أصول و محكمات /

الجُهدُ المسدَّدُ في التَّصدِّي لتَبدِيلِ دِينِ محمَّد [ مقال ]

[ الجمعة 24 رجب 1438 هـ ] [ 1059 ]

التَبدِيلُ صُورَةٌ مِن صُورِ الانحرَافِ التي تُصِيبُ أيَّ دِيانَةٍ سمَاويَّةٍ أو مَذهَبٍ وَضعِيٍّ مع طُولِ العَهدِ، وخُفُوتِ شُعلَةِ حمَلَتِه في حَركَتِهم لأَجلِه، تَبلِيغًا وبيَانًا ودَعوَةً وإعمَالًا ودفَاعًا وتمكِينًا. فطَبِيعَةُ النَّفسِ البَشَريَّةِ التَّملمُلُ والنِّسيانُ، وطَبيعَةُ الحيَاةِ التَّطوُّرُ والتَّغيُّرُ، فإذا لم يَقُم حمَلةُ الدِّينَ بالتَّذكِيرِ والتَّجدِيدِ والتَّحدِيثِ للوسَائِلِ والأسَاليبِ وصِيغِ التَّطبيقِ العَمَليةِ الموَاكِبَةِ للمُستَجدَاتِ وإلَّا فإنَّ عوَامِلَ اندِّثَارِ العقَائِدَ والأفكَارِ ستَغلُبُ، وسَتَنشَأُ عقَائِدٌ وأفكَارٌ جَدِيدَةٌ لها بَرِيقُها وجِدَتُها، يحمِلُها أشخَاصٌ مُتحمِّسُون ومُنطَلِقُون. وإذا كان للدِّين السَّماوي ثِقَلُه التَّارِيخي وامتدَادُه الجُغرَافي والاجتِمَاعي كان القضَاءُ عليه مِن القُوى الأَجنَبيَّةِ الخَارِجيَّةِ صَعبًا ومُكلِفًا. فتَعمَلُ حِينئِذٍ على غَزوِه مِن الدَّاخِلِ، وتحرِيفِه، وطَمسِ حقَائِقِه الكُبرَى وأُصُولِه الكُليَّةِ وقوَاعِدِه العَامَّةِ ومقَاصِدِه العُليا، فيُفرَّغُ مِن مُحتَواه. وعَادَةً ما تكون أدوَاتُ هذا الغَزوِ الخَارِجي محليَّةً أو أَجنَبيَّةً تتَلبَّسُ بثَوبِ الدَّاخِلِ.

إذن مَنشَأُ التَّحرِيفِ والتَّبدِيلِ للدِّينِ السَّماوي دَاخِليٌّ وخَارِجيٌّ، ذاتيٌّ وأجنَبيٌّ. وقد وَاجَهَت الدِّيانَاتُ السَّماوِيَّةُ الكُبرَى هذه العوَامِلَ على مَرِّ التَّاريخِ؛ فمِنها ما طُمِسَت واندَرَسَت كُليَّةً فلا نَعلمُ عنها شَيئًا، ومِنها ما طُمِسَ كَثِيرٌ مِن نُصُوصِه ومَعَانِيه كاليَهودِيةِ والنَّصرانِيةِ، وقد تَعرَضَ الإسلامُ الخَاتمُ –كِتَابًا وسُنَّةً- لعوَامِلَ مِن هذا القَبيلِ، لكِنها لم تستَطِع تبدِيلَه أو القَضاءَ عليه. وهذا مِصدَاقُ إرَادَةِ اللهِ تعالى بحِفظِه: ((إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))[1]، وإتمَامِه وإظهَارِه على ما سِوَاه: ((يُرِيدُونَ أَن يُطفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفوَاهِهِم ويَأبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ ولَو كَرِهَ الكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَو كَرِهَ الـمُشرِكُونَ))[2].

أمَّا المذَاهِبُ الوَضعِيةِ فهي بطَبِيعَتِها مذَاهِبُ قَاصِرةٌ ونَاقِصَةٌ وغَيرُ صَالحَةٍ لتَجَاوزِ مجتَمعَاتِها، أو تَجَاوزِ الزَّمنِ في ذَاتِ المجتَمعِ؛ كما أنَّ طَبيعَةَ القَدَاسَةِ مُنتَفٍ عنها، وتَطبِيقُها على أَرضِ الوَاقعِ يُفقِدُها الكَثيرُ مِن بَرِيقِها. مِن ثمَّ فهي قَابِلَةٌ للتَّحريفِ والتَّبدِيلِ بذَاتِها، حيث لا عِصمَةَ ولا كَمَالَ ولا صَلاحِيَّةَ! لذلك لم تَستَطِع "الشِّيوعيَّةُ" التي سَادَت في القَرنِ العِشريِن، وحَكَمَت نِصفَ العَالمِ، كمِثَالٍ، أن تَصمُدَ أمَامَ التَّحوُّلاتِ والتَّغيُّراتِ بل والتَّجرِبةِ العَمَليةِ، فانتَهَت وزَالَت.

وإذا كان التَّحريفُ والتَّبدِيلُ في دِينِ مُوسى –عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، عَقِيدَةً وشَرِيعَةً، أتى مِن طَبيعَةِ بني إسرائيلَ نَفسِها، وشَخصِيتِهم، وأَخلاقِهم، وزَعامَاتِهم ومَراجِعِهم، فإنَّ التَّحرِيفَ والتَّبدِيلَ في دِينِ عِيسَى –عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، عَقِيدَةً وشَرِيعَةً، أتى مِن هَيمَنَةِ السُّلطَةِ الرُّومَانيَّة على رِجَالِ الدِّينِ المسِيحِيين، أو مِن اختِراقِ المندَسِّين زُورًا في أتبَاعِ مِلَّتِه[3].

لذلك فإنَّنا نجِدُ القُرآنَ الكَرِيمَ يُشخِّصُ الطَّبِيعَةَ والنَّفسِيةَ "الإسرائِيليةَ" وهي تتَخَاطبُ مع مُوسَى –عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتتَعَامَلُ مع تَوجِيهَاتِه، ثمَّ تطَاوُلُها على نُصُوصِ الوَحيِّ والشَّرِيعَةِ التي كانت بين أَيدِيهم، مِن تَورَاةٍ وصُحُفٍ ومَواعِظَ وغَيرِها. كُلُّ ذلك تحذِيرٌ لهذه الأُمَّةِ أن تَسلُكَ مسَالِكَهم في التَّديُّنِ.

والتَّبدِيلُ في اللُّغَةِ يعني إحلَالُ شَيءٍ مَحلَّ شَيءٍ آخَر، فالبَدلُ الخَلَفُ مِن الشَّيءِ. كما هو في قَوامِيسِ اللُّغَةِ ومعَاجِمِها. ومَن قال: إنَّ مِن معَاني التَّبدِيلِ التَّغيِيرَ ولا يَلزَمُ معه الإبدَال، قَصَرَ التَّبدِيلَ على الإبدَالِ الكُلِّي، وإلَّا فإنَّ التَّغيِيرَ بذَاتِه إبدَالٌ في حَالِ الشَّيءِ مِن شَأنٍ سَابِقٍ إلى شَأنٍ لاحِقٍ –أيًّا كان. فالتَّبدِيلُ إن كان في أَصلِ وُجُودِ الشَّيءِ كان إبدَالًا له بخِلافِه، وهو التَّبدِيلُ الكُلي، وإن كان في صِفَتِه فهو تَبدِيلٌ مع بقَاءِ أَصلِه، فهو تَبدِيلٌ جُزئِي. فلا تَبدِيلٌ بلا إبدَالٍ. وعُمومِ آياتِ القُرآنِ الكَريمِ التي ورَدَ فيها فِعلُ "التَّبدِيلِ" أَتى فيها بمعنى الإبدَالِ كُليًّا كان أو جُزئِيًّا؛ فمِن ذلك: ((فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَولًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُم))[4]، ((قَالَ أَتَستَبدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ))[5]، ((ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفرَ بِالإِيمَانِ))[6]، ((ولَا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ))[7]، ((كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلنَاهُم جُلُودًا غَيرَهَا))[8]، ((ثُمَّ بَدَّلنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ))[9]، ((إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبكُم عَذَابًا أَلِيمًا ويَستَبدِل قَومًا غَيرَكُم))[10]، ((يَومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرضِ والسَّمَوَاتُ))[11]، ((أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَولِيَاءَ مِن دُونِي وهُم لَكُم عَدُوٌّ بِئسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا))[12]، ((فَأَرَدنَا أَن يُبدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنهُ زَكَاةً وأَقرَبَ رُحمًا))[13]، ((ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا))[14]، ((فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ))[15]، ((إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسنًا بَعدَ سُوءٍ))[16]، ((لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعدُ ولَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أَزوَاجٍ ولَو أَعجَبَكَ حُسنُهُنَّ))[17]، ((وبَدَّلنَاهُم بِجَنَّتَيهِم جَنَّتَينِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمطٍ وَأَثلٍ وشَيءٍ مِن سِدرٍ قَلِيلٍ))[18]، ((وإِن تَتَوَلَّوا يَستَبدِل قَومًا غَيرَكُم ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمثَالَكُم))[19]، ((علَى أَن نُبَدِّلَ أَمثَالَكُم))[20]، ((عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبدِلَهُ أَزوَاجًا خَيرًا مِنكُنَّ))[21]، ((عَسَى رَبُّنَا أَن يُبدِلَنَا خَيرًا مِنهَا))[22]، ((علَى أَن نُبَدِّلَ خَيرًا مِنهُم))[23]، ((وإِذَا شِئنَا بَدَّلنَا أَمثَالَهُم تَبدِيلًا))[24].

ومحَاوَلاتُ التَّبدِيلِ للدِّينِ نشَأَت مع بِعثَةِ النَّبي –صلى الله عليه وسلم، ونُزُولِ الوَحي، ومُصَادَمَته لمقُرَّرَاتِ الكُفَّارِ وقِيمِ المشرِكين وأَهوَائِهم. فقد حَاوَلُوا معه بأسَالِيبِهم الخَفيَّةِ وكَيدِهم الخَبِيثِ، يقول تعالى: ((وإِن كَادُوا لَيَفتِنُونَكَ عَن الَّذِي أَوحَينَا إِلَيكَ لِتَفتَرِيَ عَلَينَا غَيرَهُ وإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * ولَولَا أَن ثَبَّتنَاكَ لَقَد كِدتَ تَركَنُ إِلَيهِم شَيئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقنَاكَ ضِعفَ الحَيَاةِ وضِعفَ الـمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَينَا نَصِيرًا))[25]؛ بل قد طَلَبُوا التَّبدِيلَ مِنه –عليه الصلاة والسلام- صَرَاحَةً: ((وإِذَا تُتلَى عَلَيهِم آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرجُونَ لِقَاءَنَا ائتِ بِقُرآنٍ غَيرِ هَذَا أَو بَدِّلهُ قُل مَا يَكُونُ لِي أَن أُبَدِّلَهُ مِن تِلقَاءِ نَفسِي إِن أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِن عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَومٍ عَظِيمٍ))[26]. فإذا ما أَنزَلَ اللهُ تعالى بحِكمَتِه آيةً مكَانَ آيَةٍ تَبدِيلًا لحُكمٍ سَابِقٍ أنكَرُوا ذلك: ((وإِذَا بَدَّلنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفتَرٍ بَل أَكثَرُهُم لَا يَعلَمُونَ * قُل نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وبُشرَى لِلمُسلِمِينَ))[27].

وقد شِهدَ القُرآنُ الكَريمُ للنَّبي –صلى الله عليه وسلم- بتمَامِ البَلاغِ، وتمَامِ البيَانِ، دُونَ تَبدِيلٍ ولا تَغييرٍ: ((الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخشَونَهُ ولَا يَخشَونَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا * مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِجَالِكُم ولَكِن رَسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا))[28]، وقال تعالى: ((اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وأَتْمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي ورَضِيتُ لَكُم الإِسلَامَ دِينًا فمَنِ اضطُرَّ فِي مَخمَصَةٍ غَيرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))[29].

وقد اجتَهَدَ الرَّسُولُ –صلى الله عليه وسلم- على أن يَبقَى القُرآنُ الكريمُ محفُوظًا في نُفُوسِ أصحَابِه –رضوَانُ الله عليهم، نصًّا ومَعنًى، في القُلوبِ وفي العُقُولِ. فحثَّهم على حِفظِه ومُدَاومَةِ تِلاوَتِه، ورَاجعَ محفُوظَاتِهم، وعَرَضُوا عليه تِلاوَتِهم له، فأَقرَّهم على تِلاوَتِهم ومَحفُوظِهم كُلِّه. ولم يكتَفِ عليه -الصلاة والسلام- بذلك، بل اتَّخذَ كُتَّابًا له يكتُبُون له الآياتِ والسُّورِ التي تَنزِلُ عليه، والذين عُرِفُوا في التَّارِيخِ الإسلامي بكُتَّابِ الوحي.[30]

ولمـَّا تُوفيَّ النَّبي –صلى الله عليه وسلم- لم يأَلُ الصَّحابَةُ –رضي الله عنهم- جُهدًا في حِفظِ القُرآنِ الكَريمِ، وحِفظِ سُنَّتِه، وإن ظَلَّ القُرآنُ الكريمُ محَلَ اهتِمَامِهم الأَكبَرُ. فقد كان القُرآنُ الكَريمُ مُتَفرِّقًا في الأَلواحِ، ونحوها مما كان يكتَبُ فيه، فلمَّا تولَّى أبو بكرٍ –رضي الله عنه- الخِلافَةَ وتعددت أسبَابُ ودَوافِعُ جَمعِ القُرآنِ الكريمِ في مِصحَفٍ واحِدٍ، اجتَهدَ –رضي الله عنه- بمشُورَةٍ من عُمرَ بن الخطَّاب –رضي الله عنه- في تَكلِيفِ زَيدِ بن ثَابتٍ –رضي الله عنه- للقيَامِ بهذه المسئُوليَّةِ. فقامَ بتَتَبُّعِ القُرآنِ وجَمعِه مِن الرِّقَاعِ والأَكتَافِ والعُسبِ وصُدورِ الرِّجالِ.

وقد كان زَيدُ بن ثابِت –رضي الله عنه- من حُفَّاظ القُرآنِ الكَريمِ عن ظَهرِ قَلبٍ، وقد رُويَ أنَّه شَهِدَ العَرضَةَ الأَخِيرَةَ للقُرآنِ، وقرَأَ على رَسولِ اللهِ في العَامِ الذي تَوفَّاه اللهُ فيه مَرَّتَين؛ كما كان مِن كُتَّابِ الوَحي، لذلك اعتَمَدَ عليه أَبو بكَرٍ وعُمرُ في جَمعِ القُرآنِ، كما اعتَمدَ عليه عُثمَانُ –رضي الله عنه- في كِتَابَةِ المصحَفِ.

وكان جَمعُ أَبي بكرٍ مُقتَصِرًا على ما لم تُنسَخُ تِلاوَتُه، وما بَلَغَ حَدَّ التَّواتُرِ، حيثُ جَرَى جَمعُ كُلِّ ما كُتِبَ في زَمنِ الرَّسولِ –صلى الله عليه وسلم، مع التِزَامِ تَوثِيقِه والدِّقَّةِ في تَحرِّي ثُبُوتِه على الوُجُوه التي نَزلَ بها القُرَّآن، مِن جميعِ الصَّحَابةِ. وحَظِيَ هذا الجُهدُ بتَقدِيرِ الصَّحابَةِ –رضي الله عنهم، وأَجمَعُوا على المصحَفِ الذي تمَّ جَمعَه. فكان المصحَفُ الذي جُمِعَ فيه القُرآنُ عندَ أبي بكر حتَّى تَوفَّاه الله، ثمَّ عند عُمرٍ حتَّى تَوفَّاه الله، ثمَّ عند حَفصَةَ بنت عُمرٍ.

لم يكُن ذلك الجهدُ الأَولُ الذي حَظِيَ النَّصُّ القُرآني فيه بالاهتِمَامِ والعِنَايةِ، فقد حَظِيَ مَرَّةً أُخرَى بجُهدٍ آخَرَ في خِلافَةِ عُثمَان بن عفَان –رضي الله عنه. فمَعَ اتِّسَاعِ رُقعَةِ الدَّولةِ الإسلاميةِ، وتَبَاعُدِ أرجَائِها، وانتِشَارِ الصَّحَابَةِ فيها، أَخَذَت كُلُّ طَائِفةٍ مِن النَّاسِ القُرآنَ الكريمَ ممَّن شَهِدَها مِن الصَّحابَةِ، فكان كُلُّ صحَابيٍّ يُقرِئُهم القُرآنَ بالحَرفِ الذي قَراءَه على عَهدِ الرَّسولِ –صلى الله عليه وسلم. وكان القُرآنُ الكريمُ قد أُنزِلَ على سَبعَةِ أَحرُفٍ، فكان مِن الطَّبيعي أن تَتعَدَّد القِراءاتُ ويَقعَ الاختِلافُ. فنَشَأَ عن ذلك أن أَنكَرَ النَّاسُ بَعضُهم على بَعضٍ حين يَلتَقُون ما لم يَألَفُوه مِن القُرآن، فخَشِيَ بعضُ الصَّحَابَةِ أن تتَسِعَ دَائِرةُ الخِلافِ، ويَقعَ الافتِرَاقُ عليه. فجَمعَ عُثمَانُ –رضي الله عنه- النَّاسَ على مُصحَفٍ وَاحِدٍ. حيثُ نَسخَ المصحَفَ الذي كان مع حَفصَة –رضي الله عنها- في مَصَاحِفَ عِدَّةٍ، وأَمَرَ زَيدَ بن ثَابتٍ وعبدَاللهِ بن الزُّبَيرِ وسَعيدَ بن العَاصِ وعبدَالرَّحمنِ بن الحارثِ بن هشامٍ، فنَسَخُوها في المصَاحِفِ. وقال عُثمانُ للرَّهطِ القُرَشِيينَ الثَّلاثةِ: إذَا اختَلَفتم أَنتُم وزَيدُ بن ثَابتٍ في شَيءٍ مِن القُرآنِ فاكتُبُوه بلسَانِ قُريشٍ، فإنَّما نَزَلَ بلسَانِهم، ففَعَلُوا. حتَّى إذَا نَسَخُوا الصُحُفَ في المصَاحِفِ رَدَّ عُثمانُ الصُّحُفَ إلى حَفصَةَ، وأَرسَلَ إلى كُلِّ أُفُقٍ بمُصحَفٍ ممَّا نَسَخوا، وأَمَرَ بما سِوَاه مِن القُرآنِ في كُلِّ صَحِيفَةٍ أو مُصحَفٍ أن يُحرَقَ.

بهذا حُفِظَ القُرآنُ الكَريمُ[31]، الوَحيُ الإلَهيُّ الخَالِدُ؛ واستَغنَت البَشَريَّةُ مِن بَعدِه لنُبُوَّةٍ أو رِسَالَةٍ تَستَدرِكُ نَقصَه أو تَنفِي عنه تَبدِيلَه، فكان رَسُولُ اللهُ –صلى الله عليه وسلم- مُستَحِقًا لوَصفِ "خَاتَمَ النَّبِيين". وأُغلِقَ البَابُ على كُلِّ مُدَّعٍ في القُرآنِ الكَريمِ نَقصًا أو زِيَادَةُ، وعلى كُلِّ عَابِثٍ يُريدُ به تَبدِيلًا أو تَحرِيفًا، حيث أَصبحَ حِفظُ القُرآنِ قَائِمًا في صُدُورِ رِجالِ الأُمَّةِ وفي مصَاحِفِها التي لا يُختَلفُ عليها[32].

وكما هو حَالُ صَحَابَةِ الرَّسُولِ في الاهتِمَامِ بالقُرآنِ حِفظًا وتَدوِينًا، فقد اجتَهدُوا –رضي الله عنهم- في حِفظِ نُصوصِ الأحَادِيثِ النَّبويَّةِ المشَرَّفةِ. وقد رَغِبُوا في تَدوِينِها في حيَاتِه لولا أنَّه نَهَى عن ذلك، لئَلَّا يقعَ الالتِبَاسُ على الصَّحَابَةِ فيما كَتَبُوه، حِرصًا مِنه على سَلامَةِ النَّصِ القُرآني. وقد ظلَّ منهجُ الصَّحابَةِ –رضي الله عنهم- تبلِيغَ حَدِيثِ رَسولِ الله لمن أتَى بعدهم، دون كذِبٍ عليه. وقد ثَبتَ في الحَدِيثِ المتفقِ عليه: (مَن كذَبَ علَيَّ مُتعَمِّدًا فلَيتَبوَّأ مَقعَدَهُ مِن النَّارِ).

وظلَّ الاهتِمامُ بنُصوصِ الأحَادِيثِ النَّبويةِ حتى ظَهرَ الوضَّاعُون في الأُمَّةِ. وكان ظُهورُهم مُرتَبِطًا بعَوامِلِ الافتِراقِ التي طَرأَت على الأُمَّةِ العَقدِيةِ والسِّياسِيةِ، وبدُخُولِ طوَائِفَ مِن النَّاسِ في الإسلام بُغيةَ محَارَبتِه مِن الدَّاخِل. وقد مَنَّ الله تعالى على هذه الأُمَّةِ بالنُّقَّادِ والمحقِّقِين من الرِّجالِ الذين نَخَلوا المروياتِ فأخرَجُوا السُّنَّةَ مِنها نَقيَّةً صَحِيحَةً. ثمَّ أتَى مَن صَنَفَ فيها وجمَعَها في كُتُبٍ خاصَّةٍ. وعُرِفَ عِلمُ نَقدِ المرويَّاتِ بعِلمِ المصطَلحِ. وبهذا حُفِظَ المصدَرُ الثَّاني مِن مصَادِرِ الدِّينِ -والذي مَردُّه الوحيَّ الإلهيَّ- مِن التَّبدِيلِ والتَّحرِيفِ، وباتَ بالإمكَانِ تَمييزُ صَحِيحِه مِن مَوضُوعِه ومَكذُوبِه.

فلمَّا أُغلِقَت أبوَابُ التَّبدِيلِ في نُصُوصِ الوحي –قرآنًا وسُنَّةً- على أَهلِ التَّضلِيلِ والعَبثِ بالدِّينِ عَمَدوا إلى حِيلٍ جَدِيدَةٍ تحقِّقُ المطلوبَ بطُرقٍ أُخرَى.

 

[1] الحجر: 9.

[2] التوبة: 32- 33. وفي سورة الصف: ((يُرِيدُونَ لِيُطفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفوَاهِهِم واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَو كَرِهَ الكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَو كَرِهَ الـمُشرِكُونَ))، 8- 9. فربط سبحانه بين إتمامه الدين وإظهاره وبين محاولات أعدائه لطمسه وتبديله بأفواههم، كي لا يبقى له أثر. هذا خلاف كيدهم ومكرهم للقضاء على حملته بالقتل أو السجن أو النفي.

[3]   كما هو الحال مع بُولس الرَّسُول، أو شَاؤُول الطَّرسُوسي، اليَهوديُّ دِيَانَةً الرُّومَانيُّ نشأَةً ولسَانًا.

[4] البقرة: 59.

[5] البقرة: 61.

[6] البقرة: 108.

[7] النساء: 2.

[8] النساء: 56.

[9] الأعراف: 95.

[10] التوبة: 39.

[11] إبراهيم: 48.

[12] الكهف: 50.

[13] الكهف: 81.

[14] النور: 55.

[15] الفرقان: 70.

[16] النمل: 11.

[17] الأحزاب: 52.

[18] سبأ: 16.

[19] محمد: 38.

[20] الواقعة: 61.

[21] التحريم: 5.

[22] القلم: 32.

[23] المعارج: 41.

[24] الإنسان: 28.

[25] الإسراء: 73- 75.

[26] يونس: 15.

[27] النحل: 101- 102.

[28] الأحزاب: 39- 40.

[29] المائدة: 3.

[30] اختلف أهل السير في تحديد عدد كتاب الوحي، فمنهم من جعلهم ثلاثة عشر، ومنهم من جاوز بهم العشرين، وجعلهم ابن كثير ثلاثة وعشرين كما في البداية والنهاية. ومنهم الخلفاء الراشدين الأربعة، وأبان بن سعيد بن العاص، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأرقم بن أبي الأرقم واسمه عبد مناف، والزبير بن العوام، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، والعلاء بن الحضرمي، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة -رضي الله عنهم أجمعين.

[31] قال الدكتـور محمد دراز –رحمه الله: "رُوعيَّ في تَسمِيتِـه قُرآنًا كَونُـه مَتلُـوا بالأَلسُنِ، كما رُوعيَّ في تَسمِيتِه كِتَابًا كَونُه مُدوَّنًا بالأقَلامِ، فكِلتَا التَّسمِيتين مِن تَسمِيَةِ الشَّيءِ بالمعنى الوَاقعِ عليه. وفي تَسمِيتِه بهذين الاسمَين إشَارَةٌ إلى أنَّ مِن حَقِّه العِنايةُ بحِفظِه في مَوضِعَين لا في مَوضِعٍ وَاحِدٍ. أَعني أنَّه يَجِبُ حِفظُه في الصُّدورِ والسُّطورِ جَميعًا..، فلا ثِقَةَ لنَا بحِفظِ حَافِظٍ حتى يُوافِقَ الرَّسـمَ المجمعِ عليه مِن الأصحَابِ، المنقُولِ إلينا جِيلًا بعـد جِيـلٍ، على هَيئَتِه التي وُضعَ عليها أوَّلَ مَرَّةٍ، ولا ثِقَةَ لنا بكِتَابَةِ كَاتِبٍ حتى يُوافِقَ ما هو عند الحفَّاظِ بالإسنَادِ الصَّحِيحِ المتَواتِرِ". النبأ العظيم: ص12- 13.

[32] ولم يجرء أحد على الطعن في كمال القرآن وتمامه من فرق الأمة غير بعض مراجع الشيعة الإمامية الاثنى عشرية، عياذا بالله.