قضايا فكرية

مقال
[ الاثنين 16 جمادى الأول 1438 هـ ] [ 321 ]
في وعي الليبراليين العرب يمثل الغرب النموذج والمثال الذي ينبغي لنا الاقتداء به، على مستوى الأفكار والقيم والسلوكيات ودون تمييز بين سيء وحسن، وشر وخير. وهذا الموقف من النموذج الغربي يأتي تحت تأثير الإعجاب والانبهار الذي يبديه هؤلاء الكُتاب لفكر الغرب وقيمه ومناهجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وحالة الهزيمة واليأس والإحباط والتنكر للهوية الإسلامية.
يتركَّبُ جِسمُ الكَائِنِ الحيِّ مِن مَركَزٍ وأَطرَافٍ، ويَقعُ في المركز مِن جِسمِه جَميعُ الأَعضَاءِ المهمَّةِ والحيَويَّةِ لحيَاتِه، حيث تترَكَّزُ مُعظَمُ الوَظَائِفِ في مَنطِقَةٍ عَادَةً ما تَكُونُ مُحصَّنَةً. وبهذا يكونُ المركز أَكبَر كُتلَةٍ في الجسم. وكُلُّ عُضوٍ في جِسمِ الكَائِن الحي يَترَكَّبُ مِن خَلايا، وهي أَصغَرُ وِحدَةٍ عُضويَّةٍ في الجِسم. وتَترَكَّبُ الخليَّةُ مِن نَوَاةٍ مَركَزيَّةٍ تَضمُّ أَهمَّ مُكونَاتِ الخليَّةِ ومجمُوعَةَ عُضيَّاتٍ حَولَ النَّواةِ يَضمُّها غِشاءُ الخليَّة. والنَّواةُ أكبَرُ كُتلَةٍ في الخَليَّةِ، وهي تَقومُ بأّهمِّ الأَدوارِ البَيولوجية في الخَليَّةِ مِن خِلالِ: مُراقَبةِ التَّفاعُلات الكيميائيةِ بالهيولى (السيتوبلازم)، وتخزينِ المعلُومَاتِ الضَّرُوريَّةِ لانقِسَامِ الخليَّة. الأَمرُ ذَاتُه يقُابِلُنا في عَالمِ الجَمَادات؛ حيثُ يَتركَّبُ كُلُّ عُنصُرٍ في الكَونِ مِن ذَرَّات. والذَّرَّةُ أَصغَرُ جُزءٍ في العُنصُرِ الكيميائيِّ يُمكِنُ الوُصُولُ إليه، ويَحتَفِظُ بالخصَائِصِ الكيميَائيةِ لذلك العُنصُرِ. وتتَكَوَّن كُلُّ ذَرَّةٍ مِن نَواةٍ ومَجَالٍ إلكتروني. وتَحتَلُّ النَّواةُ الكُتلَةَ الأَكبَرَ في الذَّرَّةِ؛ وهي تَحمِلُ الشُّحنَاتَ الموجَبَة، في حين تَسبَحُ الإلكترونات –سالِبةُ الشُّحنَاتِ- في مجال فَرَاغِيٍّ حَولَ النَّواةِ.
مقال
[ السبت 18 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 730 ]
يتكرر كثيراً عندما تُناقش شخصا في قضية شرعية، أو نازلة فقهية، فيبدي رأيه فيها، بلا أدلةٍ شرعيةٍ ولا تقعيدٍ علميٍّ، بل بمجرد ذوقِه ووَجهَةِ نَظرِه الخاصَّة ليس إلا، فتنصح له بعدم التَّكلُّمِ في الشَّريعةِ بلا عِلمٍ، وترك البحث في هذا الباب لأهل الاختصاص، أن يُقالَ: الإسلام ليس فيه كهنوت! وأنت تمارس الكهنوت تجاهي بطلبك هذا! حيث تقصر معرفة الحق على طائفة محدودة من الناس!
استعمل مصطلح "التنوير" في الفكر العربي الحديث والمعاصر للدلالة على النهضة، على غرار التنوير في أوروبا. وقد حمل هذا المفهوم منذ البداية أبعادا إيديولوجية غربية، إذ أنَّ من رفع لواءه من المفكرين العرب كانوا منبهرين بالنموذج الغربي في التقدم والتحضر، وفي الموقف من الدين، ومن الآخر المتخلف، وفي رؤية الوجود والإنسان والحياة والمصير. ونتيجة لذلك لم يكن التنوير العربي إلا خادما للمشروع الاستعماري والمركزية الغربية. في هذا السياق يمكن التساؤل: هل التنوير بهذه الصفات قادر على تحقيق هوية الأمة؟ أليس الأخذ بنموذج التنوير الغربي إنما هو تغريب للأمة عن ذاتها وهويتها وتذويب لها في الآخر؟ ألا تتوفر الأمة على مرجعية صالحة للانطلاق منها؟ وانطلاقا من هذه التساؤلات يمكن رصد بعض المعضلات التي حايثت مشروع "التنوير العربي" ووسمته بطابع الأزمة.
مقال
[ الأربعاء 25 محرّم 1438 هـ ] [ 445 ]
يتَّهِمُ البعضُ المنتسبين لمذهَبِ السَّلفِ –رضوان الله عليهم- بأنَّهم "ضدُ العَقلِ"، وأنَّهم يَرون "العقلَ" و"العقلانيَّة" "تهمةً ومَسبَّةً"، ويُؤلِّفون في ذمِّها وذمِّ أصحَابها الكُتبَ والمقالات. وقد أشار د. محمد عمارة في مقالة بعنوان: "تجديد السلفية" بهذه التُّهمَةِ إلى أُنَاسٍ يُخاصِمون العَقلَ والعَقلانيَّةَ باسم "السَّلفِ" و"السَّلفيَّةِ"، بدون تقييدٍ لجانبِ هذه الخُصُومةِ، أو تخصِيصٍ للفِئَةِ المتَخَاصَمِ معها. وفي منظور الإنصاف فإنَّه ليس كلُّ مَن انتسبَ للسَّلفِ تحقَّقت سلفيته، كما أنَّه ليس كُلُّ مَن انتسبَ للعَقلِ تحقَّقت عقلانيته. وهذه مقدمة ينبغي أن يُسلِّم بها الجميع. فمُجردُ الانتسابِ والدَّعوى لا تُثبِتُ حقيقةَ المدَّعَى: والدعاوى ما لم يُقِيمُوا عليها بيناتٌ أصحَابُها أَدعِيَاءُ!
مقال
[ الأربعاء 27 ذو الحجة 1437 هـ ] [ 1456 ]
اهتمَّ ثلة من العلماء المسلمين -منذ قرون، وبشكل علمي، بدراسة حالة المجتمع من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ساعين للتوصل إلى التعرف على قوانين كبرى يمكن أن تفسر ما يجري في حياة المجتمعات. ولقد أحدث اهتمامهم هذا صدى واسعاً عند غيرهم من علماء ومفكري الأمم الأخرى، وبالذات لدى الغرب. وقد نتج عن هذا الاهتمام أن سعت ثلة من المفكرين في القرن الثامن عشر والتاسع عشر لتقديم نظريات وأفكار تسعى لتفسير واقع المجتمعات الإنسانية، وتُعنى بتعلم دروس التاريخ.
بداية يجب التنبيه إلى أن الإنسان -ومنذ أن فتح عينيه على أرض البسيطة- كان خاضعا للدين الإلهي الذي كان يتلقاه بالوحي؛ كما جاء في الحديث عن النبي –صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان آدم –عليه الصلاة والسلام- وذريته على هذا الدين عشرة قرون؛ ففي صحيح البخاري عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: "وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام". لكن شيئا فشيئا بدت الكثير من هذه تصورات الدين وأحكامه تنطمس، ويحل محلها تصورات وأحكام بشرية؛ وهي تصورات وأحكام كانت تنساق مع الهوى والنزعات الغالية أو الجافية عن هدى الله تعالى. ومع مرور الوقت أصبح الكون والحياة لغزا محيرا وسرا مجهولا، يسعى الإنسان إلى فهمه بعيدا عن الوحي الإلهي. فالغيب والقدر ظلا محل تساؤل للكثير بحثا عن إجابة. لا بل الذات الإنسانية والوظيفة البشرية على الأرض أصبحت محل جدل ونقاش.
من فتن الحضارة المعاصرة مسألة الحرية التي تعني قدرة الإنسان على فعل ما يريده دون إكراه من أحد. ومن فروعها حرية الاعتقاد التي تبيح للإنسان أن يعتنق ما يشاء من العقائد، وأن يغيّر عقيدته إلى أي عقيدة يريدها، دون محاسبة أو مساءلة، بل له أن لا يعتنق أي عقيدة (أي: يلحد).
مقال
[ الاثنين 19 ذو القعدة 1437 هـ ] [ 693 ]
ينطلق بعض الكتاب في تناول قضايا المرأة من رؤى خارجة عن الدين الإسلامي وهوية المجتمع؛ ليس هذا فحسب بل متناقضة مع الدين والهوية والثقافة الخاصة. وهم بذلك لا يقتنصون النجاحات والإيجابيات والمحاسن بل تلك القضايا التي تدور حول كشف جسد المرأة، وظهورها سافرة، واختلاطها بالرجال دون حياء وخجل، واتخاذ الأخدان والأصدقاء، وممارسة ما يحيلها إلى فتنة للشباب بالغناء والرقص وممارسة الرياضة علنا وغير ذلك. هذا الصنف من الكتاب لا يرى التطور والتقدم قيمة موضوعية، فحرية المرأة لا يتعلق لديهم بحالة الاستعباد العامة التي يعيشها المجتمع، من الحكام وأصحاب رؤوس المال وأرباب العمل، بل يرون حريتها في خلع "القماش" الساتر لجسدها! وهم لا يرون كرامة المرأة في أن تعطى حقوقها كاملة كإنسان أولا، وجزء من المجتمع ثانيا؛ فهم لا يدافعون عن حقوق الأم، وحقوق الزوجة، وحقوق البنات، وحقوق العاملات، وحقوق الأرامل والمطلقات، وحقوق السيجنات، وحقوق الطالبات؛ وإنما عن سواقة المرأة للسيارة، وسفرها من غير محرم، وبروزها في الملاعب وعلى شاشات التلفاز!
يقول الماوردي في كتابه (أدب الدنيا والدين: ص115): "فليس دين زال سلطانه إلا بُدِّلت أحكامه، وطُمست أعلامه، وكان لكل زعيم فيه بدعة، ولكل عصر في وهيه -ضعفه- أثر". وهي كلمة حكيمة من عالم خبير، لها ما يصدِّقها من شواهد التاريخ البعيد والقريب على السواء. وهي من جهة أخرى تبين الترابط الوثيق بين حفظ الدين وبين السلطان -النظام السياسي؛ إذ السلطان حارس، وما لا حارس له فهو ضائع، أو يوشك أن يضيع.
1 2 3 >  >|