قضايا فكرية /

حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (1) [ مقال ]

[ الأحد 5 رجب 1438 هـ ] [ 521 ]

تفاقمت ظاهرة الغلو والتطرف والإرهاب في واقعنا المعاصر لتصبح من أكبر التحديات التي تشهدها أمتنا اليوم بعد أن كانت ردة فعل ساذجة. وهذه طبيعة الضلال والانحراف. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالبدع تكون في أولها شبراً، ثم تكثر في الأتباع، حتى تصير أذرعاً، وأميالاً، وفراسخ" . وهذا واقع في تطور فكر جماعات العنف عبر عدة عقود، حيث أصبح تكفير غالبية المسلمين هو معتقدها، بعد أن كان الدفاع عن المسلمين هو مبرر تشكيلها! لقد تطورت هذه الجماعات لتصبح جماعات منظمة وقوية. وتسببت في الكثير الكثير من الكوارث للإسلام والمسلمين. وأصبحت أيضا أداة في أيدي القوى الدولية والإقليمية، التي آوت قياداتها سنوات طويلة ولا تزال، واستغلتهم ووظفتهم لتنفيذ بعض مخططاتها, كما أن وجود هذه الجماعات، وما ارتكبته من جرائم، كان السبب لكثير من الغزو والاحتلال والتدمير من الخارج والداخل لعدد من الدول الإسلامية. فقد تمَّ الاحتجاج بمحاربة الإرهاب من الخارج والداخل للتضييق على الإسلام والمسلمين، مما ساهم بدوره في توسيع دائرة الغلو والتطرف والإرهاب بتوفير مبررات للغضب والتهور مِن جهة، وكرّس حالة الجهل بإقصاء ومحاصرة أهل العلم والعمل الإسلامي الصحيح من جهة أخرى.

إن ظاهرة الغلو والتطرف والإرهاب هي حالة متكررة في التاريخ الإسلامي، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم: (كلمَّا خَرجَ لهم قَرنٌ قُطِعَ، أكثرُ مِن عِشرين مَرَّةٍ، حتى يخرُجُ في عِراضِهم الدَّجالُ)، رواه أحمد. وتبدأ بذرة الغلو والتطرف بالجهل بالإسلام، والتَّهور في معالجة المخالفات، لتنمو بشكل مُدمِّرٍ، بدعم وتحريض من أعداء الإسلام. بدايةً من ابن سبأ الذي بتحريضه للجهلة مِن الغوغاء تمَّ قَتلُ الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه.

وقد أضرّ التهاون في علاج ظاهرة الغلو المعاصرة بشكل سليم وشامل بالمصالح الإسلامية بشكل ضخم جداً. ولعل مِن أبرز هذه الأضرار التي يراها الجميع اليوم قيامُ الغُلاةِ والدَّوَاعِش الخوارجِ وإخوانهم بقَتلِ الثُّوارِ وطعنهم في ظهورهم، في سوريا والعراق واليمن وغيرها.

نعم، تم تضخيم التطرف والإرهاب الإسلامي عالميا مِن قبل أعداء الأمة الإسلامية في الداخل والخارج، والتغاضي عن جرائم الإرهاب اليهودي والنصراني والبوذي والشيوعي والعلماني والشيعي، لكن للأسف فإنَّ التطرف والإرهاب الإسلامي أصبح أداة لهؤلاء المجرمين لضرب الإسلام والمسلمين السُّنَّة. فبوصلة هؤلاء المتطرفين هي أولوية حربِ المرتدين -وهم في اعتقادهم جمهور المسلمين- على حَربِ الكفار. ومِن أمثلة ذلك إعلان الغلاة أن محاربةَ حركةِ "حماس" مقدَّمَةٌ على محاربة اليهود! وهو يشابه تماما شعار الخميني "الطريق للقدس يمر ببغداد"، والذي طُوِّرَ في عهد خليفته خامنئي من أن الطريق للقدس يمرُّ أولاً ببغداد ثمَّ دمشق وبيروت وصنعاء وبقية العواصم العربية!

ومن اللافت للنظر أن غالب الدراسات عن هذه الجماعات صدرت عن خصوم الإسلام. وسعت لإدانة الإسلام ذاته من خلال الزعم بأن منهج هذه الجماعات وسلوكها هو حقيقة الإسلام؛ كما هو الحال في كتابات اليساريين والعلمانيين والإعلاميين العرب، وأيضا غالب الدراسات الاستشراقية والغربية، بينما الكتابات الإسلامية قليلة وضعيفة غالبا، وبعضها يركّز على البُعدَ الشَّرعي بإبرازِ انحرافِ هذه الجماعات، وتُغفِلُ البحث عن السياق التاريخي والسياسي الذي ظهرت فيه، كما تَغفَلُ عن التَّوظيفِ الأمني لها مِن قبل القوى السياسية والأمنية المحلية والإقليمية والدولية.

في هذه السلسلة سنتناول العوامل التاريخية والسياسية والأمنية والثقافية لظهور جماعات العنف والقتال، ومن ثم مسار تطورها التاريخي، ومسار تطور انحرافها الفكري، والنتائج الكارثية لها على الإسلام والمسلمين؛ مع التنبيه على الثغرات التي تضخمت وتفاقمت من خلالها هذه الظاهرة السلبية. وسيكون الإطار المكاني والزمني الذي تتناوله هذه المقالات الدول العربية منذ انتهاء حقبة الاحتلال الأجنبي، وقيام الدول الوطنية (المستقلة) التي لم تلبِّ طموحات شعوبها، بل تصادمت مع هوية الشعوب؛ كونها ولَّدت مناخا مأزوما ظهرت فيه ردات فعل عنيفة، عُرفت بجماعات الجهاد.

أولاً: الساحة المصرية:

الخلفية التاريخية[1]:

مصر تحت الاحتلال:

مع ضعف الدولة العثمانية تعرضت مصر للاحتلال الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت عام 1798م. لكن لم يتمكن الفرنسيون من البقاء في مصر إلا ثلاث سنوات، بسبب مقاومة المصريين للاحتلال ورفضهم السيطرة الفرنسية، برغم مزاعم نابليون أنه لا يريد الإسلام بسوء، وأنه أسلم!!

لكن ضعف العثمانيين واضطراب أحوالهم لم يهيئ لمصر حاكما عادلا يقوم بشأنها، حتى تمَّ تعيين محمد علي باشا عام 1805م والياً على مصر باختيار الشَّعبِ والعلماء والوجهاء له. فقام بشؤون مصر مع ظُلمٍ وبَطشٍ، وتعاون مع الأوربيين، وجعل الحكم في ذريته. وسار أحفاد محمد علي على طريقة جدّهم، فتعاونوا مع الفرنسيين لشق قناة السويس؛ وترتب على ذلك وعلى التبذير في أمور لا أهمية لها ديونٌ على مصر للغرب، مما تسبب في بيع نصيب مصر من قناة السويس للإنجليز لسداد الديون!! وبذلك فُتِحَ البابُ أمام النفوذ الأوربي بحجة حماية حقوقها المالية في مصر، حتى وَصلَ هذا النفوذُ لدرجةِ فَرضِ وزَيرين أوروبيين في الحكومة المصرية! مما تزايدت معه المظالم والفساد في مصر، ودَعت أحمد عرابي للثورة ضَدَّ حكم أحفاد محمد علي بتحريض فرنسي وبريطاني.

وعندما شعر الخديوي توفيق بالهزيمة وزال ملكه طلب من الإنجليز حماية ملكه وعرشه، فتدخل الإنجليز وافتعلوا مذبحة للنصارى في الإسكندرية لتكون سبباً لاحتلالهم لمصر عام 1882م بزعم حماية رعاياهم، وبذلك بدأ الاحتلال البريطاني لمصر، والذي استمر سبعين سنة 1882م- 1956م.

كان للاحتلال البريطاني مفاسد كبيرة على مصر، على كافة الأصعدة، فقد هاجم هويتها العربية والإسلامية عبر محاربة اللغة العربية وإضعاف الأزهر وتشجيع الحركات الهدامة والأحزاب السياسية العميلة لخلخلة أفكار المجتمع المصري، وحلّ الجيش، وأعاد تشكيله مع تقليل عدده، وأغلق مصانع الأسلحة لإضعاف قوة مصر، وشجّع على نشر الخمارات والحشيش ودور البغاء في كُلِّ مكان لإلهاء الشباب ونشر الفساد، فظهر التبرج ونزع الحجاب، وفرض التعليم المدني لمحاربة الدين وإنتاج موظفين ينفّذون له مصالحه على حساب مصالح مصر فتزايدت نسبة الأميّة بشكل رهيب، وسعى الاحتلال لتغيير القوانين وربط الاقتصاد المصري بالصناعات الإنجليزية فخربت الزراعة وتراجعت الصناعة، وصادر الاحتلال استقلال مصر، وألغى البرلمان والدستور، وفرض مستشارين بريطانيين على الوزارات المصرية.

لم يستكِن الشعب المصري للاحتلال البريطاني كذلك، وقاومه بشكل مستمر حتى توجت بثورة 1919م، والتي كان للأزهر ورجاله والقوى الإسلامية والوطنية الدور الأكبر فيها، وتواصلت المقاومة بعد انطفاء الثورة ضد الاحتلال، وقدّم الفدائيون المصريون بطولات رائعة حتى عجزت بريطانيا عن حماية جنودها وقواعدها في مصر من هجماتهم.

بدأ زوال الاحتلال عام 1952م من خلال الإطاحة بالنظام الملكي الذي كان يهيمن عليه الاحتلال، من خلال تعاون الضباط الأحرار وجماعة الإخوان المسلمين، فقد كان لجمال عبدالناصر صِلةَ بجماعة الإخوان حيث يؤكد البعض أنه كان عضوا بتنظيم الإخوان في الجيش المصري منذ عام 1944م، لكنه استطاع أن يتجاوز تنظيم الإخوان ويؤسس تنظيما عسكريا جديدا، وأبقى معه فيه أعضاء من الجماعة، وقد قام الإخوان ليلة انقلاب 52 بحماية السفارات والهيئات وضبط الشارع، والتصدي لأي تحرك من القاعدة البريطانية في القناة تجاه القاهرة ضد الانقلاب[2].

وبرغم سقوط الحكم الملكي إلا أنَّ الاحتلال البريطاني استمر عدة سنوات، ومن خلال المفاوضات بين الثورة والاحتلال تم الوصول إلى اتفاق عام 1954م على جلاء القوات البريطانية عن منطقة القناة خلال عشرين شهرًا، وفعلا تم انتهاء الاحتلال البريطانى لمصر عام 1956م.

وكان الشعب المصري ينتظر من حكومة الثورة مراعاة مصالحه وهويته، ولكن سرعان ما ظهرت الأجندة الخفية لجمال عبدالناصر، وحدث الصدام مع قطاعات واسعة من الشعب المصري.

مصر تحت حكم جمال عبدالناصر:

رحب المصريون بالانقلاب على النظام الملكي رغبة بالتحرر من الاحتلال الأجنبي واستعادة حقوقهم وحريتهم، لكن سياسات عبدالناصر فاجأتهم؛ فقد كانت تستهدف إقصاء العديد من القوى والمؤسسات الإسلامية والوطنية التي كانت لها مساهمة فاعلة في تحرر مصر من الاحتلال.

- قوانين استهدفت الإسلام والمؤسسات الإسلامية الرسمية والأهلية:

فبعد أشهر معدودة من نجاح الثورة، ورغم بقاء الاحتلال البريطاني، أصدر جمال عبدالناصر مرسوماً بإلغاء الوقف الأهلي، وهو القرار الذي خشي الإنجليز القيام به طيلة احتلالهم لمصر! فصادرت الدولة 137 ألف فدان من أراضي الأوقاف، التي كانت تدرّ على الأزهر حوالي 8 ملايين جنيه في السنة. وكان الهدف من القرار تطويع الأزهر عبر تجفيف موارده المالية التي كانت تمدّه بالاستقلالية والقوة في وجه المستعمر والمستبد على الدوام. وقد تم استثناء الكنائس من قانون ضمّ الأوقاف!

ومن جهة أخرى، تمكّن عبدالناصر من خلال هذه المصادرة للموارد المالية من شراء ولاءات العلماء بالمنح والمنع، مما يشير لوضوح خريطة عبدالناصر، ومعرفته بمن قد يتصدى لأجندته الخفيّة ذات الأيدلوجية الاشتراكية.

وفي عام 1953م قام بعض الضباط الأحرار، من ذوي الخلفية الإسلامية والمشاركين في الثورة مع عبدالناصر، بمحاولة الانقلاب عليه بسبب محاولته حذف المادة الثانية من الدستور، والتي تنصّ على أن الإسلام دين الدولة. ويبدو أن هذا التحرك دعا عبدالناصر للتراجع عن هذه الخطوة؛ وعوضا عن ذلك –نجده- حذف هذه المادة من دستور دولة الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1958م!

ثم قام عبدالناصر في عام 1955م بإلغاء المحاكم الشرعية التابعة للأزهر، بعد حملة تشويه إعلامية مدبرة، إثر مسرحية مدبرة وتهمة ملفقة لاثنين من قضاة المحكمة الشرعية بالإسكندرية، بدعوى أنهما طلبا رشوة جنسية من إحدى المطلّقات للحكم لصالحها. وهكذا أتم عبدالناصر المسيرة الطويلة في العدوان على القضاء الشرعي المصري وحصره في الأحوال الشخصية وإلحاقه بالمحاكم المدنية العلمانية، والتي بدأها نابليون عام 1798م، وأكملها الإنجليز، وختمها عبدالناصر باسم التحرر من الاحتلال!

وفي عام 1961م أصدر عبدالناصر قانون الأزهر، الذي ألغى فيه هيئة كبار العلماء، وقلّص سلطات شيخ الأزهر، وأطلق يد وزير الأوقاف في تعيينات مشيخة الأزهر ووكيله. وحتى يستتبّ له الأمر بدأ بتعيين مجموعة من الضباط من القوات المسلحة كمدراء مؤقتين لإدارة الأزهر، للسيطرة عليه والقضاء على أي معارضة من علمائه وشيوخه. كما أعيدت هيكلة مجلس الأزهر بضم ثلاث شخصيات غير شرعية لمجلس الأزهر الأعلى تحت عنوان "خبراء في التعليم الجامعي"؛ وأضيف ممثلون من وزارات الأوقاف والتعليم والعدل والمالية، وشخصيات ذات تخصصات غير شرعية للأزهر لتمييع هويته الدينية، وعبر إدخال عمداء يمثلون مجالات غير دينية في المجلس الأعلى للأزهر. وتحوّل الأزهر بذلك من مؤسسة محدودة تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية إلى مؤسسة كبيرة فاقدة لاستقلاليتها.

هذا كله أحدث صِداما داخل المؤسسة الدينية، الممثلة بالأزهر ووزارة الأوقاف، على طريقة "فرّق تسد" مما أضعف الطرفين، لتقوى بضعفهما توجهات أخرى ترى في الاشتراكية والعلمانية الملاذ الأوحد كما صرّح -يوما ما- طه حسين، الوزير والأديب المخضرم.

ولم يقف الأمر عند ذلك، فقد شهد عام 1963م إعادة فحص لمواقف علماء الأزهر، ومن ثبت عليه رفض سياسات عبدالناصر وتوجهاته تمَّ فصله، عبر لجان شكّلت لهذه الغاية. وكانت النتيجة لهذه السياسات العدائية للأزهر أن انخفض عدد علمائه من 298 عالما سنة 1959م ليصبح 170 عالما فقط سنة 1968م، مما أضعف الأزهر وأضعف الحالة الإسلامية في مصر.

كما عَمَدَ عبدالناصر لاستغلال بعض الشخصيات الأزهرية التي لها أطماع في الزعامة والرياسة لتمرير الكثير من سياساته المخربة، وبذلك فقد الأزهر بوصلته، وأصبح تابعاً للحكومة الناصرية الاشتراكية وأجندتها في مصر والعالم العربي والإسلامي بدلا من أن يكون منبراً للإسلام ومصالحه.

وضِمن سياساته المعادية للمؤسسات الإسلامية، أصدر عبدالناصر عام 1967م قراراً بحلّ الجمعيات الإسلامية المستقلة كأنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية، ووضعها تحت وصاية الدولة، وعيّن أحد ضباط الجيش للإشراف عليها جميعاً.

- عبدالناصر وخدمة اليهود:

بغضّ النظر عن الاتهامات القوية لجمال عبدالناصر بكونه يهوديا، فإن مسيرته قبل الانقلاب وبعده قدَّمت خدمات جليلة لليهود، برغم الشعارات الرنانة ضدهم، والتي يقلدها اليوم محور الممانعة الإيراني والشيعي. فعبدالناصر ورفاقه شاركوا في حرب عام 1948م وفشلوا في ذلك فشلاً ذريعاً، وحوصروا في منطقة غزة، وقد تفاوض عبدالناصر مع اليهود الذين كانوا يأخذونه لمعسكراتهم بتلك الحجة!

وعقب نجاح انقلاب الضباط الأحرار بقيادة عبدالناصر تواصل مع اليهود في إسرائيل، وأخبرهم بنيّته حلَّ الخلاف والصراع معهم، وقبل التفاوض السري معهم سنة 1953م، بينما رفض العربُ كلّهم التفاوض مع اليهود علنا وسرا!

وقد ضيّق عبدالناصر على مجموعات البدو التي كانت تهاجم إسرائيل في عام 1954م، وحاكمهم وسجنهم بتهمة مهاجمة إسرائيل وتوريط الجيش المصري، كما لا تزال تَفعَل القيادة السورية بذريعة أنها هي من يختار توقيت المعركة مع إسرائيل!

وبخيانةٍ أو غباء تسبب عبدالناصر بوقوع العدوان الثلاثي على مصر، وانتصار اليهود، وتسليمهم سيناء، والأسلحة والمعدات الضخمة؛ كما فعل نوري المالكي مع داعش في الموصل في عام 2014م. وبسبب ذلك وافق عبدالناصر لليهود بالملاحة في مضائق تيران وخليج العقبة بين عامي 1956م- 1967م، دون أن يُعلِن ذلك، ومَنعَ الفدائيين من مهاجمة إسرائيل!

ورغم دخول عبدالناصر في حالة حرب مع اليهود سنة 1967م، من خلال طرد القوات الدولية في سيناء للتغطية على مهادنته للملاحة اليهودية، فإنه رفض القيام بالضربة الأولى كما نصحه مستشاروه، مما عرّض الجيش المصري، وخاصة الطيران الحربي، للدَّمَارِ وضربه على أرضه، لأنَّه كان مشغولا بالسهرات الراقصة!

- تخريب أحوال مصر:

برغم شعارات عبدالناصر عن الحرية والكرامة والازدهار، إلا أن الديكتاتورية هي التي عمّت مصر، وتراجعت الحالة النيابية والحزبية والإعلامية، وفُتحت السجون وقُتل الأبرياء، وجرى تعذيب الآلاف بشكل بشع ورهيب.

وتحوّلت مصر من دولة غنية في زمن الملك فاروق إلى دولة مَدِينَةٍ في نهاية حكم عبدالناصر، بسبب الفساد وسرقة خيراتها، وتراجعت خدماتها العامة بعد أن كانت متقدمة وراقية، فتراجع اقتصادها وانهارت عُملَتُها، وبعد أن كانت السودان جزءا مِن مصر تخلى عنها رائد الوحدة العربية!

هذا الوضع الاقتصادي أسفَرَ فيما بعد عن سَبَبٍ مِن أسبابِ نُشُوءِ ظاهرة العنف. حيث يلخّص د. رفعت السيد أحمد العوامل الموضوعية لظهور فكر العنف بـ: الفقر، حيث كانت هناك حزام من مناطق الفقر يحيط بالقاهرة، وظاهرة تقليد الغرب (الاغتراب)، وهجران التقاليد والهوية الدينية، وفقدان القدوة لدى النخبة المؤثرة والسياسية.[3]

وهنا نتساءل: هل كان النظام الناصري يقصد ويهدف إلى ظهور جيل إسلامي عنيف يبرر له أمام الشعب استمرار وتصاعد سياستة الديكتاتورية كما فعل بشار الأسد ضدَّ الثورة السورية؟ أم أن ذلك كان جهلا وسذاجة بنتائج سياساته القمعية المعادية للحرية والمعادية لهوية المجتمع المصري الإسلامية؟

ففي هذه الأجواء بدأ فكر العنف والتطرف ونشأت مسيرة الغلو والإرهاب، التي ستتصاعد لتصبح طوفانا عابرا للدول، يدمّر ويخرّب. وبسبب هذه الظروف الموضوعية السيئة والمعادية للدين والإسلام من قبل السلطة العلمانية الحاكمة ظهر جيل يعالج تطرف السلطة وظلمها بتطرف مضاد. حيث كانت البداية مع الشاب نبيل البرعي، مؤسس جماعة الجهاد.

ويقرّر الدكتور محمد مورو أن هناك ثلاثة روافد لفكر العنف في مصر هي: تنظيم الجهاد، وجماعة التكفير والهجرة أتباع شكري مصطفي، والجماعة الإسلامية[4].

وسوف نعتمد على هذه الخطوط الثلاثة لدراسة وفهم تاريخ وتطورات هذه الروافد الثلاثة.

 

[1]  انظر: كتاب موجز تاريخ مصر في الحقبة العلمانية 1809-1986، أسامة حميد، نسخة إلكترونية.

[2]  شهادة عبداللطيف البغدادي، في كتاب أحمد حمروش "قصة ثورة 23 يوليو": ج4/309.

[3]  النبيّ المسلح، رفعت السيد أحمد: ج1/13.

[4]  الإسلام السياسي: ص454. وأنه يعتمد في هذا التقسيم على صلاته الشخصية بكثير من قادة الجهاد الذين التقاهم في السجن (انظر: ص177).