أرشيف المختارات

مقال
[ الثلاثاء 13 شعبان 1438 هـ ] [ 771 ]
في سِياقِ المؤَامَراتِ الجَارِيةِ للقضَاءِ على القَضِيَّةِ الفِلسطِينيَّةِ ونَوايَا التَّطبِيعِ مع الكِيانِ الإسرَائِيلي في صِيغَةِ قَبُولٍ "تَامٍ" بإسرَائِيلَ كدَولَةِ يَهُوديَّةٍ جُزءٍ مِن المنطِقَةِ، تَرتَبِطُ معها برِبَاطِ الجغرَافيَا والتَّارِيخِ والدَّمِ والدِّينِ(!!).. تأتي ضَرُورَةُ الوُقُوفِ إلى جَانِبِ الشَّعبِ الفِلسطِيني المسلِمِ وقوَاه الخَيِّرَةِ المقَاوِمَةِ كأَولَويَّةٍ في أَجنِدَاتِ الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ. فمُقدَّسَات المسلِمين والمسجِدُ الأَقصَى –قِبلَةُ المسلمين الأُولى- في خَطَرٍ مُحقَّقٍ، ولن تكون في مَأمَنٍ مهما جَرَى التَّطبِيعُ مع الكيَانِ الصَّهيوني المحتَلِّ. ونَظرًا لأنَّ كَثِيرًا مِن التَّنظيمَاتِ القَوميَّةِ والعِلمَانيةِ الفِلسطِينيةِ تَنَكَّبَت طَرِيقَ الحقِّ وسَبيلَ المقَاوَمَةِ لتَحرِيرِ فِلسطِين، وبَاتَت تتَاجِرُ بالقَضيَّةِ، فإنَّ القُوى الإسلامِيَّةَ الفِلسطِينيَّةَ –ومِن بينِها حَركةُ المقَاوَمةِ الإسلاميةِ "حمَاس"- رَغمَ أيِّ مُلاحَظَةٍ عليها جَمِيعًا، تُعتَبَرُ الخَطَّ الدِّفَاعي الأَولَ للأُمَّةِ. وقد شَاهدَت الأُمَّةُ كيف عَمِلَ الغَربُ والشَّرقُ على التَّحالُفِ ضِدَّ الأُمَّةِ وتجرِيدِها مِن قُوَّتِها، وتهديدِها في عَقرِ دَارِها، بتَأييدِ الفَوضَى الطَّائِفيةِ والمسَاهمَةِ في تَمدُّدها؛ في حين عَمِلُوا على محَارَبةِ الإسلامِ السُّنِّيِّ منذُ عامِ 2001م، تحت لافِتةِ "الإرهَابِ"؛ مُتَّخِذينَ مِن ذاتِ الشِّعارِ مِطرَقَةً على رُؤُوسِ الأَنظِمةِ العَرَبيةِ لتَقدِيمِ التَّنازُلاتِ تِلو التَّنازُلاتِ مِن سيَادَتها واستقلالها وهوِّيتِها وثَرَواتِها.
مقال
[ الاثنين 27 رجب 1438 هـ ] [ 950 ]
قبل مائة عام، وتحديدا في 2 نوفمبر 1917م، بعث وزير الخارجية البريطاني "آرثر جيمس بلفور" إلى اللورد اليهودي "ليونيل وولتر دي روتشيلد"، رسالة باسم الحكومة البريطانية، يعده فيها بـ"إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين"، وقال: إنَّ "الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وإنَّها ستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية"! وجاء هذا الوعد قبل شهر من احتلال الجيش البريطاني لفلسطين. وفي وقت كان تعداد اليهود في فلسطين لا يزيد عن 5% من مجموع عدد السكان.
ذكرنا في الجزءِ الأولِ مِن المقَالةِ كيف أنَّ عِبارَةَ "تَعظِيمِ النَّصِ" استحوذت على اهتمَامٍ بَالِغٍ، وكيف أنَّ هذا الاهتمامَ نحَا بها نحو مَفهُومٍ خَاطِئٍ، يَرفعُ مِن قِيمةِ الأَخذِ الظَّاهري الحرفي على الفَهمِ والفِقهِ؛ وأنَّ المرادَ الصَّحيحَ "تَعظِيمُ فِقهِ النَّص" ودلالته المستنبطة بحسب قواعد الاستدلال المعروفة في أصول الفقه. وجَرى الحَديثُ عن الآثارِ السَّلبيةِ المترتبةِ على الحديث عن "تعظيم النص" دُون "تعظيم فقه النص"، ونستكمل في هذا الجزء ما كنا ابتدأناه هناك.
فقد استحوذت عبارة "تعظيم النَّص" على اهتمام عدد من الدعاة إلى الله تعالى، وتأثر بهذا الاهتمام عدد من الباحثين، والمؤسسات الأكاديمية. وقد دَرَستُ هذه المقولة دراسة أكاديمية، وتقدمت بها إلى أحد المؤتمرات العلمية، نسأل الله أن ينفع بها. وهذه المقالة خلاصة لتلك الورقة. وقد حاولت في تلك الورقة دراسة هذه العبارة، أعني "تعظيم النَّص" دراسة تحليلية نقدية. وكان سؤال البحث الرئيس: هل مِن الصواب استعمالها؟ وحاولت في هذه الورقة بيان العلاقة بين النص ومدلوله وفقهه، وأنَّ تعظيم الفهم الظاهري أو الحرفي له ليس هو المقصود بـ"تعظيم النَّص"، وإنما المقصود: تعظيم فقه النص ودلالته المستنبطة بحسب قواعد الاستدلال المعروفة في أصول الفقه، والتي منها ما يقتضي مخالفة الظاهر.
مقال
[ السبت 28 جمادى الأول 1438 هـ ] [ 834 ]
عرفت السَّاحةُ السِّياسيةُ الصِّراعَ على السُّلطةِ مُنذُ بزُوغِ فَجرِ الدَّولةِ على الاجتماعِ البَشَري، فللسُّلطةِ بَريقُها الذي يُغري، والميلُ إليها مَغرُوسٌ في نُفوسِ البَشرِ. فالسُّلطةُ تجمعُ بين الجَاهِ والمـَال، وهما أَحبُّ شيءٍ للنَّفسِ البَشريةِ. وقد كان مَدخَلُ إبليسَ لوعي آدمَ –عليه الصلاة والسلام- في الجنَّةِ طَلبُ الجَاه: ((فوَسوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَل أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلدِ ومُلكٍ لَا يَبلَى * فَأَكَلَا مِنهَا..)). وأخبر تعالى عن مَحبَةِ بني آدمَ للمالِ فقال سبحانه: ((وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيرِ لَشَدِيدٌ))، ((وَتُحِبُّونَ الـمَالَ حُبًّا جَمًّا)). والصِّراعُ على السُّلطةِ يأخذُ أَشكالًا مُختَلِفةً وصُورًا مُتعدِّدةً. وكثيرا ما كانت الدُّولُ تَزُولُ بالصِّراعاتِ الدَّاخلية لا بالغَزو الخَارجِي؛ لأنَّ مِن شأنِ الغَزو الخَارجِي أن يُوجِدَ الحافِزَ للمقَاوَمةِ واتحادِ الجَبهةِ الدَّاخِليةِ ضدَّه. أما الصِّراعُ الداخليُّ فإنَّه يمثل تحولا لمواقعِ النُّفوذِ ومَراكزِ القرارِ دَاخِلَ المجتمعِ ذاته، ما يجعلُه مُنقسِمًا على نفسه في الموقف مِن هذا التحول.
مقال
[ الاثنين 23 جمادى الأول 1438 هـ ] [ 600 ]
انتَظمَ الدِّينُ الإسلاميُّ الشَّأنَ السِّياسيَّ للمجتَمعِ المسلمِ، كجُزءٍ مِن مَنظُومَته العقديةِ والأخلاقيةِ والتشريعيةِ، الشَّاملةِ للفردِ والمجتمعِ، في جميعِ جوانبِ الحياةِ ومَناشِطِها. وينبغي التأكيد –ابتداءً- على أنَّ الدِّينَ الإسلامي بانتظَامِه الشَّأنَ السيَاسيَّ لا يأتي بشَيءٍ مُخَالِفٍ للفِطرةِ الإنسَانيةٍ، والضَّرُورةِ البَشريةِ في الاجتماعِ، وللمنطِقِ العَقلي الرَّاشِدِ. إنَّه يُقدِّمُ المنهجَ الذي ارتضاه اللهُ تعالى للأُمَّةِ المسلمةِ، ويُحقِّقُ لها ما تَصبُوا إليه في الدُّنيا والآخِرةِ، دون خَلَلٍ أو شَطَطٍ فيهما، أو في أحدِهما. ويقوم المنهجُ السياسي في الإسلام على تَصورَاتٍ عَقَديَّةٍ، وقِيمٍ أخلاقيةٍ، وقَواعِدَ كُليَّةٍ ضَابِطَةٍ، وتَشرِيعاتٍ عَامَةٍ، ومعاييرَ قِياسيةٍ. وهو مَنهَجٌ لا يَدخُلُ في التَّفاصِيلِ الإجرَائِيةِ، والعَمليَاتِ التَنفِيذِيةِ، والأَشكالِ التي يُمكِنُ أن يَخرُجَ فيها النِّظامُ السِّياسيُّ، إلا في ضَوءِ بيان المعايير التي ينبغي ألا تُنَافي مَقاصِدَه ومُقرَّراتِه وأُصولَه وقَواعِدَه.
عرضنا في المقال السَّابقِ لطَبيعَةِ المرحلَةِ التي نَشأَ فيها ابن القيم؛ وكيف أنَّه رَغمَ الظُّروفِ الصَّعبَةِ خَرجَت شَخصيَّات علميةٌ وفكريةٌ أَثرَت السَّاحَةَ الإسلامِيَّةَ بمؤُلفَاتِها المختَلِفَةِ، وآرَائِها وأَفكَارِها. فكانت شَخصَياتٌ مُوسُوعيةٌ، هَضَمَت عُلومَ الشَّريعَةِ وعُلومَ الطَّبيعَةِ وغيرها. ومن ثمَّ نجد أنَّ ابن القيم –كشيخه ابن تيمية- عَكَسَ بمؤَلفَاتِه طَبيعَةَ الجَبهَات المختلفة التي يعمل عليها العَالمُ في ذلك الزَّمانِ. فهو تَارَةً في مواجهَةٍ فِكريَةٍ مع أَهلِ الإلحَادِ (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)، وتَارةً في مُواجهَةٍ مع أَهلِ الكتَابِ (هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى)، وتَارةً في مُواجَهةٍ مع أَهل البِدعِ (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل)، وتَارَةً في مُواجهةٍ مع أَهلِ السِّياسَاتِ الظَّالمةِ (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية)، وتَارةً في مُواجهَةٍ مع أَهلِ الشَّهواتِ (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، وتارةً في مواجهةٍ مع أَهلِ الجُمودِ والتَّقلِيدِ (إعلام الموقعين عن رب العالمين.
عَاشَ المسلِمُونَ في القَرنِ السَّابَعِ الهِجرِي ظُرُوفًا مَأسَاويَّةً جِدًا، وأَحدَاثًا جِسَامًا كان مِن أَبرَزِها اجتِيَاحُ التَتَرِ المغُولِ العَالَمَ الإسلامي، وتَدمِيرُهم مُدُنَه وحَوَاضِرَه بما في ذلك عَاصِمَةُ الخِلافَةِ الإسلامَيَّةِ بَغدَاد. وهذا الوَاقِعُ سَبَقَه انتِشَارٌ وَاسِعٌ لطَوَائِفِ الضَّلالِ والبِدعِ، مِن شِيعَةٍ رَافِضَةٍ وبَاطِنيَّةٍ وحَرَكَاتٍ صُوفِيَّةٍ مُغَالِيَةٍ في عَقَائِدِ الحُلُولِ والاتِّحَادِ والشِّركيَّاتِ البِدعِيَّةِ، حتى تَشَكَّلَت لها دُوَلٌ هنا وهناك. بالإضَافَةِ إلى بُرُوزِ فَلاسِفَةٍ يُظهِرُون الإلحَادَ والزَّندَقَة في ظلَّ تَأثُّرِ كَثَيرٍ مِن المسلِمِين بالفَلسَفَةِ وعِلمِ الكَلامِ. ومع قَتَامَةِ المشهَدِ العَامِ في سَاحَةِ العَالمِ الإسلامي، كَانَت تَبَاشِيرُ انبثَاقِ فَجرٍ جَدِيدٍ تَلُوحُ في الأُفُق، وحَركَةُ بَعثٍ إِسلاميٍّ تتَشكَّلُ في الوَسطِ العِلمِيِّ والاجتِمَاعيِّ والسِّيَاسيِّ والجِهَادِيِّ. وفي ظِلِّ هذه الأَجوَاءِ وُلِدَ ونَشَأَ وعَاشَ شَمسُ الدِّينِ أَبو عَبدِالله محمَّدُ بن أَبي بَكرٍ، الشَّهِيرُ بابنِ قَيِّم الجَوزِيَّةِ، آوَاخِرِ القَرنِ السَّابِعِ الهِجرِي وحتى مُنتَصَفِ القَرنِ الثَّامِن الهِجرِي. وهي حِقبَةٌ تَارِيخيَّةٌ شَهِدَت تَوقُّفَ المدِّ التَتَري المغُولي وانكِسَارَه، وانتِصَارَ المسلِمِين بقِيادَةِ النَّاصِرِ محمد بن قَلاوون على التَتَرِ، في وَقعَةِ شَقحَب بالقُربِ مِن دِمشق، في الثَّانِي مِن رَمضَانٍ سَنَة 702هـ. وهو الانتِصَارُ الذي أَعَادَ للمُسلِمينَ ثِقَتَهم في أَنفُسِهم وقُوَّتِهم، بعد الذي جَرَى في العُقُودِ السَّابِقَةِ مِن تهدِيدِ التَتَرِ لمـُدُنِ وحَوَاضِرِ المسلِمِين في العِراقِ والشَّامِ.
مقال
[ الثلاثاء 28 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 948 ]
خَرَجَ التَّتر مِن عُزلَتهم كمجتمَعٍ بَدَويٍّ ليكونوا حُكَّامًا جُددا للعالم. وفي إطار تحولهم مِن فِئةٍ هامِشيةٍ محصُورةٍ في بُقعَةٍ مِن الأرض إلى شَعبٍ حَاكِمٍ شَهِدَ التَّترُ تحولا في المعتقدات والشرائع ونمط العيش والإدارة، وإن ظَلَّت الصفة البربرية المتوحشة هي السائدة على الشخصية والطبيعة التترية. وفي حين أنهم كانوا مُشركين وثنيين قُبيلَ تحركهم باتجاه الشَّرق، يَعبُدون الظَّواهِرَ الطَّبيعيةِ وبَعضَ الحيوانات، تحولوا مع دخولهم الصِّين للديانة البوذية، ثمَّ مع احتكاكهم بمجتمعات الشَّرق واختلاطهم بها سعى "جنكيز خان" لصياغة ديانة جديدة تجمع بين دين التتر القديم إضافة إلى بعض شرائع من الإسلام والنصرانية واليهودية، مازجا بينها وبين ما يراه في قالب جديد للدولة الوليدة والأمة المتشكلة حديثا.
مقال
[ الأحد 26 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 1224 ]
عاش شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في فَترَةٍ كان التَتَرُ فيها قد دَخَلُوا عَاصِمةَ الدَّولةِ العَباسيَّةِ (بغداد)، وحَواضِرِ المسلمين في العِراقِ والشَّامِ، حتى كادوا أن يَصلِوا إلى مِصرَ. فدوَّنَ في مؤلفاته وفتاويه رؤيَتَه الخاصةَ لهذه الطَّائِفةِ مِن النَّاس، حيثُ أنَّه أَدرَك حقائِقَ مُعتقداتهم وسلوكياتهم، وما طَرأَ عليها مِن تحولاتٍ، مُنذُ اكتساحهم العالم الإسلامي مع مَطلعِ القرن السابع الهجري. فكان ابن تيمية بحَقٍّ عارِفًا بواقِعِه، واعِيًا بتفَاصيلِه ومُجريَاتِه، مُدرِكًا لطَبيعَةِ القُوى المتحركةِ فيه، وهو الذي خَاضَ غِمارَ الفِكرِ والدَّعوةِ والتَّعليمِ والفتيا والجهاد. فجاء حديثه عن التتر مستوعبا لطبيعتهم، ومسار تشكلهم، وحقيقة ما هم عليه، والتحولات التي طرأت عليهم. فلم يَنفَكَّ –رحمه الله- عن وَاقِعِ أُمَّتِه التي واجهت أَكبَر هَجمةٍ بربريةِ استهدفت وجودَها المعنوي والمادي. ولم يَنزَوِ عن مُعتَرَكِ الجهودِ الهَادِفةِ للتَّصدِّي لهذا التهديدِ وتَوعِيةِ الأُمَّة بمدى خُطورَته وما ينبغي إزَاءَه. فكان عالما ربانيًّا، وفقيها مُصلِحًا، ومُجدِّدًا مُجاهِدًا بفكره ولسانه وقلمه وسيفه.
تتشكل "الطائفة" عندما تعرف مجموعة نفسها بصيغة مغايرة للآخرين, أكان هذا التعريف بصيغة عرقية أو دينية أو سياسية أو فكرية أو ثقافية أو اقتصادية. وينشأ عن هذا التعريف كيان جديد له سماته وخصائصه المستقلة عن القواسم المشتركة، وفق علاقات وروابط تقوم على أساس التعريف والسمات والخصائص المحدثة. وتعدد الطوائف أمرٌ طبيعيٌ في ضوءِ التنوعِ البشري، وهي حقيقة ماثلة في كل الأعراق والديانات والشرائح الثقافية والشعوب. وهي تتأسس في البيئات الدينية نظرا لقابلية الفهم الإنساني لتأويل النصوص (الدينية) برؤى مختلفة، أو تطبيقها بصور متباينة.
تعيش الأمة الإسلامية اليوم تهديدا واضحا وجليا لوجودها ودينها ومقدراتها في أكثر من بلد إسلامي، وتحت أكثر من غطاء. ففي حين تعمل إسرائيل على محاربة الشعب الفلسطيني وتضييق الحصار عليه، وانتزاع أراضيه، والاعتداء على المسجد الأقصى المبارك –قبلة المسلمين الأولى- تتغول إيران بأذرعتها الطائفية المجرمة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، فتقتل وتعذب وتختطف وتهجر وتدمر القرى والمدن بكل صور التدمير الحاقد. في حين يتخذ الغرب الصليبي من "الإرهاب" ذريعة لمحاصرة مقاومة الأمة، واستهداف شعوبها، ومنع السلاح عنها، وتمكين المدِّ الصفوي الرافضي منها.
أخبر الله تعالى في القرآن الكريم أنه اصطفى في مرحلة تاريخية بني إسرائيل، وفضلهم، وتفضلَّ عليهم بالنعم والخيرات، وجعل معظم النبوات التي جاءت بعد إبراهيم –عليه الصلاة والسلام- في ذريتهم، كما أخبر في المقابل أنه غضب عليهم وسخطهم، وسلبهم النعم وأنزل عليهم العذاب الأليم، وجعلهم ملعونين على لسان أنبيائهم والناس من بعدهم! صورتان متضادتان ومتقابلتان. لكنهما لم تأتيا من عَبَثٍ –تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فإنَّ سنَّة الله في عباده التي لا تتبدَّل ولا تتخلَّف هي أنَّه ((لَم يَكُ مُغَيِّرًا نِّعمَةً أَنعَمَهَا عَلَى قَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم))، الأنفال: 53. فهو المنعِمُ ابتداءً، والمتفَضِّلُ أولًا، على عبادِه، فإن لم يُرَاعُوا حقَّ النِّعمَةِ ووَاجِبَ الفَضلِ سَلَبَهم ما أُعطُوا عِقابًا لهم.
مقال
[ الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 1027 ]
يعتبر ابن تيمية من العلماء الذين كشفوا عن مقاصد الشريعة، وأبلوا بلاء حسنا في الدفاع عنها ومعرفتها وتفصيلها. ويقول د. أحمد الريسوني، في كتابه (نظرية المقاصد عند الشاطبي: ص68): "لا يكاد يخلو كلام له عن الشريعة وأحكامها، مِن بيان حكمها ومقاصدها، وإبراز مصالحها ومفاسد مخالفتها". ويقول أحمد البدوي، في كتابه (مقاصد الشريعة عند ابن تيمية: ص112): "إنَّ مقاصد الشريعة تسري في ابن تيمية سريان الدم في العروق. فهي لا تفارقه وهو لا يفارقها. ويرى أنَّ الشريعة الإسلامية ما جاءت إلا بهذه المقاصد والمصالح. وهو يرى أنها القاعدة لبناء التشريع بأصوله وفروعه". ويذهب أحمد البدوي إلى حدِّ القول بأنَّ ابن تيمية هو شيخ المقاصد، وأَوَّلُ مَن أعجم عُودها، وليس الشاطبي -كما جرت عليه العادة. فقال: "وما قصصته من كلام ابن تيمية في اهتمامه بفهم المقاصد وهضمها وتوظيفها يُبيِّنُ أنَّه قَائِدُ وحَامِلُ رَايةِ هذا العلم مِن الناحية العملية التطبيقية، ومِن المؤَسِّسِين له من الناحية النظرية".
مقال
[ الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 648 ]
اليهودية ديانة سماوية توحيدية بالأساس. تأسست من رسالة نبي الله موسى –عليه الصلاة والسلام. ونظرا لكونه بعث في بني إسرائيل، وكانت رسالته تقضي بإخراجهم من مصر وقيادتهم لدخول الأرض المقدسة (فلسطين)، فإنَّ رسالة موسى كانت رسالة خاصَّةً ببني إسرائيل. وقد كان النَّبيُّ قَبَل بِعثَةِ الرَّسولِ محمَّدٍ –صلى الله عليه وسلم- يُرسَلُ لقومه خَاصةً، فكانت شَرِيعَةُ موسى مُختَصَّةٌ ببني إسرائيل.
مقال
[ الثلاثاء 15 صفر 1438 هـ ] [ 756 ]
ذكرنا أن الزِّنا فاحشة عظيمة، وأنَّ الله تعالى قرنها بالشرك وقَتلِ النَّفسِ التي حرَّم الله، وأنَّ هذا الانحراف يأتي في إطار الانجذاب الفطري بين الجنسين: الذكر والأنثى. وذكرنا أنَّ ما وراءَ هذه المعصية مِن شُذوذٍ إنما هو خُروجٌ عن الفِطرةِ والطَّبيعةِ والشَّرائعِ التي أَجمعَت –جميعُها- على حُرمَته. ولم تُعاقَب أُمَّةٌ مِن الأُمم على مَعصيةٍ بعُقوبَاتٍ مُتعدِّدةٍ كما عُوقِبَ قَومُ لُوطٍ –عليه الصلاة والسلام- على شذوذِهم. وهنا نتناول حرمة هذه الفاحشة، وأثر هذه الجريمة النكراء والفاحشة الجامعة للرذائل في مرتكبها، وعقوبتها.
مقال
[ الأحد 13 صفر 1438 هـ ] [ 874 ]
ركَّبَ اللهُ تعالى الأَحيَاءَ مِن الخَلقِ على قَاعِدةِ "الزوجية"، أي أن كل نوع من أنواع الكائنات الحيَّةِ موزعة على فصيلين أو جنسين: ذكر وأنثى. يقول تعالى: ((وأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثَى))، النجم: 45. ومن لقاء هذين الزوجين واتصالهم الجنسي معا تنتج الذرية والنسل، ويستمر وجود النوع الكلي: ((أَلَم يَكُ نُطفَةً مِن مَنِيٍّ يُمنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثَى))، القيامة: 37- 40. فلا يمكن استمرار النوع إلا باتصال الجنس. ولمـَّا أراد الله تعالى أن يستنقذ نوح –عليه الصلاة والسلام، ما شاء الله أن يستنقذ، أمره بأن يحمل في سفينته مِن كُلٍّ زَوجَينِ اثنَينِ (هود: 40، والمؤمنون: 27). وقد جاءت الشرائع السماوية لضبط هذه العلاقة الجنسية بين الزوجين استجابة للشهوة الطبيعية، في إطار الفطرة والأخلاق ومقاصد الدِّين الاجتماعية والإنسانية. فلم تحرم الشرائع السماوية العلاقات الجنسية بين الجنسين: الذكر والأنثى، لأنها نتاج ميول طبيعية، وإنما رشدت هذه العلاقة منذ وجودها ميولا داخلية إلى تحولها إلى ممارسة فعلية. وفي هذا الشأن عززت الشريعة من العلاقة الجنسية النظيفة والطاهرة، فأجازت النكاح الشرعي كإطار لإقامتها، وقيدته في عدد من الزوجات، وأباحت ملك اليمين بدون قيد عددي.
في مقال سابق بعنوان "الحضارات سنن وقوانين" أشرنا إجمالا إلى أن الدين جوهرُ الحضارة ومحرك التاريخ، وأساس العمران، والروح الحقيقي للإنسان، والشواهد على ذلك عديدة منها:
مقال
[ الأحد 6 صفر 1438 هـ ] [ 639 ]
الإنسان مدني بالطبع، فإذا توحش فلأمر خارج عن طبيعته وغريزته. فهو خُلِقَ يَألَفُ ويُؤلَفُ، ويُقيمَ مُجتَمعاً إنسَانيًّا متآخيًّا، يَقومُ على الرَّحمةِ والإِحسَانِ والعَدلِ. وتوجيه الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- لأتباعهم مع مطلع دعوتهم يقوم على مبادئ: العدل والإحسان والرحمة، والأمانة والصدق والعفاف، وصلة الرحم والإحسان للجار وإكرام الضيف؛ ليمثلوا في المجتمع الجاهلي طليعة القدوات العملية التي تترجم الإيمان عملا، ولا تتوقف به عند القول والدعاوى فقط. لذا فإنَّ جميع الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- لم يخرجوا من ظهور أَقوامِهم إلَّا بإِذنٍ إلهيٍّ، وعند استحالة التعايش وتهديد وجودهم؛ وفيما عدا ذلك فإنَّهم عايشوا قومهم وخالطوهم، ولم يعتزلوا سوى مواطن الشرك والفجور والظلم، أمَّا الحياة العامة لم ينفكوا عنها.
مقال
[ الجمعة 4 صفر 1438 هـ ] [ 567 ]
فقه ما يجري في العراق وسوريا يمثل مدخلا مهما في النظرة الشرعية للتدخل التركي العسكري في هذين البلدين. وفي حال الخطأ في تقدير الواقع الجاري بكل أبعاده وتفاصيله فإنَّ النظرة الشرعية ستكون خاطئة، وقد تتسبب بانتكاسة السُّنَّةِ في المنطقة، وتغلب الطائفية الشيعية على الغالبية السُّنيَّة العُظمى هناك. والأمر لا يتوقف على خلاف سياسي، أو تباين فكري، بل على رؤية عقدية تكفيرية استئصالية متطرفة، تتحالف مع كل القوى لإقامة مذهبها الخاص، على أنقاض الأمة الإسلامية.