أصول و محكمات

لا يمكن فَصلُ حَركَةِ أَيِّ أُمَّةٍ عن مُعتقدَاتها التي تُؤمِن بها، لأنَّ العقائدَ اليَقِينيةِ الرَّاسِخةِ في الوعي والشُّعورِ تَجِدُ طريقها للوجود عبر القول والفعل، إذا لم تكُن منفَصِلةً عن الحيَاةِ والكون. من هنا اعتمد كَثِيرٌ مِن المفكرين في تحليلهم لحركة الصهيونية -اليهودية والنصرانية- على توجيهات كتبهم المقدسة. فإنَّ الحديث عن "أرضِ الميعادِ" و"المسيحِ المخلِّصِ" و"هرمجدون" وغيرها من المعتقدات وجَّهت العالم الغربي سياسيا في كثير من القضايا والمواقف. لذلك كان ولابد من معرفة هذه العقائد وربطها مع الأحداث لمعرفة رؤية الأعداء إلى العالم.
مقال
[ الجمعة 6 جمادى الأول 1438 هـ ] [ 259 ]
بما أن السينما والأفلام والمسلسلات أصبحت متاحة بيد كُلِّ أَحَدٍ، بل أصبح الهاتف المحمول يوفر لحامله كل ما يريده مما يُعرض في صالات السينما العالمية، فما الذي يمنع من وضع صالات للسينما؟! ولماذا هذه الضوضاء الرافضة لفتح صالات السينما؟! وبما أن الأغاني وحفلات الغناء متاحة في شاشات البيوت، وفي وسائل التكنولوجيا فلماذا رفض إقامة الحفلات الغنائية في بلادنا؟! ويتكرر مثل هذا التساؤل في قضايا أخرى، فما دام الشيء يوصل إليه بطرق مُعينة فما المانع من إتاحته للجميع؟ يُغفلُ المعترضون بهذه الاعتراضات أصلاً جوهرياً دعت إليه الشريعة وأكدت عليه، وهذا الأصل الجوهري هو عناية الشريعة بالمظهر الإسلامي للمجتمع المسلم. وإدراك هذا الأصل الشرعي يُسهم في تصور كيف ينبغي أن يكون مظهر المجتمع الإسلامي.
يَعتَقِدُ المسلمون أنَّ عيسى ابن مريم –عبدالله ورَسُولَه عليه الصلاة والسلام- لم يُقتَل ولم يُصلَب، وأنَّ الله تعالى رَفَعَه إليه. يقول تعالى: ((إِذ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إِلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِن الَّذِينَ كَفَرُوا وجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرجِعُكُم فَأَحكُمُ بَينَكُم فِيمَا كُنتُم فِيهِ تَختَلِفُونَ))، آل عمران: 55. ويقول سبحانه: ((وقَولِهِم إِنَّا قَتَلنَا الـمَسِيحَ عِيسَى ابنَ مَريَمَ رَسُولَ اللَّهِ ومَا قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم وإِنَّ الَّذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنهُ مَا لَهُم بِهِ مِن عِلمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ومَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ وكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا))، النساء: 157- 158. ومقتضى ذلك أنَّ الله تعالى رفعه جَسدًا ورُوحًا، وأنَّه لم يَمُت، وإلا صَدَقَت فيه دَعوَى اليهودِ أنَّهم قَتلُوه. كما أنَّ اسم "عيسى" حَقِيقةً في الرُّوحِ والبَدنِ جميعًا، فلا يَنصَرِفُ إلى أَحَدِهما عند الإطلاقِ، إلا بقَرِينةٍ، ولا قَرِينةَ هنا. وقد دَلَّت الأَحَاديثُ على نُزُولِه –عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- حيًّا، دُونَ إِشَارَةٍ إلى بَعثِه بعد الموت، ما يعني بَقَائَه حيًّا في السماء حتى ينزل إلى الأرض.
مقال
[ الأحد 24 ربيع الآخر 1438 هـ ] [ 343 ]
من أَبرَزِ خَصَائِصِ دِينِ الإسلامِ ظُهورُه. وصِفَةُ الظُّهورِ في هذا الدِّينِ تَشمَلُ كُلَّ جَوانِبِه وشَعَائِرِه وشَرائِعِه. حتى يمكن القولَ بأنَّه "الدِّينُ الظَّاهِرُ". وإذا كان مِن مَعَاني ومُرادِفَاتِ الظَّاهِرِ البَيِّنُ والبَادِي والواضِحُ والجَلِيُّ والمرتَفِعُ والعَالي والمنكِشفُ؛ ومن أَضدَادِه الخَفيُّ والمستَتِرُ والبَاطِنُ والمبهَمُ والغَامِضُ، فإنَّا سَنَجِدُ في القرآنِ الكَريمِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ ما يُؤكِّدُ هذه الصِّفاتِ والمعاني في نُصُوصِ الدِّينِ ومَعَانِيه، وأَحكَامِه وأَخبَارِه، وفي أَتبَاعِه ومَآلِه. وهذه الخَصِيصَةُ تُعطِي هذا الدِّينَ قُوةً في انتشَارِه وقَبُولِه وكَثرَةِ أَتبَاعِه، كما أنها تُكسِبُه الامتدَادَ الزَّمَاني لكونه يَتَجدَّدُ رَغمَ كُلِّ ما يجري عليه من اندِرَاسٍ أو تَحرِيفٍ.
الإيمانُ باليومِ الآخِرِ رُكنٌ مِن أَركَانِ الإيمَانِ، لا يَصِحُّ إيمانُ العَبدِ إلا بِهِ. وقد جَاءَت الآياتُ القرآنيةُ والأحاديثُ النبويةُ وافرةً في الإخبارِ عنه، وعمَّا يكون فيه مِن أُمُورٍ، كالبَعثِ والنُشورِ والجزَاءِ والحسَابِ وغِيرها. والعِنَايَةُ باليَومِ الآخِرِ مَقصُودُه أن يستَعِدَّ العِبادُ لما فيه، ولمآلِهم الذي سَيَؤُلُون إليه بعدَ الحِسَابِ، مِن جَنَّةٍ أو نَارٍ. ومِن أَسمَاءِ هذا اليومِ التي ورَدَت في القُرآنِ الكَريمِ "السَّاعَةُ"، وسُميَّ بذلك لسُرعَةِ الحِسَابِ فيه، أو لسُرعَةِ مُبَاغَتَتِه للعِبَادِ، أو قِياسًا إلى ما قَبلَه أو بَعدَه مِن زَمَنٍ لا يَعلَمُ قَدرَه إلا الله. واليومُ الآخِرُ يَسبِقَهُ فَنَاءُ الأَحيَاءِ في هذا الكون، ويَبدأُ الفَنَاءُ فيه بفَنَاءِ أَهلِ الأَرضِ ثمَّ يَتبَعُه فَنَاءُ أَهلِ السَّماءِ؛ مصداقا لقوله تعالى: ((ولَا تَدعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجهَهُ لَهُ الحُكمُ وإِلَيهِ تُرجَعُونَ))، القصص: 88. وحَقِيقَةُ مَجِيءِ اليَومِ الآخِرِ مما أَشغَلَ بَالَ النَّاسِ عُمومًا، وجَادَلَ فيه الكَافِرون؛ قال تعالى: ((يَسأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ اللَّهِ ومَا يُدرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا))، الأحزاب: 63، وقال سبحانه: ((يَسأَلُونَكَ عَن السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَت فِي السَّمَاوَاتِ والأَرضِ لَا تَأتِيكُم إِلَّا بَغتَةً يَسأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنهَا قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ اللَّهِ ولَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يَعلَمُونَ))، الأعراف: 187، وقال تعالى: ((يَسأَلُونَكَ عَن السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخشَاهَا))، النازعات: 42- 45.
لا يمكِنُ لأُمَّةٍ مِن الأُمَمِ البَشَريَّةِ أن تَهتَدي بعد أن تَضِلَّ في شَأنِ كِتَابِها الذي أَنزَلَه اللهُ تعالى لها هُدى ونُورًا؛ فلا تُميِّزُ حَقِيقَتَه ولا تَعرِفُ قَدرَه، ولا تُنزِّهَه عن مَطَاعِن الطَّاعِنين، وتَحرِيفِ المبطِلِين. وهذا ما وَقَعَ في الأُمَمِ السَّابَقَةِ مع كُتُبها المنزَلَةِ إليها، ونَزَّه اللهُ تعالى هذه الأُمَّةَ المسلِمَةَ مِنه، لأنَّها خَاتِمةُ الأُمَمِ ورِسَالَتَها خَاتِمَةُ الرِّسَالات. قال تعالى: ((إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))، الحجر: 9. فحَفِظَ اللهُ تعالى نُصُوصَه، وحَفِظَ اللهُ حَمَلَته جِيلًا بعد جِيلٍ حتى يُبَلِّغُوه، وحَفِظَ اللهُ أُمَّةً تُمسِكُ بصَحيحِ تَأويِلِه جِيلًا بعد جِيلٍ، وسَخَّرَ له مَن يَذُبُّ عنه ويُقَاتِلُ عليه. وهذا ما تَميَّزَ به القُرآنُ الكَريمُ عن بَقِيَّةِ الكُتُبِ السَّماويَّة التي اندَرَسَ كَثِيرٌ مِنها، وحُرِّفَ ما تَبَقَى مِن نُصُوصِها، واختُلِفَ في تَأويِلها. وقد وَقَعَ في هذه الأُمَّةِ المسلِمَةِ بَعضُ ما وَقَعَ في الأُمَمِ السَّابِقةِ مِن هذه الأمرَاضِ، من حيث الخِلافِ على حَقِيقَتِه، ودَعوى تَحرِيفِه سَعيًّا في تَحرِيفِه، وتأويِلِه بتَأوِيلاتٍ بَاطِلَةٍ إخرَاجًا له عن معَانِيه الصَّحِيحَةِ. غَيرَ أنَّ ذلك لم يَبلُغ بالقُرآنِ الكريم الذي تَولَّى الله حِفظَه ظَلَّ محفُوظًا ظَاهِرًا مُنتَشِرًا في صُدُورِ المسلمين وفي مَصَاحِفِهم.
مِن أَدنَس الفَواحِشِ التي عَصمَنا الله تعالى منها بالإسلام، وطهَّرَ مِنها أُمَّتَنا بالإيمان، فاحِشةُ "قَومِ لُوطٍ". وهي فَاحِشَةٌ يُطَلَقُ عليها بعَصرِنا "المثلية"، أو "الجنس المثلي"، ويُطَلَقُ على المتَفحِّشِين المتَلطِّخِين بها "المثليون"؛ وهي تعني ممارَسةُ الفَاحِشَةَ بين مُتَمَاثلين في الجنس، سواء كانت بين ذكرين، أم بين أُنثَيين.
مقال
[ الخميس 2 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 448 ]
خلق الله تعالى الإنس والجنَّ لعبادته: ((ومَا خَلَقتُ الجِنَّ والإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ)). وحيث أنه سبحانه زودهم بخصيصة الاختيار، فجعلهم مختارين بين أن يطيعوه وبين أن يعصوه، فإنَّه خاطبهم بالرسالات والشرائع ليدخلوا في عبوديته اختيارا. فإن آمنوا بالرسالة وأطاعوا أمره حققوا مراد الله تعالى الشرعي فيهم، وإن كفروا بالرسالة وعصوه خرجوا من العبودية الشرعية وإن لم يخرجوا من العبودية الكونية. ومحك التمييز بين المؤمن والكافر والطائع والعاصي الشريعة، وهي خبر وأمر ونهي.
عاش الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي –حمه الله- في حقبة الحرب الباردة من القرن العشرين، والتي اتسمت بالصراع الأيديولوجي بين الغرب الليبرالي والشرق الشيوعي. وكان الفكر الشيوعي الإلحادي قد امتدَّ إلى الوطن العربي وبلغ الجزيرة العربية. وقد عاش الشيخ السعدي في الفترة: 1307ه - 1376ه؛ وهي فترة قيام أحزاب وأنظمة إلحادية في العالم العربي والإسلامي، وانتشار أفكارها وثقافتها في الشباب والعامة عموما. وحيث أن الشيخ اهتم بقضايا عصره الذي عاش فقد دفعه ذلك للحديث عن الأدلة العقلية على وحدانية الله وكماله، وتعزيز البراهين التي يتقوى بها إيمان المؤمن، ويزداد يقينهُ معها، وتمكِّنَه مِن مواجهة ما يطرحه الملحدون والمتشككون في الله تعالى، ممن بدأوا يتأثرون بأطروحات الغرب والشرق.
إنَّ موضوع تعليل الأحكام الشرعية من أهم موضوعات علم الأصول وأدقها. وقد حظيَّ هذا الموضوع باهتمام علماء هذا الفنِّ منذ البدايات الأولى للتصنيف فيه؛ حيث خصص الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) أبواباً في القياس والاجتهاد والاستحسان، فصّل فيها المنهج الذي يجب على المجتهد أن يسلكه في سعيه إلى استنباط الأحكام بهذه المسالك. ومن أنواع التعليل التي نبه عليها علماء الأصول "التعليل بالحكمة"، وهو مبحث لطيف اختلفت فيه وجهات النظر، وتشعبت فيه الآراء.
1 2 3 >  >|