أصول و محكمات /

دين للحياة جميعا [ مقال ]

[ الاثنين 28 جمادى الآخر 1438 هـ ] [ 470 ]

"اللهم فقهه في الدِّين" هو دعاء الرسول –صلى الله عليه وسلم- لعبدالله بن عباس –رضي الله عنهما. ولا شك أنَّ هذا الدُّعاءَ دُعاءٌ عظيمٌ خَصَّ به الرَّسولُ –صلى الله عليه وسلم- ابن عباس دون غيره؛ حتى كان مِن كبَارِ فقَهاءِ الصحابة –رضي الله عنهم- في زمانه، وعنه أخذ كثير من التابعين. ولم يتوقف فقهه في حدود المصطَلَحِ المحدَثِ للفقه، بل كان موسوعة في فقه نصوص الوحي يُفسرُها، ويجلي معانيها، ويُظهِرُ حِكمَها وأحكامَها، ومقاصِدَها وقواعِدَها، جامعا بينها وبين فِعلِ الرَّسولِ –عليه الصلاة والسلام- وفِعلِ أَصحَابِه –رضي الله عنهم؛ حيث أنَّ معرِفةَ النَّصِّ مجردًا عما اكتنفه مِن ظُروفٍ وملابسات وأسبابِ نزول، أو بتره عن صورة التطبيق التي فعلَها الرَّسول وصحابته وأقرهم الوحي عليها، تعزل الفقيه عن الفقه.

لقد نزل القرآن الكريم منجما خلال ثلاث وعشرين سنة على رسول الله، مواكبا للتحولات التي كانت تجري في مسيرة الدعوة ونمو مجتمعها، ومراعيا لأحوالها وظروفها، ومستجيبا لضروراتها وحاجاتها، ومتفاعلا مع حركة هذه الدعوة ومجتمعها في محيطها الداخلي والخارجي. وعليه فإنَّ القرآن الكريم لم يكن نظَريةً فَلسفيةً خارجةً عن الواقع البشري، معاذ الله!

لقد كان في مقدور الله تعالى أن يُنزِّلَ القُرآنَ الكَريمَ جُملَةً وَاحِدَةً، مُكتَمِلًا ومُعجِزًا، غير أنَّ هذا سيُعطِّلُ دَورَه الإرشادي المتَّصِلِ بوقَائِعِ الأَرضِ. فالتشريع الإسلامي –بمفهومه الشَّامِلِ للعقيدَةِ والفِقهِ والأَخلاقِ- لم يكن تَرفًا، ولا يَنطَلِقُ مِن فرَاغٍ، بل كان منهج تزكيةٍ وتربيةٍ يجمعُ بين صلاحِ النُّفوسِ واستقامَتها، وبين تَرسِيخِ الإيمانِ وتَفتِيقِ مظَاهِره حيَّةً على أرضِ الواقعِ. لذلك يقول تعالى: ((وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَولَا نُزِّلَ عَلَيهِ القُرآنُ جُملَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ورَتَّلنَاهُ تَرتِيلًا * ولَا يَأتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئنَاكَ بِالحَقِّ وأَحسَنَ تَفسِيرًا))[1]، ((وبِالحَقِّ أَنزَلنَاهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ ومَا أَرسَلنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا * وَقُرآنًا فَرَقنَاهُ لِتَقرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكثٍ ونَزَّلنَاهُ تَنزِيلًا))[2].

ومِن ثمَّ يمكِنُ القُولَ بأنَّ الوحي يعَالجُ (ما كان) تَعقِيبًا عليه، و(ما هو كائِنٌ) بيانًا له، و(ما سيكون) استباقًا له. فمَدى الوحي الزَّمني مَدى مفتوح، ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وهكذا شأنُ الشَّريعةِ والفِقهِ، تداركُ الأحداثِ الماضية وآثارها، ومعالجَةُ الوقائعِ ومجاراتِها، والتَّنبيه على المستقبل بدارًا واستعدادًا. فإذا عُطِّلَ الفِقهُ عن ذلك جميعا عُطِّلَ عن الحياة، وإن عُطِّل عن بعض ذلك عُطِّلَ عن الحياةِ بقَدرِه.

إن حاجَةَ الأفرَاد والمجتمعات في سكناتهم وفي حركاتهم إلى شريعةٍ مُواكبةٍ لهم ومُوجِّهَةٍ إيَّاهم لا تنفكُ أبدًا عنهم. فكلُّ بَشَرٍ على وَجهِ الأَرضِ لا بُدَّ له مِن أَمرٍ ونهيٍّ، ولا بُدَّ أن يَأمُرَ ويَنهَى، حتى لو أنَّه وَحدَه لكان يأمر نفسه وينهاها، إما بمعروف وإما بمنكر، كما قال تعالى: ((إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)). فإنَّ الأَمرَ هو طَلبُ الفِعلِ وإرَادَتِه، والنَّهيُّ طَلبُ التَّركِ وإرَادَتِه، ولا بُدَّ لكُلِّ حيٍّ مِن إرادَةٍ وطَلبٍ في نفسه، يقتضي بهما فِعلُ نَفسِه، ويقتضي بهما فِعلُ غَيرِه إذا أمكن ذلك. فإنَّ الإنسانَ حيٌّ يتَحرَّكُ بإرادَته. وبنُو آدمَ لا يعيشون إلا باجتماعِ بعضِهم مع بعض، وإذا اجتمع اثنان فصَاعِدًا فلا بُدَّ أن يكون بينهما ائتمار بأَمرٍ، وتناه عن أَمرٍ. وإذا كان الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم، فمن لم يأمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله، وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، ويؤمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله، وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، وإلا فلا بد أن يأمر وينهى، ويؤمر وينهى، إما بما يضاد ذلك، وإما بما يشترك فيه الحق الذي أنزل الله بالباطل الذي لم ينزله الله. وإذا اتخذ ذلك دينا، كان دينا مبتدعا. لأنَّ الإنسان همَّامٌ حَارِثٌ، يتَحرَّكُ بإرادَتِه.[3]

بهذا يمكن إدراك المقابلة القرآنية بين "حُكمِ الله" و"حُكمِ الجاهلية" كنقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، فلابد من أحدهما، وإن حَضَرَ أحدُهما انتفى الآخرُ ضرُورَةً. ومن هنا فإنَّ الوحي الرباني لم يترك مساحة في حياة الإنسان دون أن يغمرها بنوره ويظللها بحكمته وعلمه، ليهديه السبيل فيها. فالحياة جميعها ميدان للوحي ظاهرها وباطنها، في التدين الخاص والتشريع العام، في الأخلاق وفي السلوك، في المعرفة وفي القيم. فإنَّ عزلَ الفِقهِ –بمفهومه الخاص- عن هذا الفضاءِ الكُلِّي الشَّامِلِ، وجُرِّدَ مِن ارتباطه به، واستحَالَ قوالِبَ جامِدةً، أَصبحَ آصارًا وأغلالا تُثقِلُ كاهِلَ الإنسان والمجتمع.

يقول ابن تيمية –رحمه الله- وهو يقصُّ أثر الفقه المبتور الذي يعالج الجزئيات في انقطاع عن الكليات: "فلما حدث الحلف بالطلاق واعتقد كثير من الفقهاء أنَّ الحانث يلزمه ما أَلزَمَ نفسه، ولا تجزيه كفارة يمين، واعتقد كثير منهم أن الطلاق المحرم يلزم، واعتقد كثير منهم أن جمع الثلاث ليس بمحرم، واعتقد كثير منهم أن طلاق السكران يقع، واعتقد كثير منهم أن طلاق المكره يقع؛ وكان بعض هذه الأقوال مما تنازع فيه الصحابة، وبعضها مما قيل بعدهم، كثر اعتقاد الناس لوقوع الطلاق، مع ما يقع من الضَّررِ العَظيمِ والفَسادِ في الدين والدنيا، بمفارقة الرجل امرأته، فصار الملزمون بالطلاق في هذه المواضع المتنازع فيها حزبين:

حزبا اتبعوا ما جاء عن النبي –صلى الله عليه وسلم- والصحابة في تحريم التحليل، فحرموا هذا مع تحريمهم لما لم يحرمه الرسول - صلى الله عليه وسلم- من تلك الصور، فصار في قولهم من الأغلال والآصار والحرج العظيم المفضي إلى مفاسد عظيمة في الدين والدنيا أمور منها: ردة بعض الناس عن الإسلام لما أفتى بلزوم ما التزمه، ومنها سفك الدم المعصوم، ومنها زوال العقل، ومنها العداوة بين الناس، ومنها تنقيص شريعة الإسلام إلى كثير من الآثام؛ إلى غير ذلك من الأمور العظام.

وحزبا رأوا أن يزيلوا ذلك الحرج العظيم بأنواع من الحيل التي بها تعود المرأة إلى زوجها؛ وكان مما أحدث أولا نكاح التحليل، ورأى طائفة من العلماء أن فاعله يثاب لمـَّا رأى في ذلك من إزالة تلك المفاسد بإعادة المرأة إلى زوجها، وكان هذا حيلة في جميع الصور لرفع وقوع الطلاق؛ ثم أحدث في الأيمان حيل أخرى، فأحدث أولا الاحتيال في لفظ اليمين، ثم أحدث الاحتيال بخلع اليمين؛ ثم أحدث الاحتيال بدور الطلاق، ثم أحدث الاحتيال بطلب إفساد النكاح".

ثم قال: وقد أنكر جمهور السلف والعلماء وأئمتهم هذه الحيل وأمثالها، ورأوا أن في ذلك إبطال حكمة الشريعة، وإبطال حقائق الأيمان المودعة في آيات الله، وجعل ذلك من جنس المخادعة والاستهزاء بآيات الله، حتى قال أيوب السختياني في مثل هؤلاء: يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون علي. ثمَّ تسلط الكفار والمنافقون بهذه الأمور على القدح في الرسول –صلى الله عليه وسلم، وجعلوا ذلك من أعظم ما يحتجون به على مَن آمن به ونصره وعزره، ومِن أعظم ما يصُدُّون به عن سبيل الله، ويمنَعُون مَن أرادَ الإيمان به، ومِن أعظم ما يمتنع الواحد مِنهم به عن الإيمان؛ كما أخبر مَن آمن مِنهم بذلك عن نفسه، وذكر أنه كان يتبين له محاسن الإسلام إلا ما كان من جنس التحليل، فإنه الذي لا يجد فيه ما يشفي الغليل. وقد قال تعالى: ((ورَحمَتي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ فسأَكتُبُها للَّذِين يتَّقُون ويُؤتُون الزَّكَاةَ والَّذين هم بآيَاتِنَا يُؤمِنون * الذين يتبعون الرَّسولَ النَّبيَّ الأُمِّيَّ الذي يجِدُونه مكتوبًا عندهم في التَّوراةِ والإنجيلِ يأَمرُهم بالمعرُوفِ وينهَاهم عن المنكر ويُحلُّ لهم الطيبات ويُحرِّمُ عليهم الخبائث ويَضعُ عنهم إصرَهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون))"[4].

ويقول في موطن آخر: "والذين لا يحتالون أو يحتالون وقد ظهر لهم فساد هذه الحيلة، هم بين أمرين، إما أن يفعلوا ذلك للحاجة، ويعتقدون أنهم فاعلون للمحرم كما رأينا عليه أكثر الناس، وإما أن يتركوا ذلك ويتركوا تناول الثمار الداخلة في هذه المعامل، فيدخل عليهم من الضرر والاضطرار ما لا يعلمه إلا الله، وإن أمكن أن يلتزم ذلك واحد أو اثنان فما يمكن المسلمين التزام ذلك إلا بفساد الأموال التي لا تأتي به شريعة قط، فضلا عن شريعة قال الله فيها: ((ومَا جَعَل عليكم في الدِّينِ مِن حَرجٍ))، وقال تعالى: ((يُرِيدُ اللهُ بكم اليُسرَ ولا يُريدُ بكم العُسرَ))، وقال تعالى: ((يُريدُ اللهُ أن يُخفِّفَ عنكم)). وفي الصحيحين: (إنما بُعِثتُم مُيسِّرين)، (يَسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا)، (ليَعلَمَ اليَهودُ أنَّ في دِينِنَا سِعَةً). فكُلُّ ما لا يَتمُّ المعاش إلا به فتَحرِيمُه حَرَجٌ، وهو مُنتَفٍ شَرعًا.

والغَرضُ مِن هذا أنَّ تحرِيمَ مِثلِ هذا مما لا يمكن الأُمَّةَ التِزامَه قَطُّ، لما فيه مِن الفسَادِ الذي لا يُطاقُ. فعُلِمَ أنَّه ليس بحرَامٍ، بل هو أَشدُّ مِن الأغلالِ والآصَارِ التي كانت على بني إسرائيل ووَضَعَها الله عنَّا على لسَانِ محمد –صلى الله عليه وسلم. ومَن استَقرَأَ الشَّريعَةَ في موارِدِها ومصَادِرِها وَجدَها مَبنيَّةٌ على قوله: ((فمَن اضطُرَّ غَيرَ باغٍ ولا عَادٍ فلا إثمَ عليه))، ((فمَن اضطُرَّ في مخمَصَةٍ غير مُتجَانِفٍ لإثمٍ فإنَّ اللهَ غفُورٌ رَحيمٌ)).

فكُلمَّا احتَاجَ النَّاسُ إليه في مَعَاشِهم، ولم يكن سَبَبُه مَعصِيةً، هي تَركُ وَاجِبٍ أو فِعلُ مُحرَّمٍ، لم يَحرُم عليهم؛ لأنَّهم في معنى المضطَرِّ الذي ليس ببَاغٍ ولا عَادٍ، وإن كان سَبَبُه مَعصِيةٌ، كالمسافِرِ سَفرَ مَعصِيةٍ اضطَرَّ فيه إلى الميتة، والمنفِقِ للمَالِ في المعَاصي حتى لزِمَته الدُّيونُ، فإنَّه يُؤمَرُ بالتَّوبَةِ ويبَاحُ له ما يُزيلُ ضَرُورَته، فيُباحُ له الميتَةُ ويُقضَى عنه دَينُه مِن الزكاةِ؛ وإن لم يَتُب فهو ظَالمٌ لنَفسِه مُحتَالٌ"[5].

لقد وَرِثَ الصحابة –رضي الله عنهم- عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- هذا الدين إيمانا وعملا، ورحمة وقوة، ومنهجا بنائيا للحياة يروي جفافها وينير سبلها، فلا يتخلف عن إحسان، ولا يقصر عن عدل، ولا يفوت مصلحة. إن فقه الدين بهذه الرؤية التي تصبغ الحياة جميعا ولا تنفك عن العدل ورفع الضرر وتحقيق المصلحة هو الضَّامِنُ لبقَاءِ الدِّين محورًا رئيسًا تدور حياة الناس حوله، وتنطلق منه وترجع إليه. فإن استحال الدين جدلا كلاميا، وقانونا جامدا، ومظاهر شكلية، فَقَدَ رُوحَه التي تسري في الأُمَّة، وحَقَّ وعدُ اللهِ بالتجديد.

 

[1] الفرقان: 32- 33.

[2]   الإسراء:: 105- 106.

[3] رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مجموع الفتاوى: ج28/168- 169. بتصرف.

[4]   الفتاوى الكبرى: ج3/299- 301، بتصرف.

[5]  الفتاوى الكبرى: ج4/39- 40.