قضايا فكرية

بداية يجب التنبيه إلى أن الإنسان -ومنذ أن فتح عينيه على أرض البسيطة- كان خاضعا للدين الإلهي الذي كان يتلقاه بالوحي؛ كما جاء في الحديث عن النبي –صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان آدم –عليه الصلاة والسلام- وذريته على هذا الدين عشرة قرون؛ ففي صحيح البخاري عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: "وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام". لكن شيئا فشيئا بدت الكثير من هذه تصورات الدين وأحكامه تنطمس، ويحل محلها تصورات وأحكام بشرية؛ وهي تصورات وأحكام كانت تنساق مع الهوى والنزعات الغالية أو الجافية عن هدى الله تعالى. ومع مرور الوقت أصبح الكون والحياة لغزا محيرا وسرا مجهولا، يسعى الإنسان إلى فهمه بعيدا عن الوحي الإلهي. فالغيب والقدر ظلا محل تساؤل للكثير بحثا عن إجابة. لا بل الذات الإنسانية والوظيفة البشرية على الأرض أصبحت محل جدل ونقاش.
من فتن الحضارة المعاصرة مسألة الحرية التي تعني قدرة الإنسان على فعل ما يريده دون إكراه من أحد. ومن فروعها حرية الاعتقاد التي تبيح للإنسان أن يعتنق ما يشاء من العقائد، وأن يغيّر عقيدته إلى أي عقيدة يريدها، دون محاسبة أو مساءلة، بل له أن لا يعتنق أي عقيدة (أي: يلحد).
مقال
[ الاثنين 19 ذو القعدة 1437 هـ ] [ 863 ]
ينطلق بعض الكتاب في تناول قضايا المرأة من رؤى خارجة عن الدين الإسلامي وهوية المجتمع؛ ليس هذا فحسب بل متناقضة مع الدين والهوية والثقافة الخاصة. وهم بذلك لا يقتنصون النجاحات والإيجابيات والمحاسن بل تلك القضايا التي تدور حول كشف جسد المرأة، وظهورها سافرة، واختلاطها بالرجال دون حياء وخجل، واتخاذ الأخدان والأصدقاء، وممارسة ما يحيلها إلى فتنة للشباب بالغناء والرقص وممارسة الرياضة علنا وغير ذلك. هذا الصنف من الكتاب لا يرى التطور والتقدم قيمة موضوعية، فحرية المرأة لا يتعلق لديهم بحالة الاستعباد العامة التي يعيشها المجتمع، من الحكام وأصحاب رؤوس المال وأرباب العمل، بل يرون حريتها في خلع "القماش" الساتر لجسدها! وهم لا يرون كرامة المرأة في أن تعطى حقوقها كاملة كإنسان أولا، وجزء من المجتمع ثانيا؛ فهم لا يدافعون عن حقوق الأم، وحقوق الزوجة، وحقوق البنات، وحقوق العاملات، وحقوق الأرامل والمطلقات، وحقوق السيجنات، وحقوق الطالبات؛ وإنما عن سواقة المرأة للسيارة، وسفرها من غير محرم، وبروزها في الملاعب وعلى شاشات التلفاز!
يقول الماوردي في كتابه (أدب الدنيا والدين: ص115): "فليس دين زال سلطانه إلا بُدِّلت أحكامه، وطُمست أعلامه، وكان لكل زعيم فيه بدعة، ولكل عصر في وهيه -ضعفه- أثر". وهي كلمة حكيمة من عالم خبير، لها ما يصدِّقها من شواهد التاريخ البعيد والقريب على السواء. وهي من جهة أخرى تبين الترابط الوثيق بين حفظ الدين وبين السلطان -النظام السياسي؛ إذ السلطان حارس، وما لا حارس له فهو ضائع، أو يوشك أن يضيع.
يبدو جلياً أن منهج شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- من خلال كتبه ومناقشاته المتميزة بالتنوع في الطرح النابع من منهج السلف، والقائم على الكتاب والسنة بموازين دقيقة، من غير غلو ولا تقصير. ويمكن تسليط أهم ملامح هذا المنهج الاستدلالي عند ابن تيمية في النقاط التالية.
بعد تعريفنا للحرية لغة واصطلاحا، ورسم مفهومها عند الغرب وعند المسلمين، وذكر بعض ضوابط الحرية في الإسلام، من المناسب توضيح الضوابط بذكر أنواع الحرية, وهي: الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية, الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية.
جعل الإسلام الحرية حقاً من الحقوق الطبيعية للإنسان. فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية. وحين يفقد المرء حريته يموت داخلياً، وإن كان في الظاهر يعيش ويأكل ويشرب، ويعمل ويسعى في الأرض. وقد بلغ من تعظيم الإسلام لشأن الحرية أن جعل السبيل إلى إدراك وجود الله تعالى هو العقل الحر، الذي لا ينتظر الإيمان بوجوده بتأثير قوى خارجية، كالخوارق والمعجزات ونحوها.
مقال
[ الأربعاء 17 رمضان 1437 هـ ] [ 1269 ]
تشكل الثقافة ضمن النسق الاجتماعي العام نسقاً فرعياً متميزاً ومستقلاً، لكنه يتفاعل مع بقية الأنساق الفرعية الأخرى ويتطور معها وبها. وتقوم الثقافة بتكوين جملة الطرائق والمعايير التي تحكم رؤية الإنسان للواقع؛ لذلك فإن الثقافة هي مجموع القيم والقواعد والأعراف والتقاليد والخطط التي تبدع وتنظم الدلالات العقلية والروحية والحسية، وتعمل على الحفاظ على توازن النسق الاجتماعي واستقراره ووحدته وتوحيد الأنساق الفرعية للنسق الاجتماعي، عن طريق توحيد الأنماط العقلية التي تحكمها. فالثقافة تغذي الأنساق الفرعية للنسق الاجتماعي بقيم مماثلة، فتخلق نسيجاً اجتماعياً واحداً قادراً على إعادة إنتاج نفسه. لذلك فإن الثقافة في الحقيقة ليست إلا المجتمع نفسه وقد أصبح مظهراً للوعي أو وعياً. وهذا الوعي هو في ذات الوقت وعي بالذات.
الدين من حيث هو وضع رباني حقيقة واحدة، ودين واحد، كما قال تعالى: ((شَرَعَ لَكُم مِّن الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوحَينَا إِلَيكَ ومَا وَصَّينَا بِهِ إِبرَاهِيمَ ومُوسَىٰ وعِيسَىٰ أَن أَقِيمُوا الدِّينَ ولَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الـمُشرِكِينَ مَا تَدعُوهُم إِلَيهِ اللهُ يَجتَبِي إِلَيهِ مَن يَشَاءُ ويَهدِي إِلَيهِ مَن يُنِيبُ)) الشورى: 13؛ وهو الإسلام بما فيه من عقائد ثابتة وأصول محكمة وقواعد دائمة: ((إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسلَامُ))؛ وتعددت الشرائع تبعا لظروف كل أمة وبيئتها؛ وإنما اختلف الناس في مسارات التدين: ((ومَا اختَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلَّا مِن بَعدِ مَا جَاءَهُم العِلمُ بَغيًا بَينَهُم ومَن يَكفُر بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ))، آل عمران: 19. ومن حقق هذا الدين –في أي شرعة نزل- كان محققا للتدين الحق: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِين هَادُوا والنَّصَارَى والصَّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم ولَا خَوفٌ عَلَيهِم ولَا هُم يَحزَنُونَ))، البقرة: 62.
مع كل محطة من محطات الصراع التي كانت تنشأ في المجتمعات البشرية بين الدين والعلم، أو الدين والمصلحة، أو الدين وحاجات الفطرة، كان الدين هو الخاسر، لأنه والحالة هذه ليس إلا تدينا بشريا لا دينا إلهيا، فما يصدر عن الله –عز وجل- لا يتناقض ولا يتضاد. فالعلم الإلهي المحيط، والحكمة الربانية التامة، والقدرة التي لا يعجزها شيء، والإرادة والمشيئة الواحدة، هو ما يميز الدين السماوي: ((ولَو كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلَافًا كَثِيرًا))، النساء: 82؛ وإذا كان الخلق خلقه والأمر أمره: )) أَلَا لَهُ الخَلقُ والأَمرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ))، الأعراف: 54، فإنه أعلم بخلقه وأحكم في أمره: ((أَلَا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ))، الملك: 14.
 < 12 3 4 >  >|