أصول و محكمات

مقال
[ الثلاثاء 15 صفر 1438 هـ ] [ 513 ]
ذكرنا أن الزِّنا فاحشة عظيمة، وأنَّ الله تعالى قرنها بالشرك وقَتلِ النَّفسِ التي حرَّم الله، وأنَّ هذا الانحراف يأتي في إطار الانجذاب الفطري بين الجنسين: الذكر والأنثى. وذكرنا أنَّ ما وراءَ هذه المعصية مِن شُذوذٍ إنما هو خُروجٌ عن الفِطرةِ والطَّبيعةِ والشَّرائعِ التي أَجمعَت –جميعُها- على حُرمَته. ولم تُعاقَب أُمَّةٌ مِن الأُمم على مَعصيةٍ بعُقوبَاتٍ مُتعدِّدةٍ كما عُوقِبَ قَومُ لُوطٍ –عليه الصلاة والسلام- على شذوذِهم. وهنا نتناول حرمة هذه الفاحشة، وأثر هذه الجريمة النكراء والفاحشة الجامعة للرذائل في مرتكبها، وعقوبتها.
مقال
[ الأحد 13 صفر 1438 هـ ] [ 634 ]
ركَّبَ اللهُ تعالى الأَحيَاءَ مِن الخَلقِ على قَاعِدةِ "الزوجية"، أي أن كل نوع من أنواع الكائنات الحيَّةِ موزعة على فصيلين أو جنسين: ذكر وأنثى. يقول تعالى: ((وأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثَى))، النجم: 45. ومن لقاء هذين الزوجين واتصالهم الجنسي معا تنتج الذرية والنسل، ويستمر وجود النوع الكلي: ((أَلَم يَكُ نُطفَةً مِن مَنِيٍّ يُمنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثَى))، القيامة: 37- 40. فلا يمكن استمرار النوع إلا باتصال الجنس. ولمـَّا أراد الله تعالى أن يستنقذ نوح –عليه الصلاة والسلام، ما شاء الله أن يستنقذ، أمره بأن يحمل في سفينته مِن كُلٍّ زَوجَينِ اثنَينِ (هود: 40، والمؤمنون: 27). وقد جاءت الشرائع السماوية لضبط هذه العلاقة الجنسية بين الزوجين استجابة للشهوة الطبيعية، في إطار الفطرة والأخلاق ومقاصد الدِّين الاجتماعية والإنسانية. فلم تحرم الشرائع السماوية العلاقات الجنسية بين الجنسين: الذكر والأنثى، لأنها نتاج ميول طبيعية، وإنما رشدت هذه العلاقة منذ وجودها ميولا داخلية إلى تحولها إلى ممارسة فعلية. وفي هذا الشأن عززت الشريعة من العلاقة الجنسية النظيفة والطاهرة، فأجازت النكاح الشرعي كإطار لإقامتها، وقيدته في عدد من الزوجات، وأباحت ملك اليمين بدون قيد عددي.
مقال
[ الاثنين 30 محرّم 1438 هـ ] [ 494 ]
بدعة التكفير من أَشدِّ البدع التي عصفت بالأمة، واستحل أصحابها دماء المسلمين، ولم يفرقوا بين برٍّ وفَاجِرٍ، ولم يَفوا لذي عهد بعهده. وهي من أوائل البدع ظهورا، فقد ظهرت في الخوارج، ثمَّ تلقفتها بقية الفِرقِ الكلامية المنشقة عن أهل السنة والجماعة، حتى صَارَ تكفير أَهلِ القِبلةِ بالظَّن شِعارًا لهم. ولم يزل بهم الأمر حتى كَفَّر بعضُهم بعضًا. فالإمام البغدادي يقول، في كتابه (الفَرقُ بين الفِرقِ، ص153): "فهذا راهب المعتزلة، قال بتكفير شيوخه، وقال شيوخه بتكفيره، وكلا الفريقين محق في تكفير صاحبه". ولم يكن المنهج السلفي بمنأى عن هذا النقاش، بل كان حاضرا في كل القضايا يبرز موقفه الشرعي، ويبين خطأ مخالفيه، فما هي معايير المنهج السلفي في هذه القضية؟
مقال
[ الجمعة 13 محرّم 1438 هـ ] [ 523 ]
الأمر بالعدل في القرآن الكريم تكرر كثيرا، فهو قِوامُ الدَّينِ والدُّنيا، وبه صلاحُ الناسِ ظاهرا وباطنا. وإنما بَعَثَ الله تعالى الرُّسلَ بواجبِ العَدلِ: ((فَلِذَلِكَ فَادعُ واستَقِم كَمَا أُمِرتَ ولَا تَتَّبِع أَهوَاءَهُم وقُل آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وأُمِرتُ لِأَعدِلَ بَينَكُم اللَّهُ رَبُّنَا ورَبُّكُم لَنَا أَعمَالنَا ولَكُم أَعمَالُكُم لَا حُجَّةَ بَينَنَا وبَينَكُم اللَّهُ يَجمَعُ بَينَنَا وإِلَيهِ الـمَصِيرُ))، الشورى: 15. وأنزل سبحانه الكتاب لهذه الغاية: ((لَقَد أَرسَلنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وأَنزَلنَا مَعَهُم الكِتَابَ والـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسطِ))، الحديد: 25. فالشريعةُ عَدلٌ كُلُّها، كما أنَّها رحمةٌ كلُّها. ومفهوم العدل يختلف عن مفهوم المساواة، فحيث كانت المساواة بين المتماثلين كان ذلك عدلا وحيث كانت المساواة بين مختلفين كانت ظلما؛ كما أنَّ عَدمَ المساواة بين المتماثلين فيما تساووا فيه ظلم، وتمييزَ المختلفين بإعطاء كل منهما حقه المستحق دون الآخر عَدلٌ. وهذا من بدهيات العقول ومدركات التجربة والخبرة. من هنا كان الوصف الغالب في الثناء والمدح والتكليف الشرعي منوطا بوصف العدل والقسط، لا المساواة.
إنَّ النظر في ملكوت السماوات والأرض يهدينا إلى معرفة السنن الكونية؛ والنظر في تاريخ الأمم وأحوال المجتمعات يهدينا إلى معرفة السنن الاجتماعية؛ وكلاهما -تبعاً للمنهج القرآني- ذو أهمية في الحياة العملية للإنسان. والظواهر الاجتماعية هي تلك التي تنجم عن تجمع الناس، وتفاعلهم مع بعضهم، ودخولهم في شبكة من العلاقات المتبادلة. والفعل البشري بالنسبة للظواهر الاجتماعية هو الذي تتشكل بموجبه حركة التاريخ زماناً ومكاناً، مقدمات ونتائج. وأمر البشر هذا وما يترتب عليه من تبعات يجري وفق قواعد ثابتة وسنن مطردة، مؤطرة بمشيئة الله تعالى وإرادته في خلقه وعادته فيهم.
إن التيسير ورفع الحرج من المقاصد المقطوع بها في الشريعة. وهو من مقاصدها العامة في جميع نواحي الشريعة من عبادات ومعاملات وغيرها. والدين مبنى على السماحة واليسر ورفع الحرج ودفع المشقة وقلة التكاليف. وإذا وجد ما يصعب فعله فقد شرع الله رخصًا تُبِيحُ للمكلفين ما قد حُرِّم عليهم، وتُسقِطُ عنهم ما قد وَجَبَ عليهم فعله، حتى تزول الضرورة، وذلك رحمة من الله بعباده وفضلا ًوكرماً.
أراد الله تعالى بخلق بني آدم استخلافهم في الأرض، وقيامهم بعمرانها على هدى من الله –عز وجل. ومن أجل تحقيق هذا المراد جعل الله النبوة والرسالة، كيما يقوم الأنبياء والرسل بتلقي الوحي الإلهي وتبليغه للناس، وإرشادهم في ضوئه، وإقامة شئونهم في ظلاله. واصطفى الله لهذه المهمة رجالا من جنس البشر أنفسهم، واختارهم من بني قومهم: ((وإِنَّهُم عِندَنَا لَمِن الـمُصطَفَينَ الأَخيَارِ))، ص: 47. ولم تكن بشرية الرسل تخفى على الناس وهم يستمعون إلى دعوة الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام؛ بل كانت هذه الصفة معلومة لهم بالضرورة. كما كانت محل استشهاد المكذبين لنبوتهم ورسالتهم، مقررين أن النبوة والرسالة ابتداء لا تكون في البشر، وأنَّ البشر غير مؤهلين لحمل النبوة والرسالة ثانيا, لذلك اعترضوا على الرسل فرادى ومثنى وجمع.. وهذه أقوالهم سجلها القرآن الكريم: ((ومَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثلُنَا))، الشعراء: 186، ((أَنُؤمِنُ لِبَشَرَينِ مِثلِنَا))، المؤمنون: 45- 47، ((إِن أَنتُم إِلاَّ بَشَرٌ مِّثلُنَا))، إبراهيم: 10. فكانت بشرية الرسل هي متكأ المكذبين لعدم التصديق والإذعان.
مقال
[ الخميس 18 رمضان 1437 هـ ] [ 785 ]
من أعظم الذنوب التي عُصِيَّ الله تعالى بها، وكان لها رواج واسع في البشر عبر التاريخ.. الشرك. فإن فطرة الإنسان تقر بوجود الإله، وهي أبعد ما تكون عن الإلحاد وإنكار وجود الخالق. كما أن غريزته تنحو بطبيعتها للتدين لا إلى الكفر. ومن ثمَّ كان مدخل الشيطان على البشرية هو المدخل الأقرب إليها؛ فأتاها من قبيل إيمانها وتدينها ليحرفها عن الجادة. ففي صحيح مسلم عن عياض بن حمار -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم). حنفاءُ أَي: مسلمين.
مقال
[ الجمعة 5 رمضان 1437 هـ ] [ 659 ]
مقصود العبادات الصلة بالله تعالى، وتوجه الروح والنفس بتجلياتها العقلية والقلبية والجسدية والقولية والفعلية إليه سبحانه، والانقطاع عن ملذات الدنيا وشهواتها، والاكتفاء منها بما تقوم به الضرورة والحاجة. ذلك أن الإقبال على الله تعالى ومناجاته والخشوع بين يديه لا تتأتى مع انشغال النفس بالملذات والشهوات، فإن صفاء النفس مستلزم للتخفف من ثقلة المكون الأرضي (الطيني) في الإنسان، والانطلاق في فضاء الروح العلوي. وجزء من شهوة الإنسان الشهوة الجنسية. وهي وإن كانت شهوة طبيعية فيه، لتكون عامل تحفيز لبقاء الجنس البشري وديمومة التوالد، فهي محكومة بالشرع، لينال الإنسان منها حاجته ومتعته دون إسراف ولا تعد ولا بغي. ومن ثمَّ وجه الله تعالى عباده في مواطن العبادات إلى تركها، وإفراغ النفس من طلبها ما أمكن. وهنا يكون الابتلاء.
مقال
[ الجمعة 27 شعبان 1437 هـ ] [ 651 ]
الحج الركن الخامس من أركان الإسلام ومبانيه العظام. وهو شعيرة التوحيد وشعار الوحدة بحق. أما التوحيد فلأنه تتحقق فيه صور التوحيد المختلفة، والتضحية لأجله، وإعلانه بامتياز. فكل أفعاله وأقواله ومعانيه تُكَرِّسُ التوحيد وتدعو إليه، ابتداء من إخلاص النيَّة وانتهاء بالتبرؤ من الشرك وأهله. فقلوب الحجيج متجهة إلى الله تعالى، تذكره وتشكره، وتلبي نداءه، وتدعوه، وتستغفره وتسأله الخير كله. وأما الوحدة فلأنه يعيد الناس إلى حقيقتهم الأصلية التي تجعلهم عبادا سواسية أمام الخالق وتكليفه. كما أنه يجمع شتات المؤمنين من أصقاع المعمورة في زمن واحد ومكان واحد وهيئة واحدة في مهمة واحدة وشعار واحد. وهو مرتبط في ذاكرة البشرية بأبي الأنبياء وإمام الموحدين إبراهيم –عليه الصلاة والسلام، فيربط جميع الرسالات بأصلها التوحيدي الذي ينبغي أن تعود إليه وتصدر عنه.
 < 12 3 4 >  >|