ابن تيمية وجهوده في كشف حقيقة التتر (1- 2)

التحرير
[ الأحد 26 ربيع الأول 1438 هـ ]

عاش شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في فَترَةٍ كان التَتَرُ فيها قد دَخَلُوا عَاصِمةَ الدَّولةِ العَباسيَّةِ (بغداد)، وحَواضِرِ المسلمين في العِراقِ والشَّامِ، حتى كادوا أن يَصلِوا إلى مِصرَ. فدوَّنَ في مؤلفاته وفتاويه رؤيَتَه الخاصةَ لهذه الطَّائِفةِ مِن النَّاس، حيثُ أنَّه أَدرَك حقائِقَ مُعتقداتهم وسلوكياتهم، وما طَرأَ عليها مِن تحولاتٍ، مُنذُ اكتساحهم العالم الإسلامي مع مَطلعِ القرن السابع الهجري. فكان ابن تيمية بحَقٍّ عارِفًا بواقِعِه، واعِيًا بتفَاصيلِه ومُجريَاتِه، مُدرِكًا لطَبيعَةِ القُوى المتحركةِ فيه، وهو الذي خَاضَ غِمارَ الفِكرِ والدَّعوةِ والتَّعليمِ والفتيا والجهاد. فجاء حديثه عن التتر مستوعبا لطبيعتهم، ومسار تشكلهم، وحقيقة ما هم عليه، والتحولات التي طرأت عليهم. فلم يَنفَكَّ –رحمه الله- عن وَاقِعِ أُمَّتِه التي واجهت أَكبَر هَجمةٍ بربريةِ استهدفت وجودَها المعنوي والمادي. ولم يَنزَوِ عن مُعتَرَكِ الجهودِ الهَادِفةِ للتَّصدِّي لهذا التهديدِ وتَوعِيةِ الأُمَّة بمدى خُطورَته وما ينبغي إزَاءَه. فكان عالما ربانيًّا، وفقيها مُصلِحًا، ومُجدِّدًا مُجاهِدًا بفكره ولسانه وقلمه وسيفه.

وكان ابن تيمية يؤكِّدُ ابتداءً أنَّ ما تُواجِههُ الأُمَّةُ مِن التتر، قد أخبَرَ عنه الرسول –صلى الله عليه وسلم، كما ثَبتَ في الصحيحين عنه، مِن غَيرِ وَجهٍ، أنَّه قال: (لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى تُقاتِلُوا التُّركَ، صِغارَ الأَعيُنِ، ذُلفَ الأُنُوفِ، حُمرَ الخُدُودِ، يَنتَعِلون الشَّعرَ، كأنَّ وجُوهَهم المجَانُ المطرقَةُ)؛ وذلك قَبلَ ظُهورهِم بنَحو سِتُّمَائَةِ سَنَةٍ.

ظهور التتر وغزوهم العالم الإسلامي:

ظهرت دولة التتر في سنة 603هـ، في منغوليا، شمال الصين، وكان مؤسسها وأول زعمائها "جنكيز خان"؛ وانطلقت في التوسع شرقا وغربا باتجاه الدولة الخوارزمية الإسلامية؛ وسقطت بأيديهم حواضر الإسلام كبخارى وسمرقند وبلخ ومَرو ونيسابور وهراة وغزنة، ولم تزل البلدان تسقط في أيديهم الواحدة تلو الأخرى حتى سنة سنة 624هـ، حيث توفي "جنكيز خان"، مخلفا مملكة عظمى تمتد من كوريا شرقا حتى أرض العراق والأناضول غربا.

عاد اكتساح التتر مجددا للعالم الإسلامي سنة 628هـ، بعد أن تولى زعامتهم "أوكيتاي"، الذي أعاد تنظيم شئون المملكة التترية وبناء قوتها العسكرية، وكلَّف "شورما جان" بقيادة الحملة الجديدة على العالم الإسلامي. فأخذوا معظم بلاد فارس واتجهوا شمالا فدخلوا روسيا وشرق أوروبا إلى حدود ألمانيا وكرواتيا.

وبعد وفاة "أوكيتاي" سنة 639هـ تولى ابنه "كيوك" ملك التتر فقرَّر إيقاف الحملات التوسعية، وتفرغ لتثبيت أركان مملكته مترامية الأطراف حتى سنة 646هـ، حيث توفي فيها. فشهدت هذه الفترة هدوءًا نسبيا. وتولت زوجته "أوغول قيميش" الحكم من بعده، لأنه خلَّفَ ثلاثة أولاد صغار، واستمرت في الحكم مدة ثلاث سنوات، فقد نُصِّبَ "منكو خان" حاكما للتتر سنة 649هـ.

أعَدَّ "منكو خان" أخاه "هولاكو" ليتولى إقليم "فارس" وما حوله، ووجهه لتجهيز حملة تستهدف إسقاط الخلافة الإسلامية والاستيلاء على العراق والشام ومصر. وبالفعل قاد "هولاكو" جيشا ضخما سنة 656هـ وحاصر عاصمة الخلافة العباسية (بغداد)، حتى دخلها عنوة، فاستباح فيها القتل والسبي والنهب أربعين يوما، حتى قتل أكثر من مليون نفس! ثم سقطت مُدُن حَلبٍ وحَمَاةٍ تباعا، وكادت دمشق أن تُسلَّم إليه دون مُقاومَةٍ تُذكر لولا بُلوغِ خَبرِ وفَاةِ "منكو خان" إلى "هولاكو"، ما دَفَعَه أن يَعُودَ أَدرَاجَه.

استمرت مُدُن الشَّامِ تسقُطُ في يَدِّ التتر بزعامة "كتبغا نوين"، القائد الذي نصبه "هولاكو" على جيشه في المنطقة خلفا له. فدخلت الشَّامُ ولبنانُ وأَجزَاءٌ مِن فلسطين في حُكمِهم. ودَخلَ كثيرٌ مِن ولاةِ وأُمراءِ هذه الحواضر والمدن في طَاعةِ التتر، والقتال في جيوشهم، وخيانة أمتهم ومعاونة التتر عليها!

وبدأ التتر يضعون عينهم على مصر، بما فيها من نعم وخيرات. فأرسل "هولاكو" إلى سيفِ الدِّين قُطز، حاكمِ مِصرَ المملوكي، رسالةً يُهدِّدُه ويتَوعَّدُه فيها، كي يُسلِّم له مِصرَ، دون قتال، ومخاطبا إياه باسم "مَلِكِ الملوكِ شَرقًا وغَربًا القان الأعظم"، ويقول فيها: "إنَّنا جُندُ الله في أَرضِه، خَلَقَنا مِن سَخَطِه، وسَلَّطَنا على مَن أَحَلَّ به غَضَبه، فسَلِّمُوا إلينا أَمرَكم تَسلَمُوا، قَبلَ أن يَنكَشِفَ الغِطاءُ فتَندَمُوا، وقد سَمعتُم أنَّنا فَتحنا البِلادَ وقَتَلنَا العِبادَ، فعليكم مِنَّا الهَرَب، ولنا خَلفَكم الطَّلَبُ، فما لكم من سُيوفِنا خَلاصٌ، خُيولُنا سَوابقٌ وسِهامُنا خَوارِقٌ، وسُيوفُنا قَواطِعٌ، وقُلوبُنا كالجبَالِ، وعَدَدُنا كالرِّمَالِ، ومَن طَلَبَ حَربَنا نَدِمَ، ومن قَصَدَ أَمَانَنا سَلِمَ، فإن أنتم لشَرطِنا ولأَمرِنا أَطعَتم فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن خَالَفتم هَلَكتم، فلا تُهلِكُوا أَنفُسَكم بأَيدِيكم، فقد حَذَّر مَن أَنذَرَ، وقد ثَبَتَ عندكم أنَّنا الكَفرَةُ، وثَبَتَ عندنا أنَّكم الفَجرَةُ، فأسرعوا إلينا بالجوابِ قَبلَ أن تَضرِمَ الحربُ نَارَها وتَرمِيكم بشرارِها، فلا يَبقَى لكم جَاهٌ ولا عِزٌّ، ولا يَعصِمُكم مِنَّا حِصنٌ، ونَترُكَ الأَرضَ مِنكم خَالِيةً، فقد أَيقَظنَاكم إذ حَذَّرنَاكم، فمَا بَقيَّ لنا مَقصِدٌ سِواكم، والسَّلامُ علينا وعليكم وعلى مَن أطَاعَ الهدى، وخَشيَّ عَواقِبَ الردَى، وأطَاعَ الملكَ الأعلى"[1].

فعزم قطز على مواجهتهم، فأعدَّ العُدَّةَ وخرج على رأسِ جَيشٍ كَبِيرٍ مُتوجِّها للقائهم في الشَّام، فالتقى بهم في (عين جالوت) بفلسطين، في 25 رمضان 658هـ. وقد تمكن من هزيمتهم شرَّ هزيمة، فتَقدَم إلى مُدنِ الشَّامِ، ودَخَلَ دمشق. وعَادَت أَرضُ الإسلامِ تَتَحرَّرُ بلدًا بلدًا.

من هم التتر؟ ولماذا تغلبوا على المسلمين؟

يطلق اسم التتر على الأقوام الذين يقطنون شماليَّ الصين، في صحراء "جوبي"، وهم أصل القبائل التي انطلقت من هذه المنطقة شرقا وغربا. وهي قبائل ترُكيَّةٌ بالأصل، وتَضُمُّ قبائِلَ أُخرَى مثل السَّلاجِقةِ، والمغول الذين ينتسب إليهم "جنكيز خان". ويؤكد ابن تيمية أنَّ التتر هم "الترك الأعراب"[2]. لأنَّ "لَفظَ الأَعرابِ هو في الأَصلِ: اسمٌ لبادِيةِ العَربِ، فإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ لها حَاضِرةٌ وبَادِيةٌ، فبَاديةُ العَربِ: الأَعرابُ، ويقال: إنَّ بَاديةَ الرُّومِ: الأَرمَنُ ونحوهم، وبَاديةَ الفُرسِ: الأَكرادُ ونحوهم، وبَاديةَ التُّركِ التتر. وهذا -والله أعلم- هو الأصل، وإن كان قد يَقعُ فيه زِيادَةٌ ونُقصَانٌ"[3]. لذلك فهو تارة يطلق عليهم "الترك التتر"، وتارة "الترك المغول".

ومعلوم أنَّ أوَّل ظهور التتر كانوا قوما مشركين، لذلك يقول ابن تيمية: "لمـَّا ظَهرَ المشركون مِن التُّركِ مِن التَتَر وأتبَاعِهم كان مِن أَعظَمِ مَن انضَمَّ إليهم مِن المنافقين هُم الملاحِدَةُ"[4]. ويقولُ عنهم في عِدَّةِ مَواطِن مِن كُتُبِه في وَصفِهم بَادِئَ أَمرِهم: "الـمُشرِكين مِن التُّركِ التتر".

ولم يُغفِل ابن تيمية في مؤلفاته أن يشير إلى الأسباب والعوامل التي ساهمت في تَغلُّبِ التترِ على المسلمين، كعادته –رحمه الله- في استقراء السُّننِ الاجتماعيةِ ورَبطِ الأَحداثِ بمسبباتها. فقد رَبطَ ظُهورَهم بعِدةِ أَسبابٍ داخليةٍ في العالم الإسلامي، بعيدا عن عُقدَةِ المؤامرةِ التي ترمي المسئولية على الخارج؛ ومن أبرز هذه الأسباب التي أشار إليها:

 

[1] نزهة الأنام في تاريخ الإسلام، لصارم الدين إبراهيم بن محمد بن أيدمر العلائي، تحقيق د. سمير طبارة، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت- لبنان، ط1/1420هـ- 1999م: ج1/261.

[2] بيان تلبيس الجهمية: ج5/216.

[3] اقتضاء الصراط المستقيم: ج1/418.

[4] بيان تلبيس الجهمية: ج5/408.

[5] مجموع الرسائل والمسائل: ج4/39.

[6] مجموع الرسائل والمسائل: ج1/179- 180.

[7] الصفدية: ج1/236.

[8] مجموع الفتاوى: ج34/205.

[9] الفتاوى الكبرى: ج3/426.

[10] منهاج السنة النبوية: ج4/592.

[11] منهاج السنة: ج5/155.

[12] الفتاوى الكبرى: ج3/546.

[13] مجموع الفتاوى: ج3/215.

[14] مجموع الفتاوى: ج3/216.

[15] مجموع الفتاوى: ج3/217.

[16] الفتاوى الكبرى: ج2/109.


موقع مركز التأصيل للدراسات والبحوث الإسلامية

http://taseel.com/articles/4947