى الخلافة الواردة في القرآن الكريم في أكثر من موضع (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة 3) وهذه الفطرة هي الحرية التي جُعلت في جبلتهم والتي يمتازون فيها عن أصناف المخلوقات الأخرى كالملائكة من المخلوقات العليا والبهائم من المخلوقات الدنيا ، وجعلتهم أهلاً لحمل الأمانة التي هي التكليف (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (الأحزاب 72).

والتكليف له معنيان،

الأول: هو حرية الإرادة والقدرة على الفعل الحر والمختار في شروط الحياة الأرضية.

أما الثاني: فهو مسؤلية الإنسان عن هذا الفعل وهذا الاختيار، هذه المسؤلية التي تتحدد تبعاً لها مكانة الإنسان الفرد الوجودية، وإن أرقى مكانة للإنسان الفرد في الحياة هي مرتبة العبودية، حيث تتحقق الإرادة الإلهية السامية عبر الإرادة الإنسانية الحرة والمختارة، ويتحقق غرض وغاية خلق الإنسان عبر الفعل الإنساني الحر والمختار، وبذلك يتحقق معنى الخلافة.
إذن فالإنسانية من منظور إسلامي هي كل ما هو مناسب لفطرة الإنسان ، وفطرة الإنسان كما هو كماله وغاية وجوده لا يتحقق إلا بالعبودية لله عز وجل.

ولذلك فإن إنسانية الإنسان لا تتحقق في أي سياق يخرجه عن عبوديته لله كحقيقة مرتبطة بوجوده وإن الدين الذي هو مجموع العقائد والشرائع والقيم والأخلاقيات التي اشترعها الله لعباده هي ما يناسب فطرة الإنسان وهي ما يحقق إنسانيته.
وإن كل دعوة للإنسانية والأنسنة والتأنيس وغير ذلك من مصطلحات الحداثة في ثقافتنا العربية الإسلامية هي دعوة مكذوبة إن لم تنبع من صميم الإسلام ومن منطلقاته في فهم الإنسان والوجود.

وإني استغرب هذه الدعوات التي يطلقها البعض"للأنسنة"أي لتبني المنظور الإنسانوي الغربي للحياة وتكريس الإنسان كقيمة مطلقة في الوجود، كما هو حاصل في الحضارة الغربية، دون أن يرى في ذلك خروج بالإنسان من دائرة الأديان. والحقيقة أن الأمر لا يعدوا أن يكون تلاعباً بالمصطلحات وخلطاً للمفاهيم.

في النهاية إذن. ما هو المشترك الإنساني؟

إن المشترك الإنساني ليس محصلة جمع المتناقضات في سلة واحدة، إن المشترك الإنساني هو ما يشكل حقيقة الإنسان ككائن مخلوق في هذه الدنيا ، إنه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فالإنسان ليس بإله وليس بمركز للكون. ولأننا لا نهدف في هذا المقام إلا أن نوضح الفرق الشاسع بين المفاهيم المختلفة وإن اشتركت بالاسم، نقول: من حق من يشاء أن يدعوا للإنساوية الحديثة، ولكن ليس من حقه أن يلبس دعوته رداءً إسلامياً.

ومن حقه هنا ليس الحق بمعنى الحقيقة ولكن الحق بمعنى حرية الاختيار، فما الذي نفعله إن كان البعض يمقت نفسه ويمقت بني الإنسان لدرجة أن نفسه تسول له أن يتأله.

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ) (غافر10) صدق الله العظيم.

 
أعلى الصفحة
HTML حفظ كصفحة طباعة أرسل المادة لصديق
الاسم
التعليق
ادخل ارقام الصورة



لا توجد تعليقات
 
Powered By Digital Chains