أرشيف المختارات

عرضنا في المقال السَّابقِ لطَبيعَةِ المرحلَةِ التي نَشأَ فيها ابن القيم؛ وكيف أنَّه رَغمَ الظُّروفِ الصَّعبَةِ خَرجَت شَخصيَّات علميةٌ وفكريةٌ أَثرَت السَّاحَةَ الإسلامِيَّةَ بمؤُلفَاتِها المختَلِفَةِ، وآرَائِها وأَفكَارِها. فكانت شَخصَياتٌ مُوسُوعيةٌ، هَضَمَت عُلومَ الشَّريعَةِ وعُلومَ الطَّبيعَةِ وغيرها. ومن ثمَّ نجد أنَّ ابن القيم –كشيخه ابن تيمية- عَكَسَ بمؤَلفَاتِه طَبيعَةَ الجَبهَات المختلفة التي يعمل عليها العَالمُ في ذلك الزَّمانِ. فهو تَارَةً في مواجهَةٍ فِكريَةٍ مع أَهلِ الإلحَادِ (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)، وتَارةً في مُواجهَةٍ مع أَهلِ الكتَابِ (هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى)، وتَارةً في مُواجَهةٍ مع أَهل البِدعِ (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل)، وتَارَةً في مُواجهةٍ مع أَهلِ السِّياسَاتِ الظَّالمةِ (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية)، وتَارةً في مُواجهَةٍ مع أَهلِ الشَّهواتِ (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، وتارةً في مواجهةٍ مع أَهلِ الجُمودِ والتَّقلِيدِ (إعلام الموقعين عن رب العالمين.
عَاشَ المسلِمُونَ في القَرنِ السَّابَعِ الهِجرِي ظُرُوفًا مَأسَاويَّةً جِدًا، وأَحدَاثًا جِسَامًا كان مِن أَبرَزِها اجتِيَاحُ التَتَرِ المغُولِ العَالَمَ الإسلامي، وتَدمِيرُهم مُدُنَه وحَوَاضِرَه بما في ذلك عَاصِمَةُ الخِلافَةِ الإسلامَيَّةِ بَغدَاد. وهذا الوَاقِعُ سَبَقَه انتِشَارٌ وَاسِعٌ لطَوَائِفِ الضَّلالِ والبِدعِ، مِن شِيعَةٍ رَافِضَةٍ وبَاطِنيَّةٍ وحَرَكَاتٍ صُوفِيَّةٍ مُغَالِيَةٍ في عَقَائِدِ الحُلُولِ والاتِّحَادِ والشِّركيَّاتِ البِدعِيَّةِ، حتى تَشَكَّلَت لها دُوَلٌ هنا وهناك. بالإضَافَةِ إلى بُرُوزِ فَلاسِفَةٍ يُظهِرُون الإلحَادَ والزَّندَقَة في ظلَّ تَأثُّرِ كَثَيرٍ مِن المسلِمِين بالفَلسَفَةِ وعِلمِ الكَلامِ. ومع قَتَامَةِ المشهَدِ العَامِ في سَاحَةِ العَالمِ الإسلامي، كَانَت تَبَاشِيرُ انبثَاقِ فَجرٍ جَدِيدٍ تَلُوحُ في الأُفُق، وحَركَةُ بَعثٍ إِسلاميٍّ تتَشكَّلُ في الوَسطِ العِلمِيِّ والاجتِمَاعيِّ والسِّيَاسيِّ والجِهَادِيِّ. وفي ظِلِّ هذه الأَجوَاءِ وُلِدَ ونَشَأَ وعَاشَ شَمسُ الدِّينِ أَبو عَبدِالله محمَّدُ بن أَبي بَكرٍ، الشَّهِيرُ بابنِ قَيِّم الجَوزِيَّةِ، آوَاخِرِ القَرنِ السَّابِعِ الهِجرِي وحتى مُنتَصَفِ القَرنِ الثَّامِن الهِجرِي. وهي حِقبَةٌ تَارِيخيَّةٌ شَهِدَت تَوقُّفَ المدِّ التَتَري المغُولي وانكِسَارَه، وانتِصَارَ المسلِمِين بقِيادَةِ النَّاصِرِ محمد بن قَلاوون على التَتَرِ، في وَقعَةِ شَقحَب بالقُربِ مِن دِمشق، في الثَّانِي مِن رَمضَانٍ سَنَة 702هـ. وهو الانتِصَارُ الذي أَعَادَ للمُسلِمينَ ثِقَتَهم في أَنفُسِهم وقُوَّتِهم، بعد الذي جَرَى في العُقُودِ السَّابِقَةِ مِن تهدِيدِ التَتَرِ لمـُدُنِ وحَوَاضِرِ المسلِمِين في العِراقِ والشَّامِ.
مقال
[ الثلاثاء 28 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 589 ]
خَرَجَ التَّتر مِن عُزلَتهم كمجتمَعٍ بَدَويٍّ ليكونوا حُكَّامًا جُددا للعالم. وفي إطار تحولهم مِن فِئةٍ هامِشيةٍ محصُورةٍ في بُقعَةٍ مِن الأرض إلى شَعبٍ حَاكِمٍ شَهِدَ التَّترُ تحولا في المعتقدات والشرائع ونمط العيش والإدارة، وإن ظَلَّت الصفة البربرية المتوحشة هي السائدة على الشخصية والطبيعة التترية. وفي حين أنهم كانوا مُشركين وثنيين قُبيلَ تحركهم باتجاه الشَّرق، يَعبُدون الظَّواهِرَ الطَّبيعيةِ وبَعضَ الحيوانات، تحولوا مع دخولهم الصِّين للديانة البوذية، ثمَّ مع احتكاكهم بمجتمعات الشَّرق واختلاطهم بها سعى "جنكيز خان" لصياغة ديانة جديدة تجمع بين دين التتر القديم إضافة إلى بعض شرائع من الإسلام والنصرانية واليهودية، مازجا بينها وبين ما يراه في قالب جديد للدولة الوليدة والأمة المتشكلة حديثا.
مقال
[ الأحد 26 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 831 ]
عاش شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في فَترَةٍ كان التَتَرُ فيها قد دَخَلُوا عَاصِمةَ الدَّولةِ العَباسيَّةِ (بغداد)، وحَواضِرِ المسلمين في العِراقِ والشَّامِ، حتى كادوا أن يَصلِوا إلى مِصرَ. فدوَّنَ في مؤلفاته وفتاويه رؤيَتَه الخاصةَ لهذه الطَّائِفةِ مِن النَّاس، حيثُ أنَّه أَدرَك حقائِقَ مُعتقداتهم وسلوكياتهم، وما طَرأَ عليها مِن تحولاتٍ، مُنذُ اكتساحهم العالم الإسلامي مع مَطلعِ القرن السابع الهجري. فكان ابن تيمية بحَقٍّ عارِفًا بواقِعِه، واعِيًا بتفَاصيلِه ومُجريَاتِه، مُدرِكًا لطَبيعَةِ القُوى المتحركةِ فيه، وهو الذي خَاضَ غِمارَ الفِكرِ والدَّعوةِ والتَّعليمِ والفتيا والجهاد. فجاء حديثه عن التتر مستوعبا لطبيعتهم، ومسار تشكلهم، وحقيقة ما هم عليه، والتحولات التي طرأت عليهم. فلم يَنفَكَّ –رحمه الله- عن وَاقِعِ أُمَّتِه التي واجهت أَكبَر هَجمةٍ بربريةِ استهدفت وجودَها المعنوي والمادي. ولم يَنزَوِ عن مُعتَرَكِ الجهودِ الهَادِفةِ للتَّصدِّي لهذا التهديدِ وتَوعِيةِ الأُمَّة بمدى خُطورَته وما ينبغي إزَاءَه. فكان عالما ربانيًّا، وفقيها مُصلِحًا، ومُجدِّدًا مُجاهِدًا بفكره ولسانه وقلمه وسيفه.
تتشكل "الطائفة" عندما تعرف مجموعة نفسها بصيغة مغايرة للآخرين, أكان هذا التعريف بصيغة عرقية أو دينية أو سياسية أو فكرية أو ثقافية أو اقتصادية. وينشأ عن هذا التعريف كيان جديد له سماته وخصائصه المستقلة عن القواسم المشتركة، وفق علاقات وروابط تقوم على أساس التعريف والسمات والخصائص المحدثة. وتعدد الطوائف أمرٌ طبيعيٌ في ضوءِ التنوعِ البشري، وهي حقيقة ماثلة في كل الأعراق والديانات والشرائح الثقافية والشعوب. وهي تتأسس في البيئات الدينية نظرا لقابلية الفهم الإنساني لتأويل النصوص (الدينية) برؤى مختلفة، أو تطبيقها بصور متباينة.
تعيش الأمة الإسلامية اليوم تهديدا واضحا وجليا لوجودها ودينها ومقدراتها في أكثر من بلد إسلامي، وتحت أكثر من غطاء. ففي حين تعمل إسرائيل على محاربة الشعب الفلسطيني وتضييق الحصار عليه، وانتزاع أراضيه، والاعتداء على المسجد الأقصى المبارك –قبلة المسلمين الأولى- تتغول إيران بأذرعتها الطائفية المجرمة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، فتقتل وتعذب وتختطف وتهجر وتدمر القرى والمدن بكل صور التدمير الحاقد. في حين يتخذ الغرب الصليبي من "الإرهاب" ذريعة لمحاصرة مقاومة الأمة، واستهداف شعوبها، ومنع السلاح عنها، وتمكين المدِّ الصفوي الرافضي منها.
أخبر الله تعالى في القرآن الكريم أنه اصطفى في مرحلة تاريخية بني إسرائيل، وفضلهم، وتفضلَّ عليهم بالنعم والخيرات، وجعل معظم النبوات التي جاءت بعد إبراهيم –عليه الصلاة والسلام- في ذريتهم، كما أخبر في المقابل أنه غضب عليهم وسخطهم، وسلبهم النعم وأنزل عليهم العذاب الأليم، وجعلهم ملعونين على لسان أنبيائهم والناس من بعدهم! صورتان متضادتان ومتقابلتان. لكنهما لم تأتيا من عَبَثٍ –تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فإنَّ سنَّة الله في عباده التي لا تتبدَّل ولا تتخلَّف هي أنَّه ((لَم يَكُ مُغَيِّرًا نِّعمَةً أَنعَمَهَا عَلَى قَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم))، الأنفال: 53. فهو المنعِمُ ابتداءً، والمتفَضِّلُ أولًا، على عبادِه، فإن لم يُرَاعُوا حقَّ النِّعمَةِ ووَاجِبَ الفَضلِ سَلَبَهم ما أُعطُوا عِقابًا لهم.
يعتبر ابن تيمية من العلماء الذين كشفوا عن مقاصد الشريعة، وأبلوا بلاء حسنا في الدفاع عنها ومعرفتها وتفصيلها. ويقول د. أحمد الريسوني، في كتابه (نظرية المقاصد عند الشاطبي: ص68): "لا يكاد يخلو كلام له عن الشريعة وأحكامها، مِن بيان حكمها ومقاصدها، وإبراز مصالحها ومفاسد مخالفتها". ويقول أحمد البدوي، في كتابه (مقاصد الشريعة عند ابن تيمية: ص112): "إنَّ مقاصد الشريعة تسري في ابن تيمية سريان الدم في العروق. فهي لا تفارقه وهو لا يفارقها. ويرى أنَّ الشريعة الإسلامية ما جاءت إلا بهذه المقاصد والمصالح. وهو يرى أنها القاعدة لبناء التشريع بأصوله وفروعه". ويذهب أحمد البدوي إلى حدِّ القول بأنَّ ابن تيمية هو شيخ المقاصد، وأَوَّلُ مَن أعجم عُودها، وليس الشاطبي -كما جرت عليه العادة. فقال: "وما قصصته من كلام ابن تيمية في اهتمامه بفهم المقاصد وهضمها وتوظيفها يُبيِّنُ أنَّه قَائِدُ وحَامِلُ رَايةِ هذا العلم مِن الناحية العملية التطبيقية، ومِن المؤَسِّسِين له من الناحية النظرية".
مقال
[ الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 387 ]
اليهودية ديانة سماوية توحيدية بالأساس. تأسست من رسالة نبي الله موسى –عليه الصلاة والسلام. ونظرا لكونه بعث في بني إسرائيل، وكانت رسالته تقضي بإخراجهم من مصر وقيادتهم لدخول الأرض المقدسة (فلسطين)، فإنَّ رسالة موسى كانت رسالة خاصَّةً ببني إسرائيل. وقد كان النَّبيُّ قَبَل بِعثَةِ الرَّسولِ محمَّدٍ –صلى الله عليه وسلم- يُرسَلُ لقومه خَاصةً، فكانت شَرِيعَةُ موسى مُختَصَّةٌ ببني إسرائيل.
مقال
[ الثلاثاء 15 صفر 1438 هـ ] [ 488 ]
ذكرنا أن الزِّنا فاحشة عظيمة، وأنَّ الله تعالى قرنها بالشرك وقَتلِ النَّفسِ التي حرَّم الله، وأنَّ هذا الانحراف يأتي في إطار الانجذاب الفطري بين الجنسين: الذكر والأنثى. وذكرنا أنَّ ما وراءَ هذه المعصية مِن شُذوذٍ إنما هو خُروجٌ عن الفِطرةِ والطَّبيعةِ والشَّرائعِ التي أَجمعَت –جميعُها- على حُرمَته. ولم تُعاقَب أُمَّةٌ مِن الأُمم على مَعصيةٍ بعُقوبَاتٍ مُتعدِّدةٍ كما عُوقِبَ قَومُ لُوطٍ –عليه الصلاة والسلام- على شذوذِهم. وهنا نتناول حرمة هذه الفاحشة، وأثر هذه الجريمة النكراء والفاحشة الجامعة للرذائل في مرتكبها، وعقوبتها.
مقال
[ الأحد 13 صفر 1438 هـ ] [ 605 ]
ركَّبَ اللهُ تعالى الأَحيَاءَ مِن الخَلقِ على قَاعِدةِ "الزوجية"، أي أن كل نوع من أنواع الكائنات الحيَّةِ موزعة على فصيلين أو جنسين: ذكر وأنثى. يقول تعالى: ((وأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثَى))، النجم: 45. ومن لقاء هذين الزوجين واتصالهم الجنسي معا تنتج الذرية والنسل، ويستمر وجود النوع الكلي: ((أَلَم يَكُ نُطفَةً مِن مَنِيٍّ يُمنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثَى))، القيامة: 37- 40. فلا يمكن استمرار النوع إلا باتصال الجنس. ولمـَّا أراد الله تعالى أن يستنقذ نوح –عليه الصلاة والسلام، ما شاء الله أن يستنقذ، أمره بأن يحمل في سفينته مِن كُلٍّ زَوجَينِ اثنَينِ (هود: 40، والمؤمنون: 27). وقد جاءت الشرائع السماوية لضبط هذه العلاقة الجنسية بين الزوجين استجابة للشهوة الطبيعية، في إطار الفطرة والأخلاق ومقاصد الدِّين الاجتماعية والإنسانية. فلم تحرم الشرائع السماوية العلاقات الجنسية بين الجنسين: الذكر والأنثى، لأنها نتاج ميول طبيعية، وإنما رشدت هذه العلاقة منذ وجودها ميولا داخلية إلى تحولها إلى ممارسة فعلية. وفي هذا الشأن عززت الشريعة من العلاقة الجنسية النظيفة والطاهرة، فأجازت النكاح الشرعي كإطار لإقامتها، وقيدته في عدد من الزوجات، وأباحت ملك اليمين بدون قيد عددي.
في مقال سابق بعنوان "الحضارات سنن وقوانين" أشرنا إجمالا إلى أن الدين جوهرُ الحضارة ومحرك التاريخ، وأساس العمران، والروح الحقيقي للإنسان، والشواهد على ذلك عديدة منها:
مقال
[ الأحد 6 صفر 1438 هـ ] [ 419 ]
الإنسان مدني بالطبع، فإذا توحش فلأمر خارج عن طبيعته وغريزته. فهو خُلِقَ يَألَفُ ويُؤلَفُ، ويُقيمَ مُجتَمعاً إنسَانيًّا متآخيًّا، يَقومُ على الرَّحمةِ والإِحسَانِ والعَدلِ. وتوجيه الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- لأتباعهم مع مطلع دعوتهم يقوم على مبادئ: العدل والإحسان والرحمة، والأمانة والصدق والعفاف، وصلة الرحم والإحسان للجار وإكرام الضيف؛ ليمثلوا في المجتمع الجاهلي طليعة القدوات العملية التي تترجم الإيمان عملا، ولا تتوقف به عند القول والدعاوى فقط. لذا فإنَّ جميع الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- لم يخرجوا من ظهور أَقوامِهم إلَّا بإِذنٍ إلهيٍّ، وعند استحالة التعايش وتهديد وجودهم؛ وفيما عدا ذلك فإنَّهم عايشوا قومهم وخالطوهم، ولم يعتزلوا سوى مواطن الشرك والفجور والظلم، أمَّا الحياة العامة لم ينفكوا عنها.
مقال
[ الجمعة 4 صفر 1438 هـ ] [ 373 ]
فقه ما يجري في العراق وسوريا يمثل مدخلا مهما في النظرة الشرعية للتدخل التركي العسكري في هذين البلدين. وفي حال الخطأ في تقدير الواقع الجاري بكل أبعاده وتفاصيله فإنَّ النظرة الشرعية ستكون خاطئة، وقد تتسبب بانتكاسة السُّنَّةِ في المنطقة، وتغلب الطائفية الشيعية على الغالبية السُّنيَّة العُظمى هناك. والأمر لا يتوقف على خلاف سياسي، أو تباين فكري، بل على رؤية عقدية تكفيرية استئصالية متطرفة، تتحالف مع كل القوى لإقامة مذهبها الخاص، على أنقاض الأمة الإسلامية.
استعمل مصطلح "التنوير" في الفكر العربي الحديث والمعاصر للدلالة على النهضة، على غرار التنوير في أوروبا. وقد حمل هذا المفهوم منذ البداية أبعادا إيديولوجية غربية، إذ أنَّ من رفع لواءه من المفكرين العرب كانوا منبهرين بالنموذج الغربي في التقدم والتحضر، وفي الموقف من الدين، ومن الآخر المتخلف، وفي رؤية الوجود والإنسان والحياة والمصير. ونتيجة لذلك لم يكن التنوير العربي إلا خادما للمشروع الاستعماري والمركزية الغربية. في هذا السياق يمكن التساؤل: هل التنوير بهذه الصفات قادر على تحقيق هوية الأمة؟ أليس الأخذ بنموذج التنوير الغربي إنما هو تغريب للأمة عن ذاتها وهويتها وتذويب لها في الآخر؟ ألا تتوفر الأمة على مرجعية صالحة للانطلاق منها؟ وانطلاقا من هذه التساؤلات يمكن رصد بعض المعضلات التي حايثت مشروع "التنوير العربي" ووسمته بطابع الأزمة.
مقال
[ الجمعة 20 محرّم 1438 هـ ] [ 532 ]
رأينا كيف أنَّ نشأة التشيع كانت مرتبطة باليهودية والفارسية، وكيف أنَّه اتُّخِذَ غطاءً لأَمرين: تحريف الدين، وتفريق الأمة. وهذه الحقيقة التاريخية تفسر بجلاء تشرب التشيع –عقيدة وشريعة وخلقا- بعقائد وشرائع وأخلاق اليهود والفرس. وهو ما دفع بكثير من الباحثين للاعتراف بها. يقول المستشرق المجري أجناس جولد تسيهر، في كتابه (العقيدة والشريعة في الإسلام: ص229): "إنَّ قواعدَ نظريةِ الإمامةِ، والفِكرةَ الثيوقراطيَّةَ المناهِضةَ لنظريةِ الحُكمِ الدُّنيويَّةِ، وكذا الفكرةَ المهدِيَّةَ التي أدَّت إلى نظريةِ الإمَامةِ، والتي تجلَّت معالمها في الاعتقاد بالرجعة، ينبغي أن نُرجعها كُلَّها -كما رأينا- إلى المؤثِّرات اليهوديَّة والمسيحيَّة. كما أنَّ الإغراقَ في تَأْليه عليٍّ -الذي صَاغَه في مبدأ الأَمرِ عبدُالله بن سَبَأ- حَدَثَ ذلك في بيئة سَاميةٍ عَذرَاءٍ، لَم تكُن قد تسرَّبت إليها بعدُ الأفكار الآريَّة".
مقال
[ الخميس 19 محرّم 1438 هـ ] [ 879 ]
مقاطع وصور عديدة يتم عرضها وتناقلها منذ عام 2003م عن جرائم بشعة جدا يتم ممارستها من قبل المليشيات الشيعية، التي توالدت في العراق بعد غزوه أمريكيا كالفطر. ولا يتوقف الأمر عند القتل أو الاغتصاب بل يتجاوزه إلى ممارسة صور عنيفة من التعذيب والاغتصاب والقتل لا يقوم بها إنسان طبيعي، وهي تفوق سلوكيات السباع المفترسة بشاعة. فالسباع المفترسة لا تنهش في فريستها إلا بعد القضاء عليها بخنقها، ومن ثم تعمل أنيابها ومخالبها في جسد نافق. اليوم يستمر تدفق هذه الصور في سوريا واليمن والعراق، ويظهر الشيعة توحشا غير إنساني ضد من يخالفونهم معتقداتهم وطوائفهم. وتأتي هذه الممارسات تارة بشكل فردي، وتارة بشكل جماعي، ومع توثيقها دون أي وازع من حياء أو الضمير! وهي ظاهرة جديرة بالتأمل فيها وإعطائها حضها من الدراسة والنظر.
محزن فعلا أن يعلن حيدر العبادي –رئيس الوزراء العراقي، القادم من حزب الدعوة الإسلامية الشيعي، والمحمل بأعباء الطائفية، عن انطلاق ساعة الصفر لتحرير مدينة "الموصل" السُّنِّية من يد "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" الموصوف بـ"داعش". وهي المدينة المكلومة التي جرى انسحاب الجيش العراقي منها عام 2014م، ليدخلها تنظيم "داعش" بدون أي مقاومة تذكر، ليغنم الأموال الضخمة التي كانت في فروع البنك المركزي العراقي بالمدينة، ويستولي على كافة المعدات العسكرية الهائلة [مدافع ودبابات ومدرعات ومنصات صواريخ وأسلحة مختلفة وذخائر وطائرات!]، وينطلق في تأسيس "دولة الخلافة"!
الحديث عن ما أصاب الكتب السماوية السابقة من تحريف لا يزال مثار الاهتمام، خاصة وأنَّ تمسك اليهود والنصارى بها والإصرار على كون نصوصها مقدسة رغم ما أصابها من تحريف وما يعتريها من تناقضات. ومن المهم جدا تمييز مستوى التحريف والتغيير الذي طرأ عليها بعد أن بدأ الكثير من الفلاسفة والمفكرين الغربيين بنقد ظاهرة تعدد نسخ التوراة والإنجيل وفق أسس علمية وموضوعية. في هذا الإطار نتناول سفري صموئيل، وننقد النص التوراتي من حيث المنشأ والكتابة، والأحداث التاريخية، والتناقضات الإخبارية في داخل السفرين، كنموذج ضمن نماذج عدة يمكن دراستها.
الحديث عن تحريف الكتب السماوية المتقدمة على القرآن الكريم حديث قديم، وهو ما شهد به القرآن الكريم –ذاته- وعابه على بني إسرائيل. وإذ شاء الله تعالى بقاء اليهودية والنصرانية حتى قيام الساعة فإنَّه سبحانه حذر أمة الإسلام "المحمدية" أن تتبع سنن هاتين الأمتين، فتضيع كتابها وتعبث به. ما أعطى المسلمين وعيا كافيا للحفاظ على القرآن الكريم كما أنزل دون زيادة أو نقص أو تبديل وتحريف. في مقابل ذلك أتت الاعترافات النابعة من هاتين الطائفتين لتؤكد على أنَّ "التوراة" و"الإنجيل" ليسا هما على الوضع الذي تلقاه موسى وعيسى –عليهما السلام- من الوحي وبلغاه لقومهم؛ وأن الأيدي البشرية قد عبثت بهما.