النص و التأويل

يعتبر ابن تيمية من العلماء الذين كشفوا عن مقاصد الشريعة، وأبلوا بلاء حسنا في الدفاع عنها ومعرفتها وتفصيلها. ويقول د. أحمد الريسوني، في كتابه (نظرية المقاصد عند الشاطبي: ص68): "لا يكاد يخلو كلام له عن الشريعة وأحكامها، مِن بيان حكمها ومقاصدها، وإبراز مصالحها ومفاسد مخالفتها". ويقول أحمد البدوي، في كتابه (مقاصد الشريعة عند ابن تيمية: ص112): "إنَّ مقاصد الشريعة تسري في ابن تيمية سريان الدم في العروق. فهي لا تفارقه وهو لا يفارقها. ويرى أنَّ الشريعة الإسلامية ما جاءت إلا بهذه المقاصد والمصالح. وهو يرى أنها القاعدة لبناء التشريع بأصوله وفروعه". ويذهب أحمد البدوي إلى حدِّ القول بأنَّ ابن تيمية هو شيخ المقاصد، وأَوَّلُ مَن أعجم عُودها، وليس الشاطبي -كما جرت عليه العادة. فقال: "وما قصصته من كلام ابن تيمية في اهتمامه بفهم المقاصد وهضمها وتوظيفها يُبيِّنُ أنَّه قَائِدُ وحَامِلُ رَايةِ هذا العلم مِن الناحية العملية التطبيقية، ومِن المؤَسِّسِين له من الناحية النظرية".
تظل الإسرائيليات محل جدل شرعي وعلمي في ساحة الموروث الثقافي الإسلامي. فهي حاضرة في التفسير وفي التاريخ وفي بعض الشروحات التي ترد على أحاديث قصص الأنبياء وبني إسرائيل. كما أنَّ عامل التقارب الذي حصل في مطلع الدعوة الإسلامية بين الإسلام وأهل الكتاب، ودخول نفرٍ منهم في الإسلام، وتصدر بعضهم للتعليم والرواية، أثرَّ في تسلل الروايات الإسرائيلية إلى حيز التراث الإسلامي.
ليس من المستغرب على بعض مؤرخي الغرب أن ينكروا حدوث كثير من القصص التاريخي الوارد في القرآن، أو في كتابهم المقدَّس، سواء كان ذلك المؤرخُ يهودياً كـ"وِل ديورانت" الذي زَعمَ أنَّ قِصةَ "شاؤل" –أي طالوت- وداود قِصَّةٌ مَوضُوعةٌ مِن روائع الأَدب؛ أو كان المؤرخُ نصرانياً كـ"أرنولد توينبي" الذي ادَّعى أنَّ مُوسى –عليه الصلاة والسلام- بَطلٌ فولكلوري أُسطُوريٌ، وقد يكون شخصاً حقيقياً.
السلفية منهج متكامل، يقوم على مرجعية الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة. وهذا المنهج له مقوماته الفكرية والعقدية والفقهية؛ وقد طرق جميع أبواب المعرفة، مبينا أصله فيها، ورافضا لما خالفه منها. فكان لزاما على أهله أن يعرفوا أصوله في تقييم الأمور قبولا ورفضا. وهذه الأصول تتلخص في كيفية الاستدلال على القضايا، لأن الاستدلال هو الطريق الأولى لإثبات الحقائق، والعمل عليها بعد ذلك. فإذا لم يكن الاستدلال سليما فإنَّ كل القضايا المحكوم عليها سلبا أو إيجابا، سواء كان الحكم يقينيا أو ظنيا، فإنه معرض للنقض لعدم سلامة آلياته، أو عدم نزاهتها؛ وهو ما يسمى بعدم "الأمانة العلمية". فما هي أصول المنهج السلفي في الاستدلال؟ وعلى ماذا يبني قضاياه؟
مقال
[ الأربعاء 11 محرّم 1438 هـ ] [ 380 ]
الإجماع الثابت أحدُ مصَادرِ التَّشريعِ الإسلامي، وهو حُجَّةٌ شَرعِيَّةٌ يجبُ العملُ بها باتفاق المسلمين، خلافا لبعض الفرق المبتدعة، من الشيعة والخوارج وبعض المعتزلة. وحيث أنَّ الصحابة –رضي الله عنهم- هم الجيل الأول في هذه الأُمَّةِ المـُسلِمةِ فقد نالوا مَكَانةً جَليَّةً ومُقدَّمةً في اعتبارات أهل العلم من بعدهم، في تقعيدهم لهذا الموضوع الخطير، والمرتبط بالشريعة الإسلامية. ومن غير المعقول أن يَخرُجَ الصَّحابةُ –رضي الله عنهم، وهُم حَمَلَةُ الدِّينِ إلينا، نصًّا وفِقهًا وتأوِيلا، مِن مفهومِ الإجماعِ وهُم أَكثرُ الأُمَّةِ حَظوةً مِنهُ. وهذه المكانة التي يحتلها الصحابة –رضي الله عنهم- هي التي دفعت بالمغرضين من أعداء الدِّين للطعن فيهم، وإسقاط عدالتهم، بل وإخراجهم عن الإسلام –كما تقول الشيعة الرافضة وأمثالهم، وذلك ليسهل عليهم إبطال موروثهم وأثرهم، ومن ثم إبطالُ عقائدِ الدِّين وشرائعه.
مقال
[ الاثنين 9 محرّم 1438 هـ ] [ 480 ]
لا يختلف اثنان على مكانة إجماع الصحابة –رضي الله عنهم- في التشريع الإسلامي. فإجماعهم حجة قاطعة على من بعدهم باتفاق. وهذه المكانة المعتبرة في التشريع الإسلامي لمجموعهم تمتد لقول أحاد الصحابة. فالأصوليون يتحدثون في شأن مصادر التشريع الإسلامي وأدلته عن "قول الصحابي"، ومدى كونه حجة أم لا. وهي مسألة نشأت بعد عهد الصحابة –رضوان الله عليهم؛ حيث أن مصادر التشريع وأدلته في عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كانت متوقفة على الكتاب والسنة. فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم- تعددت أدلة التشريع، فكان الإجماع والقياس من أبرزها. وكون قولِ الصحابي مصدرا للتشريع لا يعني أنه مستقل بذاته، لكنه تبع للكتاب والسنة. فهو في نظر القائلين به مصدرا ثانويا، متفرعا عن الأصلين: الكتاب والسنة، وعن منزلة الصحابة عموما.
تحدثنا في الجزء الأول من هذا البحث عن أصول الفقه عند الشاطبي، وقراءته المقاصدية لهذا العلم قراءة متميزة وخلفية أبيستمائية متنورة. واستعرضنا التصميم الذي قدمه الشاطبي لهذا العلم بالمقارنة مع المستصفى، والأصول الإجمالية والقواعد الأصولية كما تطرق لها الشاطبي. وفي هذا الجزء نتناول الأحكام الشرعية وقضية الاجتهاد بالإضافة إلى مميزات أصول الفقه عند الشاطبي والتوصيات.
كما قدم الشاطبي نظرية متكاملة عن المقاصد الشرعية، وضمنها قسما خاصا للمرة الأولى في الدراسات الأصولية، وهو ما عبَّر عنه بكتاب المقاصد، فقد قدَّم نظرية متكاملة في أصول الفقه، أي أنه قدَّم أصول الفقه بثوب جديد. وفي الآونة الأخيرة، اشترك الريسوني مع مجموعة من العلماء في كتابة كتاب هو التجديد الأصولي حاولوا أن يقرؤوا هذا العلم قراءة تجديدية مقاصدية . وقد قدَّم الشاطبي هذه القراءة منذ زمن طويل، وبأسلوب الشاطبي الخاص، وقام بأوَّل تجديد حقيقي في أصول الفقه مكتملا وناجزا.
مقال
[ السبت 16 ذو الحجة 1437 هـ ] [ 454 ]
"الإسرائيليات" هي قصص وآراء منقولة عن بني إسرائيل (اليهود والنصارى). تلقفها الناس منهم باعتبارهم أهل كتاب. وأكثرها وردت عن طريق اليهود الذين خالطوا العرب في الجزيرة العربية والمسلمين في المدينة المنورة مع مطلع الإسلام. فإن العرب كانوا أميين ليس لديهم كتابا يطالعونه، ويعرفون منه عن منشأ الوجود وأصل الخليقة وعالم الغيب مما لا يعلم إلا بوحي. هذه الإسرائيليات بعضها أدرج في الكتب السابقة –كالتوراة والإنجيل، وبعضها حفظ في مروياتهم التاريخية، فسلموا لها وتناقلوها. وقد تسربت إلى المسلمين، خاصة في التفسير، لكثرة ما ورد في القرآن الكريم من قصص وأخبار عن الماضين مبهمة الأشخاص والأماكن والأزمنة.
أهمية استقراء فقه الأئمة السابقين لمقاصد الشريعة، وعنايتهم بها، وتقعيداتهم لها، تبرز في حاجة الساحة المعاصرة للانطلاق في الرؤية المقاصدية من تأصيل علماء الأمة الأقرب لنقاء المنهج وحسن المقصد وسلامة التوظيف؛ خاصة وأنه توجد حملة معاصرة تستهدف النيل من النصوص والأحكام تحت غطاء علم المقاصد. وكتاب د. عمر بن صالح بن عمر، الذي بين أيدينا هو في أصله رسالة دكتوراه في أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون في جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان، وصدر عن دار النفائس بالأردن، عام 2003م. وتكمن أهمية الكتاب في كونه يبحث في علم المقاصد الذي تحتاجه الأمة لفهم النصوص الشرعية وتفسيرها بشكل صحيح, وللتخفيف من حدة الخلاف بين فقهاء الأمصار، والذي يعود جله لسوء فهم مقاصد الشريعة كما يؤكد الباحث.
1 2 3 >  >|