أرشيف المختارات

مقال
[ الاثنين 14 ربيع الآخر 1439 هـ ] [ 28 ]
ميز الله -عز وجل- الإنسان عن غيره من المخلوقات بالعقل والتفكير، وأرسل إليه الرسل مبشرين ومنذرين، ومن ثم أوجب عليه أموراً ترتبط بهذه المزية، فمن الناس من ضل وعاند، واتبع هواه، وسار خلف خطى شيطانه، ومنهم من سلك طريق المرسلين، واستن بسنن الهداة المهديين. ومن ثم منَّ الله على هؤلاء المهتدين بنعمة التدبر في خلقه، كما منَّ عليهم بفيض من الآثار النفسية المترتبة على تدبر صفاته العليا وأسمائه الحسنى، وتلك نعمة النعم التي من حرم منها حُرِمَ كُلَّ خير.
مقال
[ الاثنين 14 ربيع الآخر 1439 هـ ] [ 35 ]
عاش شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في فَترَةٍ كان التَتَرُ فيها قد دَخَلُوا عَاصِمةَ الدَّولةِ العَباسيَّةِ (بغداد)، وحَواضِرِ المسلمين في العِراقِ والشَّامِ، حتى كادوا أن يَصلِوا إلى مِصرَ. فدوَّنَ في مؤلفاته وفتاويه رؤيَتَه الخاصةَ لهذه الطَّائِفةِ مِن النَّاس، حيثُ أنَّه أَدرَك حقائِقَ مُعتقداتهم وسلوكياتهم، وما طَرأَ عليها مِن تحولاتٍ، مُنذُ اكتساحهم العالم الإسلامي مع مَطلعِ القرن السابع الهجري. فكان ابن تيمية بحَقٍّ عارِفًا بواقِعِه، واعِيًا بتفَاصيلِه ومُجريَاتِه، مُدرِكًا لطَبيعَةِ القُوى المتحركةِ فيه، وهو الذي خَاضَ غِمارَ الفِكرِ والدَّعوةِ والتَّعليمِ والفتيا والجهاد. فجاء حديثه عن التتر مستوعبا لطبيعتهم، ومسار تشكلهم، وحقيقة ما هم عليه، والتحولات التي طرأت عليهم. فلم يَنفَكَّ –رحمه الله- عن وَاقِعِ أُمَّتِه التي واجهت أَكبَر هَجمةٍ بربريةِ استهدفت وجودَها المعنوي والمادي. ولم يَنزَوِ عن مُعتَرَكِ الجهودِ الهَادِفةِ للتَّصدِّي لهذا التهديدِ وتَوعِيةِ الأُمَّة بمدى خُطورَته وما ينبغي إزَاءَه. فكان عالما ربانيًّا، وفقيها مُصلِحًا، ومُجدِّدًا مُجاهِدًا بفكره ولسانه وقلمه وسيفه.
مقال
[ الاثنين 14 ربيع الآخر 1439 هـ ] [ 35 ]
خَرَجَ التَّتر مِن عُزلَتهم كمجتمَعٍ بَدَويٍّ ليكونوا حُكَّامًا جُددا للعالم. وفي إطار تحولهم مِن فِئةٍ هامِشيةٍ محصُورةٍ في بُقعَةٍ مِن الأرض إلى شَعبٍ حَاكِمٍ شَهِدَ التَّترُ تحولا في المعتقدات والشرائع ونمط العيش والإدارة، وإن ظَلَّت الصفة البربرية المتوحشة هي السائدة على الشخصية والطبيعة التترية. وفي حين أنهم كانوا مُشركين وثنيين قُبيلَ تحركهم باتجاه الشَّرق، يَعبُدون الظَّواهِرَ الطَّبيعيةِ وبَعضَ الحيوانات، تحولوا مع دخولهم الصِّين للديانة البوذية، ثمَّ مع احتكاكهم بمجتمعات الشَّرق واختلاطهم بها سعى "جنكيز خان" لصياغة ديانة جديدة تجمع بين دين التتر القديم إضافة إلى بعض شرائع من الإسلام والنصرانية واليهودية، مازجا بينها وبين ما يراه في قالب جديد للدولة الوليدة والأمة المتشكلة حديثا.
مقال
[ الاثنين 14 ربيع الآخر 1439 هـ ] [ 146 ]
تشكل الثقافة ضمن النسق الاجتماعي العام نسقاً فرعياً متميزاً ومستقلاً، لكنه يتفاعل مع بقية الأنساق الفرعية الأخرى ويتطور معها وبها. وتقوم الثقافة بتكوين جملة الطرائق والمعايير التي تحكم رؤية الإنسان للواقع؛ لذلك فإن الثقافة هي مجموع القيم والقواعد والأعراف والتقاليد والخطط التي تبدع وتنظم الدلالات العقلية والروحية والحسية، وتعمل على الحفاظ على توازن النسق الاجتماعي واستقراره ووحدته وتوحيد الأنساق الفرعية للنسق الاجتماعي، عن طريق توحيد الأنماط العقلية التي تحكمها. فالثقافة تغذي الأنساق الفرعية للنسق الاجتماعي بقيم مماثلة، فتخلق نسيجاً اجتماعياً واحداً قادراً على إعادة إنتاج نفسه. لذلك فإن الثقافة في الحقيقة ليست إلا المجتمع نفسه وقد أصبح مظهراً للوعي أو وعياً. وهذا الوعي هو في ذات الوقت وعي بالذات.
مقال
[ الاثنين 14 ربيع الآخر 1439 هـ ] [ 33 ]
الحج الركن الخامس من أركان الإسلام ومبانيه العظام. وهو شعيرة التوحيد وشعار الوحدة بحق. أما التوحيد فلأنه تتحقق فيه صور التوحيد المختلفة، والتضحية لأجله، وإعلانه بامتياز. فكل أفعاله وأقواله ومعانيه تُكَرِّسُ التوحيد وتدعو إليه، ابتداء من إخلاص النيَّة وانتهاء بالتبرؤ من الشرك وأهله. فقلوب الحجيج متجهة إلى الله تعالى، تذكره وتشكره، وتلبي نداءه، وتدعوه، وتستغفره وتسأله الخير كله. وأما الوحدة فلأنه يعيد الناس إلى حقيقتهم الأصلية التي تجعلهم عبادا سواسية أمام الخالق وتكليفه. كما أنه يجمع شتات المؤمنين من أصقاع المعمورة في زمن واحد ومكان واحد وهيئة واحدة في مهمة واحدة وشعار واحد. وهو مرتبط في ذاكرة البشرية بأبي الأنبياء وإمام الموحدين إبراهيم –عليه الصلاة والسلام، فيربط جميع الرسالات بأصلها التوحيدي الذي ينبغي أن تعود إليه وتصدر عنه.
مقال
[ الاثنين 14 ربيع الآخر 1439 هـ ] [ 57 ]
أراد الله تعالى بخلق بني آدم استخلافهم في الأرض، وقيامهم بعمرانها على هدى من الله –عز وجل. ومن أجل تحقيق هذا المراد جعل الله النبوة والرسالة، كيما يقوم الأنبياء والرسل بتلقي الوحي الإلهي وتبليغه للناس، وإرشادهم في ضوئه، وإقامة شئونهم في ظلاله. واصطفى الله لهذه المهمة رجالا من جنس البشر أنفسهم، واختارهم من بني قومهم: ((وإِنَّهُم عِندَنَا لَمِن الـمُصطَفَينَ الأَخيَارِ))، ص: 47. ولم تكن بشرية الرسل تخفى على الناس وهم يستمعون إلى دعوة الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام؛ بل كانت هذه الصفة معلومة لهم بالضرورة. كما كانت محل استشهاد المكذبين لنبوتهم ورسالتهم، مقررين أن النبوة والرسالة ابتداء لا تكون في البشر، وأنَّ البشر غير مؤهلين لحمل النبوة والرسالة ثانيا, لذلك اعترضوا على الرسل فرادى ومثنى وجمع.. وهذه أقوالهم سجلها القرآن الكريم: ((ومَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثلُنَا))، الشعراء: 186، ((أَنُؤمِنُ لِبَشَرَينِ مِثلِنَا))، المؤمنون: 45- 47، ((إِن أَنتُم إِلاَّ بَشَرٌ مِّثلُنَا))، إبراهيم: 10. فكانت بشرية الرسل هي متكأ المكذبين لعدم التصديق والإذعان.
إن التيسير ورفع الحرج من المقاصد المقطوع بها في الشريعة. وهو من مقاصدها العامة في جميع نواحي الشريعة من عبادات ومعاملات وغيرها. والدين مبنى على السماحة واليسر ورفع الحرج ودفع المشقة وقلة التكاليف. وإذا وجد ما يصعب فعله فقد شرع الله رخصًا تُبِيحُ للمكلفين ما قد حُرِّم عليهم، وتُسقِطُ عنهم ما قد وَجَبَ عليهم فعله، حتى تزول الضرورة، وذلك رحمة من الله بعباده وفضلا ًوكرماً.