النهضة و التغيير

أَيقَظَ الإِبراهِيمي الهِمَمَ، وقَرعَ الأَسمَاعَ، بكلِماتٍ تحمِلُ شَيئًا مِن الغِلظَةِ والـقَسوَةِ، أحيَانًا. لـكنها في حَقِيقَتِها مَـحبَّةٌ ورَحمَةٌ. فقد كان مُستَشعِرًا لبَلاءِ تقلِيدِ شبَابِ الإسلامِ للغَربِ ورَدَّه إلى الاستعدَادِ الذَّاتي لدَينَا، "كاستعدادِ المرِيضِ للمَوتِ"، و"شُعورٍ بالنَّقصِ في أَنفُسِنا لبُعدِ عَهدِنا بالعِزَّةِ والكَرَامَةِ"، و"لموتِ أشياءَ فينا تصَاحِبُ مُوتَها في العَادَةِ يَقظَةُ أَشياءٍ. ففَقدُ الإحسَاسِ بالوَاجِبِ تَصحَبُه يَقظَةُ الشَّهواتِ الجسدِيةِ. ومُوتُ النَّخوَةِ –كما يقول- تصحَبُهُ سُرعَةُ التَّقلِيدِ وعادَةُ الخُضوعِ للغَالِبِ وسُرعَةُ التَّحلُّلِ والذُّوبَان.
ذكرنا في المقالة السابقة شيئا من سيرة الشيخ مُحمَّد البَشِير الإِبراهيمي (الجزائِري)، رحمه الله، والمراحل التي مرَّ بها في حياته قبيل تأسيسه لجمعية علماء الجزائر. وكيف مثل لقاءه بالشيخ عبدالحميد بن باديس منعطفا جديدا في حياته ومن ثمَّ في الواقع الجزائري الذي خطط الشيخان لتغييره وبعث الإصلاح فيه، من منظور واعٍ وحركة منظمة، وتخطيط مسبق. ونكمِلُ هنا شيئًا مِن جُهودِه في تأسيسِ "جمعيةِ العُلماءِ" واهتمامِه بشَريحةِ الشَّبابِ في الجزائر خصُوصًا، مع جُهودِه الإصلاحيةِ التي بذلها في توعية المجتمع وإصلاحِ تدَيُّنه.
تميَّزَت مَسِيرةُ الإِصلاحِ التي قام بها الـعَالمُ الكبيرُ، الأَدِيبُ الأَريبُ، الشيخ مُحمَّد البَشِير الإِبراهيمي (الجزائِري)، رحمه الله، باهتمَامِه البَالغِ تُجاه شبَابِ وَطنِه الجَزائِر، وأُمَّتهِ الـمُسلمَةِ. فقد انصَبَّت جُهودُه المبذُولَةِ في العِنايَةِ بهذه الشَّريـحَةِ الـشَّبابيَّةِ التي عليها قِوامُ الـبُلدَانِ، وبها تُبنَى المجتَمعَات، مِن خِلالِ حيَاتهِ وسِيرَتهِ وتَعلِيمِه وتَوجِيهِه. وقد أثمرَت جُهودَه تلك عن "جمعية العلماءِ" التي قادَت بحركتِها العِلميةِ والدَّعويةِ الشَّعبَ الجزائري إلى التَّحرُّرِ والاستقلالِ عن الاستعمار الفرنسي.
مقال
[ الأربعاء 16 جمادى الآخر 1438 هـ ] [ 464 ]
سَينصَبُّ حديثي هنا على أَحدِ أَهمِ تَطبيقَاتِ الديمقراطية، وهي مبدأ الحاكمية أو السيادة الشعبية، مبتعداً عن بسط الكلام فيها من زاوية شرعية خالصة، قد لا تكون محل إلزام للبعض، ولكثرة ما كُتب عنها مِن فقهَاءِ المسلمين؛ وإنما مِن مُنطلَقٍ سياسي وإنساني. فالمنَاهِجُ والرُؤى المتعَلقَةِ بالشُّئونِ الدُّنيَويةِ بشكلٍ عَام لا يحكَمُ عليها بالسَّلبِ والإيجابِ، وهي في أوَّلِ مَسلكِها، بل عقلًا وعَدلًا يكون التقييم بعد حينٍ مِن التَّجربةِ. ويزداد القَطعُ بالحُكمِ عليها كلما مرَّت على مراحل مُتبَايِنةٍ، وظُروفٍ مختلِفةٍ. فالشيوعية والاشتراكية -على سبيل المثال- بقيت تنظيراً وتطبيقاً قرابة القرن، حتى حُكِم بفشلها مِن قبل أصحَابها ومعتنقيها قبل خُصُومِها. فنحن نَجِدُ الدُولَ التي انتهجت المذهبَ الشُّيوعيَّ تحوَّلت الى رأسملة أسواقها، والملكية الفردية، وسياسة العرض والطلب، وفتح الأسواق، مع شِبه اندِّرَاسٍ لتَغوُّلِ الحكومات في معاش الناس ونحو ذلك.
مقال
[ السبت 28 جمادى الأول 1438 هـ ] [ 400 ]
عرفت السَّاحةُ السِّياسيةُ الصِّراعَ على السُّلطةِ مُنذُ بزُوغِ فَجرِ الدَّولةِ على الاجتماعِ البَشَري، فللسُّلطةِ بَريقُها الذي يُغري، والميلُ إليها مَغرُوسٌ في نُفوسِ البَشرِ. فالسُّلطةُ تجمعُ بين الجَاهِ والمـَال، وهما أَحبُّ شيءٍ للنَّفسِ البَشريةِ. وقد كان مَدخَلُ إبليسَ لوعي آدمَ –عليه الصلاة والسلام- في الجنَّةِ طَلبُ الجَاه: ((فوَسوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَل أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلدِ ومُلكٍ لَا يَبلَى * فَأَكَلَا مِنهَا..)). وأخبر تعالى عن مَحبَةِ بني آدمَ للمالِ فقال سبحانه: ((وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيرِ لَشَدِيدٌ))، ((وَتُحِبُّونَ الـمَالَ حُبًّا جَمًّا)). والصِّراعُ على السُّلطةِ يأخذُ أَشكالًا مُختَلِفةً وصُورًا مُتعدِّدةً. وكثيرا ما كانت الدُّولُ تَزُولُ بالصِّراعاتِ الدَّاخلية لا بالغَزو الخَارجِي؛ لأنَّ مِن شأنِ الغَزو الخَارجِي أن يُوجِدَ الحافِزَ للمقَاوَمةِ واتحادِ الجَبهةِ الدَّاخِليةِ ضدَّه. أما الصِّراعُ الداخليُّ فإنَّه يمثل تحولا لمواقعِ النُّفوذِ ومَراكزِ القرارِ دَاخِلَ المجتمعِ ذاته، ما يجعلُه مُنقسِمًا على نفسه في الموقف مِن هذا التحول.
مقال
[ الاثنين 23 جمادى الأول 1438 هـ ] [ 433 ]
انتَظمَ الدِّينُ الإسلاميُّ الشَّأنَ السِّياسيَّ للمجتَمعِ المسلمِ، كجُزءٍ مِن مَنظُومَته العقديةِ والأخلاقيةِ والتشريعيةِ، الشَّاملةِ للفردِ والمجتمعِ، في جميعِ جوانبِ الحياةِ ومَناشِطِها. وينبغي التأكيد –ابتداءً- على أنَّ الدِّينَ الإسلامي بانتظَامِه الشَّأنَ السيَاسيَّ لا يأتي بشَيءٍ مُخَالِفٍ للفِطرةِ الإنسَانيةٍ، والضَّرُورةِ البَشريةِ في الاجتماعِ، وللمنطِقِ العَقلي الرَّاشِدِ. إنَّه يُقدِّمُ المنهجَ الذي ارتضاه اللهُ تعالى للأُمَّةِ المسلمةِ، ويُحقِّقُ لها ما تَصبُوا إليه في الدُّنيا والآخِرةِ، دون خَلَلٍ أو شَطَطٍ فيهما، أو في أحدِهما. ويقوم المنهجُ السياسي في الإسلام على تَصورَاتٍ عَقَديَّةٍ، وقِيمٍ أخلاقيةٍ، وقَواعِدَ كُليَّةٍ ضَابِطَةٍ، وتَشرِيعاتٍ عَامَةٍ، ومعاييرَ قِياسيةٍ. وهو مَنهَجٌ لا يَدخُلُ في التَّفاصِيلِ الإجرَائِيةِ، والعَمليَاتِ التَنفِيذِيةِ، والأَشكالِ التي يُمكِنُ أن يَخرُجَ فيها النِّظامُ السِّياسيُّ، إلا في ضَوءِ بيان المعايير التي ينبغي ألا تُنَافي مَقاصِدَه ومُقرَّراتِه وأُصولَه وقَواعِدَه.
عرضنا في المقال السَّابقِ لطَبيعَةِ المرحلَةِ التي نَشأَ فيها ابن القيم؛ وكيف أنَّه رَغمَ الظُّروفِ الصَّعبَةِ خَرجَت شَخصيَّات علميةٌ وفكريةٌ أَثرَت السَّاحَةَ الإسلامِيَّةَ بمؤُلفَاتِها المختَلِفَةِ، وآرَائِها وأَفكَارِها. فكانت شَخصَياتٌ مُوسُوعيةٌ، هَضَمَت عُلومَ الشَّريعَةِ وعُلومَ الطَّبيعَةِ وغيرها. ومن ثمَّ نجد أنَّ ابن القيم –كشيخه ابن تيمية- عَكَسَ بمؤَلفَاتِه طَبيعَةَ الجَبهَات المختلفة التي يعمل عليها العَالمُ في ذلك الزَّمانِ. فهو تَارَةً في مواجهَةٍ فِكريَةٍ مع أَهلِ الإلحَادِ (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)، وتَارةً في مُواجهَةٍ مع أَهلِ الكتَابِ (هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى)، وتَارةً في مُواجَهةٍ مع أَهل البِدعِ (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل)، وتَارَةً في مُواجهةٍ مع أَهلِ السِّياسَاتِ الظَّالمةِ (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية)، وتَارةً في مُواجهَةٍ مع أَهلِ الشَّهواتِ (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، وتارةً في مواجهةٍ مع أَهلِ الجُمودِ والتَّقلِيدِ (إعلام الموقعين عن رب العالمين.
عَاشَ المسلِمُونَ في القَرنِ السَّابَعِ الهِجرِي ظُرُوفًا مَأسَاويَّةً جِدًا، وأَحدَاثًا جِسَامًا كان مِن أَبرَزِها اجتِيَاحُ التَتَرِ المغُولِ العَالَمَ الإسلامي، وتَدمِيرُهم مُدُنَه وحَوَاضِرَه بما في ذلك عَاصِمَةُ الخِلافَةِ الإسلامَيَّةِ بَغدَاد. وهذا الوَاقِعُ سَبَقَه انتِشَارٌ وَاسِعٌ لطَوَائِفِ الضَّلالِ والبِدعِ، مِن شِيعَةٍ رَافِضَةٍ وبَاطِنيَّةٍ وحَرَكَاتٍ صُوفِيَّةٍ مُغَالِيَةٍ في عَقَائِدِ الحُلُولِ والاتِّحَادِ والشِّركيَّاتِ البِدعِيَّةِ، حتى تَشَكَّلَت لها دُوَلٌ هنا وهناك. بالإضَافَةِ إلى بُرُوزِ فَلاسِفَةٍ يُظهِرُون الإلحَادَ والزَّندَقَة في ظلَّ تَأثُّرِ كَثَيرٍ مِن المسلِمِين بالفَلسَفَةِ وعِلمِ الكَلامِ. ومع قَتَامَةِ المشهَدِ العَامِ في سَاحَةِ العَالمِ الإسلامي، كَانَت تَبَاشِيرُ انبثَاقِ فَجرٍ جَدِيدٍ تَلُوحُ في الأُفُق، وحَركَةُ بَعثٍ إِسلاميٍّ تتَشكَّلُ في الوَسطِ العِلمِيِّ والاجتِمَاعيِّ والسِّيَاسيِّ والجِهَادِيِّ. وفي ظِلِّ هذه الأَجوَاءِ وُلِدَ ونَشَأَ وعَاشَ شَمسُ الدِّينِ أَبو عَبدِالله محمَّدُ بن أَبي بَكرٍ، الشَّهِيرُ بابنِ قَيِّم الجَوزِيَّةِ، آوَاخِرِ القَرنِ السَّابِعِ الهِجرِي وحتى مُنتَصَفِ القَرنِ الثَّامِن الهِجرِي. وهي حِقبَةٌ تَارِيخيَّةٌ شَهِدَت تَوقُّفَ المدِّ التَتَري المغُولي وانكِسَارَه، وانتِصَارَ المسلِمِين بقِيادَةِ النَّاصِرِ محمد بن قَلاوون على التَتَرِ، في وَقعَةِ شَقحَب بالقُربِ مِن دِمشق، في الثَّانِي مِن رَمضَانٍ سَنَة 702هـ. وهو الانتِصَارُ الذي أَعَادَ للمُسلِمينَ ثِقَتَهم في أَنفُسِهم وقُوَّتِهم، بعد الذي جَرَى في العُقُودِ السَّابِقَةِ مِن تهدِيدِ التَتَرِ لمـُدُنِ وحَوَاضِرِ المسلِمِين في العِراقِ والشَّامِ.
مقال
[ الاثنين 4 ربيع الآخر 1438 هـ ] [ 437 ]
بين القديم والحديث مِن أحوالِ الصِّراعِ الفكري في الإسلام ارتِبَاطٌ في طَبيعَةِ مَنشَأ هذا الصِّراع، وطَبيعَةِ إدارته، وطبيعة نتائجه على مسار الأمة. فإنَّ مِن طَبيعَةِ العَقلِ البشري الاختلاف والتنوع لا على أسس المعطيات المعرفية فحسب بل على أُسُسٍ عاطفيةٍ وجدانيةٍ، أو مِن أجل حسابات ونوايا ومقَاصِد خَاصَةٍ أو فِئَويةٍ. فليس كل افتراقٍ في الأُمَّة نتَجَ عن عَدمِ مَعرِفَةِ الحقِّ في المسألة أو الصواب.. كما قد يتصور البعض. واستقراء الاختلافات والصراعات بكل أبعادها وأسبابها يؤكد هذه الحقيقة لمن قَرَأَ التاريخَ وألمَّ بالحوادثِ والمجريات التي عَصَفت بنسيج الأمة فمزقته. وأيُّ صِراعٍ فِكري يَنشَأ يكون له في الغَالِب طَرفَان، كُلٌّ منهما يدَّعي حِيازَةَ الحقيقةِ وامتلاكها في مُقَابِلِ تجريد الخصم منها. ونَتِيجَةً للصراع –وكما يحصل في لعبة شد الحبل- يبتعد كل طرف عن نقطة الوسط (نقطة الحقيقة)، في سبيل نَزعِ صِفةِ الإصَابَةِ والحقيقَةِ عن مخالفِه. وعوضا أن يقترب الطرفان إلى نقطة الوسط إذ بهما يحافظان على مواقع مُتَطرِّفةٍ في النزاع!
تعيش الأمة الإسلامية اليوم تهديدا واضحا وجليا لوجودها ودينها ومقدراتها في أكثر من بلد إسلامي، وتحت أكثر من غطاء. ففي حين تعمل إسرائيل على محاربة الشعب الفلسطيني وتضييق الحصار عليه، وانتزاع أراضيه، والاعتداء على المسجد الأقصى المبارك –قبلة المسلمين الأولى- تتغول إيران بأذرعتها الطائفية المجرمة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، فتقتل وتعذب وتختطف وتهجر وتدمر القرى والمدن بكل صور التدمير الحاقد. في حين يتخذ الغرب الصليبي من "الإرهاب" ذريعة لمحاصرة مقاومة الأمة، واستهداف شعوبها، ومنع السلاح عنها، وتمكين المدِّ الصفوي الرافضي منها.
1 2 3 >  >|