قضايا فكرية

يبدو جلياً أن منهج شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- من خلال كتبه ومناقشاته المتميزة بالتنوع في الطرح النابع من منهج السلف، والقائم على الكتاب والسنة بموازين دقيقة، من غير غلو ولا تقصير. ويمكن تسليط أهم ملامح هذا المنهج الاستدلالي عند ابن تيمية في النقاط التالية.
بعد تعريفنا للحرية لغة واصطلاحا، ورسم مفهومها عند الغرب وعند المسلمين، وذكر بعض ضوابط الحرية في الإسلام، من المناسب توضيح الضوابط بذكر أنواع الحرية, وهي: الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية, الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية.
جعل الإسلام الحرية حقاً من الحقوق الطبيعية للإنسان. فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية. وحين يفقد المرء حريته يموت داخلياً، وإن كان في الظاهر يعيش ويأكل ويشرب، ويعمل ويسعى في الأرض. وقد بلغ من تعظيم الإسلام لشأن الحرية أن جعل السبيل إلى إدراك وجود الله تعالى هو العقل الحر، الذي لا ينتظر الإيمان بوجوده بتأثير قوى خارجية، كالخوارق والمعجزات ونحوها.
مقال
[ الأربعاء 17 رمضان 1437 هـ ] [ 1092 ]
تشكل الثقافة ضمن النسق الاجتماعي العام نسقاً فرعياً متميزاً ومستقلاً، لكنه يتفاعل مع بقية الأنساق الفرعية الأخرى ويتطور معها وبها. وتقوم الثقافة بتكوين جملة الطرائق والمعايير التي تحكم رؤية الإنسان للواقع؛ لذلك فإن الثقافة هي مجموع القيم والقواعد والأعراف والتقاليد والخطط التي تبدع وتنظم الدلالات العقلية والروحية والحسية، وتعمل على الحفاظ على توازن النسق الاجتماعي واستقراره ووحدته وتوحيد الأنساق الفرعية للنسق الاجتماعي، عن طريق توحيد الأنماط العقلية التي تحكمها. فالثقافة تغذي الأنساق الفرعية للنسق الاجتماعي بقيم مماثلة، فتخلق نسيجاً اجتماعياً واحداً قادراً على إعادة إنتاج نفسه. لذلك فإن الثقافة في الحقيقة ليست إلا المجتمع نفسه وقد أصبح مظهراً للوعي أو وعياً. وهذا الوعي هو في ذات الوقت وعي بالذات.
الدين من حيث هو وضع رباني حقيقة واحدة، ودين واحد، كما قال تعالى: ((شَرَعَ لَكُم مِّن الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوحَينَا إِلَيكَ ومَا وَصَّينَا بِهِ إِبرَاهِيمَ ومُوسَىٰ وعِيسَىٰ أَن أَقِيمُوا الدِّينَ ولَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الـمُشرِكِينَ مَا تَدعُوهُم إِلَيهِ اللهُ يَجتَبِي إِلَيهِ مَن يَشَاءُ ويَهدِي إِلَيهِ مَن يُنِيبُ)) الشورى: 13؛ وهو الإسلام بما فيه من عقائد ثابتة وأصول محكمة وقواعد دائمة: ((إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسلَامُ))؛ وتعددت الشرائع تبعا لظروف كل أمة وبيئتها؛ وإنما اختلف الناس في مسارات التدين: ((ومَا اختَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلَّا مِن بَعدِ مَا جَاءَهُم العِلمُ بَغيًا بَينَهُم ومَن يَكفُر بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ))، آل عمران: 19. ومن حقق هذا الدين –في أي شرعة نزل- كان محققا للتدين الحق: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِين هَادُوا والنَّصَارَى والصَّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم ولَا خَوفٌ عَلَيهِم ولَا هُم يَحزَنُونَ))، البقرة: 62.
مع كل محطة من محطات الصراع التي كانت تنشأ في المجتمعات البشرية بين الدين والعلم، أو الدين والمصلحة، أو الدين وحاجات الفطرة، كان الدين هو الخاسر، لأنه والحالة هذه ليس إلا تدينا بشريا لا دينا إلهيا، فما يصدر عن الله –عز وجل- لا يتناقض ولا يتضاد. فالعلم الإلهي المحيط، والحكمة الربانية التامة، والقدرة التي لا يعجزها شيء، والإرادة والمشيئة الواحدة، هو ما يميز الدين السماوي: ((ولَو كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلَافًا كَثِيرًا))، النساء: 82؛ وإذا كان الخلق خلقه والأمر أمره: )) أَلَا لَهُ الخَلقُ والأَمرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ))، الأعراف: 54، فإنه أعلم بخلقه وأحكم في أمره: ((أَلَا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ))، الملك: 14.
مقال
[ الثلاثاء 20 جمادى الآخر 1437 هـ ] [ 1021 ]
الناظر في التراث الفكري والديني على تنوعه وتشعبه تتبدى له حقيقة هامة، وهي أنه ما من فكر وضعي أو تحريف لديانة سماوية وتبديل لها إلا ولليهود فيه نصيب؛ إما تأسيساً، وإما دعماً له وترويجاً لأفكاره، بما يخدم أهدافهم ويعزز مصالحهم. فلليهود تاريخ قديم في التزييف والتحريف؛ ومن ذلك تحريفهم لكتابهم الذي جاء به نبي الله موسى –عليه الصلاة والسلام.
مقال
[ الثلاثاء 20 جمادى الآخر 1437 هـ ] [ 898 ]
تحتل قضايا الدين جزءا كبيرا من مساحة الفكر والوجدان الإنساني عبر التاريخ، ذلك أن التدين أمر حاضر في أعماق الإنسان. ويكثر الجدل حول الظاهرتين في العصر الحديث بعد بروز الإلحاد كدين عالمي، والعلمانية كنهج سياسي. ومنشأ هذا الجدل أمران: تحول الدين من خلال التدين البشري المنحرف إلى عنصر انحطاط وتعنت يشق بالإنسان وسيره في الحياة. والإغراق في الشهوات المادية إلى حد الرغبة للتخلص من الدين، لإراحة الضمير وصراع النفس والقضاء على نوازع التدين. من هنا كان الحديث حول التدين في غاية الأهمية باعتباره حاضرا في العاملين كليهما. وهذا ما سوف نتطرق له في عدة مقالات –بإذن الله تعالى.
مقال
[ الأربعاء 7 جمادى الآخر 1437 هـ ] [ 978 ]
إنَّ سنن الاجتماع البشري لا تُسقِط جماعةً أو أُمةً أو دولةً بفعل خارجي، بل غالبا ما يكون العامل الخارجي كاشفا عن سقوط داخلي بالأساس. وهو قانون لا يتخلف عن أي تجمع بشري مهما كان. حتى ولو كانت أمة محمد –عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في الحديث: (لن يستحِلَّ هذا البيتَ إلَّا أهلُه، فإذا استحَلُّوه فلا تَسَل عن هلَكةِ العرَبِ، ثمَّ تظهَرُ الحبَشةُ فيُخرِبونَه خَرابًا لا يعمُرُ بعدَه أبدًا، وهم الَّذينَ يستخرِجونَ كَنزَه)، صحيح ابن حبان: رقم 6827؛ وفي حديث آخر: (إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ حتَّى رأَيتُ مَشارِقَها ومغاربَها، وأعطاني الكَنزينِ: الأحمرَ والأبيضَ، وإنَّ مُلْكَ أمَّتي سيبلُغُ ما زُوِي لي منها. وإنِّي سأَلْتُ ربِّي لِأمَّتي ألَّا يُهلِكَهم بسَنةٍ عامَّةٍ، وألَّا يُسلِّطَ عليهم عدوًّا مِن غيرِهم فيُهلِكَهم، ولا يلبِسَهم شِيَعًا ويُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ. فقال: يا مُحمَّدُ إنِّي إذا أعطَيتُ عطاءً فلا مرَدَّ له، إنِّي أعطَيتُك لِأمَّتِكَ ألَّا يُهلَكوا بسَنةٍ عامَّةٍ، وألَّا أُسلِّطَ عليهم عدوًّا مِن غيرِهم فيستبيحَهم، ولكن ألبِسُهم شِيَعًا، ولوِ اجتمَع عليهم مَن بينَ أقطارِها حتَّى يكونَ بعضُهم يُهلِكُ بعضًا، وبعضٌ يُفني بعضًا، وبعضُهم يَسبي بعضًا. وإنَّه سيرجِعُ قبائلُ مِن أمَّتي إلى التُّركِ وعبادةِ الأوثانِ). وفي الحديث ذاته: (وإنَّه إذا وُضِع السَّيفُ فيهم لم يُرفَعُ عنهم إلى يومِ القيامةِ)، صحيح ابن حبان: رقم 6714.
مقال
[ الثلاثاء 6 جمادى الآخر 1437 هـ ] [ 1114 ]
ظل الإنسان منذ وجوده على سطح هذه البسيطة متجها نحو المعبد كي يتصل بروح السماء ونورها، لأنه بفطرته كائن متدين كما هو حال الكون من حوله، مع فارق أنه متدين باختياره. وخلال مسيرة الإنسانية كان الصراع يدور حول المعبد، لأن التدين كان هو الظاهرة الطاغية. وكان الخلاف يجري حول الألهة والشرائع، فلا تكاد تسقط ديانة حتى تهيمن ديانة مقابلة، ولا يهدم معبد حتى يبنى آخر. أما الإلحاد فلم يكن سوى استثناء نادرا وظاهرة محدودة. غير أنه ومنذ ثلاثة قرون تحول الإلحاد إلى مبدأ علمي وفلسفي يعمل على هدم المعبد، ويقوض نوازع التدين في النفس الإنسانية، لينتهي في العصر الحديث إلى ظاهرة عالمية طاغية، تقوم عليه مجتمعات ودول! كيف حدث هذا؟! ومن السبب في ذلك؟!
 < 12 3 4 >  >|