النهضة و التغيير /

النَّهيُّ عن المنكَرِ.. وَاجِبُ العَصرِ [ مقال ]

[ الأحد 18 شعبان 1438 هـ ] [ 824 ]

النَّهي عن المنكَرِ مِن أَعظَمِ الوَاجِباتِ الدِّينِيةِ التي أَمرَ اللهُ تعالى بها عبَادَه، بعد الإيمَانِ والقِيامِ بالوَاجِباتِ؛ لأنَّ دُعَاةَ الشَّرِ والفَسَادِ والظُّلمِ والفُجُورِ لا يَنقَطِعُون عن سَعيِهم في الأَرضِ إلَّا بالإنكَارِ عليهم. وقِيامُ الحقِّ والعَدلِ والخَيرِ والصَّلاحِ لا يَتِمُّ إلا بهَدمِ البَاطِلِ والظُّلمِ والشَّرِ والفَسَادِ. وإنَّما تَهلَكُ الأُمَمُ إذا طَغَى فيها الشَّرُ والفسَادُ والظُّلمُ والبَاطِلُ، ويُمَدُّ لها في عُمرِها بحَسَبِ ما يَبقَى الآمِرُون بالمعرُوفِ والنَّاهُون عن المنكَرِ قَائِمَين بدَورِهم الاحتسَابي في الأُمَّةِ. لذلك كانت أُمَّةُ محمَّدٍ –عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- هي خَيرُ أُمَّةٍ أُخرِجَت للنَّاسِ، وأَطوَلِها مُكُوثًا في الأَرضِ.

والذي كان سَبَبًا لهَلاكِ الأُمَمِ ليس اشتِرَاكَهم جميعًا في فِعلِ ما يُوجِبُ العذَابَ، بل يكفي أن يَفعَلَه بَعضُهم ولا يُنكِرُه الآخَرُون إقرَارًا به مع القُدرَةِ على إنكَارِه. يقول تعالى عن هَلاكِ قَومِ ثمودَ: ((كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا))[1]، ((وَكَانَ في الـمَدِينَةِ تِسعَةُ رَهطٍ يُفسِدُونَ في الأَرضِ ولَا يُصلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدنَا مَهلِكَ أَهلِهِ وإِنَّا لَصَادِقُونَ * ومَكَرُوا مَكرًا ومَكَرنَا مَكرًا وهُم لَا يَشعُرُونَ * فَانظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكرِهِم أَنَّا دَمَّرنَاهُم وقَومَهُم أَجمَعِينَ * فَتِلكَ بُيُوتُهُم خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَومٍ يَعلَمُونَ))[2].

والذين أَتَوا لُوطًا وأَرَادُوا الاعتِدَاءَ على ضَيفِه لم يكونوا كُلّ القَومِ، بل نَفَرٌ مَعدُودٌ مِنهم، كما أنَّ الذين اعتَدُوا في السَّبتِ لم يكونوا كُلَّ أَهلَ القَريةِ بل نَفرٌ مَعدُودٌ مِنهم. وعادَةً ما يكون هؤلاء المترَفِين: ((وإِذَا أَرَدنَا أَن نُهلِكَ قَريَةً أَمَرنَا مُترَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيهَا القَولُ فَدَمَّرنَاهَا تَدمِيرًا))[3]، الساعين في الإجرَامِ: ((وَكَذَلِكَ جَعَلنَا فِي كُلِّ قَريَةٍ أَكَابِرَ مُجرِمِيهَا لِيَمكُرُوا فِيهَا ومَا يَمكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِم ومَا يَشعُرُونَ))[4]. ومع ذلك فإنَّ العذَابَ شَملَ الجَمِيعَ ولم يُستَثنَ إلَّا الذين أَنكَرُوا على قَومِهم: ((فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَينَا الَّذِينَ يَنهَونَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفسُقُونَ))[5].

وفي حديث أَبي بكرٍ الصديق –رضي الله عنه، أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ –صلى الله عليه وسلم- يقول: (إنَّ النَّاسَ إذا رَأَوا الظَّالمَ فلم يأخُذُوا على يدَيه أَوشَكَ أَن يعُمَّهم اللهُ بعِقَابٍ)، وفي رواية: (ما مِن قَومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعَاصِي ثمَّ يقدِرُون على أَن يُغيِّروا ثمَّ لا يُغيِّروا إلَّا يُوشِكُ أن يعُمَّهم اللهُ مِنه بعِقَابٍ)، وفي رواية: (إنَّ النَّاسَ إذَا رأَوا المـُنكرَ بينهم فلم يُنكِروهُ يُوشِكُ أن يعُمَّهم اللَّهُ بعقَابِه)[6].

وهذا في حَالِ ما كانت لهم قُدرَةٌ على ذلك، وتَوفَّرَت أسبَابُها، لحديث جرير بن عبدالله –رضي الله عنه: (ما مِن قَومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعَاصِي -هم أَكثَرُ وأَعَزُّ ممَّن يَعمَلُ بها- ثمَّ لا يُغيِّرونَه إلَّا يُوشِكُ أن يَعُمَّهم اللهُ بعِقَابٍ)[7].

إنَّ تَركَ النَّهي عن المنكَرِ الظَّاهِرِ النَّكَارَةِ، مِن فسَادٍ وظُلمٍ وبَغيٍّ وعُدوَانٍ وفُحشٍ، سَبَبٌ في دُخُولِ السَّاكِت في حُكمِ الفَاعِلِ، يقول تعالى: ((لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وعِيسَى ابنِ مَريَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وكَانُوا يَعتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَونَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئسَ مَا كَانُوا يَفعَلُونَ))[8]. وفي الحديث: (والذي نَفسِي بيَدِه لتَأمُرُنَّ بالمعرُوفِ ولتَنهَوُنَّ عن المنكَرِ أَو ليُوشِكَنَّ اللهُ أن يَبعَثَ عليكم عِقَابًا مِنه فتَدعُونَه فلا يَستَجِيبُ لكم)[9].

ومدَارُ السَّلامَةِ مِن العذَابِ العَامِ إنكَارُ المنكَرِ، يقول تعالى: ((فَلَولَا كَانَ مِن القُرُونِ مِن قَبلِكُم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنهَونَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّن أَنجَينَا مِنهُم واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُترِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهلِكَ القُرَى بِظُلمٍ وَأَهلُهَا مُصلِحُونَ))[10]. وفي الحديث: (مَثلُ القَائِمِ على حُدُودِ اللَّهِ والوَاقِعِ فيها كمَثلِ قَومٍ استَهَمُوا على سَفِينَةٍ، فأَصَابَ بَعضُهم أَعلَاها وبَعضُهم أَسفَلَها، فكان الَّذين في أَسفَلِها إذا استَقَوا مِن المـَاءِ مَرُّوا على مَن فَوقَهم، فقالوا: لو أَنَّا خَرقنَا في نَصِيبِنا خَرقًا ولم نُؤذِ مَن فَوقَنا! فإن يَترُكُوهم وما أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وإن أَخَذُوا على أَيدِيهم نَجُوا ونَجُوا جَمِيعًا)[11].

وهذا الوَاجِبُ الشَّرعيُّ وَاجِبٌ كِفائِيٌّ يَنبَغي على الأُمَّةِ المسلِمَةِ أن تَقُومَ به، وأن تَستَمِرَّ في تَرسِيخِه كسُلُوكٍ دَائِمٍ في أبنَائِها، بحيث تكون نُفُوسُهم مُستَعِدَةً للنَّهي عن المنكَرِ كما هي مُستَعِدَةٌ للأَمرِ بالمعَروفِ: ((ولتَكُن مِنكم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى الخَيرِ ويَأمُرُونَ بِالـمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ الـمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الـمُفلِحُونَ))[12]. وبهذه الشَّعِيرةِ يُحَافَظُ على المجتَمعِ ممَّا يُمكِنُ أن يُسهِمَ في الإضرَارِ به، وتَدمِيرِه، ويَقضِي على أَخلاقِه ودِينِه.

الخطَأُ الذي تَقعُ فيه الأُمَّةُ هو التَّشدِيدُ في الإنكَارِ على مَسائِلِ الاجتِهادِ أو الاختِلافِ، أو المخَالفَاتِ اليَسيرِةِ، وإهمَالُ الإنكَارِ في القَضايَا البَيِّنَةِ، كإنكَارِ مظَاهِرِ الكُفرِ والشَّركِ والفَسَادِ العَامِ والظُّلمِ الطَّاغي والفَواحِشِ الظَّاهِرةِ التي تمثِّلُ مُنكرَاتٍ وَاضِحَةٍ مُجمَعٍ عليها بين النَّاس. فعِوضًا عن بَذلِ الجُهدِ في إنكَارِ المنكرَاتِ الأَعظَمِ، وتَرتِيبِ الأَولويَات، يَقنَعُ النَّاسُ بالإنكَارِ على المنكَراتِ اليَسِيرةِ ويُشدِّدُوا فيها، ويَقضُوا فيها جُلَّ أَوقَاتِهم. مِن هنا جَاءَ الأَنبِياءُ –عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ- بإنكَارِ الشَّركِ والظُّلمِ والفَواحِشِ الكُبرَى التي لا يَختَلِفُ عليها النَّاسُ في ابتدَاءِ رَسَالَتِهم؛ وتَركُوا الإنكَارَ في كَثِيرٍ مِن المسَائِلِ إلى حِينِ تُوطَّنُ النُّفوسُ على الإيمَانِ وقِيامِ القُدرَةِ المجتَمَعِيةِ على إنكَارِها.

وإذا اختَلَّت مَوازِين إنكَارِ المنكَرِ كان الاحتِسَابُ يُفسِدُ أكثرَ ممَّا يُصلِحُ، فقد يُنكَرُ على الضَّعِيفِ والفَقِيرِ الذي لا حِيلَةَ له ويُترَكُ الأَقوِياءُ والأَغنِياءُ الذين يكون النَّاسُ تَبعًا لهم دُون إنكَارٍ. فيَرى الضُّعفَاءُ والفُقرَاءُ في هذا الدِّين محَابَاةً لقُومٍ وتَسَلُّطًا على آخَرِين. وقد قال –صلى الله عليه وسلم: (إنَّما أَهلَك النَّاسَ قَبلَكم: أنَّهم كانُوا إذَا سَرقَ فيهم الشَّرِيفُ تَركُوه، وإذا سَرقَ فيهم الضَّعِيفُ أقَامُوا عليه الحَدَّ، والذي نَفسُ محمَّدٍ بيَدِه، لو أنَّ فَاطِمَةَ بنت محمَّدٍ سَرقَت لقَطعَتُ يَدَها)[13]. هذه المنهَجِيةُ كما أنَّها مَنهَجِيةٌ رِسَاليةٌ فهي مَنهَجِيةٌ تَربَويةٌ، يقولُ تعالى عن لُقمَان وَقدَ آتاه الله الحِكمَةَ، وهو يوصي ابنه: ((وَإِذ قَالَ لُقمَانُ لِابنِهِ وهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشرِك بِاللَّهِ إِنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٌ))[14]، فبَدأَ بنَهيهِ عن الشِّركِ الذي هو أكبَرُ الذُّنوبَ وأَعظَمُ الظُّلمِ.

إنَّ إنكَارَ المنكَراتِ التي تَمسُّ الضَّروريات الخَمسَ في وُجودِها، والتي تكون أَعظَمَ ضَررًا وأَعمَّ شَررًا، أَولَى مِن إنكَارِ المعَاصي الفَردِيةِ والمخَالفَاتِ التي يَرتكِبُها الأفرَادُ ويكفي فيها النُّصحُ العَابِرُ والاستغفَارُ. وما أُوتيَّ المسلمون إلَّا مِن انقِلابِ الموازِين وتَخلُّفِ الأَولَويات حتى حاقَ الدَّمَارُ بالمجتَمعاتِ ولحِقَ الخرَابُ بعُمرَانها. وهذا شَكلٌ مِن أشكَالِ تَضييعِ هذه الشَّعِيرَةِ العَظيمَةِ بين المسلمين، والذي يَنبَغي تدَاركَه وإصَلاحَه.

وقد كانت مِن بَيعَةِ الرَّسولِ –صلى الله عليه وسلم- لصحَابَتِه، كما جَاءَ في الحَدِيثِ المتَّفقِ عليه، عن عبَادَةِ بن الصَّامَتِ: "وأن نقول بالحقِّ حيثُما كنا لا نَخافُ في اللهِ لَوْمَةَ لائِم". وفي الأثر عن أبي سعيد الخدري: "لا يَمنَعنَّ أَحَدَكم مَخَافَةُ النَّاسِ أن يقُولَ بحَقِّ إذا عَلِمَهُ". وقد قال الله تعالى مَادِحًا رُسُلَه: ((الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخشَونَهُ ولَا يَخشَونَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا))[15].

 

[1] الشمس: 11- 15.

[2] النمل: 48- 52.

[3] الإسراء: 16.

[4] الأنعام: 123.

[5] الأعراف: 165.

[6] انظر: سنن أبي داود، الرقم: 4338، وسنن الترمذي، الرقم: 2168، وسنن ابن ماجه، الرقم: 3252، وصححه الألباني؛ وانظر: مسند أحمد: ج1/36 و44، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح؛ وقال الوادعي، في الصحيح المسند (الرقم: 713): صحيح على شرط الشيخين.

[7] انظر: السلسلة الصحيحة، الألباني، الرقم: 3353 وقال: إسناده حسن.

[8] المائدة: 78- 79.

[9]  سنن الترمذي، الرقم: 2169؛ حسنه الألباني، وقال أحمد شاكر، في عمدة التفسير (ج1/715): إسناده صحيح.

[10] هود: 116- 117.

[11] صحيح البخاري، الرقم: 2493.

[12] آل عمران: 104.

[13] متفق عليه.

[14] لقمان: 13.

[15] الأحزاب: 39.