عدد الزيارات 343368 زائر
يتصفح الموقع حالياً 64 زائر
المملكة العربية السعودية المملكة العربية...(110361)
كندا كندا(70398)
الصين الصين(49896)
هولاندا هولاندا(38342)
إنجلترا إنجلترا(37401)
ألمانيا ألمانيا(36970)

بسم الله الرحمن الرحيم ::   بين تصريحات الغرب وأفعاله تجاه الإسلاموفوبيا   :::::    مركز اليقين لمكافحة الإلحاد... خطوة بالاتجاه الصحيح  :::::    منعطفات الأزمة السورية بعد وادي الضيف  :::::    المشهد العراقي ومتطلبات الوعي للخروج الآمن  :::::    آثار تطبيق الشريعة الإسلامية في منع الجريمة  :::::    النظام المعرفي الإسلامي.. رؤية تفسيرية  :::::    الهلالي يصف المشروع الإسلامي بالأكذوبة الموهومة  :::::    أخو المرشد الإيراني يُذكِّر رفسنجاني بفضيحة إيران جيت!!  :::::    تصعيدات أوروبية تجاه المسلمين   :::::    منظمة لاهافا.. إرهاب صهيوني مسكوت عنه  :::::
الرئيسية مفاهيم ومصطلحات دراسات
الاستشراق

02-10-2010  |  مركز التأصيل للدراسات والبحوث
بسبب النكسةِ في الحروبِ الصليبيّةِ تحوّلَ الاستشراقُ من هدفهِ الرئيسِ السلميِّ وهو الاطّلاعُ على ثقافةِ الآخرينَ واستلهامِ النافعِ منها ، إلى هدفٍ آخرَ يحملُ في طيّاتهِ معانيَ الحقدِ والكراهةِ ، لينحرفَ إلى هدفٍ سلبيٍّ عدوانيٍّ

توطئةٌ :
هذه كلماتٌ يسيرةٌ عن موضوعِ الاستشراقِ والمستشرقين ، جمعتها من عددٍ من الدراساتِ والكتب المختصةِ ، ورتبتُ بينها مستغنياً عن العزوِ إلى مصادرِها طلباً للاختصارِ حتى لا تطولَ المقالةُ ، وذلك بغرضِ كشفِ غوامض الاستشراقِ لدى أكثرِنا و تجلية ً لزيوفِ هذه المدرسةِ الاستعماريّةِ ، خصوصاً بعد أن أثبتتْ الحروبُ الصليبيّة ُ والحملاتُ الاستعماريّة ُ العسكرية ُ فشلها ، ولم تستطعْ أن تثبتْ لها قدماً في بلادِ الإسلام ِ ، مع أنّهم ساموا أهلها سوءَ العذابِ ، ونكّلوا بهم تنكيلاً لم يشهدِ التأريخُ لهُ نظيراً ، وجمعوا لهم أعتا الجيوشِ وأكثرَ الأسلحةِ فتكاً .
ولم يكتف المستعمرون والغزاة بتخريب ديار المسلمين ، وسلب خيراتهم وثرواتهم ، وإنّما عمدوا إلى تشويه تعاليم دينهم عمداً ، وحاربوا جميعَ الحركات الداعية إلى فهم الإسلام فهما صحيحا سليما ، معتمدا على تعاليم الكتاب والسنة ، وقاموا بدعم الحركاتِ البدعيّةِ مثلما فعلوا قديماً ولا زالوا يفعلون مع الحركاتِ الصوفيّةِ في أفريقيا وبعض دول آسيا ، وقد أوصتْ لجنة ُ الكونغرس ِ الخاصة ُ بالحريّاتِ الدينيةِ بأنْ تقومَ الدولُ العربية ُبتشجيع ِ الحركاتِ الصوفيةِ ، كما قاموا بدعم العصرانيين والتغريبيين ، وفي التقرير الخاص الذي أعدته مؤسسة راند كان من المقترحات الخاصة دعم التوجهات العصرانية في العالم الإسلامي لأنها لا تشكل خطرا على الغرب .
ومن الأقنعة الجديدة التي يستعملها المستعمر كغطاء وحيلة لأهدافه الخبيثة : الاستشراق والتبشير ، فالحركاتُ التنصيريّةُ التبشيريّةُ في العالم ِ هي مقدّمة ٌ للاستعمار ِ ومُمهدّة ٌ لهُ ، فالقسّيسُ يدخلُ باسم ِ الربِّ ويُنصّرُ باسم ِ الربِّ ليحتلَّ — فيما بعدُ - الأرضَ باسم ِ الربِّ ويسرقَ خيراتِ البلدِ باسمهِ أيضاً ، ولا يبقى بعدها لأهل ِ الأرض ِ إلا الإنجيلُ في أيدهم والنصرانيّة َ الوثنيّة ُ في قلوبِهم ، أمّا أرضهم وثرواتُهم فقد ذهبتْ للمحتلِّ الأجنبيِّ — كما عبّر بذلك الكاتبُ النيجيريُّ الشهيرُ نغوجي واثنيغو في كتابهِ " تصفيّة ُ استعمار ِ العقل " - .

ويؤكّدُ كلامنا السابق ، ما ذكرهُ مؤلفا كتابِ " التبشير والاستعمار في البلاد العربية " أنَّ الاستشراق منذ أن توجهَ للخارجِ وانتقلَ من مهمةِ الحفاظِ على العقيدةِ السائدةِ في المجتمعاتِ الأوربيةِ ، سيطرتْ عليها حينها نزعةُ التحكم والبغي ، إلى جانبِ النزعةِ التنصيريّةِ ، ذلك أنَّ التنصيرَ في حد ذاتهِ لم يكن مهمّة روحيّةً بحتةً — كما يحاولُ زعمهُ المبشّرونَ - ، وإنّما كانَ طليعةً لكتائبِ البغي ، بحيثُ يقومُ الاستشراقُ بمهمّةِ الخلخلةِ العقديةِ والثقافيّةِ للمجتمعاتِ المرجوِّ احتلالُها ، ويقومُ التنصيرُ باستبدالِ عقيدتِها بعقيدةِ الباغي ، ومن ثمَّ يكونُ من اليسيرِ احتلالُها .

ومما يؤكد الدور الخطير الذي تقوم به المؤسساتُ التنصيريّةُ والتبشيريّةُ ، أنّهُ في فورةِ الحربِ على الجمعياتِ الخيريّةِ الإسلاميّةِ ، قامتْ أمريكا بفتحِ البابِ على مصراعيهِ للجمعياتِ الخيريّةِ النصرانيّةِ لتقومَ بدورِها في عملياتِ التنصيرِ .
وبعدَ فوزِ الرئيس بوش قرّرَ دعمَ الكنائس ِ بمبلغ ِ 3 ملياراتِ دولار أمريكيِّ ، لأنّها وقفتْ معهُ في حملتهِ الانتخابيّةِ ، وبلغ َ عددُ ما جمعتهُ الجمعيّاتُ الخيريّة ُ في أمريكا في إحدى السنواتِ 250 مليار دولار يذهبُ تسعة ُ أعشارها إلى الكنائس ِ والجمعيّاتِ التنصيريّةِ ، وعددُ العاملينَ في هذه الجمعياتِ يفوق ُ عددَ العاملينَ في القطاع ِ الحكوميِّ في أمريكا كلّها ، كما أنَّ المُتحدّثَ باسم ِ البيتِ الأبيض ِ ذكرَ أنَّ الرئاسة َ الأمريكيّة َ لن تمنعَ أيَّ جمعيّةٍ خيريّةٍ مسيحيّةٍ من الذهابِ إلى العراق ِ وممارسةِ التنصير ِ فيها ، وقد نُشرَ ذلكَ التصريحُ في مجلّةِ النيوزويك في عددِها الصادر ِ بتأريخ ِ 1/5/2003 .
والحديثُ عن التنصيرِ والجمعياتِ الخيريّةِ الغربيّةِ يحتاجُ إلى مقالةٍ خاصّةٍ بها إن شاءَ اللهُ تعالى .

تعريفُ الاستشراقِ والمستشرقينَ :
• تعريفُ الاستشراق ِ :
الاستشراقُ اتّجاهٌ فكريٌ ، يُعنى بدراسةِ حضارةِ الأمم ِ الشرقيّةِ بصفةِ عامّةٍ ، وحضارةِ الإسلام ِ والعربِ بصفةٍ خاصةٍ .
وقد كانَ مقتصراً في بدايةِ ظهورهِ على دراسةِ الإسلام ِ واللغةِ العربيةِ ، ثمّ اتّسعَ ليشملَ دراسة َ الشرقَ كلّهُ ، لغاتهِ ، وأديانهِ ، وتقاليدهِ ، وآدابهِ .

• تعريفُ المستشرقينَ :
المستشرقونَ : هم مجموعةٌ من علماءِ الغربِ الذين اعتنوا بدراسةِ الإسلام ِ واللغةِ العربيةِ ، ولغاتِ الشرق ِ ، وأديانهِ ، وآدابهِ .

وأكثرُ هؤلاءِ المستشرقينَ هم من القساوسةِ المنتظمينَ في السلكِ الكنسي ، فهم بمقتضى مهنتهم أصحابُ مهمّاتٍ تبشيريةٍ بحتةٍ .
ومنهم آخرونَ موظّفونَ ببلدانهم ، في الدوائر ِ السياسيةِ ، والإداريةِ المختصةِ بشؤون الاستعمار ِ ، بصفةِ باحثينَ ، أو مستشارينَ ، أو نحو ِ ذلكَ .

تاريخُ ابتداءِ الاستشراقِ :
اختلفَ الباحثونَ في الوقتِ الذي ابتدأ فيهِ الاستشراقُ ، هل هو قديمٌ ؟ ، أم هو حركة متأخرة ؟ ، والذي مالَ إليهِ جمهرةٌ كبيرةٌ من الباحثينَ تقسيمُ الاستشراقِ إلى قسمينِ رئيسينَ :

• القسمُ الأوّلُ : الاستشراقُ السلميُ ، أو اللاعدواني :
وهذا القسمُ ابتدأ في أوائلِ القرنِ العاشرِ الميلاديِّ ، والذي حدا إليهِ هو نقصُ المعارفِ لدى الكثيرِ من الأوربيينَ ، وكذلك ضعفُ الحركةِ العلميّةِ لديهم ، ممّا حرّك فيهم حب المعرفةِ والعلم ِ ، ولم يجدوا معارفَ وعلوماً مثلَ العلوم ِ والمعارفِ التي كانتْ لدى المسلمينَ والعربِ في تلك الفترةِ ، فبدأوا بالاختلاطِ بالمسلمينَ والدراسةِ لديهم ، واكتسابِ ما عندهم من علوم ومعارفَ ، سواءً كانت علوماً إنسانيّة أو تطبيقية تجريبيّةً .
ومن أكثر ِ الأقاليم ِ الإسلاميّةِ التي تحرّك فيها الاستشراقُ السلميُّ : بلادُ الأندلس ِ ، حيثُ قصدها الكثيرُ من الرهبان ِ الأوربيينَ ، وذلك إبّانَ عظمتها ومجدها ، وتثقّفَ أولئكَ الرهبانُ في مدارسها ، فترجموا القرءانَ والكتبَ العربيةَ إلى لغاتهم ، وتتلمذوا على علماءِ المسلمينَ في مختلفِ العلوم ِ ، وبخاصةٍ في الفلسفةِ ، والطبِ ، والرياضياتِ .
وبعدَ أن عاد هؤلاءِ الرهبانُ إلى بلادهم ، نشروا ثقافةِ العرَبِ والمسلمينَ ومؤلّفاتِ أشهر ِ علمائهم .
ثم أسّست المعاهدُ للدراساتِ العربيّةِ ، أمثال مدرسةِ : " بادوي " العربيةِ ، واستمرّت الجامعاتُ الغربية ُ تعتمدُ على كتبِ العربِ ، وتعتبرها المراجعَ الأصليّة َ للدراسةِ قرابة َ ستةِ قرون ٍ ، كما صدرَ قرار مجمع فيينا الكنسي عام 1312 م بتأسيس عدد من كراسي الأستاذيّةِ في العربيّةِ واليونانيّةِ والعبريّةِ والسريانيّةِ في جامعاتِ باريس وأكسفورد وبولونيا وأفينون وسلامانكا .

ومن أشهرِ هؤلاءِ المستشرقينَ السلميّينَ :
- الراهبُ الفرنسيُّ : جربرت ، والذي أختيرَ بابا لكنيسةِ روما عامَ ( 999م ) ، بعد تعلّمهِ في معاهدِ الأندلس ِ ، وعودتهِ إلى بلاده ِ .
- الراهبُ : بطرس المحترم ( 1092م — 1156 م ) .
- الراهبُ : جيراردي كريمون ( 1114 م — 1187 م ) .
ويطلقُ بعضُ الباحثينَ على هذا القسمِ من الاستشراقِ " مرحلةَ الطلائعِ " وكانتْ أهدافُ الاستشراقِ فيها علميّةً بالدرجةِ الأولى .

• القسمُ الثاني : الاستشراقُ العدوانيُّ :
ونقصدُ بالعدوانيةِ : هي تلكَ الحركة التي قامت لخدمةِ الأغراضِ الاستعماريةِ ، والتمكّنِ من الطعنِ في الإسلامِ بلغةِ أهلهِ ، وبنفس معارفهم وعلومهم ، وأصبحتْ نواةً للصراعِ الحضاريِّ القائمِ أساساً على فهمِ الغيرِ من بابِ المحافظةِ على الذاتِ ، لا سيّما لو كان هذا الغيرُ — وهو الإسلامُ والمسلمونَ— يحملُ في طيّاتهِ عدلاً وثباتاً لا يوجدُ لدى الآخرينَ ، ممّا يدعوهم إلى تزييفهِ وتشويهِ معالمهِ حفظاً أوّلاً لدينهم ، وتنفيراً للنّاسِ من فهمهِ على صورتهِ الحقّةِ ثانياً ، وسيأتي المزيدُ من الكلام ِ عليهم لاحقاً .
اختلفَ الباحثونَ في الوقتِ الذي بدأ فيهِ الاستشراقُ العدوانيُّ ، وسببُ ذلكَ عدمُ وجودِ مسمّى " الاستشراقِ " إلا متأخراً ، مع وجودِ دلالاتِ كثيرةٍ تدلُّ على تقدّمهِ على ذلك بمراحلَ عدّةٍ .

فذهبَ بعضُ الباحثينَ إلى أنّهُ بدأ بنهايةِ الحروبِ الصليبيةِ ، وذلكَ بعدَ فشلهم في غزوِ بلادِ المسلمينَ عسكرياً ، فقاموا بوضع ِ خططٍ لغزوِ المسلمينَ وبلادهم ، بوسائلَ أخرى غير وسيلةِ الحربِ المسلحةِ ، واقتضتْ تلكَ الخطة ُ التوسّعَ في دراسةِ علوم ِ المسلمينَ .
ويذهبُ هؤلاءِ الباحثونَ إلى أنّ من تسلّم زمامَ هذه المرحلةِ ، هم قساوسةُ أوروبا ، ورجالُ الدين ِ فيها .

ويؤكّدُ الرأي السابقَ ما ذكرهُ علي محمّد جريشة في كتابهِ " أساليب الغز الفكري للعالم الإسلاميِّ " من أنَّ وثيقةً خطيرةً عُثرَ عليها مؤخراً تضمّنتْ وصيّةً من القدّيسِ لويس ملك فرنسا وقائدِ الحملةِ الصليبيّةِ الثامنةِ ، ذكرَ فيها أنّهُ لا سبيلَ إلى النصرِ والتغلّبِ على المسلمينَ عن طريقِ القوّةِ الحربيّةِ ، لذا يجبُ تحويلُ المعركةِ من ميدانِ السلاحِ والجيوشِ إلى معركةِ العقيدةِ ، وهذا لا يتمُّ إلا عبرَ دراسةِ الحضارةِ الإسلاميّةِ وفهمها ، ليتسنى لهم الطعنُ في الإسلامِ من داخلهِ .
 
وبسبب النكسةِ في الحروبِ الصليبيّةِ تحوّلَ الاستشراقُ من هدفهِ الرئيسِ السلميِّ وهو الاطّلاعُ على ثقافةِ الآخرينَ واستلهامِ النافعِ منها ، إلى هدفٍ آخرَ يحملُ في طيّاتهِ معانيَ الحقدِ والكراهةِ ، لينحرفَ إلى هدفٍ سلبيٍّ عدوانيٍّ .
وذهبَ بعضهم إلى أنّ أوّلَ مبدأ أمرِ الاستشراقِ العدواني كان في القرنِ السابعِ عشرَ ، بعد القيامِ بطباعةِ مجموعةٍ من الكتبِ العربيةِ ، وترجمتها .

ويكادُ يتفّقُ الأغلبُ من الباحثينَ ، على أنّ الاستشراقَ كحركةٍ منظّمةٍ إنّما بدأ مع بدايةِ فترةِ الإصلاحِ الديني في أوروبا ، أي من قرابةِ ثلاث مائةِ عام ٍ .
 
ويمكنُنا التوفيقُ بينَ هذه الأقوالِ بأن نقولَ : إن حركةَ الاستشراقِ بدأت منذُ انتهاءِ الحروبِ الصليبيةِ ، خاصّة ً بعدَ عجزهم عن الدخولِ إلى المجتمعاتِ الإسلاميةِ ، أو زحزحةِ أهلها عن أصولهم ومسلّماتهم ، فاضطرّوا إلى تعلّمِ علومِ الإسلامِ ولغةِ أهلهِ ، ليغزوهم غزواً ثقافيّاً ومعرفيّاً ، وحتّى يتسنّى لهم الطعنُ فيهِ فيما بعدُ .
إلا أنّ الاستشراقَ كحركةٍ منظمّةٍ ، لها دراساتٌ وبحوثٌ ومؤتمراتٌ ، إنّما نشأ في العصورِ الحديثةِ ، خصوصاً بعد النهضةِ الصناعيةِ ، وحركاتِ التجديدِ الدينيةِ التي نشأت في أوروبا .

بواعثُ الاستشراقِ :
أهمّ الأمورِ التي بعثتْ هؤلاءِ المستشرقينَ لدراسةِ الدينِ الإسلامي ، ودراسةِ علومهِ ومعارفهِ ، وتاريخهِ وتاريخ ِ أهلهِ كان الآتي :

• الباعثُ الديني والتبشيري :
وذلكَ بعد انهيارِ حملاتهم الصليبيةِ ، وتحطّمها أمامَ مسلّماتِ وأصولِ الإسلام ِ في نفوس ِ أهلهِ ، ممّا جعلهم يبتكرونَ الطرقَ الجديدةَ لنشر ِ دينهم ، دون مشادّةٍ ، أو عنفٍ ، وتحت غطاءٍ علميٍ نزيهِ في الظاهرِ .

• الباعثُ الاستعماريُ :
حيثُ كانَ أحدَ أهمّ أهدافِ الاستشراقِ مدُ الحركاتِ الاستعماريةِ الجديدةِ بالمعلوماتِ الكاملةِ عن الإسلام والمسلمين ، وعن طبيعةِ أهلها ، وتركيبتهم الاجتماعيةِ ، حتى يتسنّى لهم التعاملَ معها بيسر ٍ .
وقد ذكرتِ الدراساتُ الخاصّةُ عن المستشرقينَ أنَّ كثيراً من أولئكَ لم يكنْ عالماً أو أستاذاً يحملُ شهادةً علميّةً ، وإنّما كانوا جواسيسَ وموظّفينَ في وزاراتِ الخارجيّةِ ووزاراتِ المستعمراتِ ودوائرِ الاستخباراتِ .
يقول نجيب العقيقي : ولما أرادت معظم دول الغرب عقد الصلات السياسية بدول الشرق والاغتراف من تراثه والانتفاعِ بثرائهِ والتزاحم على استعمارهِ ، أحسنت كل دولة إلى مستشرقيها ، فضمهم ملوكها إلى حاشياتهم أمناء أسرار وتراجمة ، وانتدبوهم للعمل في سلكي الجيش والدبلوماسية إلى بلدان الشرق ، وولوهم كراسي اللغات الشرقية في كبرى الجامعاتِ والمدارس الخاصة والمكتباتِ العامةِ والمطابع الوطنية ، وأجزلوا عطاءهم في الحل والترحالِ ، ومنحوهم ألقاب الشرفِ وعضوية المجامع العلميّةِ .
 
• الباعثُ العلميُ :
وهؤلاءِ هم أقل المستشرقينَ عدداً ، حيثُ كانَ غرضُ أولئكَ البحثُ العلمي ، والاطلاع على ثقافةِ الأممِ الأخرى ، والبحثُ عن الحقيقةِ ، وتكثرُ جهودُ هؤلاءِ في مجالِ التحقيقِ واستخراجِ التراثِ الإسلاميِّ والعربيِّ وفهرستهِ ، أو في الوقوفِ على منجزاتِ العربِ والمسلمينَ في شتى مجالاتِ الحياةِ .
ويحرك هؤلاءِ المستشرقينَ هدفٌ نبيلٌ وهو العلمُ والبحثُ الصِّرفُ دونَ النظرِ إلى اعتباراتٍ أخرى ، كما فعلَ يوهان رايسكه المستشرقُ الألمانيُّ الشهيرُ ، عندما أنصفَ العربَ والمسلمينَ ، مما دفعَ رجالَ الكنيسةِ إلى وصفهِ بالزندقةِ ، وتمَّ فيما بعدُ تجاهلهُ عمداً من قبلِ أهلِ عصرهِ ، وتردّتْ حالهُ وماتَ فقيراً بعد إصابتهِ بمرضِ الشللِ دون أن يجدَ التفاتةً من أهلِ عصرهِ .

مجالاتُ أنشطةِ المستشرقينَ :
عرفنا فيما سبقَ تعريفَ الاستشراق ِ ، وتأريخهِ ، ويبقى لنا أن نعرفَ أهم المجالاتِ التي جعلوها مسرحاً لأنشطتهم العدوانيةِ ، خصوصاً وأنّهم استطاعوا التغلغلَ في أكثر ِ البلدان ِ العربيةِ والإسلاميّةِ .

من أهم تلكَ المجالاتِ :
• إنشاء الموسوعاتِ العلميةِ ، سواءً الإسلامية منها ، أو الشرقية بوجهٍ عام ٍ ، والتي تتناولُ دراسة َ تلكَ الأمورِ من جميع ِ جوانبِ المعرفةِ ، واتّخاذُ تلكَ الموسوعاتِ وسيلة ً لدس ِ السم ِ فيها ، بل وإقناع ُ أجيال ِ الشعوبِ الإسلاميةِ بها .
والموسوعاتُ التي أصدرها الكثيرُ من المستشرقينَ ، قد حُشدَ لها كبارُ المستشرقينَ ، وأشدهم عداءً للإسلام ، ودُسَّ فيها السمُّ بالعسل ، ونثرت فيها أباطيلُ كثيرة ، ومن المؤسفِ جداً أنّه هذه الموسوعاتِ غدت مرجعاً للكثير من الباحثينَ والمثقفينَ ، مع أنّها مراجعُ غير نزيهةٍ البتةِ — كما سنذكرُ لاحقاً - ، وذلكَ لأنّ أغلبَ كتّابها منحازونَ ضدَّ قضايا الإسلام والمسلمينَ .

• تأسيسُ الجامعاتِ العلميّةِ في بلدان العالم الإسلاميِّ ، لتخريج أجيال لا تعرفُ عن دينها إلا ما يجودُ بهُ أولئكَ المستشرقونَ ، ومستعدّةٍ لتقبّل ِ المذاهبِ الفكريةِ المعاصرةِ الوافدةِ ، ولكلِّ ما يُلقى إليها من أفكار ٍ ومبادئ .

• عقدُ المؤتمراتِ الاستشراقيةِ ، لتبادل الرأي فيما يحقّقُ لها أهدافِ الاستشراق ، وما زالوا يعقدونَ هذهِ المؤتمراتِ منذ عام ( 1783 م ) ، وحتّى الآن .

• إمدادُ إرسالياتِ التبشير ِ بالخبراء ِ من المستشرقينَ ، ودعمها بما تحتاجُ إليهِ من جهودهم ، وبحوثهم ، وخبراتهم .

• وجّه المستشرقونَ عناية عظمى لقضايا المرأةِ المسلمةِ محاولينَ بذلك إفسادها ، وذلكَ عن طريق ِ دعواتِ تحريرها ، وانطلاقها للعمل ِ في شتّى حقول ِ المجتمع ِ ، وإعطائها — بحسبِ دعواهم المضلّلةِ — كاملَ حقوقها وحرّياتها ومساواتِها بالرجلِ .

• تأليفُ الكتبِ في موضوعاتِ مختلفةٍ عن الإسلام ِ ، والرسول صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ ، والقرءانِ الكريم ِ ، وتأريخِ المسلمينَ ، ومجتمعاتهم .

وفي معظمِ هذه الكتبِ الكثيرُ من التحريفِ المتعمدِ في نقلِ النّصوص ِ ، أو بترها ، أو في فهمها واستنباطِ المعاني منها ، وفيها أيضاً الكثيرُ من التحريفِ في تفسير ِ الوقائع ِ التأريخيةِ ، وتعليل ِ أحداثها .
كما أنّهم في بحثهم عن الإسلامِ يسلكون المنهجَ التهجيني التلفيقيَّ ويفترضونَ أنَّ الإسلامَ استعارَ الكثيرَ من تعاليمهِ من اليهوديّةِ والنصرانيّةِ والجاهليّةِ والهيلينيّةِ وغيرها .

• إلقاءُ المحاضراتِ في الجامعاتِ والجمعياتِ والأنديةِ العلميةِ ، ومن المؤسفِ أنّ أشدهم خطراً وعداءً للإسلامِ، يستطيعونَ تحريكَ الأيدي الخفية ، لاستدعائهم إلى الجامعاتِ العربيةِ والإسلاميةِ ، لإلقاءِ المحاضراتِ التي يتحدّثونَ فيها عن الإسلام ِ ، ويدسّونَ فيها ما يستطيعونَ دسّهُ من أفكار ٍ ، رغبة ً في بثّها ، والإقناع ِ بها .

أهدافُ الاستشراق ِ :
للاستشراق أهدافٌ كثيرة ٌ ، من أهمّها :

• هدفٌ علميٌ مشبوهٌ ، ويهدفُ إلى :

- التشكيكِ بصحةِ رسالةِ النبي صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ ، حيثُ ينكرُ أكثرُ المستشرقونَ نبوّةَ النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ ، وينكرون كذلك الوحي أو يفسّرونهُ تفسيرا نفسيّاً معتمدينَ في تفسيراتِهم تارةً على أصولِهم النصرانيّةِ وتارةً أخرى على المدارسِ العصريّةِ مثلَ المدرسةِ الفروديّةِ ، ويعتبرونَ القرءانَ الكريمَ كتاباً بشريّاً من تأليفِ النبي صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ .
وتارةً يُشكّكونَ في كونِ القرءانِ كِتاباً تشريعيّاً ، فيزعمونَ أنّهُ لا يشكّلُ مجموعةً تشريعيّةً ، وأنَّ ما فيهِ من أحكامٍ يسيرةٍ جدّاً إنّما جاءتْ بحسبِ مقتضياتِ الأوضاعِ البدائيةِ الأولى للمسلمينَ ، وهذا ما جعل آياتِ التشريعِ قليلةً وفي طيّها ثغراتٌ ، وهو ما حدا الصحابةَ إلى سدِّ الخللِ التشريعيِّ بمحضِ الاجتهادِ .
 
والمقصدُ من الطعوناتِ السابقةِ هو أن يؤسّسَ لنظامٍ علمانيٍّ بإسقاطِ قانونيّةِ النصوصِ الشرعيّةِ والطعنِ فيها ، والدعوى بأنَّ النصوصَ الشرعيّةَ لا تصلحُ لئن تكونَ مجموعةً قانونيّةً يستنبطُ منها الأحكامُ التفصيليّةُ .

- ينكرونَ أن يكونَ الإسلامُ ديناً سماويّاً ، بل يرى أكثرُ أولئكَ أنّ الدينَ الإسلامي هو عبارة ٌ عن مجموعةٍ ملفّقةٍ من تعاليم ِ اليهوديةِ والنصرانيةِ — كما سبقتِ الإشارةُ إليهِ - ، ومنهم من يرى أنّهُ دينٌ خاصٌّ بالعربِ فحسب .

- التشكيكِ في السنّةِ النبويةِ ، والتشكيكِ في عدالةِ الصحابةِ رضوانُ الله تعالى عليهم ، وأخذوا يوردونَ الشبهَ تلوَ الشبهِ ، في موضوع ِ تدوين ِ السنةِ ، وكذلك كثرةِ دخولِ الوضع ِ فيها ، وطعنهم في رجالِ الحديث ِ ، واتهامهم بالجمودِ تارةً ، وعدم التحقيقِ والغفلةِ تارةً أخرى .

وتعتبرُ قضيّةُ السنّةِ النبويّةِ أحدَ أهمِّ القضايا التي عمدَ المستشرقونَ إلى دراستِها وإثارةِ الشبهِ والأباطيلِ حولِها ، بعد أن عجزوا في اختراقِ القرءانِ العظيمِ وباءتْ أكثرُ محاولاتِهم في الطعنِ فيها بالفشل والردِّ والسقوطِ ، فلجئوا إلى السنّةِ وتشويهها ، واعتمدوا في ذلكَ على طعوناتِ بعضِ الفرقِ المنحرفةِ ، كما هو حالُ الخوارجِ الذين ردّوا كثيراً من تعاليمِ السنّةِ بحُجّةِ عدمِ ورودها في القرءانِ ، وكذلكَ المعتزلةُ والشيعةُ الذين يطعنونَ في رجالِ السندِ تارةً ، وتارةً أخرى في متونِ الحديثِ .
وأكثرُ الشبهِ المثارةِ حالياً حولَ السنّةِ النبويّةِ هي من كِتاباتِ المستشرقينَ وافتراءاتِهم ، وحتّى تلكَ التي يتبناها بعضُ المنتسبينَ إلى الإسلامِ ، هي في حقيقتِها من بحوثِ وكُتبِ المستشرقينَ .

- التشكيكِ في قدرةِ اللغةِ العربيةِ على مسايرةِ التطوّر ِ العلمي ، لنظلّ عالةً عليهم في مصطلحاتِهم ، التي تشعرنا بفضلهم ، وسلطانهم الأدبي علينا ، وتشكيكهم في غنى الأدب ِ العربي ، وإظهارهِ مجدباً فقيراً ، لنتجهَ إلى آدابهم .
ويظهرُ هذا واضحاً في كتاباتِ العديدِ من الأدباءِ الذين تأثروا بالمستشرقينَ ، فيزعمونَ أنَّ الأدبَ العربيَّ جامدٌ ، وأنّهُ يهتمُّ بالعبارةِ والشكلِ دونَ الاهتمامِ بالفكرةِ والصورةِ .

• هدفٌ سياسيٌ دينيٌ :
ويتلخّصُ في التالي :
- تشكيكِ المسلمينَ بقيمةِ تراثهم الحضاري ، حيثُ يدّعونَ أنّ الحضارة َ الإسلامية َ منقولةٌ من حضارة ِ الرومان ، وأنّ العربَ والمسلمينَ لم تكن لهم أي حضارة خاصّةٍ بهم ، ولم يكنْ لهم إبداعٌ فكريٌ ولا ابتكارٌ حضاريٌ .

- إضعافِ ثقةِ المسلمينَ بتراثهم ، وبثِ روح الشك في كل ما بينَ أيدهم ، من قيم ٍ وعقيدةٍ ومُثُل ٍ عليا ، ليسهّلَ ذلك على الاستعمار ِ تشديدُ وطأتهِ عليهم ، ونشر ِ ثقافتهِ الحضاريةِ فيما بينهم ، فيكونوا عبيداً لها .

- إضعافِ روحِ الإخاءِ بينَ المسلمينَ ، في مختلفِ أقطارهم عن طريقِ إحياءِ القومياتِ التي كانت قبل الإسلام ِ ، وإثارةِ الخلافاتِ والنعراتِ بين شعوبهم ، وكذلكَ يفعلونَ في البلادِ العربيةِ ، يجهدونَ لمنعِ اجتماعِ شملها ووحدةِ كلمتها .
وللمستشرقين ولعٌ بإحياءِ الطائفيّةِ والشعوبيّةِ .

موازين البحث لدى المستشرقينَ ومناهجهم :
يعتمدُ أغلبُ المستشرقين في تحريرِ أبحاثهم عن الإسلامِ والمسلمينَ ، على ميزان ٍ غريبٍ بالغ ٍ في الغرابةِ ، فمن المعروفِ أن العالمَ المخلصَ يتجردُ عن كل هوىً وميلٍ شخصيٍ ، إلا أنّ أغلبَ هؤلاءِ المستشرقينَ يضعونَ في أذهانهم فكرة مسبقة ، وينطلقونَ من خلفيّاتِ تتحكّمُ فيهم وتقيّدُ موضوعيّتهم بقيودٍ تكبيليّةٍ أيدلوجيّةٍ ، ويبحثونَ خلال ذلك عن كل ما يؤيّدُ فكرتهم تلكَ ، وحينَ يبحثونَ عن الأدلةِ لإثباتِ كلامهم ، لا تهمّهم الأدلةُ بقدر اهتمامهم بإمكانية الاستفادةِ منها لدعمِ آرائهِم الشخصيةِ ، ومن هنا يقعونَ في مفارقاتٍ عجيبة .

ومن أبرز ِ مظاهرِ بحوثِ المستشرقينَ ما يلي :
- إسقاطُ الرؤيةِ الوضعيّةِ العلمانيّةِ والتأثيراتِ البيئيةِ المعاصرةِ على دراسةِ الإسلامِ ، فانحصرتْ دراسةُ الإسلامِ عندَ المستشرقينَ بينَ نظرةٍ علمانيّةِ ماديّةٍ وأخرى يهوديّةٍ أو نصرانيّةٍ ، وأصبحَ رهناً في تفسيرهِ على منظورِ هؤلاءِ .

- سوء الظنِّ بكل ما يتصلُ بالإسلام ِ في أهدافهِ ومقاصدهِ .

- تحكيمُ الهوى ونزعاتِ العداء للإسلامِ والمسلمينَ ، والتعصّبِ الأعمى للنصرانيّةِ ، وللشعوبِ والأمم ِ المنتميّةِ لها .

- سوءُ الظنُ برجال المسلمينَ من الصحابةِ والتابعينَ ومن بعدهم ، والتشكيكُ فيهم ، ونسجُ الأكاذيبِ عنهم ، وتصديقُ كل ما يُقالُ عنهم .

- وضعُ الفكرة مقدّماً ، ثم البحثُ عن أدلةٍ تؤيدها ، مهما كانت ضعيفة ً أو واهية ً أو مختلقة ً ، ولو اضطرهم الأمرُ إلى اعتمادِ أسلوبِ المغالطاتِ والأكاذيبِ ، واقتطاع النصوص ِ ، وهذا عكسُ المنهج ِ الاستدلالي السليم ِ .

- تضخيمُ الأخطاءِ الصغرى ، وجعلها تطغى على الساحةِ ، وكأنّها هي تأريخُ الإسلام الصحيح ، كما في حديثهم عن الفتن التي وقعت بين الصحابةِ ، وطمسُ الصورة الرائعةِ المشرقةِ في تأريخ المسلمين .

- تحريفهم للنصوص في الكثيرِ من الأحيان تحريفاً مقصوداً ، وإساءتهم فهم العباراتِ حينَ لا يجدونَ مجالاً للتحريفِ .

- تصيّدُ الشبهاتِ التي يشتبهُ فيها الحقُّ على كثير ٍ من النّاس ِ ، وإثارتها ، ونشرها بين النّاس ِ على أنّها ثغرات في الدين ِ الإسلامي .

- تفسير التأريخ الإسلامي ، والحضارة ِ الإسلاميّةِ ، بالمنظار ِ الماديِّ الذي يفسّرونَ بهِ التأريخَ الغربيَّ ، والحضارة َ الغربية َ ، مع تباين ِ الواقعين ِ عقيدة ً ، ونظاماً ، وشريعة ً ، وبيئة ً ، ودوافعَ ، تبايناً كلياً .

وتنتشرُ في كتاباتِ المستشرقينَ إخضاعُ الإسلامِ للتفسيراتِ الماديّةِ والوضعيّةِ بل والتعاملُ معهُ وفقَ المدارسِ والمذاهبِ المُكتشفةِ حديثا .

- تحكّمهم في المصادر ِ التي ينقلونَ منها ، فهم ينقلونَ مثلاً من كتب ِ الأدب ِ ، ما يحكمونَ بهِ على كتبِ الحديث ِ وتأريخهِ ! ، ومن كتبِ التأريخ ِ ما يحكمونَ بهِ على كتبِ الفقهِ وأصولهِ !! ، ويصحّحونَ ما ينقلهُ الدميري أو الجاحظ أو الأصفهانيِّ ، وفي نفس ِ الوقتِ يكذّبونَ ما ينقلهُ الإمامُ مالكُ في كتابِ الموطأ أو الشافعيُّ في كتبهِ !! ، كل ذلك انسياقاً وراءَ الهوى ، وانحرافاً عن الحق ِ ، وتلبيساً وتدليساً على القرّاءِ .

- إسقاطُ البعدِ الغيبيِّ عن الإسلامِ ، والتعاملِ معهُ كمرحلةٍ تأريخيّةٍ أو ظاهرةٍ اجتماعيّةٍ ، وتفسيرُ الإسلامِ وتعاليمهِ وفقَ ما يرونهُ هم ويعتقدونهُ ، أو كما يذكرُ الدكتور محمد طه بدوي أن المستشرقينَ لا يعرفونَ إلا إسلاماً وفق منهجهم رسموهُ لأنفسهم من خلالِ تتبّعِ وقائعِ وتأريخِ المسلمينَ ونظمهم التي لا تمثّلُ في غالبيتها تأريخاً للنُظُمِ الإسلاميّةِ الحقّةِ وإنّما تأريخاً للممارسةِ الفعليّةِ للسلطةِ السياسيّةِ على مقتضى مصلحةِ السلاطينِ وإن انحرفتْ عن القيمِ الإسلاميّةِ .

ومن هنا صارتِ المؤلفاتُ الأدبيّةُ والكتبُ التأريخيّةُ غيرُ الموثّقةِ لدى هؤلاءِ المستشرقينَ أكثرَ دلالةً على تصوّرِ الإسلامِ وأفعالِ أهلهِ والمنتسبينَ إليهِ من الكتبِ الصحيحةِ أو المسندةِ كما هو الحالُ في كتبِ السنّةِ أو كتبِ التأريخِ المُحرّرةِ ، بل صارتِ الفرقُ المنحرفةُ وأهلُ الأهواءِ يمثّلونَ الجانبَ المُشرقَ للإسلامِ ، كما في تقديسِ المستشرقينَ للمعتزلةِ والزيديّةِ والشيعةِ والزنادقةِ من الفلاسفةِ والمتصوّفةِ ، فضلاً عن تقديسهم للأدباءِ ووضعهم ومصنّفاتِهم على رأس ما ينبغي الاعتناءُ بهِ ، كما هو الحالُ مع الجاحظِ وأبي حيان التوحيدي وابن سينا وابنِ الفارضِ والفارابي وإخوان الصفا وأبي العلاء المعرّي وغيرهم ، ولا يخفى على القارئ الكريمِ أن جميعَ من سبقَ اسمهُ كان يعيشُ حالةً من الانحرافِ المنهجيِّ والعقدي ، بل وصلَ الحالُ ببعضهم إلى الكفرِ والإلحادِ .

- اعتمادُ الشكِّ منهجاً أصيلاً في البحثِ العلميِّ ، كما فعلَ مرجليوث عندما قدّمَ عناصر الشك في الروايةِ والرواةِ ليدخلَ منها إلى الطعنِ في الشعرِ الجاهليِّ وكونهِ منحولاً ، وهي الخطوةُ الممهّدةُ للطعنِ والتشكيكِ في القرءانِ العظيمِ والسنّةِ النبويّةِ .
أهم النواحي التي عُني المستشرقونَ بدراستها :
عُني المستشرقونَ — كما أسلفنا — بدراسةِ التراثِ الإسلامي : ديناً ، ولغة ً ، وتراثاً ، وتأريخاً ، وعلماً ، وأدباً ، وفنّاً ، فقاموا بالكثير ِ من الدراساتِ عن ذلك ، وأصدروا العديدَ من البحوث ِ والكتبِ ، ونشروا العديدَ من المخطوطاتِ الخاصةِ .

ويُمكننا هنا أن نوجزَ أهمَ النواحي التي عُني بها المستشرقونَ وبدراستها ، بغضِّ النظرِ عن أحكامنا الخاصّةِ على هذه المؤلفاتِ ، والتي تحملُ في غالبِها سماتِ المنهجِ الاستشراقيِّ :

- القرءانُ الكريمُ :
حيثُ نشروا دراساتٍ كثيرة ً عن القرءان الكريم ، ومن ذلكَ : كتاب فلوجيل ( دليل القرءان ) ، ومنهم مالير الذي جمعَ مفرداتِ القرءان ِ وأفعالهِ ، حتى حروف الجر والعطفِ ورقم ِ آياتهِ وسورهِ ، ومنهم أيضاً نولدكه الذي صنّفَ كتاب ( تاريخ النص القرءاني ) ، ومنهم جفري الذي ألّفَ كتابَ ( قراءاتِ القرءانَ ) ، وغيرهم .
- النبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ : حيثُ كانَ مسرحاً للكثير ِ من كتاباتِ المستشرقينَ ، بمختلفِ توجهاتهم ، و ممّا كتبوهُ في ذلكَ كتاب ( حياة محمد ) لجانيه ، وألّفَ ايرفنج كتاب ( سيرةُ النبيُ العربيُ ) ، وألف برونلة كتاباً بعنوان ِ ( شروح ِ السيرة ِ ) ، وكتبَ شبرنجر كتاب ( حياةِ محمد وتعاليمهِ ) ، وكتبَ إسحاق دينيه كتاب ( محمد رسولُ الله ) وقد ترجمَ للعربيةِ ، وغيرهم .

- السنّة ُ النبوية ُ :
حيثُ وضعَ مجموعة ٌ كبيرة ٌ من المستشرقينَ دراساتٍ متعددةٍ عن السنّة وكتبها ، ومن أشهر ِ أولئك: فنسنك ، والذي ألّفَ كتاب ( مفتاح ِ كنوزِ السنةِ ) ، وهو كتابٌ نفيسٌ أثنى عليهِ الكثيرونَ ، منهم محمد رشيد رضا ، وقد ترجمَ الكتابُ للعربيةِ ، كما قامَ مجموعةٌ أخرى من المستشرقينَ بوضع ِ كتابِ ( المعجم ِ المفهرس ِ لألفاظِ الحديثِ النبوي ) ، وهو كتابٌ نفيسٌ كذلكَ ، ترجمَ للعربية ِ ، وغيرها من الكتبِ .

- الخلفاءِ الراشدينَ :
 كتبَ عنهم الكثيرُ من المستشرقينَ ، منهم توماس ارنولد في كتابهِ ( الخلافة ُ في الإسلام ِ ) وقد ترجمَ للعربيةِ ، وكتبَ وليم موير كتابَ ( حولياتِ الخلافةِ الإسلاميةِ ) ، وكتبُ فون كريمر ( تأريخُ الحضارةِ في الشرقِ تحت حكم ِ الخلفاء ) وقد ترجم للعربيةِ ، وألّفَ نريتون كتابهُ ( الخلفاءُ ورعاياهم من غيرِ المسلمينَ ) ، وقد تُرجمَ للعربيةِ .

- الفرقُ الإسلامية ُ :
 ممّن كتبوا فيها : فون كريمر كتابهُ ( تاريخُ الفرق ِ في الإسلام ِ ، وكتبَ هوتسما ( العقيدة ُ الإسلامية ُ والأشعري ) ، وألف برنارد لويس كتابَ ( أصولُ الإسماعيليةِ ) ، وألّفَ شتروثمان كتابهُ ( الزندقة ُ والاسماعيلية ُ والنصيرية ُ والإباضية ُ والشيعة ُ ) ، ولهابولد كتاب ( المذاهبُ الباطنية ُ ) ، وغيرهم .

- تعاليمُ الإسلام ِ وشرائعهُ :
ممّن كتبوا في ذلكَ : توماس آرنولد في كتابهِ ( تعاليمُ الإسلام ِ ) وقد تُرجمَ إلى أكثر من لغةٍ منها العربية ُ ، وكتبَ غولد زيهر كتابهُ ( العقيدة ُ والشريعة ُ في الإسلام ِ ) وقد تُرجمَ للعربيةِ ، وكتبَ هاملتون جب كتابَ ( الاسلام ) ، وغيرهم .

- الفتوحُ الإسلامية :
حيثَ صنّفَ الكثيرُ من المستشرقينَ مؤلفاتٍ عدة ً عن تاريخ ِ سكان البلدان ِ التي فتحها المسلمونَ ، فدرسوا أحوالها السياسية َ والادارية َ والاجتماعية َ ، وقد تناولوا الفتوحات الإسلاميةِ جملةً وتفصيلاً ، وممّن ألّفَ في ذلكَ : ميادنيكوف في كتابهِ ( فلسطين منذ الفتح العربي حتى الحروبِ الصليبيةِ ) ، ولبتلر كتابُ ( فتحُ العربِ لمصر ) ، وألّف جون جلوب كتابهُ ( الفتوحاتُ العربية ُ الكبرى ) ، وكتبَ في ذلك فايل كتابهُ ( تأريخُ الشعوبِ الإسلاميةِ من النبي محمدٍ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ إلى سليم الأوّل ) ، وكتبَ بروكلمان كتابهُ ( تأريخُ الشعوبِ الإسلاميةِ ) تناولَ فيهِ تاريخَ المسلمينَ من أقدمِ العصور ِ ، إلى ما بعدَ الحربِ العالميةِ الأولى ، وقد تُرجمَ كتابهُ ، وكتبَ برنارد لويس كتابهُ ( العربُ في التاريخِ ) ، وغيرهم .

- الحضارةُ الإسلاميةُ :
 كتبَ عنها المستشرقونَ كثيراً ، منهم : جوستاف لوبون في كتابهِ ( حضارة ُ العربِ ) وقد تُرجمَ للعربيةِ ، وكتبتْ كذلكَ زيجريد هونكة كتابها الشهيرَ ( شمسُ العربُ تسطعُ على الغربِ ) وقد تُرجمَ للعربيةِ ، وكتبَ مييلي كتابهُ ( العلمُ عندَ العربِ وأثرهُ في تطوّرِ العلم ِ العالمي ) وقد تُرجمَ للعربيةِ ، وغيرها من الكتبِ .

أشهرُ المستشرقينَ :
المستشرقونَ خلائقُ لا يُحصيهم إلا اللهُ تباركَ وتعالى ، وقد استمرَ عملهم المنظّم ما يُقاربُ الثلاثمائة عام ٍ ، ورتّبَ لهم من الميزانياتِ والمخصصاتِ الشيءُ الكثير ، وفُتحتْ لهم المعاهدُ والمدارسُ .
وسوف نذكر هنا بعضاً من أشهرِ أولئكَ المعاصرينَ للتعريفِ بهم وليستدلَّ بهم على البقيّةِ الآخرين ممن لم يُذكروا :

- د . س . مرجيليوث D . S .Margoliouth :
مستشرقٌ إنجليزيٌ متعصّبٌ جدّاً ضد الإسلام ِ ، وهو من محرّري ( دائرةِ المعارفِ الإسلاميةِ ) ، وقد كانَ عضواً بالمجمّع ِ اللغوي المصري ، وعضواً بالمجمع ِ العلمي بدمشقَ ، ومن كتبهِ ( التطوراتِ المبتكرةِ في الإسلام ِ ) .
وقد اتهمَ النبيَّ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ بتهم ٍ كثيرةٍ ، وبأوصافٍ قذرةٍ ، منها قولهُ : ( لقد عاشَ محمد هذه السنينَ الست بعد هجرتهِ للمدينةِ ، على التلصص ِ والسلبِ والنهبِ ) .
وهو أيضاً أستاذُ طه حسين ، ومنه نقلَ طه حسين بحثهُ عن الشعر ِ الجاهلي ، وأيضاً هو صاحبُ كتابِ ( الإسلام ِ وأصول ِ الحكم ِ ) الذي نُسبَ إلى علي عبدالرازق .
وبالجملةِ فهذا المستشرق هو أخبثُ المعاصرينَ على الإطلاق ِ ، وأوقحهم ، وأجرأهم ، وأقلّهم حياءً وأدباً.

- فيليب حتّى Ph . Hitti :
لبنانيٌ نصرانيٌ أمريكيُ الجنسيةِ ، كانَ رئيساً لقسم ِ الدراساتِ الشرقيةِ بجامعة ِ برنستون بأمريكا ، وهو من أخبثِ المستشرقينَ ، ولهُ كلامٌ عن الإسلام ِ وعن النبي صلّى اللهُ عليهِ وسلّم ، بدلُّ على مدى حقدِهِ على الإسلام ِ ونبيّهِ ، وقد ملأ بحوثهُ بالكذبِ والافتراءِ وتزييفِ الحقائق ِ ، وقد كانَ مستشاراً في وزارةِ الخارجيةِ الأمريكيةِ ، في شئون ِ الشرق ِ الأوسطِ ، ويكرهُ أن ينسبَ للإسلام ِ أي فضل ٍ أو خيرٍ ،
من كتبهِ ( تاريخُ العربِ ) وهو كتابُ مليءٌ بالحقدِ والطعن ِ على الإسلام ِ ، والسخريةِ بنبيهِ محمّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ ، ومن كتبهِ أيضاً ( تاريخ سوريا ) ، وكتاب ( أصل الدروز ِ وديانتهم ) .

- هنري لامنس اليسوعي H . Lammens :
فرنسيٌ حاقدٌ ، وهو أحدُ محرّري ( دائرة ُ المعارفِ الإسلاميةِ ) ، شديدُ التعصّبُ ضدِ الإسلام ِ ، لدرجةٍ أقلقت بعض المستشرقينَ أنفسهم ، من كتبهِ ( الإسلام ) ، وكتاب ( الطائف ) .

- ه . ا . ر . جب H . A . R . Gibb :
انجليزي من مواليد الاسكندريةِ ، وهو خليفة ٌ لمرجليوث في جامعة اكسفورد ، وهو أحدُ المستشرقينَ الذين يهاجمونَ الإسلامَ من طرفٍ خفيٍ ، وإن كان يُظهرُ في الظاهر ِ أنّهُ منصفٍ ، وتتسمُ كتاباتهُ بالعمق ِ ، ولا يظهرُ الطعنُ فيها إلا لمن سبر غورَ كتبهِ ، وأحسن قراءة َ ما بينَ السطور ِ .
ومن كتبهِ ومؤلّفاتهِ : كتابُ ( طريق ِ الإسلام ِ ) ألّفهُ بالاشتراكِ مع آخرينَ ، وقد تُرجمَ للعربيةِ ، وكتابُ ( الاتجاهاتُ الحديثة ُ في الإسلام ِ ) وقد تُرجمَ للعربيةِ ، وغيرها ، وهو أحدُ محرّري دائرةِ المعارفِ الإسلاميةِ .

بيرنارد لويس :
يهوديٌّ متعصّبٌ وهو من الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيّةِ ، كانَ في ابتداءِ أمرهِ يحملُ توجّهاتٍ يساريّةٍ ، ثمَّ في فترةِ الستّيناتِ تحوّلَ وانقلبَ إلى داعيةٍ من دعاةِ الصهيونيّةِ وحاقداً على كلِّ ما يمتُّ إلى الإسلامِ والمسلمينَ بصلةٍ .
ويعتبرُ لويس أحدَ أهمِّ المنظّرينِ الروحيينَ لمدرسةِ المحافظينَ الجددِ في أمريكا ، ويعتبرُ كذلك أحد أهم الباحثينَ الأمريكيينَ ، ولا زالَ يعيشُ حتّى الآن وعمرهُ يزيدُ على التسعين ، ويتقنُ سبع لغاتِ ، ولهُ دورٌ رئيسٌ في رسمِ السياساتِ الخارجيّةِ للحكومةِ الأمريكيّةِ وللحزبِ الجمهوريِّ خاصّةً .

 
أعلى الصفحة
HTML حفظ كصفحة طباعة أرسل المادة لصديق
الاسم
التعليق
ادخل ارقام الصورة


1 أبوعامر الإثنين 01/11/2010 الساعة 08:28 م
جزاكم الله خيرا

 
Powered By Digital Chains