قضايا فكرية /

الشيشان أرض الجهاد المنسية [ تقرير ]

[ الخميس 25 صفر 1433 هـ ] [ 190 ]

بدأ انتشار الإسلام بين الشيشان في القرن الثامن الميلادي في عهد الأمويين ولكنه كان انتشاراً بطيئاً حتى القرن السادس عشر الميلادي. وقد انتشر الإسلام بجهود الحركات الصوفية، وكانت في الشيشان ذات صيغة سياسية وعرفت بالمريدية وارتبطت بالمقاومة ضد الروس في القرن الثامن عشر الميلادي.

 

 

 

 

من هم الشيشان:

الشيشان هم شعب ينتمي إلى ما تسمى حاليا بجمهورية الشيشان التي تقع في القوقاز، والقوقاز هي المنطقة التي يحدها من الشرق بحر قزوين، ومن الغرب البحر الأسود، ومن الشمال روسيا ومن الجنوب تركيا وإيران، وتنقسم منطقة القوقاز بسبب الجبال الممتدة من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي إلى منطقتين: القوقاز الجنوبي والذي يحوي الجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي (جورجيا، أرمينيا وأزربيجان )، أما القوقاز الشمالي فلا يزال تحت الحكم الروسي المباشر، ويحوي جمهوريات تسمي بجمهوريات حكم ذاتي، مثل جمهورية الشيشان والداغستان وأديغه.
والشعب الشيشاني شعب مسلم محب لدينه، ويعرف عنه قوته وجلادة صبره وصلابته وروحه الوطنية والقومية العالية, والتي لا تعرف الانهزام والانكسار والاستسلام, فهو شعب التحديات من قبل عهد ستالين وحتى أيام الرئيس الروسي الحالي.
جمهورية الشيشان
تقع جمهورية الشيشان على أرض مساحتها 11.300 كم مربع في منطقة محصورة بين بحر قزوين والبحر الأسود، وتحدها من الشمال روسيا الاتحادية، ومن الشرق جمهورية داغستان ذات الحكم المحلي ضمن روسيا، ومن الغرب أنغوشيا (حكم ذاتي ضمن روسيا)، ومن الجنوب جمهورية جورجيا التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
أصل التسمية:
(الشيشان) هو الاسم المعرب للاسم الذي استخدمه الروس وبقية الشعوب لجمهورية الشيشان(Chechen)، وهذا الاسم نسبة إلى قرية صغيرة تقع قرب غروزني تسمى (تشتشن) وهي المنطقة التي حدث فيها أول قتال ما بين القوات الروسية الغازية والمدافعين الشيشان، وكان الروس هم أول من استعمل هذا الاسم وكان ذلك في بداية القرن الثامن عشر.
والشيشان يسمون أنفسهم بـ ( ويناخ )، وويناخ كلمة تعني في اللغة الشيشانية شعبنا (وي _ نحن ، ناخ _ شعب )، ولكن يوجد هناك من يقول بأن ( ناخ ) هو أصل الشيشان، وناخ كلمة محورة من اسم نوح (أي سيدنا النبي نوح) الذي استقرت سفينته بعد الطوفان على جبل أرارات في شمال تركيا، ثم تفرعت من سيدنا نوح شعوب مختلفة انساحت معظمها إلى مناطق أخرى مثل السومريون الذي سكنوا بلاد ما بين النهرين، ومنهم شعوب تأصلت في المنطقة ، وتفرعت منها شعوب مختلفة مثل الشيشان والشركس والداغستان.
كيف دخل الإسلام إلى الشيشان:
بدأ انتشار الإسلام بين الشيشان في القرن الثامن الميلادي في عهد الأمويين ولكنه كان انتشاراً بطيئاً حتى القرن السادس عشر الميلادي. وقد انتشر الإسلام بجهود الحركات الصوفية، وكانت في الشيشان ذات صيغة سياسية وعرفت بالمريدية وارتبطت بالمقاومة ضد الروس في القرن الثامن عشر الميلادي.
ومن الأشياء التي ساعدت على نشر الإسلام، وتعميق أبعاده في بلاد الشيشان والإنجوش حرب القوقاز طويلة الأمد، خلال القرن التاسع عشر، وظروف الحياة القاسية، التي كان يعيشها الشعب الجبلي العامل. واتصفت هذه الفترة بازدواجية العقيدة عند هذه الشعوب، مابين مسيحية ووثنية، مما كان له الأثر الكبير أيضاً في نبذ هذه الديانات واعتناق الإسلام.
وفي هذا الصدد تقول الكاتبة الأمريكية ( لزلي بلاتش) في وصف مقاتلي الشيشان في ( حرب القوقاز الأولي) في كتابها( سيوف الجنة) -في إشارة إلى سيوف مجاهدي الشيشان- تقول:" حرب المريدين هي حقبة الشريعة الإسلامية التي قام بإحيائها وفرضها في شمال القوقاز واستخدمها كمصدر ضد الغزو الروسي. إنها حرب شارك فيها جنود ( شامل) من أجل الله ومن أجل الحرية, وساروا لقتال الروس وهم يرتلون القران الكريم وأناشيدهم الدينية وكانت سيوفهم بالنسبة لهم مفاتيح الجنة).
وانتشرت الحركة الإسلامية الحديثة بين الشيشان وبخاصة التيار السلفي الجهادي والإخوان المسلمين، ومن الأحزاب التي تعبر عن الحركة الإسلامية الحديثة: حزب النهضة الإسلامي وحزب الطريق الإسلامي.
والشيشانيون جميعهم من السنة، وهم شافعيو المذهب، ولا يوجد بينهم يهودي أو مسيحي شيشاني من العشائر التي تضم الويناخ وأكبرهم ثلاث عشائر الارستغوي والنوختشي والغلغاي.
التيارات الدينية والعمل السياسي:
اتصف تاريخ الشيشان بالعداء لروسيا، وقلة النفوذ الشيوعي، وتسييس التصوف وتحويله إلى مؤسسة سرية، واضطلعت الصوفية في الشيشان بالتنشئة السياسية والتعبئة ضد السلطة الروسية ثم الشيوعية السوفياتية.
وبانهيار الاتحاد السوفياتي حدث فراغ كبير على مستوى الدولة وتصاعد الإحياء القومي والديني وتداخل مع الإسلام، ودخل البعد الحركي الإسلامي في العمل السياسي بعدما كان سريا، وظهر التيار السلفي الجهادي.
الشيشان قبل الغزو الروسي:
قبل الغزو الروسي كانت منطقة جنوب القوقاز تحت السيطرة العثمانية، عدا أذربيجان التي كانت تحت سيطرة الصفويين في إيران، أما شمال القوقاز ومنها بلاد الشيشان، لم تكن تحت السيطرة المباشرة للعثمانيين، بل كانت تحت نفوذهم، وقد كانت هذه الشعوب راضية بهذا الوضع بسبب العقيدة والمذهب، كون الدولة العثمانية بمثابة المرجع الديني لهم لكونها "حاملة راية الخلافة الإسلامية".
قصة الصراع الروسي الشيشاني:
الصراع الروسي الشيشاني صراع طويل مليء بالدماء والقتل، لم يتوقف على مدى أكثر من 200 عاما،  بدأ بعد استقلال روسيا عن المغول بداية القرن السادس عشر الميلادي، وانتهاجها سياسيات التوسع الاستعماري تجاه بحر البلطيق وآسيا الوسطى، وقد أدى ذلك إلى سلسلة من الحروب والصراعات مع المسلمين في الجنوب، والتي استطاعت روسيا خلالها أن تزيد مساحتها من 14 ألف ميل مربع عام 1480 إلى 1.8 مليون ميل مربع عام 1917 أي أن مساحتها تضاعفت ستين ضعفا.
وكان أول صدام بين الروس والشيشان عام 1722 ووقعت سلسلة معارك بدءاً من العام 1785 بقيادة الإمام منصور مؤسس الحركة المريدية واستمرت هذه المقاومة والمعارك حتى منتصف القرن التاسع عشر، وقد أسر الإمام منصور عام 1791 واحتجز في قلعة روسية حتى وفاته فيها. ثم نشبت بعد ذلك عدة ثورات ، كانت تقمع في كل مرة.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 أعلن القائد الشيشاني الشهير جوهر دوداييف استقلال الشيشان، مما أشعل الحرب الضارية بين الروس والشيشان وكانت القوة العسكرية حينها بقيادة القائد سامر بن صالح بن عبد الله السويلم (سعودي الجنسية) الملقب بالقائد "خطاب" من 1994 حتى 1997، ثم عادت الحرب وتجددت سنة 1999، ومنذ هذا العهد اتخذت حركة المقاومة طابعا إسلاميا أكثر، حيث يسعى المجاهدون إلى إقامة دولة إسلامية على منطقة القوقاز (الشيشان وأنجوشيا وداغستان).
ورغم انتهاء الحرب في عام 2000، بدأت المقاومة تشن هجمات أشد ضد الاحتلال، وامتدت الهجمات إلى مناطق أخرى في القوقاز، وخلال الأعوام القليلة الماضية وصلت هجمات المقاومين إلى قلب روسيا، في الوقت ذاته يهاجم المجاهدون الحكومة المحلية وعناصر الشرطة بسبب موالاتهم لموسكو.
أسرى الشيشان في سجون الإلحاد الروسية:
إضافة إلى عمليات القتل الممنهج والتعذيب، وحرب الإبادة التي تمارسها القوات الروسية في الأراضي الشيشانية، يقبع أكثر من 20.000 شيشاني في سجون الاحتلال الروسي على خلفية غزو هذا الأخير أراضي الشيشان، متهمين "باللصوصية", و"بالإرهاب " أو بالمشاركة في أعمال "غير قانونية "، أو في غالب الأحيان تهمتهم الوحيدة هي كونهم من أصل شيشاني !!
ومصيرهم غالبا ما يكون أتعس من السجناء الآخرين, حيث يموت الكثير منهم جراء التعذيب والاغتيالات الممنهجة والانتحار، في حين أن سجانيهم هم عبارة عن محاربين روس قدماء أو عملاء شيشانيين سابقين شاركوا في الحرب الروسية- الشيشانية.
إضافة إلى هذا فإنهم يعاملون أسوأ المعاملة، حيث أوضح كثير من الحقوقيين والمنظمات المدنية أن السجناء الشيشان يتعرضون للتعذيب الجسمي والنفسي، ويمنعون من الصلاة وتحرق المصاحف التي معهم، ويقدم لهم أطعمة مصنوعة من لحم الخنزير، إضافة إلى ذلك يعتدى على أعراض المسلمات.
وتؤكد المصادر الشيشانية أن ما يقوم به العسكريون الروس في الشيشان ليس حوادث فردية أو تجاوزات شخصية وإنما هي سياسة روسية صادرة عن الكرملين نفسه. وتنقل هذه المصادر أن الرئيس فلاديمير بوتين أعطى أوامره بقتل 80% من المعتقلين وتحويل الآخرين إلى معاقين، وفق ما أورده عمر خانبييف وزير الصحة الشيشاني في حكومة الرئيس أصلان مسخادوف أمام البرلمان الأوروبي في دورته الصيفية عام 2001 م.
وقد أفادت تقارير عدة لمنظمات تعنى بحقوق الإنسان أن ما ترتكبه روسيا بحق أسرى المسلمين الشيشان يفوق ما يقوم به الأميركان والإسرائيليون من تعذيب في سجونهم، دون التقليل من أهميته.
الرئيس الشيشاني رمضان قديروف أو «الدمية الروسية»:
- كافح في البداية مع والده أحمد قديروف ضد القوات الروسية حينما بدأت الحرب الروسية الشيشانية الأولي، أما اليوم-وبعدما صار رئيسا للشيشان- أصبح طفل روسيا المدلل. ففي أثناء حرب الاستقلال في بداية التسعينات، حارب قديروف ضد القوات الروسية، وقاد وحدة عسكرية سميت بقاديروفيتسي والتي أصبحت فيما بعد إحدى الميلشيات التي اعتمدت عليها روسيا لدحض المجاهدين الشيشان، وهو الأمر الذي أشارت إليه عدة منظمات دولية تدافع عن حقوق الإنسان واتهمته بإصدار الأوامر لقتل معارضيه، ووصفته بـ"بسفاح القوقاز".
- انضم إلى روسيا في 1999 وضُمّت الميلشيات التابعة له إلى المخابرات الروسية. ثم عين نائباً لرئيس الوزراء بعد اغتيال والده، وفي ديسمبر 2005 عين رئيساً للوزراء بالوكالة، وبعد الاغتيال الذي تعرض له رئيس الوزراء الشيشاني الو ألخانوف بسيارة مفخخة تقلد رئاسة الحكومة الشيشانية في فبراير 2007 خلفاً له، وعمره لا يتعدى 30 سنة.
القائد خطاب... «قصة مجاهد»:
«خطَّاب» واحدًا من أشهر المجاهدين العرب الذين اشتركوا في جهاد الروس أشد أعداء الإسلام والمسلمين في أفغانستان ثم الشيشان، على الرغم من صغر سنه، وهو من أصل سعودي واسمه «سامر السويلم»، والتحق بصفوف المجاهدين وهو في السابعة عشرة من العمر، وترقى في سلم الجهاد في سبيل الله، حتى صار أمير المجاهدين العرب بالشيشان، وكان له صولات وجولات شهيرة مع الروس، الذين ذاقوا على يديه الكثير من الويلات وأصيب هو بالكثير من الإصابات وفقد جزءًا من يديه، وكان لخطاب سياسة خاصة يتبعها منذ أن كان في أفغانستان؛ حيث كان ينأى بنفسه عن أي شكل من أشكال الخلافات، التي وقعت بين فصائل المجاهدين هناك، وعمل على التركيز في جهاد الروس، وبرع في ذلك حتى أعيا الروس، ولم يستطيعوا أن يقبضوا عليه لشدة ذكائه وسرعة تحركاته، فلجئوا كما هي عادتهم إلى الغدر والخيانة، واستغلوا أحد ضعاف النفوس من الخونة، وأعطوه خطابًا مزورًا من أحد قادة المجاهدين الشيشان ليعطيه إلى القائد «خطاب» وكان بالخطاب نوع متقدم من السم الفتاك، يقتل باللمس، فلما فتح «خطاب» الخطاب وأمسك الورقة بيده تسلل السم إلى جسمه فمات رحمه الله رحمة واسعة، وذلك في 8 صفر 1423هـ الموافق 20 أبريل 2002هـ.
دور الحكومات والشعوب تجاه القضية الشيشانية
أشار الباحث الإسلامي الدكتور راغب السرجاني إلى أن المشكلة الحقيقة في موقف الدول العربية والإسلامية من قضية الشيشان أن هذه الدول لا تتعامل مع (الشيشان) على أنها دولة مستقلة ذات سيادة، وتعتبر صراعها مع (روسيا) صراعًا داخليًّا؛ خوفًا من الدب الروسي.
وأشار أيضا إلى أنه على حكومات العالم الإسلامي أن تفهم أنه لا مصلحة لأحد غيرها في دعم القضية الشيشانية؛ لا مصلحة لروسيا ولا أمريكا ولا إسرائيل ولا أوربا ولا الصين..، ومساعدة الشيشانيين على الاستقلال والتقدم بدولتهم نحو التقدم والقوة، ففي هذا نصرة للمسلمين المضطهدين، وزيادة لقوة المسلمين ووحدتهم؛ لذا لا بد من سعي حكومات العالم الإسلامي من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية وكل سبيل ممكن لتحريك القضية ونصرة شعب الشيشان
وعن الدور المنتظر من الشعوب أشار أوضح السرجاني عدة نقاط:
1- فهم قضايا العالم الإسلامي فهمًا جيدًا: وعدم الاكتفاء بالفتات والقشور، وفي قضية الشيشان ينبغي على كل مسلم أن يعرف طبيعة الصراع الروسي الشيشاني، وحقيقة ما يجري هناك، و أن يعمل جاهدًا على نشر القضية بين الناس، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
2- التحرك العملي السريع: ففهم القضية سينتج عنه العديد من الواجبات العملية، التي ستتمثل في بذل المساعدات قدر المستطاع، سواء تمثل ذلك في التبرع المادي، أو من خلال فضح الممارسات الوحشية ضد الشعب الشيشاني المسلم، وتوصيل ذلك للمهتمين بحقوق الإنسان في العالم، وكذلك المقاطعة الاقتصادية والتجارية لتلك الدولة المعتدية الآثمة!
3- بث الأمل: حيث يواجه بضع آلاف من المقاومين الشيشان، أكثر من نصف مليون جندي روسي، زودوا بـ(11 ألف) دبابة وسيارة مصفحة، وعدد كبير من المدافع الثقيلة والصواريخ والطائرات، ومع هذا قتل الشيشان عشرات الآلاف من الجيش الروسي حتى الآن.
ـــــــــــــــ
من مراجع التقرير:
- كتاب " الحركة الإسلامية في الشيشان والصراع الشيشاني- الروسي" لمراد بطل الشيشاني- مركز القدس للدراسات السياسية- عمان-2002م.
- مقال: من هم الشيشان- موقع شيشان المهجر.
- مقال: الحركة الإسلامية في الشيشان- عرض إبراهيم غرايبة- المعرفة (الجزيرة).
- مقال: الشيشان أرض الذئاب والعذاب - نضال حمد.
- الشيشان، ورمضان قديروف - الموسوعة الحرة ويكيبيديا.
- اغتيال المجاهد الكبير «خطَّاب»- مفكرة الإسلام.
- أسرى في سجون الإلحاد المسلمون في السجون الروسية (1)، (2)- مفكرة الإسلام.