رؤية في المستجدات /

مؤتمر رابطة العالم الإسلامي يناقش: الاتجاهات الفكرية بين حرية التعبير ومحكمات الشريعة [ تقرير ]

[ الأربعاء 23 جمادى الآخر 1438 هـ ] [ 655 ]

خلال ثلاثة أيام مضت انعقدت جلسات المؤتمر الدولي: "الاتجاهات الفكرية بين حرية التعبير ومحكمات الشريعة"، الذي أقامه المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة. وقد انطلق المؤتمر –الذي رعاه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، يوم الأحد (20 جمادى الآخر 1438هـ- الموافق 19 مارس 2017م)، بحضور عدد من كبار العلماء والدعاة والمفكرين في العالم الإسلامي، وممثلي هيئات ومنظمات علمائية ودعوية وإسلامية، رسمية وأهلية. بدئ المؤتمر الذي عقد في مقر الرابطة بآيات من القرآن الكريم، ثمَّ ألقى الأمير خالد الفيصل -أمير منطقة مكة المكرمة- كلمة خادم الحرمين الشريفين بهذه المناسبة، نيابة عنه، حيث رحَّب فيها بالضيوف الكرام.

وتضمنت الجلسة الافتتاحية كلمة الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، وكلمة الأمين العام للمجمع الفقهي الإسلامي الشيخ الدكتور صالح بن زابن المرزوقي، وكلمة الهيئات والمؤسسات الإسلامية العالمية المشاركة والتي ألقاها بالنيابة عنهم الشيخ عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيه، وكلمة المشاركين التي ألقاها نيابة عنهم الدكتور محمد غورمز رئيس الشؤون الدينية التركية. كما ألقى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ -المفتي العام للمملكة العربية السعودية، رئيس هيئة كبار العلماء، رئيس مجلس المجمع الفقهي الإسلامي- كلمة بهذه المناسبة.

وخلال ثلاثة أيام شهدها المؤتمر قدم المشاركون أوراقا بحثية عدة خلال جلسات توزعت على الفترتين الصباحية والمسائية. وكانت الجلسة الأولى بعنوان "تحرير المفاهيم والمصطلحات"، أما الجلسة الثانية فكانت عن "حرية الرأي والتعبير عنه في الشريعة الإسلامية التأصيل والضوابط"، في حين ناقشت الجلسة الثالثة: "شبهات الاتجاهات الفكرية في ضوء محكمات الشريعة". أما الجلسة الرابعة فخصصت لـ"آثار ونتائج الانحرافات الفكرية". وكانت الجلسة الخامسة عن: "أسباب الاتجاهات الفكرية المنحرفة وعلاجها".

وقد شارك في المؤتمر الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد، المستشار بالديوان الملكي، وعضو هيئة كبار العلماء، والشيخ الدكتور سليمان بن عبدالله أبا الخيل، عضو هيئة كبار العلماء ومدير جامعة الإمام بن سعود الإسلامية، والشيخ الدكتور عابد محمد السفياني عضو مجلس الشورى سابقا.

وشارك من مصر، الشيخ الدكتور نصر فريد واصل، عضو هيئة كبار علماء الأزهر ومفتي الجمهورية الأسبق؛ والشيخ الدكتور شوقي إبراهيم علام مفتي الجمهورية المصرية. ومن الأردن الدكتور أحمد بن محمد هليل، قاضي القضاة ووزير الأوقاف وشؤون المقدسات الإسلامية الأسبق بالمملكة الأردنية الهاشمية، والشيخ الدكتور عبدالكريم سليم الخصاونة قاضي القضاة، والمفتي العام سابقا بالمملكة الأردنية الهاشمية.

ومن تونس الشيخ الدكتور نور الدين بن المختار الخادمي وزير الأوقاف التونسي السابق. ومن الكويت الشيخ الدكتور عجيل بن جاسم النشمي عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي، والمجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي، ورئيس رابطة علماء الشريعة في دول الخليج، وعضو هيئة الفتوى في الكويت.

وكان من أبرز الحاضرين في المؤتمر الشيخ عبدالله بن عبدالمحسن التركي المستشار بالديوان الملكي، وأمين رابطة العالم الإسلامي السابق، والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والشيخ الدكتور عصام أحمد البشير، وزير الإرشاد والأوقاف السابق بجمهورية السودان.

وقد خرج المؤتمرون ببيان ختامي ألقاه أمين عام المجمع الفقهي الإسلامي د. صالح المرزوقي في الجلسة الختامية بحضور المشاركين جميعا. وقد ثمَّن المؤتمر الرعاية الكريمة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز للمؤتمر، معتبرا كلمة خادم الحرمين الشريفين وثيقة من وثائق المؤتمر.

ودعا المؤتمر في بيانه الختامي الأمانة العامة للمجمع الفقهي الإسلامي لإعداد مشروع "القواعد والضوابط الشرعية في الاتجاهات الفكرية المعاصرة"، وعرضه على الدورة القادمة للمجمع، لتكون بعد إقرار المجمع لها قواعدَ وضوابطَ تُدعى إلى امتثالها الجهات الإسلامية المختلفة.

كما دعا المؤتمر الهيئات والمؤسسات الحكومية والأهلية في العالم الإسلامي إلى ترسيخ القيم العليا في الإسلام الداعية إلى المحبة والبر والتسامح والتعايش والوئام، والحيلولة دون أسباب النزاع والفرقة والكراهية، ومن ذلك تفهم سنة الخالق جل وعلا في الاختلاف والتنوع والتعددية، والحفاوة بتعدد المدارس الإسلامية في سياق عطائها العلمي والفكري المشروع، واعتباره من مظاهر سعة الشريعة الإسلامية وعالميتها ورحمتها بالعباد.

وجاء في البيان دعوة المسلمين إلى احترام رابطة الدين والتعايش على هديها، وإلى التزام أدب الإسلام وهديه الرفيع في الحوار والبيان العلمي والفكري، والحذر من ازدراء أتباع المذاهب الإسلامية وأسباب النزاع وإثارة النعرات المذهبية والطائفية، وتجريم هذا العمل تحت طائلة المساءلة القضائية.

وطالب البيان المسؤولين بالتصدي للقنوات والوسائل الإعلامية التي تثير مفاهيم الكراهية والازدراء والتحريض والتأجيج بين المسلمين، أو بينهم وبين غيرهم، لما فيها من المفاسد، والحذر من التساهل في التصنيفات الدينية والفكرية، سواء للهيئات أو المؤسسات الحكومية والأهلية أو الأفراد، واعتبارها وقود الفتنة بين المسلمين وفتيل التطرف والتناحر والتدابر.

كما دعا المؤتمر إلى الاستمساك برابطة المسلمين ومظلتهم وهويتهم واسمهم الذي سماهم الله به "الإسلام"، والتحذير من الأسماء والأوصاف الأخرى التي من شأنها الإساءة لهذا الاسم الجامع الحاضن، والمطالبة بأن يكون بيان الحق داخل أصول وفروع هذا الوصف الجامع، على منهج الإسلام الحكيم في النصح والبيان.

واعتبر المؤتمرون الأوصاف المتعلقة بالتوجهات المذهبية في الأصول والمدارس الفقهية في الفروع من الأوصاف الكاشفة التي أقرها علماء الإسلام سلفاً، وأنها ليست بديلة ولا مزاحمة لاسم الإسلام الجامع، ولا يُتوسع في تلك الأوصاف الكاشفة عما تقرر في مدونات المسلمين لأي نزعة كانت، سواء لذرائع سياسية أو تنظيمية أو غيرها.

كما حذر البيان من التساهل في التكفير والتبديع والتفسيق؛ وطالب الجاليات الإسلامية في البلاد غير الإسلامية احترام دساتير وقوانين وثقافة البلدان التي يعيشون فيها، والالتزام بخصوصياتهم وفق الأدوات الدستورية والقانونية المتاحة، كما دعا الهيئات والمؤسسات والمراكز الإسلامية في البلدان غير الإسلامية إلى توعية الجاليات الإسلامية باحترام دساتير وقوانين وثقافة البلدان التي يعيشون فيها، وأن أي إساءة لذلك من شأنها أن تسيء للإسلام وتنفر منه أو تضعه في دائرة الاتهام.

وأكد البيان الختامي على دعوة الهيئات والمؤسسات والمراكز الإسلامية الحكومية والأهلية إلى توعية الشباب المسلم بخطر الأفكار المتطرفة، والتصدي للرسائل السلبية التي يبثها الإرهابيون عبر الوسائل الإعلامية، لاسيما مواقع التواصل الاجتماعي.

كما تطرق البيان لأسباب ظاهر الغلو والتكفير والإرهاب، داعيا المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي للتصدي لهذا الأمر، مؤكدا اعتبار المواجهة الفكرية للتطرف والإرهاب المرتكزَ الرئيس لاجتثاثه من جذوره، وأن المواجهات العسكرية مع أهميتها البالغة في درء خطر الإرهاب لا تحسم المعركة النهائية معه.

يذكر أن هذا المؤتمر يأتي في ظل ظروف صعبة تمر بها المنطقة، حيث يجري استهداف ممنهج لها من قبل قوى إقليمية ودولية، تكيد للمنطقة وتهدد بلاد الحرمين الشريفين؛ وفي ظل تنامي ظاهرة الحركات الإرهابية المستغلة أجنبيا في ضرب الإسلام وحواضره، وتنامي نزعة الإسلاموفوبيا تجاه الأقليات المسلمة في الغرب ولغة الخطاب العدائية من بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة، وهو ما يفرض مزيدا من التلاحم والترابط والتنسيق بين الهيئات والمؤسسات الرسمية والشعبية لدفع المخاطر التي باتت تحدق بالمنطقة شعوبا وحكومات.