أصول و محكمات

مقال
[ الجمعة 9 شعبان 1438 هـ ] [ 1197 ]
يَجمَعُ الإنسَانُ في خِلقَتِه بين الجَسدِ والرُّوحِ، والعَقلِ والوِجدَان، والطَّبائِعِ والغَرائِزِ. فهو كائِنٌ مُركَّبٌ تتَنَازَعُه عِدَّةُ جَوانِب، تَأثِيرًا وتَأثُّرًا. وقد اختَارَه اللهُ تعالى للقِيامِ بمُهِمَّةِ الاستِخلافِ في الأَرضِ، وعِبَادَتِه عليها، بإخضَاعِ كُلِّ هذه الجوَانبِ لإرَادَتِه -سبحَانَه. وحيث أنَّ الإنسَانَ بحَاجَةٍ إلى هُدىً ربَّاني يَضَعُه على بَيِّنَةٍ مِن ذَاتِه ووُجُودِه ووَظِيفَتِه وغَايَتِه، كان مخلُوقًا مخَاطَبًا مِن اللهِ تعالى، ومُعلمًّا مِنه. قال تعالى: ((اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِن عَلَقٍ * اقرَأ ورَبُّكَ الأَكرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَم يَعلَم))، العلق: 1- 5. ومما عَلمَّه اللهُ تعالى لبني آدمَ التَّصورَات الصَّحِيحَةَ عن عالمِ الغَيبِ، بما فيه المعرِفَةُ عن اللهِ وعن مَلائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه وقَدَرِه واليومِ الآخِرِ؛ وعن عَالمِ الشهَادَةِ، بما فيه مِن آيَاتٍ وسُنَنٍ وأسبَابٍ. ومَعرِفةُ عَالمِ الغَيبِ هو المرتَكَزُ الصَّلبُ في عَقِيدَةِ المسلِم، حيث تَمُدُّه بالإيمانِ بكَافَةِ مظَاهِرِه وتجَليَّاتِه في الحيَاةِ.
التَبدِيلُ صُورَةٌ مِن صُورِ الانحرَافِ التي تُصِيبُ أيَّ دِيانَةٍ سمَاويَّةٍ أو مَذهَبٍ وَضعِيٍّ مع طُولِ العَهدِ، وخُفُوتِ شُعلَةِ حمَلَتِه في حَركَتِهم لأَجلِه، تَبلِيغًا وبيَانًا ودَعوَةً وإعمَالًا ودفَاعًا وتمكِينًا. فطَبِيعَةُ النَّفسِ البَشَريَّةِ التَّملمُلُ والنِّسيانُ، وطَبيعَةُ الحيَاةِ التَّطوُّرُ والتَّغيُّرُ، فإذا لم يَقُم حمَلةُ الدِّينَ بالتَّذكِيرِ والتَّجدِيدِ والتَّحدِيثِ للوسَائِلِ والأسَاليبِ وصِيغِ التَّطبيقِ العَمَليةِ الموَاكِبَةِ للمُستَجدَاتِ وإلَّا فإنَّ عوَامِلَ اندِّثَارِ العقَائِدَ والأفكَارِ ستَغلُبُ، وسَتَنشَأُ عقَائِدٌ وأفكَارٌ جَدِيدَةٌ لها بَرِيقُها وجِدَتُها، يحمِلُها أشخَاصٌ مُتحمِّسُون ومُنطَلِقُون. وإذا كان للدِّين السَّماوي ثِقَلُه التَّارِيخي وامتدَادُه الجُغرَافي والاجتِمَاعي كان القضَاءُ عليه مِن القُوى الأَجنَبيَّةِ الخَارِجيَّةِ صَعبًا ومُكلِفًا. فتَعمَلُ حِينئِذٍ على غَزوِه مِن الدَّاخِلِ، وتحرِيفِه، وطَمسِ حقَائِقِه الكُبرَى وأُصُولِه الكُليَّةِ وقوَاعِدِه العَامَّةِ ومقَاصِدِه العُليا، فيُفرَّغُ مِن مُحتَواه. وعَادَةً ما تكون أدوَاتُ هذا الغَزوِ الخَارِجي محليَّةً أو أَجنَبيَّةً تتَلبَّسُ بثَوبِ الدَّاخِلِ.
مقال
[ الاثنين 28 جمادى الآخر 1438 هـ ] [ 560 ]
"اللهم فقهه في الدِّين" هو دعاء الرسول –صلى الله عليه وسلم- لعبدالله بن عباس –رضي الله عنهما. ولا شك أنَّ هذا الدُّعاءَ دُعاءٌ عظيمٌ خَصَّ به الرَّسولُ –صلى الله عليه وسلم- ابن عباس دون غيره؛ حتى كان مِن كبَارِ فقَهاءِ الصحابة –رضي الله عنهم- في زمانه، وعنه أخذ كثير من التابعين. ولم يتوقف فقهه في حدود المصطَلَحِ المحدَثِ للفقه، بل كان موسوعة في فقه نصوص الوحي يُفسرُها، ويجلي معانيها، ويُظهِرُ حِكمَها وأحكامَها، ومقاصِدَها وقواعِدَها، جامعا بينها وبين فِعلِ الرَّسولِ –عليه الصلاة والسلام- وفِعلِ أَصحَابِه –رضي الله عنهم؛ حيث أنَّ معرِفةَ النَّصِّ مجردًا عما اكتنفه مِن ظُروفٍ وملابسات وأسبابِ نزول، أو بتره عن صورة التطبيق التي فعلَها الرَّسول وصحابته وأقرهم الوحي عليها، تعزل الفقيه عن الفقه.
مقال
[ الجمعة 4 جمادى الآخر 1438 هـ ] [ 647 ]
قال الله تعالى: ((قَالَ يَا أَيُّهَا الـمَلَأُ أَيُّكُم يَأتِينِي بِعَرشِهَا قَبلَ أَن يَأتُونِي مُسلِمِينَ * قَالَ عِفرِيتٌ مِن الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وإِنِّي عَلَيهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلمٌ مِن الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبلَ أَن يَرتَدَّ إِلَيكَ طَرفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُستَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضلِ رَبِّي لِيَبلُوَنِي أَأَشكُرُ أَم أَكفُرُ ومَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشكُرُ لِنَفسِهِ ومَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ))، النمل: 38- 40. هذه الآيات الكريمات تَعرِضُ حَدثًا تارِيخيًّا وقَعَ مع نبيِّ اللهِ سليمان –عليه الصلاة والسلام، وهو يَرغَبُ في إظهَارِ عَظمَةِ مُلكِه الذي وَهبَه اللهُ تعالى له لأَهلِ سبَأَ. وقد كانت سبَأُ -في ذلك الوقت- مملَكةً رَغِيدةَ العَيشِ قَويَّةَ الجَيشِ. فطَلبَ ممَّن كان حَاضِرًا في مجلِسه مِن خَاصَته أن يَأتُوه بعَرشِها، على سَبيلِ الإسرَاعِ والتَّعجُّلِ، قُبيلَ وُصولِ وَفدِ مملكَةِ سبَأ إليه، في حَاضِرةِ دَولتَه ببَيتِ المقدسِ. ومعلومٌ أنَّ الرِّحلةَ في تلك الحقبةِ التَّارِيخيةِ بين اليَمنِ والشَامِ كانت تَستَغرِقُ ما لا يَقلُّ عن ثلاثةِ أَشهر، عَبرَ وسَائِلَ النَّقلِ التَّقلِيديةِ المتمثلةِ في الخُيولِ والبِغالِ والجِمالِ. فالمسَّافةُ بين اليمن وفلسطين تَزيدُ عن ألفي كيلومتر، ولا بُدَّ لقوافِلِ السَّيرِ قديما مِن المبيت والراحة.
لا يمكن فَصلُ حَركَةِ أَيِّ أُمَّةٍ عن مُعتقدَاتها التي تُؤمِن بها، لأنَّ العقائدَ اليَقِينيةِ الرَّاسِخةِ في الوعي والشُّعورِ تَجِدُ طريقها للوجود عبر القول والفعل، إذا لم تكُن منفَصِلةً عن الحيَاةِ والكون. من هنا اعتمد كَثِيرٌ مِن المفكرين في تحليلهم لحركة الصهيونية -اليهودية والنصرانية- على توجيهات كتبهم المقدسة. فإنَّ الحديث عن "أرضِ الميعادِ" و"المسيحِ المخلِّصِ" و"هرمجدون" وغيرها من المعتقدات وجَّهت العالم الغربي سياسيا في كثير من القضايا والمواقف. لذلك كان ولابد من معرفة هذه العقائد وربطها مع الأحداث لمعرفة رؤية الأعداء إلى العالم.
مقال
[ الجمعة 6 جمادى الأول 1438 هـ ] [ 738 ]
بما أن السينما والأفلام والمسلسلات أصبحت متاحة بيد كُلِّ أَحَدٍ، بل أصبح الهاتف المحمول يوفر لحامله كل ما يريده مما يُعرض في صالات السينما العالمية، فما الذي يمنع من وضع صالات للسينما؟! ولماذا هذه الضوضاء الرافضة لفتح صالات السينما؟! وبما أن الأغاني وحفلات الغناء متاحة في شاشات البيوت، وفي وسائل التكنولوجيا فلماذا رفض إقامة الحفلات الغنائية في بلادنا؟! ويتكرر مثل هذا التساؤل في قضايا أخرى، فما دام الشيء يوصل إليه بطرق مُعينة فما المانع من إتاحته للجميع؟ يُغفلُ المعترضون بهذه الاعتراضات أصلاً جوهرياً دعت إليه الشريعة وأكدت عليه، وهذا الأصل الجوهري هو عناية الشريعة بالمظهر الإسلامي للمجتمع المسلم. وإدراك هذا الأصل الشرعي يُسهم في تصور كيف ينبغي أن يكون مظهر المجتمع الإسلامي.
يَعتَقِدُ المسلمون أنَّ عيسى ابن مريم –عبدالله ورَسُولَه عليه الصلاة والسلام- لم يُقتَل ولم يُصلَب، وأنَّ الله تعالى رَفَعَه إليه. يقول تعالى: ((إِذ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إِلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِن الَّذِينَ كَفَرُوا وجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرجِعُكُم فَأَحكُمُ بَينَكُم فِيمَا كُنتُم فِيهِ تَختَلِفُونَ))، آل عمران: 55. ويقول سبحانه: ((وقَولِهِم إِنَّا قَتَلنَا الـمَسِيحَ عِيسَى ابنَ مَريَمَ رَسُولَ اللَّهِ ومَا قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم وإِنَّ الَّذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنهُ مَا لَهُم بِهِ مِن عِلمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ومَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ وكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا))، النساء: 157- 158. ومقتضى ذلك أنَّ الله تعالى رفعه جَسدًا ورُوحًا، وأنَّه لم يَمُت، وإلا صَدَقَت فيه دَعوَى اليهودِ أنَّهم قَتلُوه. كما أنَّ اسم "عيسى" حَقِيقةً في الرُّوحِ والبَدنِ جميعًا، فلا يَنصَرِفُ إلى أَحَدِهما عند الإطلاقِ، إلا بقَرِينةٍ، ولا قَرِينةَ هنا. وقد دَلَّت الأَحَاديثُ على نُزُولِه –عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- حيًّا، دُونَ إِشَارَةٍ إلى بَعثِه بعد الموت، ما يعني بَقَائَه حيًّا في السماء حتى ينزل إلى الأرض.
مقال
[ الأحد 24 ربيع الآخر 1438 هـ ] [ 698 ]
من أَبرَزِ خَصَائِصِ دِينِ الإسلامِ ظُهورُه. وصِفَةُ الظُّهورِ في هذا الدِّينِ تَشمَلُ كُلَّ جَوانِبِه وشَعَائِرِه وشَرائِعِه. حتى يمكن القولَ بأنَّه "الدِّينُ الظَّاهِرُ". وإذا كان مِن مَعَاني ومُرادِفَاتِ الظَّاهِرِ البَيِّنُ والبَادِي والواضِحُ والجَلِيُّ والمرتَفِعُ والعَالي والمنكِشفُ؛ ومن أَضدَادِه الخَفيُّ والمستَتِرُ والبَاطِنُ والمبهَمُ والغَامِضُ، فإنَّا سَنَجِدُ في القرآنِ الكَريمِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ ما يُؤكِّدُ هذه الصِّفاتِ والمعاني في نُصُوصِ الدِّينِ ومَعَانِيه، وأَحكَامِه وأَخبَارِه، وفي أَتبَاعِه ومَآلِه. وهذه الخَصِيصَةُ تُعطِي هذا الدِّينَ قُوةً في انتشَارِه وقَبُولِه وكَثرَةِ أَتبَاعِه، كما أنها تُكسِبُه الامتدَادَ الزَّمَاني لكونه يَتَجدَّدُ رَغمَ كُلِّ ما يجري عليه من اندِرَاسٍ أو تَحرِيفٍ.
الإيمانُ باليومِ الآخِرِ رُكنٌ مِن أَركَانِ الإيمَانِ، لا يَصِحُّ إيمانُ العَبدِ إلا بِهِ. وقد جَاءَت الآياتُ القرآنيةُ والأحاديثُ النبويةُ وافرةً في الإخبارِ عنه، وعمَّا يكون فيه مِن أُمُورٍ، كالبَعثِ والنُشورِ والجزَاءِ والحسَابِ وغِيرها. والعِنَايَةُ باليَومِ الآخِرِ مَقصُودُه أن يستَعِدَّ العِبادُ لما فيه، ولمآلِهم الذي سَيَؤُلُون إليه بعدَ الحِسَابِ، مِن جَنَّةٍ أو نَارٍ. ومِن أَسمَاءِ هذا اليومِ التي ورَدَت في القُرآنِ الكَريمِ "السَّاعَةُ"، وسُميَّ بذلك لسُرعَةِ الحِسَابِ فيه، أو لسُرعَةِ مُبَاغَتَتِه للعِبَادِ، أو قِياسًا إلى ما قَبلَه أو بَعدَه مِن زَمَنٍ لا يَعلَمُ قَدرَه إلا الله. واليومُ الآخِرُ يَسبِقَهُ فَنَاءُ الأَحيَاءِ في هذا الكون، ويَبدأُ الفَنَاءُ فيه بفَنَاءِ أَهلِ الأَرضِ ثمَّ يَتبَعُه فَنَاءُ أَهلِ السَّماءِ؛ مصداقا لقوله تعالى: ((ولَا تَدعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجهَهُ لَهُ الحُكمُ وإِلَيهِ تُرجَعُونَ))، القصص: 88. وحَقِيقَةُ مَجِيءِ اليَومِ الآخِرِ مما أَشغَلَ بَالَ النَّاسِ عُمومًا، وجَادَلَ فيه الكَافِرون؛ قال تعالى: ((يَسأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ اللَّهِ ومَا يُدرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا))، الأحزاب: 63، وقال سبحانه: ((يَسأَلُونَكَ عَن السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَت فِي السَّمَاوَاتِ والأَرضِ لَا تَأتِيكُم إِلَّا بَغتَةً يَسأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنهَا قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ اللَّهِ ولَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يَعلَمُونَ))، الأعراف: 187، وقال تعالى: ((يَسأَلُونَكَ عَن السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخشَاهَا))، النازعات: 42- 45.
لا يمكِنُ لأُمَّةٍ مِن الأُمَمِ البَشَريَّةِ أن تَهتَدي بعد أن تَضِلَّ في شَأنِ كِتَابِها الذي أَنزَلَه اللهُ تعالى لها هُدى ونُورًا؛ فلا تُميِّزُ حَقِيقَتَه ولا تَعرِفُ قَدرَه، ولا تُنزِّهَه عن مَطَاعِن الطَّاعِنين، وتَحرِيفِ المبطِلِين. وهذا ما وَقَعَ في الأُمَمِ السَّابَقَةِ مع كُتُبها المنزَلَةِ إليها، ونَزَّه اللهُ تعالى هذه الأُمَّةَ المسلِمَةَ مِنه، لأنَّها خَاتِمةُ الأُمَمِ ورِسَالَتَها خَاتِمَةُ الرِّسَالات. قال تعالى: ((إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))، الحجر: 9. فحَفِظَ اللهُ تعالى نُصُوصَه، وحَفِظَ اللهُ حَمَلَته جِيلًا بعد جِيلٍ حتى يُبَلِّغُوه، وحَفِظَ اللهُ أُمَّةً تُمسِكُ بصَحيحِ تَأويِلِه جِيلًا بعد جِيلٍ، وسَخَّرَ له مَن يَذُبُّ عنه ويُقَاتِلُ عليه. وهذا ما تَميَّزَ به القُرآنُ الكَريمُ عن بَقِيَّةِ الكُتُبِ السَّماويَّة التي اندَرَسَ كَثِيرٌ مِنها، وحُرِّفَ ما تَبَقَى مِن نُصُوصِها، واختُلِفَ في تَأويِلها. وقد وَقَعَ في هذه الأُمَّةِ المسلِمَةِ بَعضُ ما وَقَعَ في الأُمَمِ السَّابِقةِ مِن هذه الأمرَاضِ، من حيث الخِلافِ على حَقِيقَتِه، ودَعوى تَحرِيفِه سَعيًّا في تَحرِيفِه، وتأويِلِه بتَأوِيلاتٍ بَاطِلَةٍ إخرَاجًا له عن معَانِيه الصَّحِيحَةِ. غَيرَ أنَّ ذلك لم يَبلُغ بالقُرآنِ الكريم الذي تَولَّى الله حِفظَه ظَلَّ محفُوظًا ظَاهِرًا مُنتَشِرًا في صُدُورِ المسلمين وفي مَصَاحِفِهم.
1 2 3 >  >|