رؤية في المستجدات /

مائة عام على وعد الغدر والخيانة [ مقال ]

[ الاثنين 27 رجب 1438 هـ ] [ 1470 ]

قبل مائة عام، وتحديدا في 2 نوفمبر 1917م، بعث وزير الخارجية البريطاني "آرثر جيمس بلفور" إلى اللورد اليهودي "ليونيل وولتر دي روتشيلد"، رسالة باسم الحكومة البريطانية، يعده فيها بـ"إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين"، وقال: إنَّ "الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وإنَّها ستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية"! وجاء هذا الوعد قبل شهر من احتلال الجيش البريطاني لفلسطين. وفي وقت كان تعداد اليهود في فلسطين لا يزيد عن 5% من مجموع عدد السكان.

لقد كان الوعد "وعد من لا يملك لمن لا يستحق"، فكان جريمة بحق شعب كامل، استمرت فصولها خلال قرن كامل. وبمناسبة الذكرى المئوية لهذا الوعد المشؤم، طالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس بريطانيا بالاعتذار عنه للشعب الفلسطيني والاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ وأطلق مركز "العودة" الفلسطيني -مِن داخل البرلمان البريطاني- حملة تطالب لندن بالاعتذار عنه؛ ووقع ما يزيد على 11 ألف بريطاني على طلب مقدم للحكومة البريطانية للاعتذار عن وعد بلفور، وهو ما ألزم الحكومة البريطانية بالرد.

إزاء ذلك أعلنت الحكومة البريطانية عن موقف رافض لتقديم أي اعتذار يتعلق بوعد "بلفور". وقالت الحكومة المحافظة -في بيان لها- في ردها على العريضة الشعبية: إنَّ وعد بلفور موضوع تاريخي، ولا نية لها بالاعتذار عنه! بل أعربت عن الفخر بدور بريطانيا في إيجاد "دولة إسرائيل"!

هذا البيان لم يكن مفاجئا لمن عرف السياسة الغربية، وفهم دهاليزها، ووعى أساليبها في إدارة الصراعات واللعب على المتناقضات. فمنذ قيام الكيان الصهيوني الغاصب والغرب يمثل داعما وراعيا له. فالغرب يرى في "دولة إسرائيل" حليفا إستراتيجيا في المنطقة.

وهذا الموقف البريطاني يأتي تأكيدا على سياسة العدوان التي تنتهجها الدولة الاستعمارية العظمى ضد حقوق الشعوب الإسلامية في التحرر والاستقلال. ولم تقف بريطانيا مع حق الاستقلال وتقرير المصير إلا على سبيل تفتيت المنطقة وتقسيمها إلى دويلات؛ وفيما عدا ذلك ساهمت بريطانيا في دعم الأنظمة الغاصبة.

مائة عام من الممارسات العدوانية والوحشية والمنتهكة لحقوق الإنسان –التي أقرتها الشرائع السماوية وتواطأت عليها القوانين الوضعية- لم تكن كافية للحكومة البريطانية للاعتذار عن وعدها! كما لم تكن كافية لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية الحالية للتراجع عن تحالفها مع هذه الدولة المسخ. فقد كرر الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، مرارا وخلال حملته الانتخابية، وعقب توليه الرئاسة -في 20/1/2017م، أنه سيعمل على نقل السفارة الأمريكية من "تل أبيب" إلى القدس. وهذا الإجراء بالطبع اعتراف ضمني بالقدس كعاصمة لدولة الكيان الصهيوني. ويتفق ذلك مع مساعي سلطات الكيان الصهيوني لتحويل القدس عاصمة موحدة وأبدية لدولة إسرائيل، وباعتبار إسرائيل –بالطبع- دولة يهودية.

وتصريحات ترامب ليست بدعا من تصريحات ومواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة على البيت الأبيض؛ فالعلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني عميقة وثابتة. وقد نشأت منذ الإعلان عن قيام دولة إسرائيل عام 1948م، وكانت الولايات المتحدة من أوائل الدول المعترفة بها منذ إعلانها؛ بل ساهمت قبل ذلك في مساعدة المهاجرين اليهود في دخول واستيطان الأراضي الفلسطينية.

وقد دعمت الولايات المتحدة الكيان الصهيوني بالمال والسلاح في العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956م، وفي حرب 1967م، وفي حرب أكتوبر 1973م، وفي جميع حروبها ضد المسلمين. كما أنها مؤيدة لمعظم خطواته العدوانية على الشعب الفلسطيني والأراضي الفلسطينية، وحامية له في المحافل الأممية.

وهي إحدى الدول الممثلة في "اللجنة الرباعية الدولية"، والتي أنشئت عام 2002م وتضم إلى جانبها روسيا والاتحاد الأوروبي، لحل الصراع العربي- الإسرائيلي! لكنها لم تمارس أي إدانة بشأن عدوان هذا الكيان الغاصب على الشعب الفلسطيني وأراضيه المحتلة!

ما يفلح فيه الغرب مواراة جرائمه بالحديث عن "السلام" كحل لا بد منه لإنهاء حالة الصراع القائمة!! و"السلام" في الوعي الغربي ليس إلا الاعتراف بالكيان الصهيوني والتعايش معه، وقبوله شريكا في المنطقة. لذلك فإن بيان الخارجية البريطانية بشأن ذكرى وعد بلفور ذكر أنَّ "المهِم" في هذه المرحلة هو "دفع عجلة السلام"، من خلال "دولتين: إسرائيلية وفلسطينية، تعيشان بسلام جنبا إلى جنب"!! وأن المهمة الراهنة تتمثل في تشجيع الخطوات التي تقود نحو تحقيق "السلام" –بهذه الصيغة بالطبع!

إن حكومة بريطانيا العظمى، والمثقلة بالتاريخ الاستعماري الحافل بالجرائم، في بيانها، ترى أنَّ "الأمر الأهم الآن هو التطلع إلى المستقبل وإقامة الأمن والعدل لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال سلام دائم"؛ وأنَّ تأسيس وطن لليهود على الأرض التي كانت لديهم بها روابط تاريخية ودينية قوية أمر صائب وأخلاقي، ولا سيما في مواجهة قرون من الاضطهاد.

وفي ظل تطلع الشعب الفلسطيني لمن يقف إلى جانبه تنحاز قوى الاستكبار العالمي لإسرائيل، فحتى القيادة الروسية بزعامة "فلاديمير بوتين"، بدأت تسابق على كسب رضى الكيان الصهيوني. فقد أعلنت الخارجية الروسية، في بيان صادر عنها في 6 أبريل 2017م، اعترافها بالقدس الغربية كعاصمة لـ"دولة إسرائيل"! وعبرت عن "قلقها العميق" من حالة التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، وتدهور الأوضاع على الأرض، بما يقوض آفاق التوصل إلى حل معترف به دوليا للقضية الفلسطينية "تتعايش بموجبه، الدولتان الإسرائيلية والفلسطينية، بأمن وسلام مع بعضها بعضا، ومع جميع جيرانهما". وأكدت التزام روسيا بقرارات الأمم المتحدة بشأن "مبادئ التسوية"، بما في ذلك "صفة القدس الشرقية كعاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية"، و"القدس الغربية كعاصمة لدولة إسرائيل"!

وقد وصفت صحيفة "Jerusalem Post"، في تقرير نشرته حول هذا الشأن، هذه الخطوة بـ"المفاجئة"؛ مشيرة إلى أنه "ليست هناك أي دولة أخرى في العالم تعترف بأي جزء من القدس كعاصمة لإسرائيل"!

والمضحك أن أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات أعلن، خلال زيارة قام بها إلى موسكو -في 12/1/2017م، أنه حمل رسالة من الرئيس محمود عباس، يطلب فيها تدخل الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" لمنع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس!

وأيا تكن الدوافع لهذه الدول في تصريحاتها أو مواقفها، الظاهرة أو الباطنة، إلا أنها جميعا لا تخرج عن كونها استهتارا بحال الأمة الإسلامية الذي يعاني حالة من التمزق والوهن والضعف؛ وأنها تعكس مدى تكالب الأعداء على الأمة الإسلامية بعيدا عن خلافاتهم البينية؛ وأنها جميعا تصب بالمحصلة لصالح المشروع الصهيوني والتطرف اليهودي في المنطقة.

من هذه المواقف الغربية التي تأتي في ذات السياق التاريخي لمواقف هذه الدول نخلص إلى ما يلي:

  • أن البحث عن تحرير فلسطين ومقدساتها من العواصم الغربية، ومن الحكومات المتعاقبة، ليس إلا ضربا من الخيال والحمق السياسي. فهي غير مستعدة للتعاطف مع قضايا الأمة وحقوقها فضلا بأن تسهم في تحرير أراضيها.
  • أن الحديث عن "السلام" أصبح غير ذي قيمة ولا معنى في ظل تفوق العدو الصهيوني ودعم القوى العظمى لجرائمه، ومن ثم فـ"السلام" في إطار السياق الأممي ليس إلا اعترافا بالاحتلال ونزولا عند شروطه وإملاءاته ورغباته.
  • أن المعنى الأول بتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني الأمة الإسلامية، باعتبار أن فلسطين أرض إسلامية، وإرث إسلامي، ومقدسات إسلامية، احتلت واغتصبت بقوة السلاح والنار، فواجب الأمة –دولا وشعوبا- استعادتها وتحريرها، بدعم أبنائها المجاهدين ورجالها المرابطين.
  • أن الحديث عن عدالة الغرب ووقوفه إلى جانب الحقوق والحريات بات خرافة يكذبها الواقع في كثير من القضايا، والتي تمثل فلسطين أبرزها وأظهرها على الإطلاق. ومن ثمَّ فإن تغيير المنظومة الأممية العاجزة عن نصرة الحقوق والمبادئ ورعاية مصالح الشعوب وأمنها واستقرارها بات أمرا ملحا، ومطلبا لكل الشعوب المضطهدة والمظلومة والمستضعفة. خاصة وأن هيمنة الدول الخمس على مقاليد القرار ووقوفها إلى صفوف المعتدين والمجرمين أظهر من الاستدلال عليه.
  • أن الركون للغرب وحكوماته ضياع للوقت، وحيلة العاجزين الذين لا يحسنون صنعا، ولا يهتدون سبيلا. فإن الوعود التي أطلقت خلال مائة عام لم يتحقق منها شيء للشعب الفلسطيني على أرض الواقع. بل ضاعت قضيته في دهاليز التآمر ومواخير النخاسة الدولية!
  • وإن من حق الشعب الفلسطيني اليوم أن تعاد له الثقة وتوكل إليه المهمة في مناهضة الاحتلال، وفق إمكاناته وقدراته، وبمساندة من الأمة جميعا. وعلى قواه الحية المجاهدة أن ترسم خارطة طريق للتحرير والاستقلال وطرد المعتدين عن أرضهم وديارهم ومقدساتهم، يشارك فيها أبناء فلسطين جميعا. وإن موعود الله تعالى نصرة الحق وأهله. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا تزالُ طائِفةٌ مِن أمَّتي على الدِّين ظاهرين، لعدوِّهم قاهرين، لا يضرُّهم مَن خَالفَهم، إلا ما أصابهم من لأواءٍ؛ حتى يأتيَهم أمرُ اللهِ وهم كذلك). قالوا: وأين هم يا رسول الله؟ قال: (ببيتِ المقدسِ وأكنافِ بيتِ المَقدسِ).