النهضة و التغيير /

فضل العلم والعلماء [ مقال ]

[ الخميس 1 شعبان 1438 هـ ] [ 295 ]

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أُمِّيًّا، لا يَعرِفُ الكِتَابَةَ والقِراءَةَ، كحَالِ كَثِيرٍ مِن العَربِ في ذلك الزَّمَانِ، قال الله تعالى: ((فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤمِنُ بِاللَّهِ وكَلِمَاتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ))، الأعراف: 158؛ وقال سبحانه: ((ومَا كُنتَ تَتلُو مِن قَبلِهِ مِن كِتَابٍ ولَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارتَابَ الـمُبطِلُونَ))، العنكبوت: 48؛ وقال جلَّ ثناؤه: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُم يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِم ويُعَلِّمُهُم الكِتَابَ والحِكمَةَ وإِن كَانُوا مِن قَبلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ))، الجمعة: 2.

فأنعَمَ اللهُ -سبحَانَه- على نَبِيِّه بعِلمِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ. قال الله تعالى: ((وكَذَلِكَ أَوحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِن أَمرِنَا مَا كُنتَ تَدرِي مَا الكِتَابُ ولَا الإِيمَانُ ولَكِن جَعَلنَاهُ نُورًا نَهدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِن عِبَادِنَا وإِنَّكَ لَتَهدِي إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ))، الشورى: 52. فمَا أفضَلَه مِن عِلمٍ، وما أكبَرها مِن نِعمَةٍ. كيف لا، وهو الوحيُّ الصَّادِقُ، وعِلمُ الكتَابِ الذي يهدي للتي هي أقوم. يقول تعالى: ((إِنَّ هَـذَا القُرآنَ يِهدِي لِلَّتِي هِيَ أَقوَمُ))، الإسراء: 9.

وقد بَلَّغَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- رسَالَةَ رَبِّه، ونَشرَ العِلمَ الذي عَلَّمَه ربُّه إيَّاه، وبَيَّنَ أَهمِّيَّةَ هذا العِلمِ وفَضلِه وحثَّ على طَلبِه والتَّسَابُقِ لنَيلِه، قال الله تعالى: ((وقُل رَّبِّ زِدنِي عِلمًا))، طه: 114. وقال تعالى: ((أَمَّن هُو قَانِتٌ آنَاء اللَّيلِ سَاجِدًا وقَائِمًا يَحذَرُ الآخِرَةَ ويَرجُو رَحمَةَ رَبِّهِ قُل هَل يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ والَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلبَابِ))، الزمر: 9. قال الشيخ السِّعدي -رحمه الله: "((قُل هل يَستَوي الذين يَعلَمُون)) ربَّهم، ويعلَمُون دِينَه الشَّرعي، ودِينَه الجزَائِيَّ، وما له في ذلك مِن الأسرَارِ والحِكَمِ، ((والذين لا يَعلَمُون)) شَيئًا مِن ذلك؟ لا يستوي هؤلاء ولا هؤلاء، كما لا يستوي الليلُ والنَّهارُ، والضِّياءُ والظَّلامُ، والماءُ والنَّارُ"[1]، وقال -عليه الصلاة والسلام: (مَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلتِمسُ فيه عِلمًا، سَهَّلَ اللهُ له به طَرِيقًا إلى الجنَّةِ، وما اجتَمَعَ قَومٌ في بَيتٍ مِن بُيوتِ الله، يَتلُون كتَابِ اللهِ، ويتَدَارَسُونه بينهم، إلَّا نَزَلت عليهم السَّكِينَةُ، وغَشِيتُهم الرَّحمَةُ وحفَّتهم الملائكَةُ، وذكَرَهم اللهُ في مَن عنده)، رواه مسلم. وقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم: (خَيرُكم مَن تعَلَّمَ القُرآنَ وعَلَّمَه)، رواه البخاري. وقال -عليه الصلاة والسلام: (مَن يُردِ اللهُ به خَيرًا يُفقِّهُه في الدِّينِ)، رواه البخاري.

المكانة المرموقة للعلماء في الإسلام:

لما كان العِلمُ الشَّرعيُّ بهذه الأَهميَّةِ العَظِيمَةِ جَعَلَ اللهُ تعالى لأَهلِه مكَانَةً رَاقِيةً، وفَضلًا كَبِيرًا في الدُّنيَا والآخِرَةِ. قال سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُم تَفَسَّحُوا فِي الـمَجَالِسِ فَافسَحُوا يَفسَحِ اللَّهُ لَكُم وإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم والَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ خَبِيرٌ))، المجادلة: 11. قال الإمام ابن حجر: "قيل في تفسيرها: يَرفعِ اللهُ المؤمِنَ العَالِمَ على المؤمِنِ غَيرِ العَالمِ. ورِفعَةُ الدَّرجَاتِ تَدُلُّ على الفَضلِ، إذ المرَادُ به كَثرَةَ الثَّوابِ، وبها تَرتَفعُ الدَّرجاتُ، ورِفعَتُها تَشملُ المعنَويَّةَ في الدُّنيَا بعُلو المنزِلَةِ وحُسنِ الصِّيتِ، والحِسيَّةَ في الآخِرةِ بعُلو المنزِلَةِ في الجنَّةِ)[2].

وقال الله تعالى: ((شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ والـمَلاَئِكَةُ وأُولُوا العِلمِ قَآئِمَاً بِالقِسطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ))، آل عمران: 18. قال الإمام ابن القيم: "وهذا يَدُلُّ على فَضلِ العِلمِ وأَهلِه مِن وُجُوه: أَحدُها استِشهَادُهم دُون غَيرِهم مِن البَشرِ، والثَّاني اقتِرانُ شهَادَتهم بشهَادَتِه، والثَّالثُ اقتِرانُها بشهَادَةِ مَلائِكَتِه"[3]. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الملائِكَةَ لتَضعُ أَجنِحتَها رِضًا لطَالِبِ العِلمِ، وإنَّ العَالِمَ ليَستَغفِرُ له مَن في السَّمَاواتِ والأَرضِ، والحيتَانِ في جَوفِ الماءِ، وإنَّ فضَلَ العَالمِ على العَابِدِ كفَضلِ القَمرِ ليلَةِ البَدرِ على سَائِرِ الكَواكِبِ، وإنَّ العُلماءَ ورَثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثوا دِينارًا ولا دِرهمًا، وإنَّما ورَّثُوا العِلمَ، فمَن أَخذَه أَخذَ بحَظٍّ وَافِرٍ)، رواه أبو داوود والترمذي.

هؤلاء هم العلماء:

العُلمَاءُ مِن أخشَى النَّاسِ للهِ، وأتقَاهم للهِ، قال تعالى: ((إِنَّمَا يَخشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ))، فاطر: 28. قال الإمام ابن كثير: "إنَّما يخشَاه حقَّ خَشيَتِه العُلمَاءُ العَارِفُون به، لأنَّه كُلمَّا كانت المعرِفَةُ للعَظيمِ القَدِيرِ العَليمِ، الموصُوفِ بصِفاتِ الكمَالِ، المنعُوتِ بالأسمَاءِ الحُسنى، وكلمَّا كانت المعرِفةُ به أتمَّ، والعِلمُ به أَكمَلَ، كانت الخَشيَةُ له أَعظَمَ وأَكثَرَ"[4]. وقال الإمام الطبري: "إنَّما يخَافُ اللهَ فيَتَّقِي عقَابَه بطَاعَتِه العُلمَاءُ، بقُدرَتِه على ما يشَاءُ مِن شَيءٍ، وأنَّه يَفعَلُ ما يُريدُ، لأنَّ مَن عَلِمَ ذلك أَيقَنَ بعِقَابِه على مَعصِيتِه، فخَافَه ورَهِبَه خَشيًا مِنه أن يعَاقِبَه"[5].

لقد أَورَثَهم عِلمُهم باللهِ -سبحَانَه وتعَالى- خَشيَةً عَظِيمَةً؛ كيف لا، فَهُم يُوقِنون بأنَّ اللهَ هو الخَلَّاقُ العَليمُ، على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٍ، لا يُعجِزُه شَيءٌ في الأَرضِ ولا في السَّماءِ، فاستَسلَموا له وانقَادُوا لأَمرِه، واجتَنَبوا نوَاهِيه. واللهُ تعالى جزَاهم عن ذلك خَيرًا في الدُّنيَا والآخِرةِ، واللهُ ذو الفَضلِ العَظيمِ.

وقد وَصفَ الإمَامُ الآجُري العُلمَاءَ وَصفًا عَجِيبًا، ولخَصَّ أَهميَّتَهم وفَضلَهم في الدُّنيَا والآخِرةِ تَلخِيصًا فَرِيدًا فقال: "فإنَّ الله -عزَّ وجَلَّ، وتَقدَسَت أسماؤُه- اختَصَّ مِن خَلقِه مَن أَحَبَ، فهَدَاهم للإيمَانِ، ثمَّ اختَصَّ مِن سَائِرِ المؤمِنين مَن أَحَبَ، فتَفضَّلَ عليهم فعَلَّمَهم الكِتابَ والحِكمَةَ، وفَقَّهَهم في الدِّين، وعلَّمَهم التَّأوِيلَ، وفَضَّلَهم على سَائِرِ المؤمِنين، وذلك في كُلِّ زمَانٍ وأوَانٍ، رَفعَهم بالعِلمِ، وزَيَّنَهم بالحِلمِ، بهم يُعرَفُ الحَلالُ مِن الحرَامِ، والحَقُّ مِن البَاطِلِ، والضَّارُ مِن النَّافِعِ، والحَسَنُ مِن القَبيحِ. فَضلُهم عَظِيمٌ، وخَطَرُهم جَزِيلٌ، ورَثةُ الأَنبيَاءِ، وقُرَّةُ عين الأَوليَاءِ، الحيتَانُ في البحَارِ لهم تَستَغفِرُ، والملائِكَةُ بأجنِحَتِها لهم تَضعُ، والعُلمَاءُ في القِيَامَةِ بعد الأَنبِياءِ تَشفَعُ. مجَالِسُهم تُفِيدُ الحِكمَةَ، وبأَعمَالِهم يَنزَجِرُ أهلُ الغَفلَةِ، هم أَفضَلُ مِن العُبَّادِ، وأَعلَى دَرَجةً مِن الزُّهَادِ. حيَاتُهم غَنِيمَةٌ، ومُوتُهم مُصِيبَةٌ، يُذكِّرُون الغَافِلَ، ويُعلِّمُون الجَاهِلَ، لا يُتوقَّعُ لهم بَائِقَةٌ، ولا يُخَافُ مِنهم غَائِلَةٌ، بحُسنِ تَأدِيبِهم يَتَنازَعُ المطِيعُون، وبجِمِيلِ مَوعِظَتِهم يَرجِعُ المقصِّرُون. جَمِيعُ الخَلقِ إلى عِلمِهم مُحتَاجٌ، والصَّحِيحُ على مَن خَالفَ بقَولِهم محجَاجٌ، الطَّاعَةُ لهم مِن جميعِ الخَلقِ وَاجِبةٌ، والمعصِيَةُ لهم مُحرَّمَةٌ، مَن أطَاعَهم رَشُدَ، ومَن عَصَاهم عَنُدَ، ما وَرَد على إمَامِ المسلمين مِن أَمرٍ اشتَبَه عليه حتَّى وَقَفَ فيه فبِقَولِهم يَعمَلُ، وعن رَأيِهم يَصدُرُ، وما وَرَدَ على أُمرَاءِ المسلمين مِن حُكمٍ لا عِلمَ لهم به فبِقَولِهم يعمَلُون، وعن رَأيهم يَصدُرُون، وما أَشكَلَ على قُضَاةِ المسلمين مِن حُكمٍ فبِقولِ العُلمَاءِ يحكُمُون، وعليه يعُوِّلُون. فهم سِراجُ العِبادِ، ومنَارُ البِلادِ، وقِوامُ الأُمَّةِ، وينَابِيعُ الحِكمَةِ. هم غَيظُ الشَّيطَانِ، بهم تحيَا قُلوبُ أَهلِ الحَقِّ، وتَمُوتُ قُلوبُ أَهلِ الزَّيغِ، مِثلُهم في الأَرضِ كمِثلِ النُّجومِ في السَّماءِ يُهتَدَى بهم في ظُلمَاتِ البَرِّ والبَحرِ، إذا انطَمَسَت النُّجومُ تحيَّروا، وإذا أَسفَرَ عنها الظَّلامُ أبصَروا"[6].

واجبنا نحو العلماء:

أمر اللهُ تعالى المؤمنين بطَاعَةِ العُلمَاءِ في المعرُوفِ، وأَوجَبَ على مَن لا يَعلَمُ مِنهم أُمورَ الدِّين أن يسأَلُوهم. فقال سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ والرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللّهِ واليَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وأَحسَنُ تَأوِيلاً))، النساء: 59. وقال تعالى: ((وَإِذَا جَاءَهُم أَمرٌ مِن الأَمنِ أَوِ الخَوفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وإِلَى أُولِي الأَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَستَنبِطُونَهُ مِنهُم ولَولاَ فَضلُ اللّهِ عَلَيكُم ورَحمَتُهُ لاَتَّبَعتُم الشَّيطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً))، النساء: 83.

قال الإمام البغوي: "اختَلفُوا في ((أُولِي الأَمرِ))، قال ابن عبَّاسٍ وجَابِرُ -رضي الله عنهم: هم الفُقهَاءُ والعُلمَاءُ الذين يعلِّمُون النَّاسَ معَالم دِينِهم. وهو قُولُ الحَسنِ والضَّحاكِ ومجَاهدٍ. ودَلِيلُه قوله تعالى: ((ولو رَدُّوه إلى الرَّسُولِ وإلى أُولي الأَمرِ مِنهم لعَلِمَه الذين يستَنبِطُونه مِنهم)). وقال أبو هريرة: هم الأُمرَاءُ والولاة"[7]. وقال الإمام ابن باز: "و((أُولُو الأَمرِ)) هم: العُلمَاءُ والأُمرَاءُ، أُمرَاءُ المسلِمين وعُلمَاؤُهم يطَاعُون في طَاعَةِ اللهِ إذا أَمرُوا بطَاعَةِ اللهِ، وليس في مَعصِيَةِ اللهِ. فالعُلمَاءُ والأُمرَاءُ يُطَاعُون في المعروف".

وقال الله تعالى: ((ومَا أَرسَلنَا قَبلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيهِم فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لَا تَعلَمُونَ))، النحل: 43. قال الشيخ السعدي: "وعُمُومُ هذه الآيَةِ فيها مَدحُ أَهلِ العِلمِ، وأنَّ أَعلَى أَنوَاعِه العِلمُ بكتَابِ اللهِ المنزَلِ، فإنَّ اللهَ أَمرَ مَن لا يَعلَمَ بالرُّجُوعِ إليهم في جميعِ الحوَادِثِ، وفي ضِمنِه تَعدِيلٌ لأَهلِ العِلمِ، وتَزكِيةٌ لهم، حيث أَمرَ بسُؤَالِهم، وأنَّه بذلك يُخرِجُ الجَاهِلَ مِن التَّبِعَةِ، فدَلَّ على أنَّ اللهَ ائتَمَنهم على وَحيِهِ وتَنزِيلِه، وأنَّهم مَأمُورُون بتَزكِيةِ أَنفُسِهم، والاتِّصَافِ بصَفَاتِ الكمَالِ. وأَفضَلُ أَهلِ الذِّكرِ أَهلُ هذا القُرآنِ العَظيمِ، فإنَّهم أَهلُ الذِّكرِ على الحقِيقَةِ، وأُولى مِن غَيرِهم بهذا الاسم. ولهذا قال تعالى: ((وأَنزلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ)) أي: القُرآنَ الذي فيه ذِكرُ ما يُحتَاجُ إليه العِبادُ مِن أُمُورِ دِينِهم ودُنيَاهم الظَّاهِرَةِ والبَاطِنَةِ، ((لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم))، وهذا شَامِلٌ لتَبيينِ ألفَاظِه وتَبيينِ معَانِيه، ((ولَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ)) فيه، فيَستَخرِجُون مِن كُنُوزِه وعُلُومِه بحسب استِعدَادِهم وإقبَالِهم عليه"[8].

خاتمة:

إنَّ علمَاءَ بهذه الصِّفَاتِ يحرُمُ على المؤمِنِ الطَّعنَ فيهم، والسُّخريَّةَ مِنهم، واغتِيابَهم. قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسخَر قَومٌ مِن قَومٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيرًا مِنهُم ولَا نِسَاءٌ مِن نِسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيرًا مِنهُنَّ ولَا تَلمِزُوا أَنفُسَكُم ولَا تَنَابَزُوا بِالأَلقَابِ بِئسَ الاِسمُ الفُسُوقُ بَعدَ الإِيمَانِ ومَن لَم يَتُب فَأُولَئِكَ هُم الظَّالِمُونَ))، الحجرات: 11. وقال سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجتَنِبُوا كَثِيرًا مِن الظَّنِّ إِنَّ بَعضَ الظَّنِّ إِثمٌ ولَا تَجَسَّسُوا ولَا يَغتَب بَّعضُكُم بَعضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَن يَأكُلَ لَحمَ أَخِيهِ مَيتًا فَكَرِهتُمُوهُ واتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ))، الحجرات: 12. قال الإمام ابن عساكر: "اعلم يا أخي وفَّقَنا اللهُ وإيَّاك لمرضَاتِه، وجَعَلنا ممَّن يخشَاه ويَتَّقِيه حقَّ تُقَاتِه، أنَّ لحُومَ العُلمَاءِ مَسمُومَةٌ، وعَادَةُ اللهِ في هَتكِ أستَارِ مُنتَقِصِيهم مَعلُومَةٌ، فإنَّ مَن أطلَقَ لِسَانَه في العُلمَاءِ بالثَّلبِ، ابتلاه اللهُ تعالى قَبلَ مَوتِه بمَوتِ القَلبِ: ((فليَحذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُون عن أَمرِه أَن تُصِيبَهم فِتنَةٌ أو يُصِيبَهم عَذَابٌ أَلِيمٌ))، النور: 63".

 

[1] تيسير الكريم الرحمن، عبدالرحمن السعدي، دار ابن حزم، بيروت، ط1/2003م: ص687.

[2] فتح الباري، ابن حجر، المكتبة السلفية: ج1/141.

[3] مفتاح دار السعادة، ابن قيم الجوزية، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط1432ه، ج1/131.

[4] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، ط1999م: ج6/544.

[5] تفسير الطبري، ابن جرير الطبري، مؤسسة الرسالة، ط1994م: ج6/251.

[6] أخلاق العلماء، الآجري، رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، السعودية، ط1978م، ص15- 17.

[7] تفسير البغوي، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، ط1989م، ج2/239.

[8] فسير السعدي، مرجع سابق، ص416.