النهضة و التغيير

مقال
[ السبت 13 رمضان 1437 هـ ] [ 1058 ]
هناك مشكلة تكبر يوماً وراء يوم.. نوعٌ من الانفصال بين المـُلقي والمـُتلقي، هوة واسعة بين المصلح والمجتمع، بين الداعية والناس، بين العالم والجاهل. في الدول الرأسمالية تلوح مشكلة الطبقية، لأن المال يقع تحت تصرف قلة قليلة من الناس، بينما الطبقة الأكبر –الشعب- يعيش نوعاً من الفقر، وهكذا يعم ظلام الطبقية أنحاء المكان، وينقسم المجتمع إلى طبقتين تفصل بينما هوة سحيقة، تزداد كل يوم فيزداد الفقير فقراً والغني غنى.
كان أسلوب التعليم عند المسلمين أسلوبا راقيا ومتميزا، يراعي المستوى العلمي والعقلي لطلبة العلم؛ فقد حرص المعلمون على آلية التدرج في التعليم, إذ أكدوا أن الضرورة التعليمية تقتضي عدم إعطاء التلاميذ أكثر من علم في آن واحد. والتدرج يعني التفريد في العلوم, وهو في جوهره "التعليم على مقاس كل طفل". وقد كان التعليم يتم بخطوات متدرجة متتابعة؛ وهي محفوظة ومألوفة عند الشيخ والمعلم والمؤدب؛ ويمر بها كل متعلم بتوافق تام مع جهده وإمكاناته واستعداداته. ومن هنا كانت تتفاوت سنوات التعليم والتحصيل في المدارس الإسلامية بحسب القدرات الفردية للدارسين.
لم يكتف القرآن الكريم بجعل الحوار مبدأ رئيسيا من مبادئه في دعوة الآخرين إلى دين الإسلام, وقاعدة أساسية من قواعده في إقناع الناس بوحدانية الله سبحانه، وألوهيته، واستحقاقه وحده العبادة والطاعة والاستسلام؛ بل وسع القرآن الكريم نطاق الحوار ليشمل كافة المحاورين ومختلف الأصناف. والحقيقة أن من يستقرأ مادة الحوار في القرآن الكريم يجدها مادة واسعة وحاضرة, حتى في الملأ الأعلى. فقد ورد في القرآن الكريم حوار الله مع ملائكته: ((وإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا ويَسفِكُ الدِّمَاءَ ونَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ))، البقرة:30. وحوار الأنبياء مع الملائكة، كما في قصة إبراهيم -عليه السلام: ((ولَمَّا جَاءَت رُسُلُنَا إِبرَاهِيمَ بِالبُشرَى قَالُوا إِنَّا مُهلِكُوا أَهلِ هَذِهِ القَريَةِ إِنَّ أَهلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحنُ أَعلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وأَهلَهُ إِلَّا امرَأَتَهُ كَانَت مِنَ الغَابِرِينَ))، العنكبوت: 31- 32. وحوار الأنبياء مع أقوامهم, سواء بشكل عام -كما في حوارات نوح وهود وصالح وغيرهم من الأنبياء مع أقوامهم؛ أو بشكل خاص مع الطغاة والمتجبرين –كحوار إبراهيم مع النمرود، وحوار موسى مع فرعون؛ أو خاص من ذلك مع الأقرباء والأرحام -كحوار نوح مع ابنه, وحوار إبراهيم مع أبيه.
مقال
[ الخميس 26 شعبان 1437 هـ ] [ 534 ]
إن منهج التجديد الإسلامي منهج يمكن استقراؤه في الكثير من شرائع الدين وفرائضه وتوجيهاته، وهو يعرض لأول مرة في الجاهلية الأولى، تلك الجاهلية التي صبغت معظم حياة العرب الأميين. فقد أخذ بيد أتباعها من وهدة التخلف والجهل والانحطاط ليكونوا قادة الأمم وسادة العالم، والنموذج الأمثل في الاجتماع البشري. ومنهج التجديد الإسلامي هو الذي يملك وحده أن يلتقط الكينونة البشرية من قاع الضلال وظلمة الظلم وحمأة الفساد، "فيرتقي بها إلى تلك القمة، رويدا رويدا، في يسر ورفق، وفي ثبات وصبر، وفي خطو متناسق موزون!
كل مرحلة تاريخية تحمل معها تغيراتها وظروفها الخاصة بها، ما يعني ظهور تحديات جديدة ومتطلبات جديدة وأدوار جديدة. وما قد يصلح لمرحلة ما قد لا يصلح لغيرها بالضرورة. والاعتبار في ذلك كله للتقدير الصحيح للواقع واتخاذ الموقف المناسب له حسب القدرة والإمكان، استنادا لرؤية شرعية تضمن بقاء هذا الموقف في دائرة المباح وفسحة الرخصة. وشمولية المشروع الإسلامي لا تنفي ضرورة التخصص الوظيفي، ولا تستلزم قيام جماعة واحدة أو حزب واحد بكل تكاليف المشروع دون بقية الأمة. فكما وجد مؤسسات عمل إغاثي، ومؤسسات ثقافية وفكرية، ومؤسسات حقوقية، وبنوك وشركات وفقا للمنظور الإسلامي للاقتصاد، كل ذلك من رحم الحركات الإسلامية، فمن الطبيعي أن توجد كيانات سياسية متخصصة بالسياسة دون أن يعني ذلك تخلي طرف عن الآخر.
كلما ارتقى الإنسان في سلم المعارف، واتسعت مداركه، وزادت معلوماته، كلما ارتقى نصيبه من معرفة الله سبحانه. فمن عرف قدر ضعف نفسه وجهلها عرف قوة ربه وسعة علمه. والإنسان هو العجيبة الكبرى لهذا الكون سواء في تكوينه الجسماني، أو في تكوينه الروحي، أو في أسرار نفسه. وهو عجيبة في ظاهره وباطنه. وكل فرد من أفراد هذا الجنس عالم وحده, فهو مرآة صافية تنعكس من خلالها قدرة الحق سبحانه، وتتجلى فيها بدائع الحكمة الإلهية.
مقال
[ الاثنين 16 شعبان 1437 هـ ] [ 619 ]
الصراع على القيم أزلي، وجد منذ وجد الصراع في الأرض بين الحضارات، لأن الاستيلاء على أي بقعة في الأرض هو استيلاء على سكانها، فهو يعني تغييرا كاملا لها عقيدة وفكرا وأرضا وبشرا وبيئة، كي تتناسب وتتسق مع المحتل الجديد. وهذا التغيير يتم بالقوة العسكرية أو القوة الناعمة التدريجية عبر الإعلام والتعليم والمساعدات المادية المتوالية؛ فالقوة هي القدرة على التغيير لما يريده صاحب القوة.
تعيش الجماعات والحركات الإسلامية حالة من التهديد والتحديات، وهي أمام مسارين: إما مراجعة شاملة للأهداف والأدبيات والوسائل والتكتيك والشعارات والخطاب، لتدارك الأخطاء، وتجديد الآليات وتحسين الصورة المشوهة، وتطوير الخطاب والشعارات والخطط بما يناسب المرحلة. وإما الإصرار على ما كان بكل أحماله وأوزاره، والبقاء على ذات المنوال، والتصبر لكل التبعات والضربات تحت ذريعة الابتلاء. تتردد القيادات بين المسارين، خاصة وأن أي قرار تحت ظل الظروف الراهنة هو قرار مصيري، له ما بعده. في هذا المقال نسعى لرسم ملامح بعض المراجعات التي تشهدها الحركات الإسلامية على صعيد علاقة العمل الحزبي السياسي بالعمل الحركي الدعوي.
مقال
[ الأربعاء 11 شعبان 1437 هـ ] [ 585 ]
الفكر التكفيري يُعدُّ من جملة الأخطار التي هزت أرض المسلمين هزة عنيفة أطاحت برواسخ الثبات في كل ضروب الحياة، وأحدثت صدعاً قويا في صرح الأمة ساق الأعداء إلى مهاوي التشويه والطعن في مقدساتها وأئمتها وعقيدتها بكل توجهاتها على حد سوى. وتلك فتنة سعرتها أفئدة الغلاة، وأوقدتها ألسنتهم المتسلطة، فانقضاضهم على عقيدة المسلمين انقضاض البزاة على طرائدها، وإسراعهم إلى التكفير إسراع العطاش إلى موردها، حتى امتدت أيديهم إلى وحدتنا فمزقتها.
غريب أمر تمرير الغرب لفرية تهمة الإسلام بالتشدد وإلصاقه به، وتبرئة ساحته منه, رغم أن التشدد أبعد ما يكون عن دين الله الحنيف, سواء من حيث التشريع الذي يعتبر الأكثر سماحة مع غير المسلمين, أو من حيث التنفيذ والتطبيق العملي، من خلال الكثير من المشاهد النبوية التي رسخت مبدأ السماحة في الإسلام, ولم تزدها المرحلة الراشدية وما بعدها إلا سطوعا ووضوحا. والحقيقة أن هذه المحاولات العبثية من أعداء الإسلام إنما تأتي كمحاولة للتغطية على التشدد الذي تتصف به كل من الصهيونية الحانقة على الإسلام، والصليبية الناقمة على انتشاره في ربوعها.. الخ. والتشدد فكري وعقدي لدى كل من الصهيونية والصليبية لا يكاد يخفى على كل مطلع على مراجع ومصادر فكر وعقيدة هذه الديانات.
 < 1 23 4 5 >  >|