أصول و محكمات

أراد الله تعالى بخلق بني آدم استخلافهم في الأرض، وقيامهم بعمرانها على هدى من الله –عز وجل. ومن أجل تحقيق هذا المراد جعل الله النبوة والرسالة، كيما يقوم الأنبياء والرسل بتلقي الوحي الإلهي وتبليغه للناس، وإرشادهم في ضوئه، وإقامة شئونهم في ظلاله. واصطفى الله لهذه المهمة رجالا من جنس البشر أنفسهم، واختارهم من بني قومهم: ((وإِنَّهُم عِندَنَا لَمِن الـمُصطَفَينَ الأَخيَارِ))، ص: 47. ولم تكن بشرية الرسل تخفى على الناس وهم يستمعون إلى دعوة الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام؛ بل كانت هذه الصفة معلومة لهم بالضرورة. كما كانت محل استشهاد المكذبين لنبوتهم ورسالتهم، مقررين أن النبوة والرسالة ابتداء لا تكون في البشر، وأنَّ البشر غير مؤهلين لحمل النبوة والرسالة ثانيا, لذلك اعترضوا على الرسل فرادى ومثنى وجمع.. وهذه أقوالهم سجلها القرآن الكريم: ((ومَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثلُنَا))، الشعراء: 186، ((أَنُؤمِنُ لِبَشَرَينِ مِثلِنَا))، المؤمنون: 45- 47، ((إِن أَنتُم إِلاَّ بَشَرٌ مِّثلُنَا))، إبراهيم: 10. فكانت بشرية الرسل هي متكأ المكذبين لعدم التصديق والإذعان.
مقال
[ الخميس 18 رمضان 1437 هـ ] [ 930 ]
من أعظم الذنوب التي عُصِيَّ الله تعالى بها، وكان لها رواج واسع في البشر عبر التاريخ.. الشرك. فإن فطرة الإنسان تقر بوجود الإله، وهي أبعد ما تكون عن الإلحاد وإنكار وجود الخالق. كما أن غريزته تنحو بطبيعتها للتدين لا إلى الكفر. ومن ثمَّ كان مدخل الشيطان على البشرية هو المدخل الأقرب إليها؛ فأتاها من قبيل إيمانها وتدينها ليحرفها عن الجادة. ففي صحيح مسلم عن عياض بن حمار -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم). حنفاءُ أَي: مسلمين.
مقال
[ الجمعة 5 رمضان 1437 هـ ] [ 809 ]
مقصود العبادات الصلة بالله تعالى، وتوجه الروح والنفس بتجلياتها العقلية والقلبية والجسدية والقولية والفعلية إليه سبحانه، والانقطاع عن ملذات الدنيا وشهواتها، والاكتفاء منها بما تقوم به الضرورة والحاجة. ذلك أن الإقبال على الله تعالى ومناجاته والخشوع بين يديه لا تتأتى مع انشغال النفس بالملذات والشهوات، فإن صفاء النفس مستلزم للتخفف من ثقلة المكون الأرضي (الطيني) في الإنسان، والانطلاق في فضاء الروح العلوي. وجزء من شهوة الإنسان الشهوة الجنسية. وهي وإن كانت شهوة طبيعية فيه، لتكون عامل تحفيز لبقاء الجنس البشري وديمومة التوالد، فهي محكومة بالشرع، لينال الإنسان منها حاجته ومتعته دون إسراف ولا تعد ولا بغي. ومن ثمَّ وجه الله تعالى عباده في مواطن العبادات إلى تركها، وإفراغ النفس من طلبها ما أمكن. وهنا يكون الابتلاء.
مقال
[ الجمعة 27 شعبان 1437 هـ ] [ 770 ]
الحج الركن الخامس من أركان الإسلام ومبانيه العظام. وهو شعيرة التوحيد وشعار الوحدة بحق. أما التوحيد فلأنه تتحقق فيه صور التوحيد المختلفة، والتضحية لأجله، وإعلانه بامتياز. فكل أفعاله وأقواله ومعانيه تُكَرِّسُ التوحيد وتدعو إليه، ابتداء من إخلاص النيَّة وانتهاء بالتبرؤ من الشرك وأهله. فقلوب الحجيج متجهة إلى الله تعالى، تذكره وتشكره، وتلبي نداءه، وتدعوه، وتستغفره وتسأله الخير كله. وأما الوحدة فلأنه يعيد الناس إلى حقيقتهم الأصلية التي تجعلهم عبادا سواسية أمام الخالق وتكليفه. كما أنه يجمع شتات المؤمنين من أصقاع المعمورة في زمن واحد ومكان واحد وهيئة واحدة في مهمة واحدة وشعار واحد. وهو مرتبط في ذاكرة البشرية بأبي الأنبياء وإمام الموحدين إبراهيم –عليه الصلاة والسلام، فيربط جميع الرسالات بأصلها التوحيدي الذي ينبغي أن تعود إليه وتصدر عنه.
مقال
[ الثلاثاء 24 شعبان 1437 هـ ] [ 911 ]
أعمال الكفار والجزاء عليها ثواباً أو عقاباً من الأمور التي تحتاج إلى بيان وتفصيل؛ ذلك أن الناظر في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يجد فيهما نصوصاً تقضي بحبوط أعمال الكفار، وعدم انتفاعهم بها في الآخرة، كما يجد نصوصاً أخرى تدل على أن كل إنسان -كافراً كان أو مسلماً- سيرى جزاء عمله، وقد يموت الكافر على كفره، وقد يشرح الله صدره للإسلام؛ فما القول في عمله حال كفره؟ وهل يجزى به بعد إسلامه؟ وقد يرتد المسلم والعياذ بالله، فما حكم عمله في الإسلام إن مات على ردته، أو راجع الإسلام؟
مع تفشي ظاهرة الحكم على الناس على غير مقتضى كلام الله تعالى وهدي نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- في العصر الحديث, ومع كثرة تساهل بعض المسلمين في إطلاق الأحكام على الناس بخلاف أصول الإسلام, والذي وصل إلى حد إخراج المسلم ذو الشيبة في الإسلام من دين الله تعالى دون أي دليل ظاهر أو سبب واضح, بل وإهدار دمه و إزهاق روحه بدعوى أنه مرتد عن دين الله تعالى، كان لابد من تناول مسألة وجوب التقيد بأحكام الإسلام في هذا المجال, والالتزام بقاعدة: الظاهر لا السرائر هو نطاق الحكم على الناس في الدنيا, وأن الله تعالى هو الذي يتولى الحكم على السرائر في الآخرة. وعلى الرغم من أن قاعدة "الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر" تشمل بالإضافة لقضايا الاعتقاد مسائل المعاملات والقضاء, إلا أن الأهم بالتأكيد هو التركيز على ظاهرة خروج بعض المسلمين عن نطاق هذه القاعدة فيما يتعلق بأخطر قضية في الإسلام ألا وهي التكفير, ناهيك عما قد يستتبع ذلك التكفير من استحلال الدم وقتل المسلمين بغير حق.
في هذا الجزء من المقال نستكمل ما بدأناه في المقال السابق من تصنيف الناس وفق ثنائية: الإسلام والكفر. حيث سبق الإشارة إلى المسلم الحق، والكافر الحق. وهنا نذكر الصنفين الآخرين وهما:
مع كثرة الفتن وغلبة الجهل، تضيع المفاهيم وتطلق المصطلحات في غير محلها، حتى يصبح الحق باطلا والباطل حقا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا. ومن ثمَّ يقع الناس في حدود الله تعالى غير مميزين، فيستحلون الحرام ويحرمون الحلال. وأعظم هذا التعدي على حدود الله سلب مسلم معصوم الدم صفة الإسلام، فينتهك دمه وعرضه وماله، أو وصف كافر أصلي بالإيمان، فيصرف له من المحبة والمودة والولاء ما يلتبس معه حاله مع الناس. لذلك كانت معركة المصطلحات والمفاهيم أهم المعارك لعلماء الإسلام المجددين له عند كل فترة يندرس فيها الدين وتنطمس فيه معالمه. فإنَّ بداية معرفة حقائق الأشياء تسميتها باسمها الذي سماها الله به في شرعه، وإسقاطها على أهلها الذين هم أحق بها.
إن معظم معاملات وبنوك الدول العربية والإسلامية سارت على طريق التعامل بالربا, حتى أصبح أمرا واقعا، بسبب الابتعاد عن منهج الله القويم, وعدم الاعتبار بالتحريم القرآني الصريح، والتهديد بالحرب على فاعله في الدنيا قبل الآخرة, قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا مَا بَقِيَ مِن الرِّبَا إِن كُنتُم مُؤمِنِينَ * فَإِن لَم تَفعَلُوا فَأذَنُوا بِحَربٍ مِن اللهِ ورَسُولِهِ وإِن تُبتُم فَلَكُم رُءُوسُ أَموَالِكُم لَا تَظلِمُونَ ولَا تُظلَمُونَ))، البقرة: 278- 279. وفي دراسة للدكتور ضياء الدين عبدالله محمد صالح عن الربا نشرتها مجلة البحوث والدراسات الاسلامية [العدد 34، 2013م- العراق]، عالج الباحث -تحت عنوان هذه القراءة- موضوع بات ملحا في الحياة اليومية. إذ إن التعامل بالربا أصبح السمة البارزة للاقتصاد في عصرنا, وذلك بحجة أن فيه مصلحة, وأن النمو الاقتصادي لا يتحقق إلا بهذا التعامل.
لا جدل في أنَّ ترك الإنسان مخيرا في الأرض يترتب عنه فساد عظيم، لطبيعة الإنسان المركبة من الجهل والظلم، لذلك جاء في القرآن الكريم استشفاف الملائكة للحال التي تحل في الأرض من كائن بهذه الصفة: ((وإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا ويَسفِكُ الدِّمَاءَ ونَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ))، البقرة: 30. وهذه الطبيعة يقابلها العلم والعدل، وقد رسخها الله تعالى في الفطرة البشرية ليبقى قانون التدافع بين الطبيعتين محل الابتلاء؛ يقول تعالى: ((ولَولَا دَفعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرضُ ولَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضلٍ عَلَى العَالَمِينَ))، البقرة: 251. وهذا التدافع يتمثل في إحدى ميادينه في شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تلك الشعيرة الإسلامية الخالدة التي تظافرت عليها آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول المصطفى –صلى الله عليه وسلم؛ حتى إنَّ هذه الشعيرة تمثل محكما من محكمات هذا الدين.
 < 1 23 4 5 >  >|