أسس الحوار بين الحضارات في الإسلام

د. طاهر أحمد الريامي
[ السبت 24 شعبان 1438 هـ ]

إنَّ مَفهُومَ الإسلامِ للحِوارِ الحضَاريِّ مع باقي الدِّيانَاتِ والحضَارَاتِ ينبُعُ مِن رُؤيَتِه الوَاضِحةِ للتَّعَامُلِ مع غَيرِ المسلِمين مِن أهلِ الكِتابِ. فعَقِيدَةُ المسلِمِ لا تكتَمِلُ إلَّا إذا آمَن بالرُّسلِ جَمِيعًا، قال تعالى: ((ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَّبِّهِ والـمُؤمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقَالُوا سَمِعنَا وأطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الـمَصِير)). لكن يَنبَغِي أن لا يكون هناك تنَازُلٌ عن الثَّوابِتِ تحت مُسمَّى "حِوارِ الحضَارَات"، أو يُفهَم هذا التَّسامُحُ الإنسَانيُّ الذي جعَلَه الإسلامُ أسَاسًا رَاسِخًا لعَلاقَةِ المسلمِ مع غَيرِ المسلِمِ على أنَّه انفِلاتٌ أو استِعدَادٌ للذَّوبَانِ في أيِّ كِيانٍ مِن الكِيانَاتِ التي لا تَتَّفِقُ مع جَوهَرِ هذا الدِّين. فالتَّأكِيدُ على الخصُوصيَاتِ العقَائِديةِ والحضَارِيةِ والثَّقافِيةِ لا سَبيلَ إلى إلغائِها، كما أنَّ الإسلامَ لا يُريدُ لهذه الخُصوصِيَّات أن تَمنَعَ التَّفاعُلَ الحضَارِيَّ بين الأُمَمِ والشُّعوبِ والتَّعَاون فيما بينها.

فلا بُدَّ أن تكون هناك أُسُسٌ للحِوارِ بين الحضَارَات، حتى لا تتَحكَّمَ عوَامِلُ أُخرَى في تَسييرِ الحِوارِ لمصلَحةِ طَرفٍ مُعيَّنٍ، وحتى يُؤتي الحِوارُ ثمَرتَه. وهنا نذكُرُ بعضَ الأُسُسِ والضَّوابِط التي لا بُدَّ مِنها في حِوارِ الحضَارَات:

أن يكون الحِوارُ قَائِمًا على الحيَادِيةِ، بَعيدًا عن التَّعصُّبِ.

أن يَنطَلِقَ المتحَاوِرُون مِن القَواسِم المشتَركَةِ، ويَتركُوا الأُمُورَ التي لا يمكن الاتِّفَاقُ عليها.

أن يَحتَرمَ الحِوارُ المرجِعيَّات والخُصُوصيات الثَّقَافيةِ لكُلِّ طَرَفٍ، وأن يَبتَعِدَ عن التَّسلَّطِ وإلغَاءِ الآخَرِ.

أن يَتَبنَّى قَاعِدَةَ (المعرِفةُ والتَّعارُفُ والاعتِرافُ)، ويَنطَلِقَ مِنها في سَبيلِ التَّقارُبِ ومَعرِفَةِ ما عند الآخَرِ مَعرِفةً جَيِّدَةً، والتَّعارُفِ الذي يُزيلُ أَسبَابَ الخِلافَاتِ، ويُبعِدُ مظَاهِرَ الصِّراعَاتِ. والاعتِرافُ الذي يُثمِّنُ ما عند الآخَرِ، ويُقدِّرُ ما يَملِكَه. وهو ما يُعِينُ على التَّقاربِ والتَّعاونِ.[1]

فأبنَاءُ الحضَارةِ الإسلامِيةِ، والدَّاعُون إلى مَشرُوعِها الاجتماعي في عَصرِنا، يُسلِّمون بمُقتَضى هذه القَاعِدةِ، وكونَها مِن شُرُوطِ نجَاحِ حِوارِ الحضَارَات، ولا يَطلُبُون مِن أبنَاءِ الحضَارَات الأُخرَى إلَّا أن يكون لهم الموقِفُ نَفسُه، وإلَّا فإنَّ الحِوارَ سَيصبِحُ حَدِيثًا مِن طَرَفٍ وَاحِدٍ، أو محَاوَلةً لكُلِّ طَرفٍ لغَزوِ الطَّرفِ الآخَرِ ودَحرِه، وهكذا يَعِيشُ العَالمُ صِراعًا وصِدامًا، ولا يَعِيشُ حِوارًا ولا تعَارُفًا.

إنَّ مِن الضَّرورِي ألَّا يَقُومَ هذا الحِوارُ على "المركَزِيةِ الحضَارِيةِ" التي تُريدُ العَالمَ حضَارَةً وَاحِدةً، مُسيطِرةً مُهيمِنةً ومُتحكِّمَةً بالحضَارَاتِ الأُخرَى. والطَّبيعي أن يكون العَالمُ مُنتَدَى حضَارَاتٍ مُتعَدِّدِ الأطرَافِ، تتَفَاعَلُ وتتَسَانَدُ بينها، وتتَبَادَلُ الثَّقافَاتِ والعُلومَ والأفكَارَ، في كُلِّ ما هو مُشتَركٍ إنسَاني عَامٍ، وبما يَخدِمُ المصلَحةَ العَامةَ للجَميعِ.

وإن مِن الطَّبيعي أن يكون لدى كُلِّ محَاوِرٍ يَنتَمي لحضَارَةٍ ما تَصَوُّرٌ للعَالمِ الذي يُحيِطُ به، وأن يكون مُلمًّا بالحضَارةِ الأُخرَى: وَاقِعَها، تَارِيخَها، إمكَانَاتها. ثم يَسعَى للتَّفاعُلِ معها، بُغيَةَ فَهمِها والتَّفَاهُمِ معها. ومِن ثمَّ يَنطَلقُ الحِوارُ الحضَاري على بنَاءٍ أَخلاقِي.

الحضارات بين الحوار والصراع:

قد لا نحتاج إلى دَلِيلٍ لنُثبِتَ أنَّ البَشريةَ مرَّت بفترَاتٍ مِن الصِّراعِ المتوَاصِلِ بين الحضَارَات. فالحرُوبُ المتعَاقِبةُ والدَّمَارُ النَّاتِجُ عنها يكفي دليلًا واضِحًا على وُجُودِ الصِّراعِ بين الحضَارات. وبالمقَابلِ فالحِوارُ الحضَاريُّ والتَّواصُلُ بالعَلاقاتِ الثَّقافِيةِ والسِّياسيةِ كان له دَورٌ كَبِيرٌ في التَّعايُشِ السِّلمي بين كَثِيرٍ مِن الحضَارَات. والأَصلُ في علاقَات الشُّعوبِ والأُممِ هو التَّعارُفُ والتَّحَاورُ، يقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقنَاكُم مِن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلنَاكُم شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِند اللَّهِ أَتقَاكُم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))[2].

وليس الأَمرُ كما زَعمَ صاحِبُ كتَابِ (صِدامِ الحضَارَات)، الذي يرَى أنَّ التَّفاعُلَ بين الإسلامِ والغَربِ هو صِدَامُ حضَارَات[3]. والصَّوابُ عكس ذلك، فالتَّفاعُل بين الإسلامِ وأي حضَارَةٍ أخرَى -لاسيما الغَرب- قائِمٌ على التَّعاون والشَّراكَةِ الإنسَانيةِ المعرفِيةِ والثَّقافِيةِ. فتَارِيخُ العَلاقةِ بين الحضَارَتين الإسلامِيةِ والغَربيةِ عَرَفَ فتَرَاتِ حوَارٍ وتفَاعُلٍ، وفتَرَات صِدَامٍ وتطَاحُنٍ. والحوارُ والتَّقارُبُ لا يمكن أن يَتِمَّ إلَّا حين يَعتَرفُ الآخَرُ بقَانُونِ تدَاوُلِ الحضَارَات، وأن يُقرَّ أنَّ الحضَارَةَ ليست حكرًا عليه: ((وتِلكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَينَ النَّاسِ)). صحِيحٌ أنَّ الحضَارةَ اليومَ مِلكٌ للغَربِ كما كانت بالأمسِ مِلكًا للمسلمين، لكنها قد تكون غَدًا لأُمَّةٍ جَدِيدَةٍ!

إنَّ البَديلَ عن الصِّراعِ الحِوارُ؛ ولتَلافي تحوُّلِ الخِلافِ إلى أَزمَةٍ، ولتَلافي الحَلِّ المعتَمِدِ على العُنفِ، ليس هناك مِن سَبيلٍ غَيرَ الرُّجوعِ إلى نقَاشٍ عقلانيٍّ وجَدلٍ مَنطِقيٍّ كمَنهَجٍ مُلائِمٍ لحَلِّ المشاكِلِ التَّطبيقِيةِ؛ أي تلك التي تعنى بالأغراضِ العَمَليةِ، حيث تتَدخَّلُ القِيمُ ويتَدخَّلُ الرَّأي.

إنَّ مُصطَلحَ "النِّظامَ العَالميَّ الجَديدَ"، الذي يتَحدَّثُ عنه في وسَائِلِ الإعلامِ العَالميةِ، يعني حضَارَةً واحِدَةً مُسيطِرةً مانِعةً لما سِواها؛ أمَّا النِّظامُ العَالمي المنشُودُ فهو نِظامٌ يقومُ بالفِعلِ على التَّعايُشِ بين البشر.

ملامح المشروع الإسلامي لحوار الحضارات:

الإنسَانُ كَائِنُ عَقلٍ واجتِماعٍ، وكَائِنُ عَلاقَةِ وحَاجَةٍ؛ ومِن البداهَةِ القُولُ بأنَّ هذه الأحوالُ أَحوجُ حَاجَتِها اللقَاءِات المتحَاوِرَةِ، ليكون المجتمَعُ على بَيِّنَةٍ مِن أَمرِ عَلاقَاتِه، وعلى تنَاسُقٍ مُؤتَلِفٍ، وتفَاهُمٍ وَاعٍ، وترَابُطٍ معقُولٍ.[4]

وحين يَقتَنِعُ العَالمُ برُمَّتِه بأنَّ حِوارَ الحضَارَات هو البَدِيلَ عن صِراعِها، يتَحتَّمُ على الحضَارةِ الإسلامِيةِ التي لا تزَالُ تتَسِعُ رقعَتُها يوما بعد يوم، وهي تلك الحضَارةُ العَرِيقةُ التي يشهَدُ بعرَاقَتِها العدُوُّ قَبلَ الصَّديقِ، أن يكون لها دَورٌ بَارِزٌ ومَشرُوعٌ واضِحٌ في حِوارِ الحضَاراتِ والتَّعايُشِ مع الآخَرِ. وهذا المشروعُ في ظِلِّ هذه الحضَارةِ ذَاتِ الخُصُوصيةِ يحتَاجُ إلى ضوَابِطَ وشُروطٍ لأنَّ طَبيعَةَ الحوَارِ تقتضي هذه الضوابِطَ والشُّروطَ.

فالحِوارُ حولَ قَضيةٍ ما، أو إشكَالياتٍ في العَلاقَةِ، يحتاجُ -حتى يُثمِرَ ثمَرتَه اليَانِعةُ- إلى توافُقِ الأطرَافِ على نحوٍ يُحقِّقُ مَصلحَةَ الجَميعِ على حَدٍّ سوَاء. وبذلك يُحقِّقُ الحِوارُ آفاقَه ويُحقِّقُ هَدفَه الأَهمَّ المتَمثِّلِ بتجَاوزِ إشكَاليةِ التَّصادُمِ. ولكن ذلك لا يمكن أن يتحقق حضَارِيًّا إلا وِفقَ اشتراطَاتٍ تتَحقَّقُ في طَرفي أو أطرافِ الحوارِ، وهذه الشروط تتَمثَّلُ فيما يلي:

إنَّ الحوارَ بين الحضَاراتِ لا يمكن أن يُؤتي ثِمَارَه حتى تكون مَلامِحَه وَاضِحةٌ لتُحقِّقَ الهدَفَ والمقصُودَ. فقد يكون الهدَفُ هو تَعرِيفُ كُلِّ طَرفٍ بخُصُوصيَاتَهِ الثَّقافِيةِ والمعرِفيةِ للطَّرفِ الآخَرِ، حتى يتَحقَّقَ الإدرَاكُ لإيجَابيةِ التَّعامُلِ، وبنَاءِ علاقَةٍ أكثرَ وضُوحًا بين الطَّرفَين أو الأطرَافِ.

خاتمة:

إنَّ مَفهُومَ الحِوارِ بين الحضَاراتِ مَفهُومٌ إسلاميٌّ أَصِيلٌ، له أَدِلَّته ودَلالَاتُه، وإنَّ الأَصلَ في الحضَاراتِ الحوارُ لا الصِّراعُ، والحِوارُ له أُسُسٌ وضَوابِطٌ مِن: الاعترافِ والتَّعرُّفِ والمعرِفةِ. فلا بُدَّ لكُلِّ حضَارَةٍ أن تَلتَزمَ بها لنجَاحِ هذا الحوار. وقد كان للإسلامِ دَورٌ وَاضِحٌ في هذا الباب. فالإسلامُ جاءَ لإكمَالِ مكَارِمِ الأخلاقِ، واحتِرامِ كُلِّ ثقَافَةٍ لا تتعَارضُ مع أُصولِه. وهو يَرفُضُ المركزيةَ الحضَاريةَ، وتهمِيشَ الحضَاراتِ، وسَيطَرةَ حضَارةٍ وَاحِدَةٍ على العَالمِ تتَصَرَّفُ فيه كمَا تشَاءُ، كما هو حَالُ الحضَارةِ الغَربيةِ، وسُلوكُها في الوَاقعِ، في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والأخلاقية.

والرُّجوعُ إلى الحوارِ مَشرُوعٌ عَالميٌّ قَبلَ أن يكون فِكرَةً فَردِيةً أو مَشرُوعَ حضَارَةٍ؛ وهو بحاجةٍ إلى خِططٍ وبرَامِجَ ونِياتٍ صَادقَةٍ وتضحِياتٍ كَبيرَةٍ تتنَاسبُ مع حجم المشروع.

 

[1] الحوار بين الحضارات، محمد بن قاسم ناصر بوحجام، مقال منشور على الإنترنت:

http://alnadwa.net/malshar/hewar-hdarat.htm

[2] الحجرات: 13.

[3] صدام الحضارات.. إعادة صنع النظام العالمي، صامويل هنتنجتون، ترجمة طلعت الشايب، القاهرة، ط1998م: ص169.

[4] الحوار القرآني، حسين حماده، مجلة المعارك، المجلد الأول، العدد الثامن، 1412هـ، بيروتن لبنان: ص36.

[5] الخصوصية والعالمية في الفكر الإسلامي المعاصر، طه جابر العلواني، قضايا إسلامية معاصرة، دار الهادي، بيروت، لبنان، ط1/1424هـ- 2003م: ص126.

[6] حوار الحضارات.. إشكالية التصادم وآفاق الحوار، عطية فتحي الويشي، مكتبة المنار الإسلامية، حولي، الكويت، ط1/1422هـ- 2001م: 274.


موقع مركز التأصيل للدراسات والبحوث الإسلامية

http://taseel.com/articles/4986