قضايا فكرية

إنَّ مَفهُومَ الإسلامِ للحِوارِ الحضَاريِّ مع باقي الدِّيانَاتِ والحضَارَاتِ ينبُعُ مِن رُؤيَتِه الوَاضِحةِ للتَّعَامُلِ مع غَيرِ المسلِمين مِن أهلِ الكِتابِ. فعَقِيدَةُ المسلِمِ لا تكتَمِلُ إلَّا إذا آمَن بالرُّسلِ جَمِيعًا، قال تعالى: ((ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَّبِّهِ والـمُؤمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقَالُوا سَمِعنَا وأطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الـمَصِير)). لكن يَنبَغِي أن لا يكون هناك تنَازُلٌ عن الثَّوابِتِ تحت مُسمَّى "حِوارِ الحضَارَات"، أو يُفهَم هذا التَّسامُحُ الإنسَانيُّ الذي جعَلَه الإسلامُ أسَاسًا رَاسِخًا لعَلاقَةِ المسلمِ مع غَيرِ المسلِمِ على أنَّه انفِلاتٌ أو استِعدَادٌ للذَّوبَانِ في أيِّ كِيانٍ مِن الكِيانَاتِ التي لا تَتَّفِقُ مع جَوهَرِ هذا الدِّين. فالتَّأكِيدُ على الخصُوصيَاتِ العقَائِديةِ والحضَارِيةِ والثَّقافِيةِ لا سَبيلَ إلى إلغائِها، كما أنَّ الإسلامَ لا يُريدُ لهذه الخُصوصِيَّات أن تَمنَعَ التَّفاعُلَ الحضَارِيَّ بين الأُمَمِ والشُّعوبِ والتَّعَاون فيما بينها.
مَرَّت بهذا العَالَمِ أحدَاثٌ مُختَلِفَةٌ مِن حُرُوبٍ وفِتَنٍ واضطِرَاباتٍ وصِرَاعَاتٍ، مِنها الحُروبُ العَالميةُ والحُرُوبُ المختَلِفَةُ، وتَسَارَعت الأَحدَثُ بعد الحادي عَشَر مِن سبتمبر 2001م، فتَغَيَّرَت ظُرُوفُ الحِوارِ بين الحضَارَاتِ وتَطبِيقَاتِه بصُورَةٍ جَذرِيةٍ.
في المقال السابق أشرنا إلى خطورة ظاهرة الغلو والتطرف والإرهاب في واقعنا المعاصر، وتحولها إلى تحدٍّ كبير للأمة، بعد أن أصبحت أداة في أيدي القوى الدولية والإقليمية، وسببا في تبرير الغزو والاحتلال الأجنبي، وخنجرا في ظهور الثوار في سوريا والعراق واليمن، وإلى كون هذه الظاهرة غير منفكة عن التاريخ الإسلامي. وذكرنا أنه جرى تضخيم التطرف والإرهاب "الإسلامي" عالميا مِن قبل أعداء الأمة في الداخل والخارج، في مقابل التغاضي عن جرائم الإرهاب الآخر! وتطرقنا فيه إلى حالة مصر التاريخية تحت الاحتلال الأجنبي، وفي حكم جمال عبدالناصر، وكيف أنها ساهمت في تشكيل هذه الظاهرة. واليوم نعرض لنموذج "جماعة الجهاد" في مصر، والتي أسسها نبيل البرعي عام 1958م، واحتلت موقعا متقدما في هذه الحركات في تلك الفترة.
تفاقمت ظاهرة الغلو والتطرف والإرهاب في واقعنا المعاصر لتصبح من أكبر التحديات التي تشهدها أمتنا اليوم بعد أن كانت ردة فعل ساذجة. وهذه طبيعة الضلال والانحراف. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالبدع تكون في أولها شبراً، ثم تكثر في الأتباع، حتى تصير أذرعاً، وأميالاً، وفراسخ" . وهذا واقع في تطور فكر جماعات العنف عبر عدة عقود، حيث أصبح تكفير غالبية المسلمين هو معتقدها، بعد أن كان الدفاع عن المسلمين هو مبرر تشكيلها! لقد تطورت هذه الجماعات لتصبح جماعات منظمة وقوية. وتسببت في الكثير الكثير من الكوارث للإسلام والمسلمين. وأصبحت أيضا أداة في أيدي القوى الدولية والإقليمية، التي آوت قياداتها سنوات طويلة ولا تزال، واستغلتهم ووظفتهم لتنفيذ بعض مخططاتها, كما أن وجود هذه الجماعات، وما ارتكبته من جرائم، كان السبب لكثير من الغزو والاحتلال والتدمير من الخارج والداخل لعدد من الدول الإسلامية. فقد تمَّ الاحتجاج بمحاربة الإرهاب من الخارج والداخل للتضييق على الإسلام والمسلمين، مما ساهم بدوره في توسيع دائرة الغلو والتطرف والإرهاب بتوفير مبررات للغضب والتهور مِن جهة، وكرّس حالة الجهل بإقصاء ومحاصرة أهل العلم والعمل الإسلامي الصحيح من جهة أخرى.
مقال
[ الاثنين 16 جمادى الأول 1438 هـ ] [ 731 ]
في وعي الليبراليين العرب يمثل الغرب النموذج والمثال الذي ينبغي لنا الاقتداء به، على مستوى الأفكار والقيم والسلوكيات ودون تمييز بين سيء وحسن، وشر وخير. وهذا الموقف من النموذج الغربي يأتي تحت تأثير الإعجاب والانبهار الذي يبديه هؤلاء الكُتاب لفكر الغرب وقيمه ومناهجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وحالة الهزيمة واليأس والإحباط والتنكر للهوية الإسلامية.
يتركَّبُ جِسمُ الكَائِنِ الحيِّ مِن مَركَزٍ وأَطرَافٍ، ويَقعُ في المركز مِن جِسمِه جَميعُ الأَعضَاءِ المهمَّةِ والحيَويَّةِ لحيَاتِه، حيث تترَكَّزُ مُعظَمُ الوَظَائِفِ في مَنطِقَةٍ عَادَةً ما تَكُونُ مُحصَّنَةً. وبهذا يكونُ المركز أَكبَر كُتلَةٍ في الجسم. وكُلُّ عُضوٍ في جِسمِ الكَائِن الحي يَترَكَّبُ مِن خَلايا، وهي أَصغَرُ وِحدَةٍ عُضويَّةٍ في الجِسم. وتَترَكَّبُ الخليَّةُ مِن نَوَاةٍ مَركَزيَّةٍ تَضمُّ أَهمَّ مُكونَاتِ الخليَّةِ ومجمُوعَةَ عُضيَّاتٍ حَولَ النَّواةِ يَضمُّها غِشاءُ الخليَّة. والنَّواةُ أكبَرُ كُتلَةٍ في الخَليَّةِ، وهي تَقومُ بأّهمِّ الأَدوارِ البَيولوجية في الخَليَّةِ مِن خِلالِ: مُراقَبةِ التَّفاعُلات الكيميائيةِ بالهيولى (السيتوبلازم)، وتخزينِ المعلُومَاتِ الضَّرُوريَّةِ لانقِسَامِ الخليَّة. الأَمرُ ذَاتُه يقُابِلُنا في عَالمِ الجَمَادات؛ حيثُ يَتركَّبُ كُلُّ عُنصُرٍ في الكَونِ مِن ذَرَّات. والذَّرَّةُ أَصغَرُ جُزءٍ في العُنصُرِ الكيميائيِّ يُمكِنُ الوُصُولُ إليه، ويَحتَفِظُ بالخصَائِصِ الكيميَائيةِ لذلك العُنصُرِ. وتتَكَوَّن كُلُّ ذَرَّةٍ مِن نَواةٍ ومَجَالٍ إلكتروني. وتَحتَلُّ النَّواةُ الكُتلَةَ الأَكبَرَ في الذَّرَّةِ؛ وهي تَحمِلُ الشُّحنَاتَ الموجَبَة، في حين تَسبَحُ الإلكترونات –سالِبةُ الشُّحنَاتِ- في مجال فَرَاغِيٍّ حَولَ النَّواةِ.
مقال
[ السبت 18 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 986 ]
يتكرر كثيراً عندما تُناقش شخصا في قضية شرعية، أو نازلة فقهية، فيبدي رأيه فيها، بلا أدلةٍ شرعيةٍ ولا تقعيدٍ علميٍّ، بل بمجرد ذوقِه ووَجهَةِ نَظرِه الخاصَّة ليس إلا، فتنصح له بعدم التَّكلُّمِ في الشَّريعةِ بلا عِلمٍ، وترك البحث في هذا الباب لأهل الاختصاص، أن يُقالَ: الإسلام ليس فيه كهنوت! وأنت تمارس الكهنوت تجاهي بطلبك هذا! حيث تقصر معرفة الحق على طائفة محدودة من الناس!
استعمل مصطلح "التنوير" في الفكر العربي الحديث والمعاصر للدلالة على النهضة، على غرار التنوير في أوروبا. وقد حمل هذا المفهوم منذ البداية أبعادا إيديولوجية غربية، إذ أنَّ من رفع لواءه من المفكرين العرب كانوا منبهرين بالنموذج الغربي في التقدم والتحضر، وفي الموقف من الدين، ومن الآخر المتخلف، وفي رؤية الوجود والإنسان والحياة والمصير. ونتيجة لذلك لم يكن التنوير العربي إلا خادما للمشروع الاستعماري والمركزية الغربية. في هذا السياق يمكن التساؤل: هل التنوير بهذه الصفات قادر على تحقيق هوية الأمة؟ أليس الأخذ بنموذج التنوير الغربي إنما هو تغريب للأمة عن ذاتها وهويتها وتذويب لها في الآخر؟ ألا تتوفر الأمة على مرجعية صالحة للانطلاق منها؟ وانطلاقا من هذه التساؤلات يمكن رصد بعض المعضلات التي حايثت مشروع "التنوير العربي" ووسمته بطابع الأزمة.
مقال
[ الأربعاء 25 محرّم 1438 هـ ] [ 665 ]
يتَّهِمُ البعضُ المنتسبين لمذهَبِ السَّلفِ –رضوان الله عليهم- بأنَّهم "ضدُ العَقلِ"، وأنَّهم يَرون "العقلَ" و"العقلانيَّة" "تهمةً ومَسبَّةً"، ويُؤلِّفون في ذمِّها وذمِّ أصحَابها الكُتبَ والمقالات. وقد أشار د. محمد عمارة في مقالة بعنوان: "تجديد السلفية" بهذه التُّهمَةِ إلى أُنَاسٍ يُخاصِمون العَقلَ والعَقلانيَّةَ باسم "السَّلفِ" و"السَّلفيَّةِ"، بدون تقييدٍ لجانبِ هذه الخُصُومةِ، أو تخصِيصٍ للفِئَةِ المتَخَاصَمِ معها. وفي منظور الإنصاف فإنَّه ليس كلُّ مَن انتسبَ للسَّلفِ تحقَّقت سلفيته، كما أنَّه ليس كُلُّ مَن انتسبَ للعَقلِ تحقَّقت عقلانيته. وهذه مقدمة ينبغي أن يُسلِّم بها الجميع. فمُجردُ الانتسابِ والدَّعوى لا تُثبِتُ حقيقةَ المدَّعَى: والدعاوى ما لم يُقِيمُوا عليها بيناتٌ أصحَابُها أَدعِيَاءُ!
مقال
[ الأربعاء 27 ذو الحجة 1437 هـ ] [ 2503 ]
اهتمَّ ثلة من العلماء المسلمين -منذ قرون، وبشكل علمي، بدراسة حالة المجتمع من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ساعين للتوصل إلى التعرف على قوانين كبرى يمكن أن تفسر ما يجري في حياة المجتمعات. ولقد أحدث اهتمامهم هذا صدى واسعاً عند غيرهم من علماء ومفكري الأمم الأخرى، وبالذات لدى الغرب. وقد نتج عن هذا الاهتمام أن سعت ثلة من المفكرين في القرن الثامن عشر والتاسع عشر لتقديم نظريات وأفكار تسعى لتفسير واقع المجتمعات الإنسانية، وتُعنى بتعلم دروس التاريخ.
1 2 3 >  >|