أصول و محكمات

الإيمانُ باليومِ الآخِرِ رُكنٌ مِن أَركَانِ الإيمَانِ، لا يَصِحُّ إيمانُ العَبدِ إلا بِهِ. وقد جَاءَت الآياتُ القرآنيةُ والأحاديثُ النبويةُ وافرةً في الإخبارِ عنه، وعمَّا يكون فيه مِن أُمُورٍ، كالبَعثِ والنُشورِ والجزَاءِ والحسَابِ وغِيرها. والعِنَايَةُ باليَومِ الآخِرِ مَقصُودُه أن يستَعِدَّ العِبادُ لما فيه، ولمآلِهم الذي سَيَؤُلُون إليه بعدَ الحِسَابِ، مِن جَنَّةٍ أو نَارٍ. ومِن أَسمَاءِ هذا اليومِ التي ورَدَت في القُرآنِ الكَريمِ "السَّاعَةُ"، وسُميَّ بذلك لسُرعَةِ الحِسَابِ فيه، أو لسُرعَةِ مُبَاغَتَتِه للعِبَادِ، أو قِياسًا إلى ما قَبلَه أو بَعدَه مِن زَمَنٍ لا يَعلَمُ قَدرَه إلا الله. واليومُ الآخِرُ يَسبِقَهُ فَنَاءُ الأَحيَاءِ في هذا الكون، ويَبدأُ الفَنَاءُ فيه بفَنَاءِ أَهلِ الأَرضِ ثمَّ يَتبَعُه فَنَاءُ أَهلِ السَّماءِ؛ مصداقا لقوله تعالى: ((ولَا تَدعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجهَهُ لَهُ الحُكمُ وإِلَيهِ تُرجَعُونَ))، القصص: 88. وحَقِيقَةُ مَجِيءِ اليَومِ الآخِرِ مما أَشغَلَ بَالَ النَّاسِ عُمومًا، وجَادَلَ فيه الكَافِرون؛ قال تعالى: ((يَسأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ اللَّهِ ومَا يُدرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا))، الأحزاب: 63، وقال سبحانه: ((يَسأَلُونَكَ عَن السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَت فِي السَّمَاوَاتِ والأَرضِ لَا تَأتِيكُم إِلَّا بَغتَةً يَسأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنهَا قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ اللَّهِ ولَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يَعلَمُونَ))، الأعراف: 187، وقال تعالى: ((يَسأَلُونَكَ عَن السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخشَاهَا))، النازعات: 42- 45.
لا يمكِنُ لأُمَّةٍ مِن الأُمَمِ البَشَريَّةِ أن تَهتَدي بعد أن تَضِلَّ في شَأنِ كِتَابِها الذي أَنزَلَه اللهُ تعالى لها هُدى ونُورًا؛ فلا تُميِّزُ حَقِيقَتَه ولا تَعرِفُ قَدرَه، ولا تُنزِّهَه عن مَطَاعِن الطَّاعِنين، وتَحرِيفِ المبطِلِين. وهذا ما وَقَعَ في الأُمَمِ السَّابَقَةِ مع كُتُبها المنزَلَةِ إليها، ونَزَّه اللهُ تعالى هذه الأُمَّةَ المسلِمَةَ مِنه، لأنَّها خَاتِمةُ الأُمَمِ ورِسَالَتَها خَاتِمَةُ الرِّسَالات. قال تعالى: ((إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))، الحجر: 9. فحَفِظَ اللهُ تعالى نُصُوصَه، وحَفِظَ اللهُ حَمَلَته جِيلًا بعد جِيلٍ حتى يُبَلِّغُوه، وحَفِظَ اللهُ أُمَّةً تُمسِكُ بصَحيحِ تَأويِلِه جِيلًا بعد جِيلٍ، وسَخَّرَ له مَن يَذُبُّ عنه ويُقَاتِلُ عليه. وهذا ما تَميَّزَ به القُرآنُ الكَريمُ عن بَقِيَّةِ الكُتُبِ السَّماويَّة التي اندَرَسَ كَثِيرٌ مِنها، وحُرِّفَ ما تَبَقَى مِن نُصُوصِها، واختُلِفَ في تَأويِلها. وقد وَقَعَ في هذه الأُمَّةِ المسلِمَةِ بَعضُ ما وَقَعَ في الأُمَمِ السَّابِقةِ مِن هذه الأمرَاضِ، من حيث الخِلافِ على حَقِيقَتِه، ودَعوى تَحرِيفِه سَعيًّا في تَحرِيفِه، وتأويِلِه بتَأوِيلاتٍ بَاطِلَةٍ إخرَاجًا له عن معَانِيه الصَّحِيحَةِ. غَيرَ أنَّ ذلك لم يَبلُغ بالقُرآنِ الكريم الذي تَولَّى الله حِفظَه ظَلَّ محفُوظًا ظَاهِرًا مُنتَشِرًا في صُدُورِ المسلمين وفي مَصَاحِفِهم.
مِن أَدنَس الفَواحِشِ التي عَصمَنا الله تعالى منها بالإسلام، وطهَّرَ مِنها أُمَّتَنا بالإيمان، فاحِشةُ "قَومِ لُوطٍ". وهي فَاحِشَةٌ يُطَلَقُ عليها بعَصرِنا "المثلية"، أو "الجنس المثلي"، ويُطَلَقُ على المتَفحِّشِين المتَلطِّخِين بها "المثليون"؛ وهي تعني ممارَسةُ الفَاحِشَةَ بين مُتَمَاثلين في الجنس، سواء كانت بين ذكرين، أم بين أُنثَيين.
مقال
[ الخميس 2 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 367 ]
خلق الله تعالى الإنس والجنَّ لعبادته: ((ومَا خَلَقتُ الجِنَّ والإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ)). وحيث أنه سبحانه زودهم بخصيصة الاختيار، فجعلهم مختارين بين أن يطيعوه وبين أن يعصوه، فإنَّه خاطبهم بالرسالات والشرائع ليدخلوا في عبوديته اختيارا. فإن آمنوا بالرسالة وأطاعوا أمره حققوا مراد الله تعالى الشرعي فيهم، وإن كفروا بالرسالة وعصوه خرجوا من العبودية الشرعية وإن لم يخرجوا من العبودية الكونية. ومحك التمييز بين المؤمن والكافر والطائع والعاصي الشريعة، وهي خبر وأمر ونهي.
عاش الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي –حمه الله- في حقبة الحرب الباردة من القرن العشرين، والتي اتسمت بالصراع الأيديولوجي بين الغرب الليبرالي والشرق الشيوعي. وكان الفكر الشيوعي الإلحادي قد امتدَّ إلى الوطن العربي وبلغ الجزيرة العربية. وقد عاش الشيخ السعدي في الفترة: 1307ه - 1376ه؛ وهي فترة قيام أحزاب وأنظمة إلحادية في العالم العربي والإسلامي، وانتشار أفكارها وثقافتها في الشباب والعامة عموما. وحيث أن الشيخ اهتم بقضايا عصره الذي عاش فقد دفعه ذلك للحديث عن الأدلة العقلية على وحدانية الله وكماله، وتعزيز البراهين التي يتقوى بها إيمان المؤمن، ويزداد يقينهُ معها، وتمكِّنَه مِن مواجهة ما يطرحه الملحدون والمتشككون في الله تعالى، ممن بدأوا يتأثرون بأطروحات الغرب والشرق.
إنَّ موضوع تعليل الأحكام الشرعية من أهم موضوعات علم الأصول وأدقها. وقد حظيَّ هذا الموضوع باهتمام علماء هذا الفنِّ منذ البدايات الأولى للتصنيف فيه؛ حيث خصص الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) أبواباً في القياس والاجتهاد والاستحسان، فصّل فيها المنهج الذي يجب على المجتهد أن يسلكه في سعيه إلى استنباط الأحكام بهذه المسالك. ومن أنواع التعليل التي نبه عليها علماء الأصول "التعليل بالحكمة"، وهو مبحث لطيف اختلفت فيه وجهات النظر، وتشعبت فيه الآراء.
مقال
[ الثلاثاء 15 صفر 1438 هـ ] [ 439 ]
ذكرنا أن الزِّنا فاحشة عظيمة، وأنَّ الله تعالى قرنها بالشرك وقَتلِ النَّفسِ التي حرَّم الله، وأنَّ هذا الانحراف يأتي في إطار الانجذاب الفطري بين الجنسين: الذكر والأنثى. وذكرنا أنَّ ما وراءَ هذه المعصية مِن شُذوذٍ إنما هو خُروجٌ عن الفِطرةِ والطَّبيعةِ والشَّرائعِ التي أَجمعَت –جميعُها- على حُرمَته. ولم تُعاقَب أُمَّةٌ مِن الأُمم على مَعصيةٍ بعُقوبَاتٍ مُتعدِّدةٍ كما عُوقِبَ قَومُ لُوطٍ –عليه الصلاة والسلام- على شذوذِهم. وهنا نتناول حرمة هذه الفاحشة، وأثر هذه الجريمة النكراء والفاحشة الجامعة للرذائل في مرتكبها، وعقوبتها.
مقال
[ الأحد 13 صفر 1438 هـ ] [ 565 ]
ركَّبَ اللهُ تعالى الأَحيَاءَ مِن الخَلقِ على قَاعِدةِ "الزوجية"، أي أن كل نوع من أنواع الكائنات الحيَّةِ موزعة على فصيلين أو جنسين: ذكر وأنثى. يقول تعالى: ((وأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثَى))، النجم: 45. ومن لقاء هذين الزوجين واتصالهم الجنسي معا تنتج الذرية والنسل، ويستمر وجود النوع الكلي: ((أَلَم يَكُ نُطفَةً مِن مَنِيٍّ يُمنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثَى))، القيامة: 37- 40. فلا يمكن استمرار النوع إلا باتصال الجنس. ولمـَّا أراد الله تعالى أن يستنقذ نوح –عليه الصلاة والسلام، ما شاء الله أن يستنقذ، أمره بأن يحمل في سفينته مِن كُلٍّ زَوجَينِ اثنَينِ (هود: 40، والمؤمنون: 27). وقد جاءت الشرائع السماوية لضبط هذه العلاقة الجنسية بين الزوجين استجابة للشهوة الطبيعية، في إطار الفطرة والأخلاق ومقاصد الدِّين الاجتماعية والإنسانية. فلم تحرم الشرائع السماوية العلاقات الجنسية بين الجنسين: الذكر والأنثى، لأنها نتاج ميول طبيعية، وإنما رشدت هذه العلاقة منذ وجودها ميولا داخلية إلى تحولها إلى ممارسة فعلية. وفي هذا الشأن عززت الشريعة من العلاقة الجنسية النظيفة والطاهرة، فأجازت النكاح الشرعي كإطار لإقامتها، وقيدته في عدد من الزوجات، وأباحت ملك اليمين بدون قيد عددي.
مقال
[ الاثنين 30 محرّم 1438 هـ ] [ 425 ]
بدعة التكفير من أَشدِّ البدع التي عصفت بالأمة، واستحل أصحابها دماء المسلمين، ولم يفرقوا بين برٍّ وفَاجِرٍ، ولم يَفوا لذي عهد بعهده. وهي من أوائل البدع ظهورا، فقد ظهرت في الخوارج، ثمَّ تلقفتها بقية الفِرقِ الكلامية المنشقة عن أهل السنة والجماعة، حتى صَارَ تكفير أَهلِ القِبلةِ بالظَّن شِعارًا لهم. ولم يزل بهم الأمر حتى كَفَّر بعضُهم بعضًا. فالإمام البغدادي يقول، في كتابه (الفَرقُ بين الفِرقِ، ص153): "فهذا راهب المعتزلة، قال بتكفير شيوخه، وقال شيوخه بتكفيره، وكلا الفريقين محق في تكفير صاحبه". ولم يكن المنهج السلفي بمنأى عن هذا النقاش، بل كان حاضرا في كل القضايا يبرز موقفه الشرعي، ويبين خطأ مخالفيه، فما هي معايير المنهج السلفي في هذه القضية؟
مقال
[ الجمعة 13 محرّم 1438 هـ ] [ 486 ]
الأمر بالعدل في القرآن الكريم تكرر كثيرا، فهو قِوامُ الدَّينِ والدُّنيا، وبه صلاحُ الناسِ ظاهرا وباطنا. وإنما بَعَثَ الله تعالى الرُّسلَ بواجبِ العَدلِ: ((فَلِذَلِكَ فَادعُ واستَقِم كَمَا أُمِرتَ ولَا تَتَّبِع أَهوَاءَهُم وقُل آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وأُمِرتُ لِأَعدِلَ بَينَكُم اللَّهُ رَبُّنَا ورَبُّكُم لَنَا أَعمَالنَا ولَكُم أَعمَالُكُم لَا حُجَّةَ بَينَنَا وبَينَكُم اللَّهُ يَجمَعُ بَينَنَا وإِلَيهِ الـمَصِيرُ))، الشورى: 15. وأنزل سبحانه الكتاب لهذه الغاية: ((لَقَد أَرسَلنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وأَنزَلنَا مَعَهُم الكِتَابَ والـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسطِ))، الحديد: 25. فالشريعةُ عَدلٌ كُلُّها، كما أنَّها رحمةٌ كلُّها. ومفهوم العدل يختلف عن مفهوم المساواة، فحيث كانت المساواة بين المتماثلين كان ذلك عدلا وحيث كانت المساواة بين مختلفين كانت ظلما؛ كما أنَّ عَدمَ المساواة بين المتماثلين فيما تساووا فيه ظلم، وتمييزَ المختلفين بإعطاء كل منهما حقه المستحق دون الآخر عَدلٌ. وهذا من بدهيات العقول ومدركات التجربة والخبرة. من هنا كان الوصف الغالب في الثناء والمدح والتكليف الشرعي منوطا بوصف العدل والقسط، لا المساواة.
1 2 3 >  >|