النهضة و التغيير

لا شك أن العدل قيمة إنسانية كبرى، وحاجة بشرية أساسية لا يمكن الاستغناء عنها, وضرورة لا بد منها لضمان استقرار المجتمعات والحياة الإنسانية على وجه الأرض بشكل عام. فبالعدل تستقيم الحياة، وتحيا الأمم، وتستقر ولا تضطرب؛ وبدون العدل تنهار الأمم، وتسقط الحضارات، ويضطرب أمن الناس وأمانهم. وإذا كان العدل بهذه الأهمية والمنزلة والمكانة فإن الإسلام قد أولاه اهتماما غير عادي؛ وبوأه منزلة رفيعة سامية. فجعل العدل في قمة مبادئه وقيمه وثوابته الأساسية. ويكفي أن نذكر أن الإسلام اعتبر العدل الهدف الأسمى التي اشتركت في إرسائه جميع الرسالات السماوية, قال تعالى: ((لَقَد أَرسَلنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وأَنزَلنَا مَعَهُم الكِتَابَ والـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسطِ))، الحديد: 25.
مقال
[ الأربعاء 29 شوّال 1437 هـ ] [ 788 ]
الإسلام عقيدة وشريعة دين تقوم في ضوئه أمة مسلمة؛ وعند ذلك فإنَّ هذه الأمة تكون مكلفة شرعا وفي إطار العرف الإنساني بصياغة حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ضوء ما تؤمن به. وهذا يقتضي أن يقوم نظام الحكم فيها على أساس مرجعية الإسلام له؛ فمن غير المنطقي أن تنزل شريعة من السماء لتحكم واقع الإنسان فتحيد من موقع الهيمنة عن الحياة العامة للمؤمنين بها، وتظل حبيسة المصاحف والمساجد! هذه الحقيقة لم تختف عن واقع المسلمين منذ عهد الرسول –صلى الله عليه وسلم، وحتى إعلان إلغاء الخلافة الإسلامية. أي على مدار ثلاثة عشر قرنا. غير أن الليبراليين العرب غير راضين عن هذه الحقيقة، ويقفون عبر كل السبل لمواجهتها فكرا وسلوكا. وهم في سبيل حربهم على الإسلام لم يتوقفوا في دفق المصطلحات التي تستخدم لتبرير أي حرب ضد تمكين الأمة من خياراتها وتصالحها مع هويتها وعودتها إلى دينها.
مِن أَهمِ قواعدِ منهجِ السَّلفِ وأركانه بيانُ الخطأ والردَّ على من حاد عن سَنن الكتاب والسنة، وجانَب الصوابَ في قواعدِ الاستدلال وفَهمِ النصوص على مقتضَى فُهوم السلف وقواعد اللسان العربي، وسلَك طريقًا جَورًا في تنزيل النصوص على الوقائع وتحقيق مناطاتها؛ حرصًا على سلامة هذا المنهج وصفائه ونقائه من أن تشوبه أيُّ شائبة تكدِّره؛ وحفاظًا على شريعة الله تعالى من أن تتناولها الفُهوم الخاطئة في مقدمات الاستدلال ونتائجه، ونصحًا للمخالف ورحمةً به وشفقةً عليه؛ رجاءَ أن يعود إلى سلوك السبيل القَصد والطريق النَّهج، وهذا النصح هو من مقتضيات الأخوّة الإيمانية، كما في قوله -ﷺ: (الدين النصيحة).
مقال
[ الأربعاء 8 شوّال 1437 هـ ] [ 820 ]
إذا كانت دراسة أي علم من العلوم تؤدي إلى ترقية مشاعر الفرد، وتنمي مداركه، وتفتح أحاسيسه وتصقل مواهبه، وتزيد في حركته ونشاطه الفكري، فيؤدي كل ذلك إلى إحداث تفاعل ذاتي داخل النفس التي تتلقى هذا العلم، وتقوم بتلك الدراسة، مما يجعلها تنطلق إلى آفاق جديدة، وتحصل على معارف وحقائق علمية لم تكن قد عرفتها من قبل، إذا كان هذا كله يمكن أن يطبق على أي علم يتلقاه الإنسان فكيف به إذا كان هذا العلم المتلقى وهذه الدراسة التي يقوم بها تتعلق بعلم وثيق الصلة بكيان الفرد وشخصيته الإسلامية، وماضيه المجيد، وتراثه التليد، كعلم الثقافة الإسلامية.[1]
مقال
[ السبت 4 شوّال 1437 هـ ] [ 643 ]
ذكر عن ابن تيمية –رحمه الله- أنه كان إذا أُغلِقَ عليه في مسألة ذَهَبَ إلى الفلاة، فتمرغ بالتراب كما تتمرغ الدابة، داعيا الله أن يفتح عليه، قائلا: يا معلم إبراهيم علمني ويا مفهم سليمان فهمني! إنها صورة عجيبة من عالم سلفي، تلقى العلم تلقينا، واتسع اطلاعه، وتعمق بحثه، في طريقة وصوله إلى المعرفة والعلم!! إن هذا الاستجداء والدعاء ليس دروشة ولا تصوفا، ولا خروجا عن أسباب العلم التي مضى عليها الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام، والصالحون. وإن رأى ابن تيمية –وهو العالم الرباني الجليل- أن يظهر افتقاره وتذلله بهذه الصورة التي قد يأنف عنها البعض.
مقال
[ السبت 13 رمضان 1437 هـ ] [ 1198 ]
هناك مشكلة تكبر يوماً وراء يوم.. نوعٌ من الانفصال بين المـُلقي والمـُتلقي، هوة واسعة بين المصلح والمجتمع، بين الداعية والناس، بين العالم والجاهل. في الدول الرأسمالية تلوح مشكلة الطبقية، لأن المال يقع تحت تصرف قلة قليلة من الناس، بينما الطبقة الأكبر –الشعب- يعيش نوعاً من الفقر، وهكذا يعم ظلام الطبقية أنحاء المكان، وينقسم المجتمع إلى طبقتين تفصل بينما هوة سحيقة، تزداد كل يوم فيزداد الفقير فقراً والغني غنى.
كان أسلوب التعليم عند المسلمين أسلوبا راقيا ومتميزا، يراعي المستوى العلمي والعقلي لطلبة العلم؛ فقد حرص المعلمون على آلية التدرج في التعليم, إذ أكدوا أن الضرورة التعليمية تقتضي عدم إعطاء التلاميذ أكثر من علم في آن واحد. والتدرج يعني التفريد في العلوم, وهو في جوهره "التعليم على مقاس كل طفل". وقد كان التعليم يتم بخطوات متدرجة متتابعة؛ وهي محفوظة ومألوفة عند الشيخ والمعلم والمؤدب؛ ويمر بها كل متعلم بتوافق تام مع جهده وإمكاناته واستعداداته. ومن هنا كانت تتفاوت سنوات التعليم والتحصيل في المدارس الإسلامية بحسب القدرات الفردية للدارسين.
لم يكتف القرآن الكريم بجعل الحوار مبدأ رئيسيا من مبادئه في دعوة الآخرين إلى دين الإسلام, وقاعدة أساسية من قواعده في إقناع الناس بوحدانية الله سبحانه، وألوهيته، واستحقاقه وحده العبادة والطاعة والاستسلام؛ بل وسع القرآن الكريم نطاق الحوار ليشمل كافة المحاورين ومختلف الأصناف. والحقيقة أن من يستقرأ مادة الحوار في القرآن الكريم يجدها مادة واسعة وحاضرة, حتى في الملأ الأعلى. فقد ورد في القرآن الكريم حوار الله مع ملائكته: ((وإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا ويَسفِكُ الدِّمَاءَ ونَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ))، البقرة:30. وحوار الأنبياء مع الملائكة، كما في قصة إبراهيم -عليه السلام: ((ولَمَّا جَاءَت رُسُلُنَا إِبرَاهِيمَ بِالبُشرَى قَالُوا إِنَّا مُهلِكُوا أَهلِ هَذِهِ القَريَةِ إِنَّ أَهلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحنُ أَعلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وأَهلَهُ إِلَّا امرَأَتَهُ كَانَت مِنَ الغَابِرِينَ))، العنكبوت: 31- 32. وحوار الأنبياء مع أقوامهم, سواء بشكل عام -كما في حوارات نوح وهود وصالح وغيرهم من الأنبياء مع أقوامهم؛ أو بشكل خاص مع الطغاة والمتجبرين –كحوار إبراهيم مع النمرود، وحوار موسى مع فرعون؛ أو خاص من ذلك مع الأقرباء والأرحام -كحوار نوح مع ابنه, وحوار إبراهيم مع أبيه.
مقال
[ الخميس 26 شعبان 1437 هـ ] [ 620 ]
إن منهج التجديد الإسلامي منهج يمكن استقراؤه في الكثير من شرائع الدين وفرائضه وتوجيهاته، وهو يعرض لأول مرة في الجاهلية الأولى، تلك الجاهلية التي صبغت معظم حياة العرب الأميين. فقد أخذ بيد أتباعها من وهدة التخلف والجهل والانحطاط ليكونوا قادة الأمم وسادة العالم، والنموذج الأمثل في الاجتماع البشري. ومنهج التجديد الإسلامي هو الذي يملك وحده أن يلتقط الكينونة البشرية من قاع الضلال وظلمة الظلم وحمأة الفساد، "فيرتقي بها إلى تلك القمة، رويدا رويدا، في يسر ورفق، وفي ثبات وصبر، وفي خطو متناسق موزون!
كل مرحلة تاريخية تحمل معها تغيراتها وظروفها الخاصة بها، ما يعني ظهور تحديات جديدة ومتطلبات جديدة وأدوار جديدة. وما قد يصلح لمرحلة ما قد لا يصلح لغيرها بالضرورة. والاعتبار في ذلك كله للتقدير الصحيح للواقع واتخاذ الموقف المناسب له حسب القدرة والإمكان، استنادا لرؤية شرعية تضمن بقاء هذا الموقف في دائرة المباح وفسحة الرخصة. وشمولية المشروع الإسلامي لا تنفي ضرورة التخصص الوظيفي، ولا تستلزم قيام جماعة واحدة أو حزب واحد بكل تكاليف المشروع دون بقية الأمة. فكما وجد مؤسسات عمل إغاثي، ومؤسسات ثقافية وفكرية، ومؤسسات حقوقية، وبنوك وشركات وفقا للمنظور الإسلامي للاقتصاد، كل ذلك من رحم الحركات الإسلامية، فمن الطبيعي أن توجد كيانات سياسية متخصصة بالسياسة دون أن يعني ذلك تخلي طرف عن الآخر.
 < 1 23 4 5 >  >|