النهضة و التغيير

مقال
[ الخميس 26 شعبان 1437 هـ ] [ 488 ]
إن منهج التجديد الإسلامي منهج يمكن استقراؤه في الكثير من شرائع الدين وفرائضه وتوجيهاته، وهو يعرض لأول مرة في الجاهلية الأولى، تلك الجاهلية التي صبغت معظم حياة العرب الأميين. فقد أخذ بيد أتباعها من وهدة التخلف والجهل والانحطاط ليكونوا قادة الأمم وسادة العالم، والنموذج الأمثل في الاجتماع البشري. ومنهج التجديد الإسلامي هو الذي يملك وحده أن يلتقط الكينونة البشرية من قاع الضلال وظلمة الظلم وحمأة الفساد، "فيرتقي بها إلى تلك القمة، رويدا رويدا، في يسر ورفق، وفي ثبات وصبر، وفي خطو متناسق موزون!
كل مرحلة تاريخية تحمل معها تغيراتها وظروفها الخاصة بها، ما يعني ظهور تحديات جديدة ومتطلبات جديدة وأدوار جديدة. وما قد يصلح لمرحلة ما قد لا يصلح لغيرها بالضرورة. والاعتبار في ذلك كله للتقدير الصحيح للواقع واتخاذ الموقف المناسب له حسب القدرة والإمكان، استنادا لرؤية شرعية تضمن بقاء هذا الموقف في دائرة المباح وفسحة الرخصة. وشمولية المشروع الإسلامي لا تنفي ضرورة التخصص الوظيفي، ولا تستلزم قيام جماعة واحدة أو حزب واحد بكل تكاليف المشروع دون بقية الأمة. فكما وجد مؤسسات عمل إغاثي، ومؤسسات ثقافية وفكرية، ومؤسسات حقوقية، وبنوك وشركات وفقا للمنظور الإسلامي للاقتصاد، كل ذلك من رحم الحركات الإسلامية، فمن الطبيعي أن توجد كيانات سياسية متخصصة بالسياسة دون أن يعني ذلك تخلي طرف عن الآخر.
كلما ارتقى الإنسان في سلم المعارف، واتسعت مداركه، وزادت معلوماته، كلما ارتقى نصيبه من معرفة الله سبحانه. فمن عرف قدر ضعف نفسه وجهلها عرف قوة ربه وسعة علمه. والإنسان هو العجيبة الكبرى لهذا الكون سواء في تكوينه الجسماني، أو في تكوينه الروحي، أو في أسرار نفسه. وهو عجيبة في ظاهره وباطنه. وكل فرد من أفراد هذا الجنس عالم وحده, فهو مرآة صافية تنعكس من خلالها قدرة الحق سبحانه، وتتجلى فيها بدائع الحكمة الإلهية.
مقال
[ الاثنين 16 شعبان 1437 هـ ] [ 569 ]
الصراع على القيم أزلي، وجد منذ وجد الصراع في الأرض بين الحضارات، لأن الاستيلاء على أي بقعة في الأرض هو استيلاء على سكانها، فهو يعني تغييرا كاملا لها عقيدة وفكرا وأرضا وبشرا وبيئة، كي تتناسب وتتسق مع المحتل الجديد. وهذا التغيير يتم بالقوة العسكرية أو القوة الناعمة التدريجية عبر الإعلام والتعليم والمساعدات المادية المتوالية؛ فالقوة هي القدرة على التغيير لما يريده صاحب القوة.
تعيش الجماعات والحركات الإسلامية حالة من التهديد والتحديات، وهي أمام مسارين: إما مراجعة شاملة للأهداف والأدبيات والوسائل والتكتيك والشعارات والخطاب، لتدارك الأخطاء، وتجديد الآليات وتحسين الصورة المشوهة، وتطوير الخطاب والشعارات والخطط بما يناسب المرحلة. وإما الإصرار على ما كان بكل أحماله وأوزاره، والبقاء على ذات المنوال، والتصبر لكل التبعات والضربات تحت ذريعة الابتلاء. تتردد القيادات بين المسارين، خاصة وأن أي قرار تحت ظل الظروف الراهنة هو قرار مصيري، له ما بعده. في هذا المقال نسعى لرسم ملامح بعض المراجعات التي تشهدها الحركات الإسلامية على صعيد علاقة العمل الحزبي السياسي بالعمل الحركي الدعوي.
مقال
[ الأربعاء 11 شعبان 1437 هـ ] [ 495 ]
الفكر التكفيري يُعدُّ من جملة الأخطار التي هزت أرض المسلمين هزة عنيفة أطاحت برواسخ الثبات في كل ضروب الحياة، وأحدثت صدعاً قويا في صرح الأمة ساق الأعداء إلى مهاوي التشويه والطعن في مقدساتها وأئمتها وعقيدتها بكل توجهاتها على حد سوى. وتلك فتنة سعرتها أفئدة الغلاة، وأوقدتها ألسنتهم المتسلطة، فانقضاضهم على عقيدة المسلمين انقضاض البزاة على طرائدها، وإسراعهم إلى التكفير إسراع العطاش إلى موردها، حتى امتدت أيديهم إلى وحدتنا فمزقتها.
غريب أمر تمرير الغرب لفرية تهمة الإسلام بالتشدد وإلصاقه به، وتبرئة ساحته منه, رغم أن التشدد أبعد ما يكون عن دين الله الحنيف, سواء من حيث التشريع الذي يعتبر الأكثر سماحة مع غير المسلمين, أو من حيث التنفيذ والتطبيق العملي، من خلال الكثير من المشاهد النبوية التي رسخت مبدأ السماحة في الإسلام, ولم تزدها المرحلة الراشدية وما بعدها إلا سطوعا ووضوحا. والحقيقة أن هذه المحاولات العبثية من أعداء الإسلام إنما تأتي كمحاولة للتغطية على التشدد الذي تتصف به كل من الصهيونية الحانقة على الإسلام، والصليبية الناقمة على انتشاره في ربوعها.. الخ. والتشدد فكري وعقدي لدى كل من الصهيونية والصليبية لا يكاد يخفى على كل مطلع على مراجع ومصادر فكر وعقيدة هذه الديانات.
لا تقتصر الأزمات التي يعاني منها المسلمون في العصر الحديث على جانب دون آخر, فهناك أزمات سياسية مستفحلة, وأزمات اجتماعية ظاهرة, وأزمات اقتصادية خانقة, وأزمات أخرى ثقافية وفكرية.. الخ. ومع أهمية علاج جميع هذه الأزمات, وتلازم علاج أي أزمة من هذه الأزمات مع غيرها, بحيث لا يمكن علاج واحدة بدون علاج الأخرى, إلا أن الحديث سيقتصر في هذا المقال على مدى فاعلية أداء الزكاة في حل أزمات المسلمين بشكل عام, والحد من ظاهرة الفقر المنتشرة بين صفوف المسلمين على وجه الخصوص.
إذا كانت معرفة فقه الأولويات بالنسبة للمسلمين أفرادا ومؤسسات من الأهمية بمكان, لينضبط عندهم ميزان الأعمال حسب ما يرضي الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم, ويصلح حالهم في المعاش والمعاد, فلا يتقدم المفضول على الفاضل, ولا المهم على الأهم.. فإن دراسة التطبيقات العملية لفقه الأولويات في العهد النبوي والراشدي أشد أهمية وأكثر ضرورة للمسلمين؛ لكونها تعطي الصورة العملية لإعمال فقه الأولويات على أرض الواقع, فتكون بمثابة النموذج الذي يقاس عليه, والقدوة التي يُهتدى بها. وقد سبق تناول التطبيق النبوي لفقه الأولويات في مقال سابق, ولابد لاكتمال النموذج الأمثل لهذا الفقه من عرض بعض صور التطبيق العملي لفقه الأولويات في العهد الراشدي, حيث كان الوحي قد توقف عن النزول بوفاة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم, وأضحى المسلمون أمام كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم, كما هو الحال بالنسبة لمسلمي العصر الحديث, مع فارق جوهري يتمثل بخيرية جيل الصحابة الثابت بالكتاب والسنة, وأفضلية فهمهم للكتاب والسنة أيضا.
لا يكاد يختلف اثنان اليوم في مسألة شدة الهجمة الشرسة التي يتعرض لها دين الله الحق (الإسلام)، من قبل أعدائه. لا أقول على الصعيد العقدي -الذي هو الأهم بالتأكيد- فحسب, بل على الصعيد الفكري والثقافي والتربوي أيضا. مستخدمين آخر ما توصل إليه العقل البشري من تقنية متطورة؛ وعلى رأسها الأخطبوط الأشد فعالية وتأثيرا في الآونة الأخيرة، ألا وهو الشبكة العنكبوتية "الإنترنت"، وما يسمى "وسائل التواصل الاجتماعي", بالإضافة لوسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء.
 < 1 23 4 5 >  >|