عدد الزيارات 263495 زائر
يتصفح الموقع حالياً 430 زائر
المملكة العربية السعودية المملكة العربية...(95514)
كندا كندا(54699)
ألمانيا ألمانيا(30667)
إنجلترا إنجلترا(29059)
فرنسا فرنسا(27163)
هولاندا هولاندا(26393)

بسم الله الرحمن الرحيم ::   أهم دلالات نتائج الانتخابات الجزائرية  :::::    وما يزال الكيماوي النصيري يقتل السوريين  :::::    جدار قوى اليمين  :::::    العهد الثاني للثائر السوري.. الموت والنصر  :::::    الاعتداءات الباطنية على المقدسات الإسلامية  :::::    العولمة، حقيقتها، وموقف الإسلام منها  :::::    حركة فتح في مواجهة الحقيقة  :::::    إسرائيل.. والأزمة السورية  :::::    هل الأقصى على مشارف انتفاضة جديدة؟  :::::    مؤتمرات لنصرة الأقصى في الشرق الأقصى  :::::
الرئيسية متابعات
التغريب أو التخريب...خياران غربيان لا ثالث لهما عدد القراءات : 1324

01-07-2012  |  رمضان الغنام
إن السواد الأعظم من قوى الغرب لا يرى فينا إلا عدوا، والغريب أنه رغم تعدد الخصوم للغرب وللرجل الغربي، إلا أن العداء للإسلام يظل عاملا مشتركا، وأصلا ثابتا في كافة الصراعات التي يخوضها الغرب، وخاضها في الماضي، وسيخوضها في المستقبل، مع تغير –من حين لآخر- في حدة العداء وحجمه تبعا لتغير الأحوال والزمان والمكان.

 

 

 

 لا شك أن الاستسلام لفكرة المؤامرة مهلكة وأي مهلكة، وأن الانصياع وراءها دون وعي تام لها ولأبعادها سيدخلنا في متاهة لا مخرج منها، ورغم اقتناعنا بهذه الفكرة وإيماننا الشديد بوجود من يخطط لها ويدبر، إلا أنّا في الوقت ذاته لا نستطيع -بأي حال من الأحوال- تعميم هذا الحكم وإلصاقه بالغرب كافة.

فرغم كثرة الفخاخ وتعاقب المؤامرات علينا وعلى هويتنا إلا أن فصيلا ما زال ينحو نحو خيار المهادنة؛ إما لعجزه، أو لانشغاله بنفسه، أو الثالثة وهو قليل، ممن لا يرى فينا أو في حضارتنا وعقيدتنا تهديدا له أو سلبا لملكه، لكنه على أية حال فصيل لا يكاد يرى أو ترى مواقفه وسط الزخم العدائي الذي ينفثه الغرب فينا ليل نهار؛ للنيل منا ومن ثوابتنا ومحكماتنا، والعبث بتراثنا الديني وإرثنا الحضاري.
موقف الغرب من الإسلام:
إن السواد الأعظم من قوى الغرب السياسية والفكرية النافذة لا يرى فينا إلا عدوا، والغريب أنه رغم تعدد الخصوم للغرب وللرجل الغربي، إلا أن العداء للإسلام يظل عاملا مشتركا، وأصلا ثابتا في كافة الصراعات التي يخوضها الغرب، وخاضها في الماضي، وسيخوضها في المستقبل، مع تغير –من حين لآخر- في حدة العداء وحجمه تبعا لتغير الأحوال والزمان والمكان.
ويؤكد هذا الأمر تصريح أدلى به خبير في معهد الدراسات الإستراتيجية في لندن -منذ ما يقرب من عشرين عاما- أكد فيه أن الجزء الأكبر من الحروب التي يخوضها الغرب بشكل مباشر أو غير مباشر الآن (كان ذلك في نـهاية عقد التسعينيات) موجهة ضد خصوم محسوبين على المعسكر الإسلامي، ويضيف: أن الحرب المستمرة في جنوب السودان لا تستهدف سوى تقسيمه وإقامة دولة مسيحية وثنية في جنوبه (والسودان قد قسم الآن) تكون حاجزاً أمام المد الإسلامي الذي يخيف الغرب نحو وسط أفريقيا، كما أن النجاح في فصل تيمور الشرقية عن أندونيسيا يشكل خطوة أولى لإضعاف أكبر بلد إسلامي من حيث تعداد السكان، وكذلك لتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى، خاصة وأن القوى الغربية الرئيسية ترقب بتحفظ تحول بلد الثلاثة آلاف جزيرة إلى قوة اقتصادية وعسكرية هامة في جنوب آسيا(1).
الاستشراق سلاح معاون:
بالتوازي مع الحروب العسكرية والمناوشات السياسية، برزت فكرة الغزو الفكري أو ما يعرف الآن باسم (التغريب)، وقد ألحت هذه الفكرة على العقل الغربي بعد فشل كثير من الحروب في السيطرة على الشعوب الإسلامية، والتغيير من معتقداتها وعاداتها وأعرافها، حيث وعى العقل الغربي سذاجة هذا المنطلق وفشله، بل ربما أدت هذه الحروب في بعض الأحايين إلى زيادة الوعي الديني وحرص شعوبنا على دينها ومقدساتها، وربما أدت إلى تحالف القوى الإسلامية لدحر المستعمر.

إضافة إلى هذا فقد كانت ضريبة الحرب على دول الغرب باهظة الثمن، ففيها تستنفذ الأرواح والأموال والأعوام .

 تفتق العقل الغربي عن فكرة مفادها أنه لا رادع للفكر إلا الفكر، وأنه لا أقدر على قيادة الرجل والعبث بمنظومة الفكر والقيم لدية، إلا العبث بثوابت هذه المنظومة، وتخريب المنطلقات التي ينطلق منها، ومن ثم بدأت عملية الاستشراق بالبحث والتنقيب في بطون الكتب والمخطوطات وفي تراثنا الحضاري الإسلامي والعربي ككل؛ بهدف العبث بهذه الحضارة، والتصيد لشبهاتها ثم الطعن فيها وفي الإسلام ككل.

وقد سارت عملية الاستشراق جنبا إلى جنب مع العسكرة، وصار كلاهما يُخدِّم على الآخر، حيث ارتبط كثير من المستشرقين بالدوائر المخابراتية في بلدانهم، ونُزِّلت أبحاثهم وكتاباتهم بمنزلة التقارير الاستخبراتية والتجسسية، ويعد المستشرق الهولندي سنوك هورخرونيه من كبار المستشرقين المتورطين في هذا العمل.
وفي كتابه "الاستشراق" يصف إدوارد سعيد المفكر الأمريكي برنارد لويس بأنه "أكاديمي توهم أعماله بأنها دراسات منهجية موضوعية بريئة من التعصب، لكنها في الواقع توشك أن تكون دعاية ضد موضوع تخصصه أي ضد العرب المسلمين، الموضوع الذي أوقف حياته وجهده عليه"، بهذه الكلمات البسيطة والمعبرة كشف إدوارد عن حقيقة توجه المستشرق اليهودي برنارد لويس وعدائه الشديد لكل ما هو عربي وإسلامي، لكن المفزع حقا أن أفكار هذا الرجل تجاوزت دفات كتبه وبحوثه التي تقطر حقدا على العالم الإسلامي لتتغلغل في صميم السياسة الأمريكية وتصبح جزء لا يتجزأ من إستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق(2).
تصدير الفكر الغربي (التغريب):

وتلت هذه الخطوة- خطوة الاستشراق- خطوة أخرى أشد خطرا من سابقتها، وهي (فكرة التغريب) أو (مسألة تصدير الفكر الغربي)، أو (محو الهوية العربية)، فبعد دراسة العقل العربي والإسلامي ومعرفة منطلقاته وثوابته، والعبث في جزء كبير منها، بدأ الرجل الغربي، في فرض ثقافته التغريبية بعد إلباسها لباسا برّاقا وجذابا، مستخدما من تم تجنيده على يد المستشرقين قديما من تلامذة، وما تم شرائه بالمال فيما بعد، وما استقطب من أقليات وعرقيات، ولم يكن هذا بصعب وسط مجتمع يرفل في الجهل والفقر والمرض، وتتسلط عليه فئة من الساسة المرضى بداء العظمة وجنون السلطة.

حيث ساهمت كثير من الأنظمة العربية والإسلامية بشكل مباشر حينا وغير مباشر أحيانا أخرى في تهيئة المجتمع المسلم لتقبل ثقافة الغرب، بل والتطلع والتشوق إليها، وكان ذلك في إطار صفقات معلنة أو ضمنية بين أنظمتنا العميلة وبين القوى الغربية، وذلك ليضمن الدكتاتور العربي بقاء ملكة وسلطانه.

والهدف من التغريب صبغ العرب والحضارة العربية والمسلمين عامة بالصبغة الغربية، وجعل الرجل العربي تابعا ذليلا للفكرة الغربية والمنهج الغربي في شتى مناحي الحياة، سيما الجانب الديني، فليس هدف المُغِّرب (المستشرق) في الأساس تحويل المسلمين عن دينهم، وإنما يكفي –كمرحلة أولى- خلخلة الإيمان به، وتصغيره وتحقيره في قلوبهم، أما مسألة التحول عنه، فهي أمر تابع يسهل الإتيان به بعد نجاح هدفهم الأول.

وهنا نقطة هامة ينبغي الالتفات لها، وهي التنبيه على أن مصطلح التغريب قد فهمه البعض على أنه دعوة للانحلال والتفسخ والتحرر من كل دين في كل الأحوال، وهو فهم قاصر، لأنه بجانب ما سبق، فللوجهة التغريبية أهداف دينية تسعى من خلالها إلى نشر عقيدة الغرب وفلسفاته ومنهاجه الفكرية، وترسيخ قيم الرجل الغربي في العقل الشرقي، وإلا فكيف نفسر الحروب التي أقامها الغرب باسم المسيح والصليب، كالحرب على أفغانستان والعراق؟
التغريب وعلاقته بنظم الحكم:
إن الناظر في منهجية الغرب في فرض ثقافة التغريب يلحظ أمرا هاما، وهو أنه لا بديل عند الغرب لمسألة التغريب سوى التخريب، فهما خياران لا ثالث لهما لدى الرجل الغربي، فإما أن نقبل ثقافتهم، ونتخذها منهاجا للحياة، وإما الغارة علينا والاتهام بالرجعية والجهل والإرهاب، ومن ثم تعقد الجلسات ويجتمع فرسان الحرب لديهم لإعلان حربهم المقدسة علينا، وتهمهم المعلبة والسريعة تقبع منذ أزمنة بعيدة على أرفف المؤامرة في انتظار ضحايا جدد.
ولنعد إلى أمر قد أثرناه في النقطة السالفة وهو مسألة ارتباط التغريب بنظم الحكم، فمما لا شك فيه أن نظام الحكم ومدى طواعية الحاكم العربي والمسلم لضغوطات الغرب يعد أمرا هاما ومحوريا في مسالة التغريب، فكلما كان الحاكم مستبدا لاهيا عن شؤون شعبه لمصالحه الخاصة، كانت الفرصة لتصدير الفكر الغربي هينة المؤونة سهلة التكاليف، وفي هذه الحال يكون الخيار العسكري خيارا مستبعدا بل ومستحيلا، فلما يلجأ الغرب إلى تجييش الجيوش لفرض أمر من السهل أن يحصل بغير حرب؟
لذلك سعى الغرب منذ اللحظة الأولى إلى (سياسة التحضين) عن طريق زرع الأنظمة في كثير من البلدان الإسلامية وفق الهوى الغربي ورعايتها، وبذلك تُضمن ولاءات الكثير من الحكام، ومن ثم تحولت معظم النظم العربية إلى أنظمة فاسدة تحكم بالوكالة لصالح الرجل الغربي، فسارت حيث يريد وتركت بلاد المسلمين مرتعا للذئب الغربي ليفعل بالرعية والمرعى ما يشاء وقتما يشاء.
أما الصنف الآخر من الحكام، ذلك الصنف الذي راقب الله في رعيته، أو على أقل الأحوال خالف هوى الغرب فيما يريد، فقد كان مصيره العداء، وأديرت عليه رحى المؤامرات في الداخل والخارج.
منهجية التغريب.. ليبيا.. تركيا (أنموذجا):
من أمثلة الصنف الثاني من الحكام الملك إدريس السنوسي رحمه الله، حاكم ليبيا قبل القذافي، في نوفمبر عام 1954م أصدر توجيهاته إلى حكام الولايات الثلاث [برقة- طرابلس- فزان] لاتخاذ السبل الكفيلة بضرورة تدريس العلوم الدينية على الطلبة في جميع المدارس كمادة أولية مفروضة، وفرض الصلاة في أوقاتها الخمس على طلاب المدارس من بنين وبنات في كافة أنحاء المملكة لإعداد هذا الجيل إعدادا إسلاميا رشيدا...
وفي أقوال الرجل ما يشهد له كذلك بالخير والصلاح فمنها قوله: "فمن تخلق منا بغير الأخلاق الإسلامية نجده فاسد التربية منحطا في مستواه الأخلاقي، معطل الاستعداد الفكري الحر، مشوش العقل والاعتقاد، مقلدا تقليدا أعمى"(3).
لكن أعداء الرجل في الداخل والخارج لم يهنأ لهم عيش ولا بال حتى أطاحوا به ونصبوا مكانه مستبدا مريضا بداء العظمة، حيث كون مجموعة من ضباط الجيش حركة سميت بحركة الضباط الوحدويين الأحرار، بقيادة الملازم أول معمر القذافي، وكان ذلك بإيعاز من أمريكا التي جندت مجموعة من الضباط المغمورين مقابل أن يكونوا زعماء وقادة, فكان الاختيار قد وقع على (معمر القذافي) ورفاقه، وكان ذلك أثناء تواجدهم في دورة عسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية قبل الانقلاب, فقاموا في الأول من سبتمبر عام 1969م، بانقلاب عسكري، قام على إثره الملك إدريس السنوسي بالتنازل عن الحكم، ثم انتقل إلى مصر وظل مقيما بها حتى توفي في الخامس والعشرين من شهر مايو عام 1983م، وكان قد أوصى بدفنه في البقيع وتم تنفيذ وصيته.
ثم جاء القذافي بنظامه الفاشي المستبد فقمع أهل ليبيا وأذلهم، وغيبهم عن المشهد الحضاري من كل نواحيه، دينيا وسياسيا واقتصاديا وعلميا، واستخدام كل وسائل القمع الممكنة تجاه كل صوت إسلامي يظهر، ونكل بأصحاب التوجهات الإسلامية وزج بهم في سجونه بل زاد الأمر فقتل منهم الآلاف، وتشهد لذلك مجزرة سجن (أبو سليم)، حيث داهمته قوات خاصة في 29/6/1996م، وأطلقت النار على السجناء بدعوى تمردهم داخل السجن، فقتل في هذا اليوم نحو 1200 معتقل معظمهم من الإسلاميين، إلى جانب ذلك فقد كان لهذا القذافي الكثير والكثير من الخروجات عن المنهج الإسلامي القويم حتى نحَّى سنة النبي –صلى الله عليه وسلم- عن الواقع الليبي وابتدع لهم كتابه الأخضر الذي أسماه إنجيل ثورته، الذي لا يمكن نقده أو المساس به.
وما حدث من قذافي ليبيا حدث أبشع منه من أتاتورك تركيا، حيث أمات الأخير كل مظهر إسلامي في تركيا، مستبدلا إياه بقيم العلمانية، وقد كانت أفعاله وقراراته غاية في التطرف، فقام هذا الأتاتورك ذو الأصول اليهودية بفصل الدين عن الدولة، ونفى من الدستور أن تركيا دينها الإسلام، ونص فيه كذلك على أن تركيا دولة علمانية لا دين لها، وألغى الشريعة الإسلامية تماما وطبق القانون الإيطالي والقانون السويسري، وجرم لبس النساء للحجاب الإسلامي، ومنع لعدة سنوات الاحتفال بعيد الفطر أو عيد الأضحى، وكذلك منع الأتراك من أداء فريضة الحج، إلى غير ذلك من الإجراءات التي حولت تركيا إلى دولة أشد علمانية وانحلالا من كثير من دول أوروبا والغرب عموما.
منهجية التخريب.. أفغانستان..العراق (أنموذجا):
كان الهدف المعلن من غزو أفغانستان (الأخير) من قبل أميركا هو القبض على أسامة بن لادن والقضاء على تنظيم القاعدة، حيث اتهمت أمريكا بن لادن والقاعدة بالضلوع في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقد أصرت أمريكا على هذا الاتهام رغم عدم امتلاكها لأي دليل عليه، ورغم نفي حركة طالبان لتلك الاتهامات، بل وأدانتها لهجمات سبتمبر واعتبارها "كارثة إنسانية".
أما الهدف الرئيس والحقيقي (الخفي) من هذا الغزو فقد صرح به وزير الخارجية الإيطالي، في لقائه علي شاشة الجزيرة قائلا: "إن الحرب التي نخوضها في أفغانستان هي حرباً حضارية، فأفكار طالبان هي أفكار من الماضي"، كذلك رأى غربيون مراقبون أن هزيمة أمريكا وحلفائها في أفغانستان ليست هزيمة عسكرية فقط، بل هزيمة للرجل الغربي ومشروعه الفكري المتمثل في تطبيق ونشر المذهب الرأسمالي من حيث الاقتصاد (اقتصاد السوق) ومن حيث نظام الحكم (الديمقراطية)، وبناء علي هزيمة قوات الناتو سوف ينذر بسقوط الحلف أولاً وبانتصار الإسلام السياسي ثانياً، وسوف تصبح أفغانستان بحق (مقبرة الإمبراطوريات)(4)، لذلك انكب الغرب على أفغانستان بخيله ورجله واستحلوا كل شيء في سبيل كسر شوكة الإسلام هناك.
وهذا التفسير لا يعني عدم وجود أسباب أخرى، وإنما يعني أن الهدف (الديني والعقدي) هو الهدف الرئيس من هذه الحرب، وإلا فللأمريكان أسباب أخرى لكنها لا ترقى بأي حال لهذا السبب، فمنها الاستيلاء على الموارد الاقتصادية لأفغانستان، ومنها زيادة مساحة النفوذ العسكري لنشر المزيد من القواعد لها، إلى غير ذلك من الأسباب.
وفيما يخص العراق فقد جاءت الحرب عليه لتأكد ما قررناه سابقا من أسباب الحرب على أفغانستان، حيث صرح الرئيس الأمريكي بشكل صريح بأن الحرب في أفغانستان حرب صليبية، ثم عاد وكرر نفس الكلام في حرب العراق، يقول الكاتب البريطاني روبرت فيسك، في مقال له بعنوان "لنتخلص من الحملة الصليبية!": "يبدو أن الرئيس بوش يعتقد حقيقة أنه يقود حملة صليبية، فقد عاد ليستعمل العبارة قبل أيام رغم أنه حذر من ذلك لكون المسلمين ليسوا متحمسين لتذكر الفرسان الصليبيين الذين ذبحوا عشرات الآلاف من المسلمين واليهود خلال القرن الـ11، وقال بوش خلال حديثه إلى الجنود الكنديين الذين سارعوا للالتحاق بالقوات الأمريكية أن هؤلاء "وقفوا إلى جانبنا في هذه الحملة الصليبية الهامة للدفاع عن الحرية"(5).
ولولا ردة الفعل القوية التي سادت الأوساط العربية والإسلامية لتكررت هذه الكلمة (كلمة حرب صليبية) مرات ومرات وجهر غير هذا المأفون، لكن السياسة ألجمتهم، يقول الكاتب الن وودز في مقال "جورج بوش والحروب الصليبية": "في عشية الحرب في العراق تحدث جورج بوش عن "حرب صليبية"، وكان مسرورا بنفسه جدا لجذابة الكلمة التي خطرت على باله، إلا أنه سرعان ما أسكته مستشاروه الذين أشاروا له بان كلمة "صليبية" بالنسبة للعالم الإسلامي لديها معان دلالية مليئة حزنا، إثر ذلك لم يعد يستعمل العبارة في خطاباته اللاحقة"(6).
التخريب بين الداخل والخارج:
الحروب الخارجية المباشرة على خصوم الغرب مرحلة متأخرة لا تأتي عادة إلا بعد استنفاذ كافة الخطط والآليات والوسائل، وعلى الجانب الآخر (الداخلي) فهناك عدة وسائل تخريبية يستخدمها الغرب أو عملاء الغرب، بهدف التدليل على فكرة أو نفي أخرى، ومن أمثلة ذلك ما كان يحدث من تفجيرات وأعمال تخريبية في عدد من الدول الإسلامية التي تتسم بزيادة في النشاط الديني والدعوي، أو التي تنشط فيها حركات الإسلام السياسي.
فتأتي هذه الأعمال على عدة مستويات، منها الأعمال التخريبية العشوائية التي لا تستهدف شيء بعينه، وإنما هي أعمال لمجرد التخويف والتنفير من كل داع إلى الله، والمستوى الثاني يكون موجها بشكل كبير إلى الأقليات الدينية والعرقية، بهدف استنفارها واستفزازها، ومثال ذلك ما كان يحدث في مصر من تفجير للكنائس، ثم المستوى الأخير (وهو الأكثر شراسة) ويتمثل في المحاربة المسلحة من قبل الدولة لحركات الإسلام السياسي، وحدث ذلك في الجزائر في ثمانيات القرن المنصرم.
وبهذا نجح الغرب بالتعاون مع أنظمة عدد من الدول الإسلامية في الربط بين الإسلام والإرهاب، حتى صار الإسلام لدي قطاع كبير من الغربيين مرادفا لكلمة الإرهاب، بل اقتنع أفراد من الأقليات التي تعيش بين جنباتنا بهذا التفسير، وصار المسلم في أي بلد غربي متهما حتى يثبت العكس، سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والأمر ذاته كان حاصلا- بشكل مشابه- في بلدان إسلامية وعربية، فقد كانت أجهزة الدولة الاستخباراتية لا شغل لها إلا تعقب المشايخ وطلبة العلم، وتسور بيوتهم في ظلم الليل، واقتيادهم والتحقيق معهم.
كيف يتكون خيار ثالث:
دار جل المقال حول التأكيد على فرضية أن الغرب قد خَيَّر نفسه –معنا- على خيارين، وأسهبنا في الحديث عن هذين الخيارين، وبيَّنَّا أنه لا ثالث لهما، لكن السؤال الآن، كيف نفرض على الغرب خيارا ثالثا للخروج من بين مطرقة التغريب وسندان التخريب؟ وهل نحن قادرون على ذلك؟ وهل لدى الغرب قابلية لهذا الخيار؟ وما طبيعة هذا الخيار؟
حقيقة الأمر أن الغرب قد هيأ نفسه وهيأ الرجل الغربي تبعا لذلك للعداء الدائم والمستمر للعرب والمسلمين، وقد خدمه في ذلك عدة أشياء منها طبيعة الغربي الاستعلائية، التي تنظر لما عدا الرجل الأبيض نظرة دونية، ثم طبيعة المشهد العربي والإسلامي الذي يتسم في جانب كبير منه بالجهل وقلة الوعي، والتسلط السياسي، إلى جانب ذلك لم تكن الطريقة التي قدم بها الإسلام للغرب طريقة شفافة وصادقة، وإنما اتسمت بالتزييف والتشويه.
أما فيما يخص الخيار الثالث، فنعني به خيار الاحترام لقيمنا ولديننا، وهو خيار لن يتأتي إلا باحترامنا لهذه القيم والإعلاء من شأن الشريعة، إذ كيف يراعى الغرب قيما ومبادئ ممتهنه عند أصحابها؟ وكيف تُحترم حضارة وهوية يتحلل منها أصحابها؟ لذلك فهذا الخيار غاية في الصعوبة، لكن تطبيقه رغم ذلك أمر وارد، وقد مرت علينا أزمان كان الغربي يحقر فيها نفسه، إن شاهد ما نحن فيه من علم وحضارة وعزة.
إذن فكلمة السر تكمن فينما نحن لا في الغرب، فما موقف الغرب منا إلا ردة فعل لحالنا، ذلك الحال الذي غير وبدل إلى درجة التشويه، فحين يعدل هذا الحال نستطيع أن نقول أن خيارا ثالثا قد بدا.
ويصور هذا المشهد شاعر تركيا محمد عاكف بقوله: (يسألني الناس أنك كنت في الشرق مدة طويلة، فما الذي شهدت يا ترى، وما عسى أن يكون جوابي؟ إنني أقول لهم: إنني رأيت الشرق من أقصاه، فما رأيت إلا قرى مقفرة، وشعوباً لا راعي لها، وجسوراً متهدمة، وأنهاراً معطلة، وشوارع موحشة، رأيت وجوها هزيلة متجعدة، وظهورا منحنية، ورؤوساً فارغة، وقلوباً جامدة، وعقولاً منحرفة، رأيت الظلم، والعبودية، والبؤس، والشقاء، والرياء، والفواحش المنكرة المكروهة، والأمراض الفاشية الكثيرة، والغابات المحرقة، والمواقد المنطفئة الباردة، والحقول السبخة القاحلة، والصور المقززة، والأيادي المعطلة، والأرجل المشلولة، رأيت أئمة لا تابع لهم، ورأيت أخاً يعادي أخاه، ورأيت نهاراً لا غاية له، ولا هدف، ورأيت ليالي حالكة طويلة، لا يعقبها صباح مسفر، ونهار مشرق)(7).
الخلاصة:
نخلص من هذا المقال إلى أمر هام مفاده أن الغرب لا يتحرك إلا وفق منظومة عقلية، وهذه المنظومة تتعامل مع كل حال بما يقتضيه، وفي هذه المرحلة تنحصر خيارات الغرب في خيارين أولاهما التغريب وثانيهما التخريب، ولا ثالث لهما، لكن رغم أن العداء بين الغرب والشرق أو بين أمة الإسلام وما عداها من الأمم عداء قديم وثابت أصيل إلا أن تجاوزه أمر وارد، ولن يتحقق هذا إلا بالرجوع إلى ديننا واستمداد هوينا منه، واستعادة خيرية هذه الأمة من جديد، ومن ثم نستطيع فرض خيارا ثالثا، ليكون شرطا وعقدا للتعامل بيننا وبين الغرب.
 
ـــــــــــــــ
الهوامش:
(1) مقال: الغرب يخوض حرباً ضد عدو اسمه الإسلام بعد أن قضى على الشيوعية- عمر نجيب- صحيفة القدس العربي الصادرة بتاريخ 1 نوفمبر 1999م.
(2) مقال: برنارد لويس .. مرشد عام “صقور” الإدارة الأمريكية- لخالد البحيري- من مدونة الكاتب.
(3) مقال: إدريس السنوسي ملك أحبه شعبه- سعيد الجطلاوي- بتصرف يسير.
(4) الحرب على الارهاب "الإسلام"- بين بوش وأوباما- أحمد حسين الشيمي- بتصرف-موقع هدى الاسلام.
(5) مقال: لنتخلص من الحملة الصليبية- روبرت فيسك- وكالة الأخبار الإسلامية- نبأ- نقلا عن: صحيفة "الإندبندنت" البريطانية.
(6) مقال: جورج بوش والحروب الصليبية- الن وودز.
(7) أثر الغزو الفكري في العالم الإسلامي- للشيخ سعد البريك.
 
أعلى الصفحة
HTML حفظ كصفحة طباعة أرسل المادة لصديق
الاسم
التعليق
ادخل ارقام الصورة


1 أيمن أبومصطفى الخميس 12/07/2012 الساعة 01:27 م
مقال رائع ..أبدعت في قراءة الأحداث وتوظيف القراءة في وضع منهج أو محاولة إيجاد منهج لمواجهة تلك الأحداث التي أرى أن الغرب هو صانعها وينتظر ثمارها ..ولكن يبدو أن ثمارها لن تقنعه من باب انقلب السحر على الساحر. جزاك الله خيرا أخي رمضان

 
Powered By Digital Chains