قضايا فكرية /

وقفات مع وثيقة الأزهر [ حصاد الأقلام ]

[ الأربعاء 26 شعبان 1432 هـ ] [ 238 ]

هل تلك الوسطية هي التي جعلت الأزهر يصمت صمت الحملان على ستة عقود من الهدم المتعمد للثقافة الإسلامية في مصر، وعشرة عقود من التخريب المستمر في الهوية الإسلامية المصرية؟ هل تلك الوسطية هي التي جعلت الأزهر (يخرس) أمام صفقة الغاز لإسرائيل ومعاهدات الكويز وغيرها، والفساد المقنن المؤسس في السياسة الخارجية المصرية تجاه الدول الإسلامية؟! أم تلك الوسطية هي التي جعلت الأزهر يصمت أمام حصار غزة، ودعم الحكومة العراقية العميلة للاحتلال، ودعم انفصال جنوب السودان والتدخل التنصيري الغربي بدول إفريقيا المسلمة؟!

 

 

 

صدر منذ أيام ما سُمِّيَ بـ"وثيقة الأزهر" التي أعلن فحواها الدكتور أحمد الطيب كأساس لتحديد دور الإسلام والشريعة الإسلامية في صياغة المستقبل السياسي لمصر. والواقع أن تلك الوثيقة -للغرابة الشديدة- تحمل قدرًا غير مسبوق من عناصر "الإرهاب الفكري" الذي لم يعرفه الأزهر طوال تاريخه الطويل إلا في مراحل معدودة، ربما كانت المرحلة الدقيقة التي تمر بها مصر الآن من أصعبها.
وبرأيي أن هذا الإرهاب الفكري الذي تبدى واضحًا في تلك الوثيقة كان سببه الرئيسي المشاركين في صياغة تلك الوثيقة، والذين اقتصر اختيارهم علي التيارات العلمانية واليسارية الأكثر تطرفًا فقط؛ مما أثار تعجب واستفهام التيارات الإسلامية بكافة أطيافها، والتي تم استبعادها بشكل شبه كامل من النقاش حول تلك الوثيقة، والتي أسعى في هذا المقال لإلقاء الضوء على أهم مظاهر الإرهاب الفكري التي تضمنت عليها.
أول عناصر "الإرهاب الفكري" التي تبدت بشكل صارخ في الوثيقة هي وصف التيارات الإسلامية العاملة في مصر جملةً بأنها تيارات متطرفة ومنحرفة، وهذا يعيد إلى الأذهان بقوَّة أسلوب عمل الآلة الإعلامية للنظام السابق. ولا عجب أن يظهر ذلك الأسلوب الفج في الوثيقة التي دعا إليها عضو لجنة سياسات الحزب الوطني السابق وعدد لا يستهان به من رموز "حظيرة" فاروق حسني الثقافية، فقد وصفت الوثيقة التيارات الإسلامية (المختلفة) بأنها "التيارات المنحرفة التي قد ترفع شعارات دينية طائفية أو أيدلوجية تتنافى مع ثوابت أمتنا ومشتركاتها، وتحيد عن نهج الاعتدال ‏والوسطية، وتُناقِض جوهر الإسلام في الحرية والعدل والمساواة، وتبعدُ عن سماحة الأديان السماوية كلها" بنص الوثيقة كما جاء في إعلانها الرسمي.
هذا الوصف العام لفكر التيارات الإسلامية في مصر يفتح الباب أمام عدة تساؤلات عن دور الأزهر السياسي خلال المائة عام الأخيرة، ومقارنة هذا الدور -إن وجد أصلاً- بدور جماعة الإخوان المسلمين على سبيل المثال. أين كان الأزهر يوم أن كان رموز الإخوان يقدمون لمحاكمات عسكرية واستثنائية وتصادر أموالهم؟ أين كان الأزهر عندما كان شيوخ وأبناء الدعوة السلفية يعتقلون بالآلاف في سجون مبارك؟ هل كان الأزهر آنذاك مشغولاً (بالوسطية) المزعومة؟!..
هل تلك الوسطية هي التي جعلت الأزهر يصمت صمت الحملان على ستة عقود من الهدم المتعمد للثقافة الإسلامية في مصر، وعشرة عقود من التخريب المستمر في الهوية الإسلامية المصرية؟ هل تلك الوسطية هي التي جعلت الأزهر (يخرس) أمام صفقة الغاز لإسرائيل ومعاهدات الكويز وغيرها، والفساد المقنن المؤسس في السياسة الخارجية المصرية تجاه الدول الإسلامية؟! أم تلك الوسطية هي التي جعلت الأزهر يصمت أمام حصار غزة، ودعم الحكومة العراقية العميلة للاحتلال، ودعم انفصال جنوب السودان والتدخل التنصيري الغربي بدول إفريقيا المسلمة؟!
إن الاتهام المطلق الذي نصت عليه وثيقة الأزهر ضد كل التيارات الإسلامية بالتطرف -مع غياب أي دور مشهود للمؤسسة الأزهرية خلال الستة عقود الأخيرة- يذكرنا بمحاكم التفتيش الأوربية التي كانت تعاقب العلماء والمجتهدين الذين يخالفون اجتهادات الكنيسة بينما كانت هي في الحقيقة منعزلة عن هموم شعبها ومشاكل أمتها تمامًا آنذاك.
بالطبع البون شاسع بين الأزهر كمؤسسة وبين آحاد الشيوخ الأزاهرة الأجلاء الذين علمونا الدين وعرفونا بسُنَّة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، لكن ما يعنينا في هذا السياق هو الأزهر كمؤسسة؛ إذ إن الوثيقة صدرت من رأس هذه المؤسسة والمتحدث باسمها، وهو شيخ الأزهر.
ثاني مظاهر "الإرهاب الفكري" التي طفحت بها وثيقة الأزهر هو إقرار مبدأ يتنافى بشكل أساسي مع أصول أهل السنة والجماعة ومذاهبهم الفقهية الأربعة، ألا وهو مبدأ "اقتصار الشريعة على النصوص القطعية الثبوت والقطعية الدلالة فقط". ووثيقة الأزهر بإقرارها لهذا المبدأ الفاسد تفتح الباب لعدة مصائب كارثية أوَّلها هدم ما تبقى من حجية المذاهب الفقهية الأربعة في أنفس الناس. وثانيها انتشار الاعتزال الحداثي والمناهج الفكرية الإلحادية. أما ثالث المصائب التي تمهد لها الوثيقة بهذا المبدأ الفاسد هي العلمانية، فإن الباب سيفتح لإنكار كل النصوص المتعلقة بأحكام القضاء الإسلامي وما ترتب عليها من اجتهادات لعلماء الإسلام على مر التاريخ بزعم أنها ليست قطعية الدلالة.
 
وهذا الإرهاب الفكري ليس غريبًا علي حفنة العلمانيين الذين وضعوا تلك الوثيقة، فهم يجهرون به في الليل والنهار في وسائل الإعلام. لكن الغريب والعجيب أن يوافق على ذلك المبدأ ويقره شيخ الأزهر الذي يعتبر رجلاً عالمًا في الأصول، مفتيًا على مذهب الإمام مالك رحمه الله، ومتمكنًا من أصوله وفروعه! تنص الوثيقة على: "من هنا نعلنُ توافقنا نحن المجتمعين على المبادئ التالية لتحديد طبيعة المرجعية الإسلامية النيرة، التي تتمثل ‏أساسًا في عدد من القضايا الكلية، المستخلصة من النصوص الشرعية القطعية الثبوت والدلالة، بوصفها المعبرة ‏عن الفهم الصحيح للدين". ومعنى ذلك أن ما يستخلص من نصٍّ غير قطعي الدلالة لا يعتبر من الفهم الصحيح للدين!!
 
كيف يوافق على هذا الهراء إنسانٌ قرأ كتابًا واحدًا في أصول الفقه، فضلاً عن أن يوافق عليه شيخ الأزهر بجلالة قدره..؟! لا أدري!
 
بالطبع فإن الوثيقة "تطفح" بالعديد من مظاهر الإرهاب الفكري الذي يمارسه العلمانيون منذ سنين طويلة، لكن التوقف عند كل مظاهر هذا الإرهاب الفكري الممنهج يحتاج لصفحات وصفحات، وربما كانت تلك الوثيقة تصلح لأن يؤلَّف عليها كتاب كامل يعني بتوضيح حالة الجهل الشرعي الذي غرقت فيه النخبة المصرية المستغربة. لكن ما يعنيني الآن في سياق هذا المقال الذي أهدف من خلاله لتبصير جمهور العاملين في تيارات الصحوة الإسلامية بحقيقة هذه الوثيقة أن أتوقف وقفات سريعة مع العديد من الأفكار والعبارات والمصطلحات التي وردت في الوثيقة، والتي يجب توجيه السؤال بشأنها لشيخ الأزهر شخصيًّا، الذي تستمد منه تلك الوثيقة سلطتها وحجيتها:
 
1- ما هي حيثية رموز التيار العلماني المصري من أمثال جابر عصفور وجمال الغيطاني ومصطفى الفقي لتقرير "دور الإسلام" في النظام السياسي المصري؟ ولماذا تم استبعاد كل التيارات الفكرية الإسلامية، التي تمثل الصحوة الإسلامية الحقيقية في مصر، من صياغة تلك الوثيقة؟ على الرغم أن منهم علماء أفذاذًا مثل فضيلة الأستاذ الدكتور مصطفى حلمي، وفضيلة الأستاذ الدكتور أسامة عبد العظيم، وفضيلة الأستاذ الدكتور راغب السرجاني، وغيرهم الكثير من رموز الفكر والثقافة الإسلامية في مصر!
 
2- نصت الوثيقة على "الالتزام بمنظومة الحريات الأساسية في الفكر والرأي". ما هي هذه المنظومة؟ وما هي القيود عليها؟ وهل تتغير تلك القيود بتغير الزمن أم لا؟ إن كانت تتغير فهي غير متسقة مع أحكام الشريعة الإسلامية الثابتة، وإن كانت لا تتغير فمن أين تستمد مقوماتها؟!
 
3- ونصت الوثيقة على "وكذلك الحرص التام على صيانة حرية التعبير والإبداع الفني والأدبي في إطار منظومة قيمنا الحضارية الثابتة". ما هي عناصر (منظومة قيمنا الحضارية الثابتة) يا فضيلة الشيخ..؟ هل تضمن تلك العناصر أفلام السينما الفاضحة التي سكتت المؤسسة الأزهرية عليها سكوت الشياطين طوال الستة عقود الأخيرة...؟ أم هل تتضمن تلك القيم الحضارية الثابتة المسارح والمراقص التي تعجُّ بالمجون والفسق؟ من أين نستمد (قيمنا الحضارية الثابتة) من الشريعة الإسلامية الثابتة المستقرة أم من النسق الفلسفي الحداثي يا فضيلة الشيخ...؟!
 
4- نصت الوثيقة على "شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع‏". ما هي هذه المبادئ الكلية..؟ ولماذا أُضيفت (المبادئ الكلية) لـ(الشريعة الإسلامية)...؟ هل معنى ذلك أن كتاب الوثيقة يرون أن ثمة تعارضًا بين (المبادئ الكلية) و(الأحكام الفرعية) للشريعة...؟
 
5- لماذا لم تشر الوثيقة لمذهب الدولة الفقهي الرسمي وهو المذهب الشافعي؟ إن أي وثيقة تهدف لتحديد علاقة الإسلام بالنظام السياسي لا بُدَّ أن تشير في بدايتها للمذهب الرسمي للدولة، مثل ماليزيا وباكستان على سبيل المثال، أم أن هناك (حرجًا) من التقيد بمذهب ثابت ذي أصول معروفة موثقة وفروع محررة...؟
 
6- تتحدث الوثيقة عن علاقة الإسلام بالدولة، أليس كذلك؟ المثير للدهشة أن الوثيقة خلت تمامًا من ذكر (القرآن الكريم) أو (الأحاديث النبوية الشريفة)، بينما ذكرت (الفن) و(الفنون) عدة مرات، وذكرت كلمة (الحضارة) ومشتقاتها سبع مرات! هل هناك أي تفسير لتجنب الوثيقة ذكر القرآن الكريم والسنة المطهرة ولو حتى مرة واحدة؟!
 
ختامًا، أودُّ أن أنوه أن ظهور هذه الوثيقة له دلالات عديدة؛ أوَّلها أن ثمة تحولاً جذريًّا في التيار العلماني المصري، هذا التحول يهدف لتمويه الفكري العلماني وذلك بخلطه ببعض المبادئ والأفكار للتيار الاعتزالي الحداثي الذي مثَّله محمد عبده والأفغاني وغيرهم من المذكورة أسماؤهم في الوثيقة؛ فلأن الشيخ محمد عبده -رحمه الله- له حظوة كبيرة عند الأزاهرة وعامَّة الشعب ممن يعرفه عمومًا، فيريد العلمانيون أن يموهوا منهجهم الفكري بتبني بعض المبادئ التي خالف فيها محمد عبده وتلامذته من بعده جماهير علماء أهل السنة والجماعة تأثرًا بالمعتزلة وغيرهم. فلما أحس العلمانيون بالفشل في إقناع الشعب بتنحية حاكميَّة الشريعة تمامًا، تغيَّر خطابهم ولسان حالهم يقول: "لا بأس، نريد الشريعة، ولكن لا نأخذ منها إلا ما أخذ المعتزلة وأحفادهم من العقلانيين الحداثيين".
 
أما الدلالة الثانية لظهور هذه الوثيقة أن هناك نوعًا من السيطرة الفكرية لرموز العلمانية على قيادات الأزهر، فعندما يرضى شيخ الأزهر بإبعاد كل التيارات الإسلامية عن النقاش الخاص بهذه الوثيقة، بل ويرضى بوصف هذه التيارات -بالجملة- بالتطرف والجهل، فهذا يوضح مدى الحظوة التي يتمتع بها العلمانيون عند شيخ الأزهر. ويبين بوضوح الهوَّة العميقة التي تفصل الدكتور أحمد الطيب عن كل تيارات الصحوة الإسلامية التي ستملك مقاليد الأمور في البلاد -كما تشير لذلك كل التقارير السياسية الحالية في الداخل والخارج- عن قريب بإذن الله تعالى.
 
الدلالة الثالثة والأخيرة التي تشير إليها تلك الوثيقة الأزهرية أن ثمة نوعًا من الخطاب الموجَّه للغرب من هذا التحالف الأزهري/ العلماني، هذا الخطاب مفاده: "نحن نرضي مشاعر الشعب بالحديث عن الإسلام ولا نضر مصالحكم؛ لأننا مؤمنون بتفوق الحضارة الغربية، والدليل على ذلك استلهامنا لتراث المستغربين؛ ولذلك سنحول دون انتصار الصحوة الإسلامية الأصولية التي تخيفكم".
 
فهذا الخطاب في جوهره مستمد من الخبرة العملية للقائمين عليه، بين عضو بلجنة سياسات جمال مبارك، لوكيل وزارة فاروق حسني، لوزير سابق للأوقاف في نظام مبارك، إلى آخر (كوكبة المثقفين) الذين شاركوا في صياغة الوثيقة. فالوثيقة تنبه الولايات المتحدة أنه لا يزال ثمة أمل في أن النظام السياسي المصري القادم سيظل محافظًا على الضياع الأيديولوجي والتخلف الفكري والتغريب الثقافي الذي كان مستقرًّا في مصر طوال الستة عقود الأخيرة.