النص و التأويل /

المدخل إلى قضية النص والتأويل (1/2) [ مقال ]

[ السبت 23 شوّال 1431 هـ ] [ 542 ]

في بدايةِ القرن ِ الماضي اجتاحتِ العالمَ الإسلاميَّ حمّى سُمّيتْ حمّى النقدِ الذاتيِّ والمُراجعةِ الداخليّةِ، بعدَ أنَّ عاشَ العالمُ الإسلاميُّ فوضى فكريّة ً عارمة ً، حينَ انتشرَ الإلحادُ وسادَ التغريبُ المكشوفُ والتبعيّة ُ المفضوحة ُ للغربِ، بل والعمالة ُ الصريحة

من القضايا المُهمّةِ التي شغلتْ حيّزاً كبيراً في الفكر ِ الإسلاميِّ المُعاصر ِ، قضيّة ُ الموقفِ من النصِّ والتراثِ والنظر ِ في قضيّةِ الخطابِ الدينيِّ والدّعويِّ، ويكثرُ الكلامُ عن هذه القضيّةِ الشائكةِ في الأزماتِ الفكريّةِ أو الصراعاتِ الحركيّةِ، التي تُحاولُ استمدادَ شرعيّتها من النصوص ِ المُباشرةِ، أو من مواقفَ تأريخيّةٍ مشابهة ً ارتبطتْ ببعض ِ العلماءِ والمُصلحينَ.

  وهناكَ فئة من المُتابعينَ للصّراعاتِ الفكريّةِ المُعاصرةِ، تجهلُ حقيقة َ الصراع ِ في هذهِ المسألةِ، وذلكَ أنَّ الصراعَ في قضايا ما يُسمّى بالموقفِ من النصِّ وإعادةِ قراءتهِ، أو الخطابِ الدّينيِّ وتجديدهِ، له جذورٌ تأريخيّة ٌ في عصورِنا المتأخّرةِ، وأخرى فكريّة ٌ.
  فمن ناحيةٍ تاريخيّةٍ: يعودُ النظرُ فيها إلى بدايةِ الاتصال ِ المباشر ِ للعالم ِ الإسلاميِّ بالحضارة ِ الغربيِّةِ، حدثَ ذلكَ-تقريباً-قبلَ ما يزيدُ على قرنين، حينَ بدأت تفِدُ على أوروبا إرسالياتٌ من دول ٍ إسلاميّةٍ، بغرض ِ الدراسةِ والتعليم ِ، بينما كانتْ أوروبا تعيشُ فورة َالحركاتِ التجديديّةِ والمدارس ِ الفلسفيّةِ والنقديّةِ، وكذلك تعيشُ انفجار َ الثورةِ الصناعيّةِ، وتشكّلتْ من هذه المجموعاتِ التي خرجتْ فئاتٌ تأثروا بالنمطِ الغربيِّ، وكان بعضُ هؤلاءِ في بدايةِ أمرِهم من أهل ِ الدّيانةِ والمُحافظةِ، فتغيّروا في الاتجاهِ الآخر ِ تغيّراً كبيراً، وكوّنوا لاحقاً تيّاراً تغريبيّاً، ساعدتِ الظروفُ الاستعماريّة ُ على تقويّتهِ ومدِّ نفوذهِ في المؤسّساتِ الحاكمةِ.

  ومن المُهمِّ هنا أن نشيرَ إلى ما أشارَ إليهِ روجيه جارودي في كتابهِ"وعودُ الإسلام ِ"حينَ ذكرَ أنَّ الغربَ في عمومهِ سعى إلى تشويهِ صورةِ الإسلام ِ وتعاليمهِ، فلم يكتفِ باستعمار ِ الأرض ِ ونهبِ الخيراتِ، بل زادَ على ذلكَ أنّهُ هدمَ معالمَ الدّين ِ الإسلاميِّ، ولم يسعَ إلى المُصالحةِ معهُ أو إزالةِ القطيعةِ بينهم، أو حتّى فهمهِ بنزاهةٍ، وهذا ما أدّاهُ إلى تقويةِ نفوذِ التغريبيينَ داخلَ العالم ِ الإسلاميِّ، إمعاناً منهُ في الحربِ على الإسلام ِ وقصداً لتشويههِ عن صورةِ الحقّيقيّةِ.
  وأمّا الجذورُ الفكريّة ُ: فقد تأثّرَ بعضُ الطلبةِ بما يوجدُ لدى الغربِ من الحضارةِ والحداثةِ، في شقّيها: الماديِّ والفكريِّ، ونظروا في الظروفِ التي أدّتْ إلى هذه الحداثةِ، وفي طريقةِ تكوّنها، فأعجبوا بالنهج ِ الغربيِّ، ورأوا ضرورة َ نقل ِ تلكَ الفكرةِ إلى العالم ِ الإسلاميِّ، وبما أنَّ أساسَ المنهج ِ الأوربيِّ كانَ التحرّرَ من القديم ِ، وقيامَ حركاتٍ ومناهجَ تصحيحيّةً، تقومُ على أساس ٍ ماديٍّ تجريبيٍّ، فقد تطوّعوا بنقل ِ الأفكار ِ الغربيّةِ إلى العالم ِ الإسلاميِّ.
 
  كانَ هذا العصرُ يمثّلُ نكسة ً خطيرة ً للكثير ِ من المفكّرينَ والدارسينَ، إذ سقطَ عددٌ منهم في مُستنقع ِ الحضارةِ الغربيّةِ وانهزمَ إليها، وأصبحَ لا يرى حاضراً أو مجداً أو تقدّماً إلا بتلكَ العين ِ الغربيّةِ، وهذه الهزيمة ُ النفسيّة ُ تلاها هدمٌ لأغلب ِ القيَم ِ والأصول ِ الشرعيّةِ، تحتَ حُجّةِ التغيّر ِ والصيرورةِ، وكانتِ النتيجة ُ أنَّهُم أخذوا يُقرّرونَ أن لا ثباتَ لأمر ٍ من الأمور ِ مُطلقاً، وجميعُ الأمور ِ قابلة ٌ للتغيير ِ أو الإزالةِ، والتغيّرُ الذي يبحثون عنهُ كانَ دائماً باتجاهِ الحضارةِ المادّيةِ الغربيّةِ، وما اشتملتْ عليهِ من العلوم ِ الإنسانيّةِ ونحوِها.

  وهذا ما يؤكّدهُ ابنُ خلدون ٍ بقولهِ في المقدّمةِ:"والمغلوبُ مولعٌ أبداً بالاقتداءِ بالغالبِ في شعارهِ وزيّهِ ونحلتهِ وسائر ِ أحوالهِ وعوائدهِ"، وقد صدقَ النبيُّ الكريمُ-صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ-:"لتتبعُنَّ سَننَ من كانَ قبلكم، حذوَ القذّةِ بالقُذّةِ، حتّى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ لدخلتموهُ معهم"والحديثُ في الصحيح ِ.

  ولم يكنْ هذا أوّلَ العهدِ بالنظر ِ في قضيّةِ النصِّ، بل سبقَ ذلكَ في القرن ِ الثاني الهجريِّ، عندما نشأتِ الطوائفُ المنحرفة ُ كالجهميّةِ والمُعتزلةِ والأشاعرةِ، والتي تعاملتْ مع النصِّ تعطيلاً تارة ً وتأويلاً أخرى، وهذا نوعٌ من نقد النصِّ، أو ما يُسمّيهِ بعضُ المفكّرينَ المُعاصرينَ: المرحلة َ الأولى لتطوير ِ النصِّ وإعادةِ قراءتهِ، وهم يُريدونَ بهذا إضفاءَ الأصالةِ على طرحِهم، والبحثِ عن جذور ٍ تاريخيّةٍ تؤكّدُ فكرتَهم.
ومن هنا بدأ الصراعُ في العالم ِ الإسلاميِّ حولَ القديم ِ والجديد، وحولَ المحافظةِ والحداثةِ، والتّراثِ والأصالةِ.

  وفي بدايةِ القرن ِ الماضي اجتاحتِ العالمَ الإسلاميَّ حمّى سُمّيتْ حمّى النقدِ الذاتيِّ والمُراجعةِ الداخليّةِ، بعدَ أنَّ عاشَ العالمُ الإسلاميُّ فوضى فكريّة ً عارمة ً، حينَ انتشرَ الإلحادُ وسادَ التغريبُ المكشوفُ والتبعيّة ُ المفضوحة ُ للغربِ، بل والعمالة ُ الصريحة ُ التي أبداها بعضُ المفكّرينَ إذّاكَ للمُستعمر ِ وقواهُ-طه حسين، أحمد لطفي السيد، علي عبدالرازق، وآخرون- ممّا أدّى إلى فضحِهم وسقوطِهم من أعين ِ النّاس ِ، وبدأ بعدها الأمرُ يأخذ ُ طابعَ التنظير ِ والبحثِ العلميِّ المُتجرّدِ! ليكونَ أدعى للقبول ِ، ويمكنَ تمريرهُ تحتَ غطاءِ النقدِ الذاتيِّ والمراجعةِ الداخليّةِ!.

  فظهرتْ مجموعة ٌ من الدراساتِ والمشاريع ِ النقديّةِ، كانَ الغرضُ منها في ظاهرِها هو الخروجُ من مأزق ِ التخلّفِ والجمودِ الذي يُعاني منهُ العالمُ الإسلاميُّ، في كافّةِ مجالاتهِ، المادّيةِ والإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ، وقامَ أصحابُ هذه المشاريع ِ باستقراءِ الواقع ِ في بلدانهم، وقارنوا بينها وبينَ ما تعيشهُ الدّولُ الغربيّة ُ من التقدّم ِ والحضارةِ، خلصوا بعدَ ذلكَ إلى نتيجةٍ واحدةٍ وهي أنَّ سببَ تخلّفِ العالم ِ الإسلاميِّ هو الحالة ُ الثقافيّة ُ والفكريّة ُ المُتخلّفة ُ التي يعيشُ فيها، والتي شكّلتْ ما يُسمّى"بُنية العقلَ الإسلاميِّ".

  وهذا العقلُ الإسلاميُّ تشكّلَ من خليطٍ هائل ٍ من المعلوماتِ والمعارفِ المُتراكمةِ، وبحسبِ رأيهم فإنَّ أغلبَ هذه المعارفِ أصبحَ غيرَ نافع ٍ للعصر ِ الحديثِ، بل ذهبَ بعضُهم إلى أنَّ المعارفَ المُشكِّلة َ للثقافةِ العربيّةِ المعاصرةِ، هي ممّا يُعيقُ التقدّمَ، ويقفُ حائلاً دونَ الحضارةِ.

  وكانَ المكوِّنَ الأبرزَ للثقافةِ في العالم ِ الإسلاميِّ هو التُراث ُ الإسلاميُّ، ويأتي على رأس ِ التُراثِ: النّصوصُ الشرعيّة ُ، يقولُ أدونيسُ"هذا النصُّ مفتاحٌ لفهم ِ العالم ِ الإسلاميِّ، ولن يفهمَ أحدٌ المسلمينَ وتأريخهم، إلا بدءاً من استيعابِ هذا النصِّ، والإحاطةِ بمستوى العلاقةِ القائمةِ بينهُ وبينَ المُسلم ِ"، إذن مقدّماتُ القضيّةِ ونتيجتُها هي: أنَّ هذه النصوصَ الشرعيّة َ لقوّتها ومكانتِها في النّفوس ِ، جعلتْ من البلادِ الإسلاميّةِ بلاداً تسودُ فيهِ الأغلبيّة ُ المُحافظة ُ وروحُ الصحوةِ الإسلاميّةِ، وحتّى تكتملَ مسيرة ُ التحديثِ للعالم ِ الإسلاميِّ-كما يزعمونَ-فلا بُدَّ من تنقيح ٍ للتراثِ، ومراجعةٍ للنصِّ، والذي شكّلَ المُكوِّنَ الأكبرَ للثقافةِ، المُحرّكةِ للطبقةِ المُحافظةِ، التي تُعتبرُ أكبرَ الشرائح ِ.

  ومن هنا تمَّ اختزالُ المشكلةِ في جزئيةٍ واحدةٍ, هي الثقافة ُ النصيّة ُ السائدة ُ في المنطقةِ، والتي حوّلتِ الثقافة َ والمعرفة َ الدينيّة َ الخاصّة َ إلى ثقافةٍ معياريّةٍ معرفيّةٍ عامّةٍ.

  وبدأ هؤلاءِ المفكّرونَ بمحاولةٍ لاختراق ِ ما يسمّونهُ السياجُ الدوغمائيُّ المُغلقُ، والذي تكوّنَ بفعل ِ الأيدلوجيةِ الاستلابيّةِ، ويقصدونَ بهذا تسليمَ المسلمينَ أمرَهم للكتابِ والسنّةِ، واتباعهم لتعاليمِها دونَ خروج ٍ عليها أو إبداءٍ للرأي حيالها، وإنّما هو السمعُ والطاعة ُ والرّضا عن اللهِ ورسولهِ-صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ-: ((سمِعنا وأطعنا غفرانكَ ربّنا وإليكَ المصيرُ))، و في ذلكَ كتبوا مؤلفاتِهم عن العقل ِ الإسلاميِّ: في نقدِهِ، وإعادةِ تشكيلهِ.

  وأغلبُ هذه المشاريع ِ النقديّةِ-كما في مشاريع ِ أركون، الجابري، زكي نجيب محمود، حنفي، وغيرِهم-كُتبتْ بلغةٍ متقعّرةٍ، وبأسلوبٍ جافٍّ، وراحَ أصحابُها يُعالجونَ قضايا فلسفيّةً ومباحثَ فكريّةً غايةً في الدقّةِ والتعقيدِ، سطوا عليها من الحركاتِ النقديّةِ الغربيّةِ-والتي كانتْ أساساً عبارةً عن ردّاتِ فعلٍ لواقعهم أو لحركاتٍ أخرى-ووقعوا كذلك أسرى لمناهج ِ الفلسفةِ المُعاصرةِ دونَ أن يأتوا بجديدٍ يُذكرُ، وهم الذين زعموا أنّهم سيخلّصونَ العالمَ الإسلاميَّ من حالةِ الجمودِ التي يعيشُها، فوقعوا في جمودٍ أشدَّ منهُ، وأصبحَ المُسلمُ البسيطُ من عامّةِ النّاس ِ-وهو المقصودُ ابتداءً بهذه المشاريع ِ-لا يعلمُ عنها شيئاً، فهي لا تبحثُ فيما يُعالجهُ من هموم ٍ، والشعوبُ في العالم ِ الإسلاميِّ بكافّةِ طوائفِها في ناحيةٍ، وأطروحاتُ هؤلاءِ المفكّرينَ في ناحيةِ أخرى، أولئكَ تُحرّكهم القضايا البسيطة ُ، وهؤلاءِ يُفلسفونَ لمسائلَ غايةٍ في التعقيدِ والدقّةِ، حتّى صارَ الوصفُ المُناسبُ لها أنّها مشاريعُ خاصّةِ الخاصّةِ، وتحوّلَ البحثُ فيها من كونِها مشاريعَ تحملُ التبشيرَ الحضاريَّ للأمّةِ وعلاجاً لمشكلاتِ الحداثةِ والتواصل ِ مع الآخر ِ، إلى حروبٍ وصراعاتٍ جديدةٍ، وباتَ الشغلُ الشاغلُ لهؤلاءِ المثقفينَ هو: نقدُ المشروع ِ الفلانيِّ، ومُراجعة ُ الفكر ِ الفلانيِّ، وصارتِ البحوثُ نوعاً من الأفكار ِ الذهنيّةِ، والمنازعاتِ الفلسفيّةِ المُملّةِ.

 وأصبحتِ القراءة ُ في هذه الكتبِ والمشاريع ِ، لا يتهيّأ لكثير ٍ من الباحثينَ في قضايا الفكر ِ، والمُتخصّصينَ في الواقع ِ، ولا يُكلّفُ نفسهُ عناءَ النظر ِ فيها أو الوقوفِ على جديدِها، فكيفَ بمن عداهم من عامّةِ النّاس ِ!.
  بل إنَّ خطبة َ الجمعةِ المُعتادةِ، في أحدِ الجوامع ِ النائيةِ، من خطيبٍ لا يعرفُ النّاسُ اسمهُ، تُحرّكُ من مشاعر ِ المُسلمينَ وأحاسيسِهم ما لا تفعلهُ أكثرُ المشاريع ِالتنويريّةِ دقّة ً وإحكاماً، ممّا يدلُّ على غيابِ هؤلاءِ المفكّرينِ والمثقفينَ ومشاريعهم عن حياةِ النّاسِ، أو قدرتِهم على التأثيرِ والتغييرِ.

  كما أنَّ السمة َ الغالبة َ على هذه المشاريع ِ هو نقدُ التديّن ِ والصحوةِ الإسلاميّةِ بروافدِها وأدوارِها-وهو ما تراهُ العامّةُ جريمةً عُظمى-، والهجومُ على القيَم ِ المحافظةِ، وعلى جميع ِ الدعواتِ الداعيةِ إلى تحكيم ِ الكتابِ والسنّةِ في جميع ِ شئون ِ الحياةِ، بدءاً من إدارةِ الدولةِ، وانتهاءً بالآدابِ العامّة، ووصفُ جميع ِ ذلكَ بالفكر ِ الماضوي المُتخلّفِ، ومن تلطّفَ منهم في العبارةِ فإنّهُ يصفها بالجمودِ والانغلاق ِ الفكريِّ الذي يُحتاجُ معهُ إلى تجديدٍ وتنوير ٍ، يقولُ الجابريُّ في كتابهِ"وجهة نظر":"والحقُّ أنَّ ما يحتاجُ إليهِ المسلمونَ اليومَ هو التجديدُ، وليسَ مُجرّدَ الصحوةِ، إنَّ التحديّاتِ التي تواجهُ العالمَ العربيَّ والعالمَ الإسلاميَّ تتطلبُ ليسَ فقط ردَّ الفعل ِ، بل الفعلَ، والفعلُ في العصر ِ الحاضر ِ هو أوّلاً وأخيراً فعلُ العقل ِ!".
  يقولُ هاشم صالح مُعلّقاً على كتابِ محمّد أركون"الفكر ِ الإسلاميِّ واستحالةِ التأصيل ِ":"انتصارُ الغزاليِّ على ابن ِ رشدٍ كانَ يعني انتصارَ الفكر ِ اللاهوتيِّ المُتشدّدِ والمنغلق ِ على الفكر ِ العقلانيِّ المُنفتح ِ على الفلسفةِ الإغريقيّةِ، وكانَ إيذاناً بالدّخول ِ بعصور ِ الانحطاطِ الطويلةِ، ويُمكنُ القولُ بأنّنا لم نقم من تلكَ الضربةِ حتّى الآنَ، فانتصارُ الأصوليّةِ حالياً فهو انتصارٌ للغزالي وابن ِ تيميّةِ، وهزيمة ٌ لابن ِ رُشدٍ والفارابيِّ وابن سينا والمعرّي والتوحيديِّ ومسكويهِ، وكلِّ المفكّرينَ الأحرار ِ في أرض ِ الإسلام ِ، وإذن فهزيمة ُ الفكر ِ في العالم ِ العربيِّ أو الإسلاميِّ ليستْ حديثة َ العهدِ، وإنّما تعودُ إلى الماضي البعيدِ، من هنا صعوبة ُ النهضةِ أو النهوض ِ بعدَ تلكَ الكبوةِ الطويلةِ".

  وهذا النقلُ عن هاشم صالح، يكفي في الدلالةِ على مدى حنق ِ وتغيّظِ مبشّري الحضارةِ والتنوير ِ على سلفِ هذه الأمّةِ، حيثُ يرى هاشم صالح أن انتصارَ الغزاليِّ وابن ِ تيميّة َ يعني الركونَ إلى التخلّفِ والانغلاق ِ والجمودِ!، مع أنَّ ابنَ تيميّة َ يُعتبرُ من روّادِ المنطق ِ التجريبيِّ القائم ِ على أساس ِ الحسِّ والتجربةِ، وهو من الأسس ِ التي قامتْ عليها الحضارة ُ الغربيّة ُ المُعاصرة ُ، وقد سبقَ بذلكَ أساطينَ الفلاسفةِ الغربيينَ من أمثال ِ بيكون ومل، بينما-في المقابل ِ-يرى هاشم أنَّ التحرّرَ إنّما يكونُ في متابعةِ الفلاسفةِ وأهل ِ الإلحادِ، الذين اشتهروا بذلكَ، وعاشوا على الحيرةِ والقلق ِ، وهذا الكلامُ هو أيضاً كلامُ أستاذهِ محمّد أركون.
  ويقولُ زكي نجيب محمود هادماً تُراثَ المُسلمينَ جميعهُ:"إنَّ هذا التراثَ كلّهُ بالنسبةِ إلى عصرِنا قد فقد مكانتهُ!, لأنّهُ يدورُ أساساً على محور ِ العلاقةِ بين الإنسان ِ واللهِ، على حين أنَّ ما نلتمسهُ اليومَ في لهفةٍ مؤرقةٍ، هو محورٌ تدورُ عليهِ العلاقة ُ بينَ الإنسان ِ والإنسان ِ!"-من كتابهِ"تجديد الفكر العربيِّ"-.

  ولعلَّ قائلاً يقولُ: لقد كانَ للفلاسفةِ والنظّار ِ والأدباءِ تأثيرٌ شديدٌ في صناعةِ الثورةِ الفرنسيّةِ، وما أعقبها من تغيير ٍ كامل ٍ في الحياةِ الغربيّةِ، فما بالُكَ تستقلُّ هذه الجهودَ من أن تؤتيَ ثِمارها؟، فإنَّا نقولُ لهُ جواباً على كلامهِ: أنَّ أولئكَ الفلاسفة َ إنّما أثّروا في النّاس ِ لدنوِهم إليهم وتواضعِهم معهم، حتّى أصبحَ لهم أثرٌ فعّالٌ في حياتِهم، بعكس ِ هؤلاءِ المُعاصرينَ, والذين لا يعرفُ النّاسَ من أحوالِهم شيئاً، بل مع الأسفِ يسكنُ أكثرُهم خارجَ بلادهِ ولا يعرفُ شيئاً عن وطنهِ وأهلهِ.

  وأيضاً فإنَّ الفلاسفةَ الأوربيينَ كانوا يواجهون تسلّطَ الكنيسةِ، وحربَها على العلمِ والمعرفةِ، وممارستِها للاستبدادِ والقمعِ، وتحويلها للنّاسِ إلى ممالكَ إقطاعيّةٍ، فكانتْ دعوةُ أولئكَ الفلاسفةِ بالثورةِ نوعاً من الانتصارِ لأولئكَ المستضعفينَ من البشرِ، مستغلين في الوقتِ ذاتهِ عجزَ الكنيسةِ عن مجابهةِ الحقائقِ العلميّةِ المتتابعةِ في الظهورِ، وكانتِ الحقائقُ تظهرُ فتهزُّ ثقةَ النّاسِ في دينهم، لأنّه قائمٌ أساساً على منظومةٍ عقديةٍ تدعو إلى إلغاءِ العقلِ، والتركيزِ على التلقي المباشرِ دون فهمٍ أو وعي، ويؤكّدُ ذلك أنَّ أبرزَ قضيّةٍ في الدينِ النصرانيِّ وهي قضيّةُ التثليثِ، هي من القضايا التي اختلفَ فيها النصارى خلافاً كبيراً، وكان أحظاهم بالعافيةِ هو من ألغى عقلهُ وآمنَ بتلكَ القضيّةِ دون فهمٍ أو استيعابٍ.

  إنَّ العجيبَ حقّاً في قضيّةِ التنوير ِ والنهضةِ المزعومةِ، أنَّ أربابها ودعاتها لا ينفكّونَ يُحاربونَ الإسلامَ ودعاتهُ، ويرونَ أنَّ الدعوة َ إلى تحكيم ِ الشريعةِ الإسلاميّةِ دعوة ٌ للتخلّفِ والرجوع ِ إلى عصور ِ الظلام ِ والانحطاطِ، ويرونَ كذلكَ في سيادةِ قيَم ِ المُحافظةِ سيادة ً للرجعيّةِ، مع أنَّ هؤلاءِ المُفكّرينَ يُحسبونَ على المسلمينَ!، ولكنّهم أشدُّ عداءً لها من العدوِّ الأجنبيِّ، بل إنَّ هناكَ من الأعداءِ الخارجيينَ من هم أنصفُ للإسلام ِ وأهلهِ من هؤلاءِ المفكّرينَ!.

  ومن هؤلاءِ الغربيينَ الذين أنصفوا الحركاتِ والجماعاتِ الإسلاميّةِ، وأنصفوا الدّينَ الإسلاميَّ جملة ً، المُستشرقُ الفرنسيُّ"جاك بيرك"، يقولُ فؤاد زكريّا في كتابهِ"الصحوة ُ الإسلاميّة ُ":"فقد تنبّهَ المستشرقُ الفرنسيُّ جاك بيرك الذي عاشَ فترة ً طويلة ً من حياتهِ في شمال ِ أفريقيا، إلى الدور ِ الكبير ِ الذي لعبهِ الدّينُ الإسلاميُّ في الثورةِ الجزائريّةِ، وفي حركةِ مقاومةِ الاستعمار ِ الفرنسيِّ في شمال ِ أفريقيا عامّة ً، وجعلَ من هذهِ الظاهرةِ موضوعاً رئيسياً لعددٍ غير ِ قليل ٍ من كتبهِ، وكانتِ الحقيقة ُ التي توصّلَ إليها هي أنَّ الدينَ في هذه المنطقةِ من العالم ِ، لم يكنْ على الإطلاق ِ عاملاً مُخدّراً للشعوبِ، بل على العكس ِ من ذلكَ كانَ سلاحاً عظيمَ الفاعليّةِ، نبّهَ الشعوبَ إلى حقيقتِها، وساعدها على حفظِ أصالتِها، وصون ِ تراثِها، في وجهِ استعمار ٍ يملكُ قدرة ً هائلة ً على التغلغل ِ والتسلّطِ، لا في الميدان ِ السياسيِّ والاقتصاديِّ فحسب، بل في الميدان ِ الفكريِّ والحضاريِّ أيضاً".
  ويقولُ شيخُنا سفرٌ الحواليُّ في مقالتهِ عن نقدِ الصحوةِ الإسلاميّةِ:"وهناكَ أكثرُ من مسئول ٍ غربيٍّ-فضلاً عن دراساتٍ كثيرةٍ جدّاً-صرّحَ بأنَّ الشعوبَ الإسلاميّة َ لو أتيحَ لها حُرّية ُ الاختيارُ، لما اختارتْ سوى الإسلام ِ، ولو أعطيتْ فرصة َ الجهادِ لاندفعتْ إليهِ من كُلِّ مكان ٍ، فالعلمانيّة ُ والانهزاميّة ُ إذن مفروضتان ِ على الأمّةِ فرضاً، وكفى بذلك إنجازاً وسبباً للتفاؤل ِ".

  وهذه النقولُ وأشباهُها تبيّنُ للباحثِ المُنصف، أنَّ من يُسمّونَ بالمفكّرينَ العربِ، إنّما هم أدواتٌ في يدِ الغربِ، يطعنونَ بها خاصرة َ الأمّةِ، ويمرّرونَ عن طريقِهم-علموا أو لم يعلموا-غزواتِ التغريبِ والعلمنةِ والإلحادِ، بعدَ أن عجزوا طويلاً عن اختراق ِ صفوفِها من الداخل ِ، فلجئوا إلى بعض ِ مفكّريها واستخدموهم لذلكَ، وهذا الأمرُ ليسَ جديداً، ففي السابق ِ وبعدَ فشل ِ الحروبِ الصليبيّةِ، في فرض ِ الأنماطِ الأوربيّةِ على حياةِ الشرق ِ المُسلم ِ، لجأ أولئكَ الغزاةِ إلى الاستشراق ِ، وجعلوهُ أداة ً جديدة ً من أدواتِ الاستعمار ِ، تحت غطاءِ البحثِ العلميِّ، بينما هم في حقيقةِ الأمر ِ جيشٌ جديدٌ من الغزاةِ على العالم ِ الإسلاميِّ، بقصدِ تهشيمهِ من داخلهِ، كما كانَ الحالُ في حركاتِ الكشوفِ الجغرافيّةِ، ولا تعجبوا إذن من كون ِ أكثر ِ المفكّرينَ العربَ المُعاصرينَ ممّن تربّوا في محاضن ِ الاستشراق ِ، وبهذا تتضحُ العلاقة ُ بينهم في حربِهم المُتّحدةِ على أصالةِ الفكر ِ الإسلاميِّ، وهدمهِ بمعاول ِ النهضةِ والتنوير ِ والحداثةِ، وذلك أنّهُ باتَ من لوازم ِ الحضارةِ والتنوير ِ الاستسلامُ للمخطّطِ الغربيِّ والذوبان ِ فيه دونَ مقاومةٍ لهُ.