أصول و محكمات /

حبُّ الدُّنيا وأَثرُه في الإيمان [ مقال ]

[ الجمعة 9 شعبان 1438 هـ ] [ 792 ]

يَجمَعُ الإنسَانُ في خِلقَتِه بين الجَسدِ والرُّوحِ، والعَقلِ والوِجدَان، والطَّبائِعِ والغَرائِزِ. فهو كائِنٌ مُركَّبٌ تتَنَازَعُه عِدَّةُ جَوانِب، تَأثِيرًا وتَأثُّرًا. وقد اختَارَه اللهُ تعالى للقِيامِ بمُهِمَّةِ الاستِخلافِ في الأَرضِ، وعِبَادَتِه عليها، بإخضَاعِ كُلِّ هذه الجوَانبِ لإرَادَتِه -سبحَانَه. وحيث أنَّ الإنسَانَ بحَاجَةٍ إلى هُدىً ربَّاني يَضَعُه على بَيِّنَةٍ مِن ذَاتِه ووُجُودِه ووَظِيفَتِه وغَايَتِه، كان مخلُوقًا مخَاطَبًا مِن اللهِ تعالى، ومُعلمًّا مِنه. قال تعالى: ((اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِن عَلَقٍ * اقرَأ ورَبُّكَ الأَكرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَم يَعلَم))، العلق: 1- 5. ومما عَلمَّه اللهُ تعالى لبني آدمَ التَّصورَات الصَّحِيحَةَ عن عالمِ الغَيبِ، بما فيه المعرِفَةُ عن اللهِ وعن مَلائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه وقَدَرِه واليومِ الآخِرِ؛ وعن عَالمِ الشهَادَةِ، بما فيه مِن آيَاتٍ وسُنَنٍ وأسبَابٍ. ومَعرِفةُ عَالمِ الغَيبِ هو المرتَكَزُ الصَّلبُ في عَقِيدَةِ المسلِم، حيث تَمُدُّه بالإيمانِ بكَافَةِ مظَاهِرِه وتجَليَّاتِه في الحيَاةِ.

وإنَّ مِن أَخطَرِ ما يَتهدَّدُ عَقِيدَةَ المسلِمِ أمرَان: الشُّبهَاتُ والشَّهَواتُ. وكِلا الخَطرَين مَطيَّةُ الشَّيطَانِ لبَني آدَمَ. فإن استَطَاعَ أن يُدخِلَ عليهم الشُّبهَةُ في دِينِهم، وإلا أَغرَقَهم في بحَارِ الشَّهوَاتِ. والشَّهوَاتُ لا تَقِلُّ خُطُورَةً عن الشُّبهاتِ، فقد تكون مَدخَلًا للكُفرِ والشَّركِ والنِّفاقِ والكبَائِرِ. ومِن الخطَأ البَيِّنِ أن يُحذَّرَ النَّاسُ مِن الشُّبهَاتِ ولا يُحذَّرُون مِن الشَّهوَاتِ، فإنَّ مصَارِعَ كَثِيرٍ مِن الخَلقِ إنَّما جَرَّتهم إليها شَهوَاتُهم.

القُرآنُ الكَريمُ يُبيِّنُ أنَّ مُعظمَ انحِرَافَاتِ الأُمَمِ بدَأَت مِن الشَّهوات، يقول تعالى: ((أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم مِن النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آَدَمَ ومِمَّن حَمَلنَا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إِبرَاهِيمَ وإِسرَائِيلَ ومِمَّن هَدَينَا واجتَبَينَا إِذَا تُتلَى عَلَيهِم آيَاتُ الرَّحمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا * فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوفَ يَلقَونَ غَيًّا))[1].

كما يُبَيِّنُ أنَّ كَثِيرًا ممَّن كَذَّبَ الأنبِياءَ –عليهم السلام- كان دَافِعُه حُبُّ الدُّنيا ومَتَاعُها، يقول تعالى عن أصحَابِ النَّار: ((يَا مَعشَرَ الجِنِّ والإِنسِ أَلَم يَأتِكُم رُسُلٌ مِنكُم يَقُصُّونَ عَلَيكُم آَيَاتِي ويُنذِرُونَكُم لِقَاءَ يَومِكُم هَذَا قَالُوا شَهِدنَا عَلَى أَنفُسِنَا وغَرَّتهُم الحَيَاةُ الدُّنيَا وشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِم أَنَّهُم كَانُوا كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَن لَم يَكُن رَبُّكَ مُهلِكَ القُرَى بِظُلمٍ وأَهلُهَا غَافِلُونَ))[2]، ويقول سبحانه: ((ونَادَى أَصحَابُ النَّارِ أَصحَابَ الجَنَّةِ أَن أَفِيضُوا عَلَينَا مِن الـمَاءِ أَو مِمَّا رَزَقَكُم اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُم لَهوًا وَلَعِبًا وغَرَّتهُم الحَيَاةُ الدُّنيَا فَاليَومَ نَنسَاهُم كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَومِهِم هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجحَدُونَ))[3].

إنَّ الشُّبهاتَ تُصِيبُ الإنسَانَ في مَدَارِكِه وتَصوُّرَاتِه، فتَقلِبُ الحقَّ بَاطِلًا والبَاطِلَ حَقًّا، وشِفاؤُها العِلمُ النَّافِعُ والمعرِفَةُ الصَّائِبَةُ، والبَحثُ الصَّادِقُ عن الحقِّ. أمَّا الشَّهواتُ فتَنبَعِثُ مِن غَرائِزِه التي هي جُزءٌ مِنه، وقد تَغلُبُ عليه فتَتَملَّكَه فلا يكون للحَقِّ قَيمَةٌ معها، ولا للعِبرَةِ مَنفَعَةٌ في ظِلِّها، فهي تُسكِرُ العَقلَ وتُقيِّدُ الرُّوحَ وتُضعِفُ الهِمَّةَ.

إنَّ حُبَّ الدُّنيا نَاتِجٌ عن الانغِمَاسِ في شَهوَاتِها ومَلذَّاتِها، وتَفضِيلِها وتَرجِيحِها على الآخِرةِ ونَعِيمِها، حتى تكون هي مدَارُ غَايةِ الإنسَان وإرَادَاتِه وأفعَالِه. وهذا شأن الكافرين: ((الَّذِينَ يَستَحِبُّونَ الحَيَاةَ الدُّنيَا عَلَى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ويَبغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ))[4]، وإنما أوتوا من الترف الذي أحاط بهم، وملأ قلوبهم وأعمى أبصارهم: ((فأَرسَلنَا فِيهِم رَسُولًا مِنهُم أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِن إِلَهٍ غَيرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * وقَالَ الـمَلَأُ مِن قَومِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَترَفنَاهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثلُكُم يَأكُلُ مِمَّا تَأكُلُونَ مِنهُ ويَشرَبُ مِمَّا تَشرَبُونَ * وَلَئِن أَطَعتُم بَشَرًا مِثلَكُم إِنَّكُم إِذًا لَخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُم أَنَّكُم إِذَا مِتُّم وَكُنتُم تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُخرَجُونَ * هَيهَاتَ هَيهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِن هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنيَا نَمُوتُ ونَحيَا ومَا نَحنُ بِمَبعُوثِينَ))[5].

لذلك حذَّرَ اللهُ تعالى المؤمنين مِن حُبِّ الدُّنيا والانغِمَاسِ في مَلذَّاتِها، تَارَةً بصِيغَةِ التَّرجِيحِ وتَارَةٍ بصِيغَةِ المقَابَلةِ في الجزَاءِ والمآلِ: ((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ الـمُقَنطَرَةِ مِن الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيلِ الـمُسَوَّمَةِ وَالأَنعَامِ وَالحَرثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسنُ الـمَآبِ * قُل أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيرٍ مِن ذَلِكُم لِلَّذِينَ اتَّقَوا عِندَ رَبِّهِم جَنَّاتٌ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ))[6]، وقال سبحانه: ((إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالحَيَاةِ الدُّنيَا وَاطمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُم عَن آَيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ))[7]، وقال جل ثناؤه: ((مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِم أَعمَالَهُم فِيهَا وَهُم فِيهَا لا يُبخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُم فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ))[8].

وإنَّ كَثِيرًا مِن ارتِدادِ النَّاسِ عن دِينِهم وتَنكُّبِهم الصِّراطَ المستَقِيمَ نَاتِجٌ عن وقُوعِهم في الشَّهواتِ إلى حَدِّ الوُقوعِ في المحرَّمَاتِ، ثمَّ شَيئًا فشَيئًا يَرغَبُ في استِحلالِها، فلا يَلبَثُ أن يَستَحِلَّها –عياذا بالله. قال تعالى: ((مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَن أُكرِهَ وَقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالكُفرِ صَدرًا فَعَلَيهِم غَضَبٌ مِن اللَّهِ وَلَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ استَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهدِي القَومَ الكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم وَسَمعِهِم وَأَبصَارِهِم وَأُولَئِكَ هُم الغَافِلُونَ))[9].

وقد ذكَرَ رَسُولُ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- مِن صُورِ انحرَافَاتِ أُمَّتِه، وضَلالِها في آخِرِ الزَّمانِ، استِحلالُ ما حَرَّمَ الله عليها: (ليكونَنَّ مِن أُمَّتي أَقوَامٌ يَستَحِلُّون الحِرَ والحرِيرَ، والخَمرَ والمعَازِفَ، وليَنزِلَنَّ أقوَامٌ إلى جَنبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عليهم بسَارِحَةٍ لهم، يَأتِيهِم -يعني الفَقِيرَ- لِحاجَةٍ فيَقولوا: ارجِع إلينا غَدًا، فيَبيِّتُهم اللَّهُ، ويَضَعُ العَلَمَ، ويَمسَخُ آخَرِينَ قِرَدةً وخنَازِيرَ إلى يَومِ القِيامَةِ)[10]. وهذا نَاتِجٌ لا عن شُبهَةٍ وتَأوِيلٍ ولكن عن شَهوَةٍ ومُتعَةٍ.

وإنَّ محَارَبةَ الشُّبهاتِ في زَمَانِ طُغيَانِ الشَّهواتِ مُخِلٌّ بالدَّعوةِ، كما أنَّ محَاربَةَ الشَّهواتِ في زَمَنِ طُغيَانِ الشَّهواتِ مُخِلٌّ بها. فهي جَمِيعًا مَداخِلُ للشَّيطانِ على بني آدَم، وحيثما وُجِدَت الشُّبهَاتُ أو الشَّهواتُ كان مِن الوَاجِبِ محَاربَتها بعِلمٍ وعَدلٍ. وعندما يَستَقِرُّ حبُّ اللهِ تعالى وما عنده مِن النَّعيمِ تَهون إغرَاءَاتُ الدُّنيا، ويَصبِحُ المرءُ مُؤثِرًا ما عِندَ الله: ((قَالُوا لَن نُؤثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِن البَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكرَهتَنَا عَلَيهِ مِن السِّحرِ وَاللَّهُ خَيرٌ وَأَبقَى))[11]. لذا فإنَّ دأبَ الصَّالحِين التَّقَلُّلِ مِن متَاعِ الدُّنيَا ومَلذَّاتِها، والإقبَالُ على البَاقِيَاتِ الصَّالحَاتِ، وعَدمُ مَدِّ العَينِ إلى مُتَعِ أَهلِ الفُجُورِ مِن أَهلِ الدُّنيا: ((وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعنَا بِهِ أَزوَاجًا مِنهُم زَهرَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبقَى * وَأمُر أَهلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصطَبِر عَلَيهَا لَا نَسأَلُكَ رِزقًا نَحنُ نَرزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقوَى))[12].

لقد تَرَبَّى الجَيلُ الأَولُ مع رَسُولِ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- على عَقِيدَةٍ صَافِيةٍ، وإيمَانٍ عَمِيقٍ، وزُهدٍ في مَلذَّاتِ الدُّنيا ومُتَعِها، بحيث طَهُرَت قُلُوبُهم واستنَارَت عُقُولُهم وسَمَت أَروَاحُهم، ما جَعَلَهم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت للنَّاس. وعَزلُ العَقِيدَةِ وتَقرِيرَاتها عن هذا المنهَجِ الرَّباني والخطَابِ القُرآني في تَوجِيهِ الأُمَّةِ المسلِمَةِ، وتحوِيلُها إلى جَدَليَّاتٍ كَلامِيةٍ بَعِيدًا عن هَديِّ القُرآنِ الكَرِيمِ، أَوجَدَ خَلَلًا في تَربِيةِ الأَجيَالِ، وازدوَاجِيةً في شَخصِيَّةِ المتَرَبِّين؛ خاصَّة وأنَّ الأُمَّةَ اليوم تَرضَخُ تحت مُوجَةٍ مِن التَّرفِ والمتعَةِ وصُورِ الشَّهواتِ في كَثِيرٍ مِن الظُّروفِ، حتى صَارَ التَّنافُسُ عليها مَظهَرًا مِن مظَاهِرِ الحيَاةِ. وفي الحديث أنَّه: (تكون بين يَدَي السَّاعَةِ فِتَنٌ كقِطَعِ الَّليلِ المظلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ فيها مُؤمِنًا ويُمسِي كَافِرًا، و يُمسِي مُؤمِنًا ويُصبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ أَقوَامٌ دِينَهم بعَرَضِ الدُّنيا)[13]. والنَّجَاةُ مِن ذلك الأَعمَالُ الصَّالِحةُ: (بَادِروا بالأَعمَالِ فِتَنًا كقِطَعِ اللَّيلِ المظلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسِي كَافِرًا، أو يُمسِي مُؤمِنًا ويُصبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَه بعَرضٍ مِن الدُّنيا)[14].

إنَّ مِن مقَاصِدِ الإيمَانِ باليومِ الآخِرِ تخفِيفُ وَطأَةِ الشَّهواتِ وحُبِّ الدُّنيا ليَظلَّ الإنسَانُ مُسيطِرًا على جِمَاحِهما ومُتمكِّنًا مِن تَوجِيهها، كي لا يَنزَلِقَ في مزَالِقِ الشَّهواتِ وحُبِّ الدُّنيا: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم وَاخشَوا يَومًا لَا يَجزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَولُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيئًا إِنَّ وَعدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ))[15]. وإذا كان الانصِرافُ إلى الدُّنيا وشَهوَاتِها ومَلذَّاتِها فيه هَلاكُ الإنسانِ، بتَفضِيلِه البَاطِلَ على الحقِّ وإعرَاضِه عنه، فإنَّ إرَادَةَ الدُّنيا بالأعمَالِ الصَّالحَةِ يُبطِلُ ثوَابَها ويُعطِّلُ أَجرَها، يقول سبحانه: ((مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنيَا وزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِم أَعمَالَهُم فِيهَا وَهُم فِيهَا لا يُبخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُم فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ))[16].

بهذا المنظُورِ الإيمَانيِّ دَافَعَ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ الرِّياءَ والسَّمعَةَ، ودَافعَوا الأَهوَاءَ والمطَامِعَ، فمَضُوا ثَابِتِين على دِينِهم وعَقِيدَتِهم وإيمَانِهم غَيرَ مُبدِّلِين ولا مُغيِّرين ولا عَابِثِين. فخَلفَ مِن بَعدِهم مَن حَفَلَ بالعَقِيدَةِ وأَغفَلَ الإيمَانَ، وظنَّ أنَّ صِحَةَ المعتَقَدِ أمَانٌ مِن الضَّلالِ، فرَضِيَّ بالمعرِفَةِ دُونَ الأَثرِ، وقد كان غَايةُ السَّلفِ –رضوان الله عليهم- مِن العِلمِ العمَلَ والأَثرَ: ((فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآَثَرَ الحَيَاةَ الدُّنيَا * فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ الـمَأوَى * وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ الـمَأوَى))[17]. وشتَّانَ بين مَعرِفَةِ الإسلامِ وتَصوُّرَاتِه وأحكَامِه، وبين أن تَستَقِرَّ في القَلبِ والرُّوحِ وتُثمِرَ في النَّوايا والإرادَات والقُولِ والعَملِ؛ وصَدقَ اللهُ إذ يقول: ((قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))[18].

 

[1] مريم: 58- 59.

[2] الأنعام: 130- 131.

[3] الأعراف: 50- 51.

[4] إبراهيم: 3.

[5] المؤمنون: 32.

[6] آل عمران: 14- 15.

[7] يونس: 7- 8.

[8] هود: 15- 16.

[9] النحل: 106- 108.

[10] أبو مالك الأشعري، البخاري، الرقم: 5590.

[11] طه: 73.

[12] طه: 131- 132.

[13] انظر: السلسلة الصحيحة، للألباني، الرقم: 810، وقال: حديث حسن.

[14] أبو هريرة. صحيح مسلم، الرقم: 118.

[15] لقمان: 33.

[16] هود: 15- 16.

[17] النازعات: 37- 41.

[18] الحجرات: 14.