النهضة و التغيير /

ديكتاتورية العقلاء أو ديمقراطية البسطاء! [ مقال ]

[ الأربعاء 16 جمادى الآخر 1438 هـ ] [ 641 ]

سَينصَبُّ حديثي هنا على أَحدِ أَهمِ تَطبيقَاتِ الديمقراطية، وهي مبدأ الحاكمية أو السيادة الشعبية، مبتعداً عن بسط الكلام فيها من زاوية شرعية خالصة، قد لا تكون محل إلزام للبعض، ولكثرة ما كُتب عنها مِن فقهَاءِ المسلمين؛ وإنما مِن مُنطلَقٍ سياسي وإنساني. فالمنَاهِجُ والرُؤى المتعَلقَةِ بالشُّئونِ الدُّنيَويةِ بشكلٍ عَام لا يحكَمُ عليها بالسَّلبِ والإيجابِ، وهي في أوَّلِ مَسلكِها، بل عقلًا وعَدلًا يكون التقييم بعد حينٍ مِن التَّجربةِ. ويزداد القَطعُ بالحُكمِ عليها كلما مرَّت على مراحل مُتبَايِنةٍ، وظُروفٍ مختلِفةٍ. فالشيوعية والاشتراكية -على سبيل المثال- بقيت تنظيراً وتطبيقاً قرابة القرن، حتى حُكِم بفشلها مِن قبل أصحَابها ومعتنقيها قبل خُصُومِها. فنحن نَجِدُ الدُولَ التي انتهجت المذهبَ الشُّيوعيَّ تحوَّلت الى رأسملة أسواقها، والملكية الفردية، وسياسة العرض والطلب، وفتح الأسواق، مع شِبه اندِّرَاسٍ لتَغوُّلِ الحكومات في معاش الناس ونحو ذلك.

في العهد الحالي، وصل إلى سُدَّةِ الحكمِ بعضُ الرُّؤساءِ فاقِدي الأَهليَّةِ السَّياسية، ممَّن ليست عندهم الحدودُ الدُّنيا مِن قطعِياتها وثوَابِتها وأدبيَاتِها كأَحدِ مُخرجَات الدَّساتيرِ الغربية. حيث تسمحُ طَبِيعةُ الأَنظِمةِ القَائِمةِ على الديمقراطيةِ لكثيرٍ مِن دهماءِ النَّاسِ في الوُصولِ إلى مَوقِعٍ مُؤثرٍ في صُنعِ القَرارِ مِن خِلالِ تبنِّي أفكارِ أَغلَبيةِ الشَّعبِ، ولو تضَاربت مع الأَعرَافِ الشَّرعيَّةِ والحقُوقِ الفَرديَّةِ والقِيمِ الأخلاقيَّةِ، وكفى به عيبًا ونقصًا. ولو رَامَ صُنَّاعُ القرارِ وصَفوَةُ القَومِ التَّقليلَ والتَّخفِيفَ مِن آثارِ هذه العَواقِبِ بسَنِّ القُيودِ وفَرضِ ضَوابَطَ ومعَاييرَ للتَّرشحِ ستَحتَجُّ الشُّعوبُ -على الأغلب؛ لأنَّها ستَدرِكُ أنَّ هذا الإجرَاءَ سَيَحرِمُها مِن أهمِ حُقُوقِها، وفقَ ما نَصَّت عليه أنظمتهم الدستورية، والتَّعدِيلات رُبَّما تُخرِجُ الديمقراطِيةَ عن وَضعِها الاصطلاحي. هذا مع التَّسليمِ بصُعوبَةِ خَطفِ الظَّفرِ بالانتخَاباتِ مِن مُستقِلين، في ظِلِّ وُجودِ أحزَابٍ مُهيمِنَةٍ تملكُ مِن النفوذِ، والأَسبَقِيةِ التَّاريخيةِ في الظُّهورِ السياسي، والدَّاعِمين، والتَّغلغُلِ الشَّعبي، والآلَةِ الإعلامِيةِ، مما يُعسِّرُ على آحادِ النَّاس -ممَّن لا يحظَون بملاءَةٍ ماليةٍ وأصواتٍ شَعبيةٍ تُوازي ما تملكه هذه الأحزاب- إمكانيةَ اعتلائِهم عرشَ الحكم. وإن كانت بعض الدُّول تحدُّ مِن هذه الثَّغرَةِ  عن طَريقِ التَّصويتِ أو الاقتراعِ غَيرِ المبَاشِرِ لاختيارِ المرشَّحِ للرئَاسَةِ ضِمن نماذجَ وأَشكَالٍ مُختَلِفَةٍ، مِثل المجمعِ الانتِخابي، كما هو مُطبَّقٌ في أمريكا حيثُ أنَّ أعضائَه المفَوَّضِين مِن النَّاخِبين لاختيارِ مُرشحٍ مُحدَّدٍ ليسوا بمُلزَمِين بهذا التَّوكِيلِ الشَّعبي، أو تَفوِيضِ أعضَاءِ البَرلمانِ كما هو حَاصِلٌ في بعضِ الدُّولِ.

وقديمًا انتَقدَ "أفلاطون" -الذي عاصرَ الديمقراطيةَ بمفهُومِها القديمِ والتي تتقاسمُ المعنى الحديث، مِن حيثُ الإيمان بمبدَأِ السِّيادَةِ الشَّعبيةِ، وتختلف عنه في حُدودِ مَن يملِكُ هذا الحقَّ مِن الناس، كأحَدِ المتماثلِات والمختلِفات، الديمقراطيةَ، وَاصِفًا إيَّاها بأنَّها تُعطِّل المصلحَةَ العامَةَ على حِسابِ المصالحِ الشَّخصِيةِ؛ ونَتِيجَةً لذلك تَطفُو على السَّطحِ الكَثيرُ مِن مَظاهِرِ الغرَائِزِ البَشريةِ وتَندَثِر القِيمُ العَدلِيةُ لـمَّا سَادَت عامَةُ النَّاسِ ممَّن يَفتَقِرون إلى التَّأهيلِ أو الكفَاءَةِ، والتي تُخوِّلهم إيَّاها بنَاءً على نُظُمِهم التي تتَبنَّى الديمقراطية نهجًا دستوريًّا. وهذا أَحدُ ما تخشَاه وتتَخوَّفه الشَّريعَةُ الاسلاميَّةُ؛ ولذلك مِن المقَرَّرِ فيها أنَّ المصلحَةَ العامَّةَ مُقدَّمةٌ على المصَالحِ الشَّخصيةِ، ومَصلحَةُ الجمَاعةِ أَولى مِن مَصلحَةِ الفَردِ؛ حيث أنَّها ترتكز على الذَّاتِيةِ السَّلبيةِ وتقدِيمِ النَّفسِ على الغير.

إنَّ طَبيعَةِ الأَنظِمَةِ التي تَرتَكِزُ على النَّهجِ الدِّيمقرَاطي قد تَسمَحُ للأحزَابِ أو الرُّؤسَاءِ بالتَّغافُلِ عن المسَاهمَةِ في القضَايا العادِلةِ، والتَّجاهُلِ عن الظُّلمِ الحَاصِلِ على المستوى الدَّاخلي أو الدُّولي، خَوفًا مِن انخفَاضِ شَعبِيتِهم وفُقدَانِ دَعمِ ناخِبِيهم؛ وبالتَّالي يُفضِّلون النَّأي بأنفسُهم -من خِلالِ تَبريراتٍ غَيرِ مُطَّردَةٍ- عن التَّدخُّلِ المحمُودِ لرَفعِ المظَالمِ المذمُومَةِ وانتِزاعِ الحقُوقِ المغصُوبَةِ، فآثَروا مصَالحَهم الخَاصَّةَ على حسَابِ ما يَنبَغِي أن يَقومُوا به؛ طَمعًا في الحفَاظِ على التَّأييدِ المحلي ولضمَانِ البقَاءِ في السُّلطَةِ لدَورَةٍ انتخَابِيةٍ لاحِقَةٍ.

والمتأمِّلُ في وَاقِعِ الدُّولِ العَاملَةِ بهذا النَّهجِ يلحَظُ أنَّ شُعوبَها قد تختَارُ الحِزبَ وإن كان وَاهِنًا، لمجرد أنَّ برنامجَه الانتخَابي -على سَبيلِ التَّمثِيلِ- يرتَكِزُ على عَدمِ المساسِ بأُجورِ العَامِلين، والوعدِ بخفَضِ الضَّرائِبِ وخَزائِنُها البَنكِيةِ رُبَّما تكون شِبهَ خَاوِيةٍ، وإلغَاءِ الالتزاماتِ التِّجارِيةِ والمعَاهدَاتِ ونحو ذلك لغُنمِ وُدِّ النَّاخِبين ووَلائِهم وجَني أصوَاتهم بالعَملِ على مصَالحِهم ومسَايَرةِ توجُّهاتِهم، بينما الحالُ يتطلَّبُ ويَستَوجِبُ عكسَ ما ذُكِرَ؛ مما يُحَمِّل الفترات الانتخابية اللاحِقَة حِملاً لا تقوَاه، وعِبئًا لا تهوَاه. ومع هذا فإنَّه في كَثيرٍ مِن الأحوَالِ حين يَصِلُ المرشَّحُ أو الحزبُ الفَائِزُ إلى موقِعٍ يتَحمَّلُ مِن خِلالِه المسؤُوليَّةَ تتَغيَّرُ نَبرَةُ الصَّوتِ وإطلاقِ الوُعودِ وتَسفِيهِ السُّلطةِ السَّابِقةِ؛ لاطِّلاعِه على ما كان خَافِيًّا، وحُصولِه بحُكمِ مَنصِبِه على مَلفَاتٍ لا تَراها المعَارَضَةُ، ولكون الأنظَارِ شاخِصَةً إليه، فمِن الأفضَلِ على مَن تستَهويه المعَارَضةُ أن يَضعَ هذا في الحسبَان، لكي يُبرِّرَ لنَفسِه حينما يَعجَزُ عمَّا يدعو إليه حين الوصُولِ إلى مَوقعِ مَن كان يَنتَقِدُهم.

كذلك ممَّا يُلاحَظُ أن جمعًا مِن الأحزَابِ المنَاوِئةِ تَجنَحُ وتَصِيرُ إلى مُواجَهةِ برامِجِ وسيَاسَةِ الحِزبِ الحَاكِمِ ولو كانت الحَاجَةُ تَدعُو إليها، وتُقِرُّ تلك الأحزابُ المعارِضةُ باطِناً بأهميتها؛ كل ذلك سَعيًّا في تَشويه الحِزبِ الحاكِمِ والتَّضييقِ عليه، وتَألِيبِ الرَّأي العَامِ ضِدَّه. فعَن العَدلِ يحيدُون وإلى الظُّلمِ يركنون. وإلا كيف لها أن تتَولَّى الحُكمَ لولا عُبُورُ هذا الطَّريقِ وسَلكِ هذا السَّبيلِ في كَثِيرٍ مِن الأحايين؛ فتَراهم يفتَقِرون إلى الأخلاقِ السِّياسِيَّةِ لعدمِ وُجودِ آليَاتٍ تَمنَعُ مثل هذه الممارسات؛ والتي قد تُعرِّضُ مصَالحَ الأُمَّةِ لمخَاطِرَ لا تُبتَغى وعوَاقِبَ لا تُرتجَى.

وممَّا يجبُ استحضَاره في هذا البابِ كَونَ بعضِ الدساتِيرِ الغَربيةِ تُؤكِّدُ تَنصِيصًا أو ضِمنيًّا -لتوقِيعِها على معاهدَاتٍ أو تَسلِيمًا للقانون الدُّولي والاتفاقَاتِ الأُمميَّةِ المعنِيةِ بحُقوقِ الإنسانِ وغَيرِها- على صَونِ حُقوقِ الأقلياتِ، كالحُريَّةِ في المعتَقَدِ، وتَقلُّدِ المنَاصِبِ العُليا، وتحقيقِ العدَالةِ الجنائيةِ. إلَّا أنَّ الواقِعَ -في مراحِلَ زَمنيةٍ متَباينَةٍ وإن لم يَتصِفُ بصِفةِ الدَّوامِ- يَشهَد تهدِيدًا لمثلِ هذه الحُقوقِ، وغَضًّا للبَصر، وتجَاهُلًا بَيِّنًا مِن قِبلِ الطَّبقَةِ الحَاكِمةِ، لئلا تُكدِّرَ إرادَةَ ومُيولَ المجموعَاتِ النَّاخِبةِ والأنصَار. فنَجِدُ أنَّ المعاني الأخلاقِيةِ والمصَالحِ العَامَّةِ تتَوارَى بالتَّصريحات المجمَلَةِ والبيَانَاتِ المتشَابِهةِ -إن لم يكن مِن التَّعليقِ واتخاذِ مَوقِفٍ بُدٌّ. وتزدَادُ دوَاعي التَّملُّصِ مِن هذه الحقوقِ والالتزامَات كُلمَّا كانت العقَائِدُ أو الأعراقُ المهيمِنةُ في خَطَرٍ.

ومما ينبَغي الإشَارةُ إليه أنَّ تلك النُّظُمِ والأُمَمِ ربَّما يَسهُلُ اختِراقُها كَونَها تَقومُ على أسَاسِ الاختِلافِ والتَّخاصُمِ ومُؤدَّاها التَّهاكُلُ والتَّنَازعُ في الرُّؤيَةِ والمنهجِ كأَحدِ آثارِها، فضلًا عن الفُرقَةِ بين الأحزابِ المتصَارِعةِ والتي رُبَّما تنعَكِسُ على الطَّبقَةِ النَّاخِبةِ.

لقد انسَحبَ الغُلوُ في التَّمثيلِ الشَّعبي وأحقيَّةِ الفَردِ العَادي أن يكون له صَوتٌ ظَاهِرٌ على المستوى السِّياسي كأحَدِ مُتطَلبَات العدَالَةِ السِّياسيةِ على المجَالِ القضَائي في الدُّولِ التي تتَبنَّى نظَامَ هيئَةِ المحلَّفِين، فمِن خِلالِه تُدْلِي مجموعَةٌ مِن عامَّةِ النَّاسِ، اختِيرَت اقتِراعًا وِفقًا لشُروطٍ محدَّدَةٍ ليس مِن بَينِها كَونُهم يملكِون التَّأهيلَ القَانوني، برَأيها بشَكلٍ يُؤثِّرُ في أكثَرِ مِن وَجه على قَرارَاتِ المحَاكم والقُضاةِ، خاصَّةً فيما يتَعلَّقُ بالقضايا الجنَائِيةِ، حيث أنَّ هذه الوسيلةَ أَدعَى للوُصولِ في نَظرِهم إلى العدَالَةِ القضَائِيةِ. ومِن نافِلةِ القَولِ أنِّي سَألتُ أحدَ القُضاةِ في أَمريكا عن هذا، فلم أَجِد إلا امتعَاضًا مِن هذا المسلَكِ!

فهل تَسمَحُ هذه النُّظمُ لعامَّةِ النَّاسِ أن يتَدخَّلوا في أعمالِ بعضِهم البَعضَ في جميعِ التَّخصُّصاتِ للتَّحقُّقِ مِن الوُصولِ إلى إنتاجٍ فِكريٍّ أو مَاديٍّ على نحو أَكثرُ ارتِضَاءً وقَبولًا، قياساُ على ضَمانِ المحَاكمَةِ العَادِلةِ؟ هل نَسمَحُ بتَدخُّلِ فُرادَى النَّاسِ في عمَلِ الأطبَاءِ للحَيلولَةِ أو التَّخفِيفِ مِن الأخطَاءِ الطِّبيَّةِ على سَبيلِ الاعتبَارِ بما هو حَاصِلٌ مِن اختيارِ المواطنين عشوائيًّا لتَكوين هيئَةِ محلَّفِين!

لعلَّ الثَّغراتِ اليَسيرَةِ في الأنظِمَةِ الدُّستُوريةِ أن تُغتَفرَ ورُبمَّا أمكن مِلؤُها، بينما الشُّقوقُ الكَبيرَةُ والنقَائِصُ العَريضَةُ تبرُزُ الحاجَةُ إلى إعادَةِ هَيكلَتِها، ولا يَنفَعُ معها بعضُ الدَّواءِ، وإلَّا لكان كمَن يَسكُبُ ثلجًا على فَوهَةِ بُركَان. وهذا ما تحتَاجُه الأَنظِمَةُ الدِّيمقرَاطِيةُ الحَدِيثةُ، حيث إنَّ مِن مآلاتِها وآثارِها أن ارتَفَعَ صَوتُ خَلقٍ كَثِيرٍ مِن الشُّعوبيين، وخَفَّ صَوتُ مَن بالعَقلِ رَاجِحِين وللأُمَّةِ ناصِحِين. رُبَّما تُوصِلُ الدُّيمقراطيةُ ثاقِبي النَّظرِ وصَائِبي الفِكرِ، ولكن أهذا الحالُ يكون على التَّأبِيدِ أو التَّأمِيد؟! بينما الحالُ في الأَنظِمَةِ الدُّستُوريةِ في العَالمِ المنعُوتِ بالثَّالثِ أنَّ السُّلطاتَ الثلاثَ تتَركَّزُ بيَدِ الحاكمِ، فعَلَى الرَّغمِ مِن الجَدَلِ الذي تَصحَبُه تلك السَّياسَةُ إلَّا أنَّ وُجُودَ حَاكِمٍ عَادِلٍ وعَامِلٍ وذُو رُؤيَةٍ ثَاقِبَةٍ فَوقَ كُلِّ هذه السُّلطاتِ سَينهَضُ بالدَّولةِ بشَكلٍ أَسرَعٍ مما هي عليه عند الأنظِمةِ الديمقراطية، والتي كَثِيرًا ما يصَادِفُ حكَّامُها ورُؤسَاؤُها عقَباتٍ على المستوى التشريعي أو القضَائي أو الشَّعبي تحُدُّ مِن تحقِيقِ أهدافِهم وقرَارَاتِهم فيما لو كانت نَبِيلَةً وسامِيةً، فرُبَّما تَطولُ عملِيةُ تَغييرِ الخَللِ أو العَيبِ الذي يُرادُ إصلاحُه، وإن كان تَعزيزَ الفَصلِ بين السُّلطاتِ الثَّلاثِ رُبَّما يحدُّ مِن مخَاطِرِ ما تَجنِيه وتَحصُدُه سيَاسَاتُ وحمَاقَاتُ السُّلطاتِ التنفيذية.

وليس القَصدُ بعد هذا تَجويزُ وتَبريرُ وَاقِعٍ مِن عَدَمِه؛ أو التَّمجِيدُ للنُّظمِ السِّياسيَّةِ المعمولِ بها حَالِيًّا مِن قِبلِ بعضِ الدُّولِ الإسلاميَّةِ، فإنَّ فيها مِن النَّقصِ الكَثِيرِ، أو السُّقوطِ الكُليِّ في حَقِّ الأُمَّةِ أن يكون لها دُورٌ في تَوليةِ مِن يَتولاها ويَقومُ على شُؤونِها ويَعمَلُ على مصَالِحها وِفقَ ما تنَاولَه فقهَاءُ المسلمين؛ أو استدعَاءِ تجَارِبَ أو نماذِجَ قُدِّرَ لها الفَشلُ للحُكمِ بفسَادِها، أو رَفْضِ كُلَّ ما عِندَ الغَربِ مِن النُّظمِ كالنُّضجِ في مجَالِ مكافَحةِ الفسَادِ، وتنَازُعِ أو تضَارُبِ المصَالح، ومُواجَهةِ المحابَاةِ، واستقلالِ القضاءِ ونحو ذلك مِن النُّظمِ والسِّياسَاتِ ممَّا لا يتَعارَضُ وشَرعُ اللهِ. لكن المقصُودَ ذِكرُ وإيرادُ ما للنِّظامَين المتقَابِلِين المطبَّقَين حَاليًّا مِن بعضِ المحَاسِنِ والمفَاسِدِ في هَيكَليهما، وتَبيَانُ ما يعتري النِّظامَ الغَربيَّ مِن ثَلمَاتٍ عَرِيضةٍ سمَحَت بمِثلِ ما آلَت إليه بَعضُ الدُّولِ.

ويحسُنُ التَّنبِيهُ إلى تَوخِّي الدِّقَةِ عند تنَاوُلِ هذا المصطَلحِ "الديمقراطية" الذي تَعدَّدت مفَاهِيمُه وتبَايَنت تَصوُّراته؛ فنَجِدُ أنَّها تحمِلُ معنًا في السَّابقِ على خِلافِ ما هو مُستَقِرٌ عليه في عَصرِنا الحَاضِرِ عند المشتَغِلين بالعُلومِ السِّياسَيةِ، مع بعضِ القَواسِمِ المشتَركَةِ، والتي هي في تحدِيثٍ وتَطويرٍ مُستَمِر، فضلًا عن تَوسُّعِ النَّاسِ في مجَالاتِ استعمالاتِ هذا اللَّفظِ، وإنزَالِه على معَانٍ تَختَلِفُ عمَّا اصطُلحَ عليه عِلميًّا، ممَّا يستَوجِبُ على البَعضِ التَّريُّثَ عند الاستفتَاءِ مثلًا، والاستِفصَالِ عن هذا المفهُومِ حتى لا يُطلِقَ حُكمًا بالسَّلبِ فيكون أحَدَ مَدلُولاته مُستَحسَنًا شَرعًا، ويسري التَّأني على غيره مِن جِنسِ هذا المصطَلحِ.

ويبقى أنَّ هناك وجهَاتُ نَظَرٍ تنَازِعُ الرَّأيَ في بَعضِ مَن وَصلَ إلى سُدَّةِ الحُكمِ. حيث إنَّ قِسمًا مِن النَّاسِ لا يَقطَعُون بأَمرٍ ما لم يَرونَه ويَتحسَّسُونه، كمَن لا يُؤمِن بشَمسٍ حتى يُقلِّبُها بين يديه! والمعضِلةُ أنَّنا لن نَسمَعَ حَسيسَهم نَاهِيكَ عن آرائِهم فقد أَحرقَهم لهيبُها! ومَنشَأُ هذا العَتَبِ أنَّ هذا القِسمَ لا يُحسِن استِشرَافِ النتَائِجِ والمآلاتِ فيما وُضعَ مِن سيَاسَاتٍ، بل يَنتَظِرُ حتى يرَاها عيانًا بيانًا. وأكاد أَجزِمُ أن النتَائِجَ السَّلبيةَ للقَوانينِ الدُّستوريةِ الغَربيةِ لم تقَارِب الإجمَاعَ على نَقدِها بمِثلِ ما قَارَبت منه عليها اليوم.