النهضة و التغيير

عرضنا في المقال السَّابقِ لطَبيعَةِ المرحلَةِ التي نَشأَ فيها ابن القيم؛ وكيف أنَّه رَغمَ الظُّروفِ الصَّعبَةِ خَرجَت شَخصيَّات علميةٌ وفكريةٌ أَثرَت السَّاحَةَ الإسلامِيَّةَ بمؤُلفَاتِها المختَلِفَةِ، وآرَائِها وأَفكَارِها. فكانت شَخصَياتٌ مُوسُوعيةٌ، هَضَمَت عُلومَ الشَّريعَةِ وعُلومَ الطَّبيعَةِ وغيرها. ومن ثمَّ نجد أنَّ ابن القيم –كشيخه ابن تيمية- عَكَسَ بمؤَلفَاتِه طَبيعَةَ الجَبهَات المختلفة التي يعمل عليها العَالمُ في ذلك الزَّمانِ. فهو تَارَةً في مواجهَةٍ فِكريَةٍ مع أَهلِ الإلحَادِ (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)، وتَارةً في مُواجهَةٍ مع أَهلِ الكتَابِ (هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى)، وتَارةً في مُواجَهةٍ مع أَهل البِدعِ (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل)، وتَارَةً في مُواجهةٍ مع أَهلِ السِّياسَاتِ الظَّالمةِ (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية)، وتَارةً في مُواجهَةٍ مع أَهلِ الشَّهواتِ (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، وتارةً في مواجهةٍ مع أَهلِ الجُمودِ والتَّقلِيدِ (إعلام الموقعين عن رب العالمين.
عَاشَ المسلِمُونَ في القَرنِ السَّابَعِ الهِجرِي ظُرُوفًا مَأسَاويَّةً جِدًا، وأَحدَاثًا جِسَامًا كان مِن أَبرَزِها اجتِيَاحُ التَتَرِ المغُولِ العَالَمَ الإسلامي، وتَدمِيرُهم مُدُنَه وحَوَاضِرَه بما في ذلك عَاصِمَةُ الخِلافَةِ الإسلامَيَّةِ بَغدَاد. وهذا الوَاقِعُ سَبَقَه انتِشَارٌ وَاسِعٌ لطَوَائِفِ الضَّلالِ والبِدعِ، مِن شِيعَةٍ رَافِضَةٍ وبَاطِنيَّةٍ وحَرَكَاتٍ صُوفِيَّةٍ مُغَالِيَةٍ في عَقَائِدِ الحُلُولِ والاتِّحَادِ والشِّركيَّاتِ البِدعِيَّةِ، حتى تَشَكَّلَت لها دُوَلٌ هنا وهناك. بالإضَافَةِ إلى بُرُوزِ فَلاسِفَةٍ يُظهِرُون الإلحَادَ والزَّندَقَة في ظلَّ تَأثُّرِ كَثَيرٍ مِن المسلِمِين بالفَلسَفَةِ وعِلمِ الكَلامِ. ومع قَتَامَةِ المشهَدِ العَامِ في سَاحَةِ العَالمِ الإسلامي، كَانَت تَبَاشِيرُ انبثَاقِ فَجرٍ جَدِيدٍ تَلُوحُ في الأُفُق، وحَركَةُ بَعثٍ إِسلاميٍّ تتَشكَّلُ في الوَسطِ العِلمِيِّ والاجتِمَاعيِّ والسِّيَاسيِّ والجِهَادِيِّ. وفي ظِلِّ هذه الأَجوَاءِ وُلِدَ ونَشَأَ وعَاشَ شَمسُ الدِّينِ أَبو عَبدِالله محمَّدُ بن أَبي بَكرٍ، الشَّهِيرُ بابنِ قَيِّم الجَوزِيَّةِ، آوَاخِرِ القَرنِ السَّابِعِ الهِجرِي وحتى مُنتَصَفِ القَرنِ الثَّامِن الهِجرِي. وهي حِقبَةٌ تَارِيخيَّةٌ شَهِدَت تَوقُّفَ المدِّ التَتَري المغُولي وانكِسَارَه، وانتِصَارَ المسلِمِين بقِيادَةِ النَّاصِرِ محمد بن قَلاوون على التَتَرِ، في وَقعَةِ شَقحَب بالقُربِ مِن دِمشق، في الثَّانِي مِن رَمضَانٍ سَنَة 702هـ. وهو الانتِصَارُ الذي أَعَادَ للمُسلِمينَ ثِقَتَهم في أَنفُسِهم وقُوَّتِهم، بعد الذي جَرَى في العُقُودِ السَّابِقَةِ مِن تهدِيدِ التَتَرِ لمـُدُنِ وحَوَاضِرِ المسلِمِين في العِراقِ والشَّامِ.
مقال
[ الاثنين 4 ربيع الآخر 1438 هـ ] [ 250 ]
بين القديم والحديث مِن أحوالِ الصِّراعِ الفكري في الإسلام ارتِبَاطٌ في طَبيعَةِ مَنشَأ هذا الصِّراع، وطَبيعَةِ إدارته، وطبيعة نتائجه على مسار الأمة. فإنَّ مِن طَبيعَةِ العَقلِ البشري الاختلاف والتنوع لا على أسس المعطيات المعرفية فحسب بل على أُسُسٍ عاطفيةٍ وجدانيةٍ، أو مِن أجل حسابات ونوايا ومقَاصِد خَاصَةٍ أو فِئَويةٍ. فليس كل افتراقٍ في الأُمَّة نتَجَ عن عَدمِ مَعرِفَةِ الحقِّ في المسألة أو الصواب.. كما قد يتصور البعض. واستقراء الاختلافات والصراعات بكل أبعادها وأسبابها يؤكد هذه الحقيقة لمن قَرَأَ التاريخَ وألمَّ بالحوادثِ والمجريات التي عَصَفت بنسيج الأمة فمزقته. وأيُّ صِراعٍ فِكري يَنشَأ يكون له في الغَالِب طَرفَان، كُلٌّ منهما يدَّعي حِيازَةَ الحقيقةِ وامتلاكها في مُقَابِلِ تجريد الخصم منها. ونَتِيجَةً للصراع –وكما يحصل في لعبة شد الحبل- يبتعد كل طرف عن نقطة الوسط (نقطة الحقيقة)، في سبيل نَزعِ صِفةِ الإصَابَةِ والحقيقَةِ عن مخالفِه. وعوضا أن يقترب الطرفان إلى نقطة الوسط إذ بهما يحافظان على مواقع مُتَطرِّفةٍ في النزاع!
تعيش الأمة الإسلامية اليوم تهديدا واضحا وجليا لوجودها ودينها ومقدراتها في أكثر من بلد إسلامي، وتحت أكثر من غطاء. ففي حين تعمل إسرائيل على محاربة الشعب الفلسطيني وتضييق الحصار عليه، وانتزاع أراضيه، والاعتداء على المسجد الأقصى المبارك –قبلة المسلمين الأولى- تتغول إيران بأذرعتها الطائفية المجرمة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، فتقتل وتعذب وتختطف وتهجر وتدمر القرى والمدن بكل صور التدمير الحاقد. في حين يتخذ الغرب الصليبي من "الإرهاب" ذريعة لمحاصرة مقاومة الأمة، واستهداف شعوبها، ومنع السلاح عنها، وتمكين المدِّ الصفوي الرافضي منها.
عقد ابن القيم –رحمه الله، في سفره القيم (إعلام الموقعين عن رب العالمين)، فصلا خاصا بتَغيُّرِ الفتوى واختلافها، "بحسب تَغيُّرِ الأَزمنَةِ والأَمكنَةِ والأَحوالِ والنيَّاتِ والعَوائِدِ". وربط ذلك بكون "الشَّريعَةِ مَبنِيَّة على مَصَالحِ العبَاد". فإن من طبيعة صلاح القانون للمجتمعات أن يواكب تغيراتها في ظل الأحوال والظروف والملابسات المتبدلة، فلا يجمد على حال دون حال أو ظرف دون آخر. هذه الخاصية التي منحتها الشريعة للفتوى والمفتي لتكييف الأحكام الشريعة في ضوء الواقع هي ما جعل صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان لا يتوقف. فإذا ما جهل الفقهاء وحملة الشريعة هذا الدور وهذه الوظيفة ولم يأخذوا بهذا الحيز من يسر الدين ومرونته أوقعوا الناس في ضنك دنيوي وحرج ديني، وربما ألجأوهم إلى الحيل أو دفعوهم لمناهضة حكم الشريعة والخروج عليها.
في مقال سابق بعنوان "الحضارات سنن وقوانين" أشرنا إجمالا إلى أن الدين جوهرُ الحضارة ومحرك التاريخ، وأساس العمران، والروح الحقيقي للإنسان، والشواهد على ذلك عديدة منها:
مقال
[ الأحد 6 صفر 1438 هـ ] [ 361 ]
الإنسان مدني بالطبع، فإذا توحش فلأمر خارج عن طبيعته وغريزته. فهو خُلِقَ يَألَفُ ويُؤلَفُ، ويُقيمَ مُجتَمعاً إنسَانيًّا متآخيًّا، يَقومُ على الرَّحمةِ والإِحسَانِ والعَدلِ. وتوجيه الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- لأتباعهم مع مطلع دعوتهم يقوم على مبادئ: العدل والإحسان والرحمة، والأمانة والصدق والعفاف، وصلة الرحم والإحسان للجار وإكرام الضيف؛ ليمثلوا في المجتمع الجاهلي طليعة القدوات العملية التي تترجم الإيمان عملا، ولا تتوقف به عند القول والدعاوى فقط. لذا فإنَّ جميع الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- لم يخرجوا من ظهور أَقوامِهم إلَّا بإِذنٍ إلهيٍّ، وعند استحالة التعايش وتهديد وجودهم؛ وفيما عدا ذلك فإنَّهم عايشوا قومهم وخالطوهم، ولم يعتزلوا سوى مواطن الشرك والفجور والظلم، أمَّا الحياة العامة لم ينفكوا عنها.
إن حركة الأمم والحضارات -قياما وازدهارا وانحدارا، انتشارا وانحصارا، تقدما وتخلفا، فعلا وانفعالا وتفاعلا- لا تتم في التاريخ الإنساني إلا بضوابط معلومة وقوانين ثابتة ومطردة، وسنن جارية لا تتخلف؛ مصداق ذلك قول الله تعالى: ((فهَل يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبدِيلاً ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحوِيلاً))، فاطر: 43، ((سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوا مِن قَبلُ ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبدِيلاً))، الأحزاب: 62. وهي بهذه الصفات والمعالم أصناف ومستويات، تحكم حركة الأفراد والجماعات، والأمم والحضارات، وتجري أحكامها في كل القطاعات الاجتماعية وكل المجالات. وتتشابك هذه المستويات والقطاعات في نسيج كلي واحد، تتفاعل أجزاؤه وتتدافع كما تتدافع إطاراته الكبرى وتتنازع على القيادة والسيادة.
مقال
[ الأربعاء 20 ذو الحجة 1437 هـ ] [ 416 ]
هناك مشكلة تكبر يوماً وراء يوم.. نوعٌ من الانفصال بين المـُلقي والمـُتلقي، هوة واسعة بين المصلح والمجتمع، بين الداعية والناس، بين العالم والجاهل. في الدول الرأسمالية تلوح مشكلة الطبقية، لأن المال يقع تحت تصرف قلة قليلة من الناس، بينما الطبقة الأكبر –الشعب- يعيش نوعاً من الفقر، وهكذا يعم ظلام الطبقية أنحاء المكان، وينقسم المجتمع إلى طبقتين تفصل بينما هوة سحيقة، تزداد كل يوم فيزداد الفقير فقراً والغني غنى. هذا هو ما يحدث اليوم في مجتمعنا. في حقلٍ آخر ليس هو حقل الاقتصاد والمعيشة، لكنه حقل المعرفة والتغذية الروحية والأسئلة الثقافية الحائرة.
اهتم القرآن الكريم بالتاريخ؛ حتى وجدنا أن أغلب آيات القرآن تتحدث عن قصص تاريخية أكثر من حديثها عن جانب الأحكام والعقائد والسلوك، وإن كنا نستنبط كثيراً من ذلك من سياق التاريخ القرآني. وهذا الاهتمام القرآني بالقصص التاريخي يتمثل في ناحيتين: الأولى ذكر الأحداث التاريخية؛ والثانية الآيات التي تكون مرتبطة بأسباب النزول، فإنها في حقيقتها أيضاً تاريخ لحدث واقع في زمن الصحابة -رضي الله عنهم. والقصة هي تصوير لوقائع تاريخية، حدثت في فترة من الفترات، بأشخاصها وملابساتها وتفصيلاتها، لتعيد تشكيلها في وعي المتلقي وشعوره، بتسلسل مجرياتها كما وقعت.
1 2 3 >  >|