رؤية في المستجدات /

التهجير الظالم وأهمية الرؤية الشرعية! [ مقال ]

[ الخميس 10 جمادى الآخر 1438 هـ ] [ 368 ]

منذ أن سَقطَت الخلافةُ "العثمانية"، وذَهبَت دَولةُ الإسلامِ، يعيشُ كَثيرٌ مِن المسلمين في أنحاءٍ مُتفرِّقَةٍ مِن العالمِ حالَةً مِن الضَّعفِ والوهن، وتسلُّطِ الأعداءِ عليهم. وقد جرَّ ذلك عليهم عَبرَ عُقودٍ مِن الزَّمنِ تَغيرَاتٍ عِدةٍ على مُستَوى عقِيدتِهم وثقَافَتِهم وحَالَتِهم الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ. ولا تزال بلدانهم هدفا للمطامع الخارجية التي توظف القوى الداخلية من أقليات دينية وطوائف مذهبية في سبيل إحداث مزيد من الإضعاف والوهن. ومنذ عَهدِ الاستعمَارِ وتَنفِيذِ مُخطَطِ "سايكس-بيكو" عاشَ العَالمُ العربيُّ والإسلاميُّ حالةً مِن الإبادَةِ الجماعِيةِ والتَّهجيرِ القَسريِّ لكثيرٍ مِن شُعوبِ ومجتمعات المنطقة. فقد تشكَّلَ الكيانُ الصَّهيوني كمِثالٍ على أَرضِ شَعبِ فِلسطين، بعد أن جَرى قَتلُهم وتَهجِيرُهم وإحلالُ المستوطنينَ اليهودَ محلَّهم. فتشتت كَثيرٌ مِن أبنَاءِ فِلسطين في بلدانِ المهجر العربية منها وغير العربية.

 

 

كما كانت الإبادةَ الجماعِيةَ وتَهجِيرِ المسلمين سِياسَةً مُتَّبعَةً في رُوسيَا أثناءَ تكوينِ الاتحاد السوفييتي، والذي ضمَّ ستَّ جمهورياتٍ كان أغلبَ سكانِها مسلمون، وهي: أذربيجان وأوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان وكازاخستان وقيرغيزستان، عدا جمهورياتٍ أُخرى كان يُمثِّلُ فيها المسلمون أقلياتٍ. فكان أن انخَفضَ عَددُ المسلمين وتضائل وجُودُهم.

وفي ظِلِّ الظُّروفِ التي تعيشُها العِراقُ وسوريا واليمن يجري اليوم تَغييرُ التركيبةِ الديموغرافية لهذه البلدان عَبرَ سِياسةِ الإبادَاتِ الجماعِيةِ والتَّهجيرِ الإجبَاري والاضطراري. كلُّ ذلك تحتَ مَرأَى ومَسمعِ دُولِ الجوارِ، والعَالمِ المتحضِّرِ، والهيئاتِ الأُمميَّةِ والعالميةِ.

فمنذ عام 2012م يَقومُ نِظامُ بشارِ الأَسدِ بارتكابِ مجَازِرَ حَربٍ بحقِّ المواطنين السُّوريين على مرأى ومَسمَعٍ مِن العالم. ونتيجة للحرب التي يشنها النظام النصيري على شعبه مدعوما بميليشيات شيعية طائفية وقوى أجنبية فإنَّ معظم الشعب السوري بات نازحا في أرضه أو مهاجرا ولاجئا خارجها. وقد نشرت الحكومة السورية الموقتة على موقعها الإلكتروني نهاية العام الماضي (2016م)، إحصاءات مفصّلة لأعداد اللاجئين السوريين في العالم؛ إذ تجاوز عددهم الخمسة ملايين لاجئ. وجزء من هؤلاء اللاجئين يتجهون للدول الغربية، حيث يطمحون إلى حياة أفضل!

كما أنَّ الانقلاب الذي شهدته اليمنُ عام 2014م أدخلَ البِلادَ في فَوضَى الاحتِرابِ الطَّائِفي؛ ما دَفَع كثيرًا مِن أبناءِ اليمن للنُّزوحِ مِن مَناطِقِهم إلى مَناطِقَ أكثرَ أَمنًا، أو الهِجرةِ إلى خارجِ اليمن. وفي بعض التقارير الأممية تشير التقديرات إلى قرابة ثلاثة ملايين مواطن يمني تمَّ تهجيرهم نتيجة الأحداث الدامية في اليمن.

وفي العِراقِ بدَأت عمليَاتُ تَهجِيرِ العَربِ السُّنةِ بعد احتلاله مِن قِبلِ الولاياتِ المتَّحِدةِ الأمريكيةِ وبريطانيا عام 2003م، انطلاقا من مناطق الجنوب، حيث شهدت عمليات تهجير منظمة ضد العرب السنة، وامتدت إلى مناطق أخرى في البلاد. وقد اتبع النظام الطائفي المعين من قبل الاحتلال، في سبيل تغيير التركيبة الديموغرافية، سياسات اقتصادية وأمنية للتضييق على السُّنَّةِ، مع تغييب الخدمات الضرورية والبنى التحتية للعيش كالصحة والتعليم والمياه والكهرباء وغيرها. تاركا المجال في الوقت ذاته للميليشيات الطائفية لارتكاب مجازر جماعية بحق السُّنةِ. ولا تزالُ هذه السياسات مُستَمرَّةً حتَّى الآن، تحت ذَريعَةِ مَطارَدةِ القَاعِدةِ و"داعش"، إلى عُمقِ المناطِقِ السُّنيَّةِ في الغربِ والشَّمالِ العراقي.

إنَّ هذا الحجم الكبير من الضحايا الأبرياء الذين تَعِصفُ بهم المآسي والويلات وأيادي الغدر والخيانة والإجرام تستوجب وقفات عِدَّة:

أولا: أنَّ إخواننا في هذه البلدان في جِهادٍ في سِبيلِ الله، طالما أنَّهم يُدافعِون عن عقائدِهم، ويُدافِعون عن حُقوقِهم المشروعةِ في الحياةِ والعَيشِ على أَرضِهم دُون استعبادٍ. يقول تعالى: ((أَلَم تَرَ إِلَى الـمَلَإِ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مِن بَعدِ مُوسَى إِذ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُم ابعَث لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَل عَسَيتُم إِن كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا ومَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقَد أُخرِجنَا مِن دِيَارِنَا وأَبنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِم القِتَالُ تَوَلَّوا إِلَّا قَلِيلًا مِنهُم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ))[1]؛ فقد جعل بنو إسرائيل قتالهم لاسترداد أرضهم وحقوقهم جهادا في سبيل الله، ولم ينكره عليهم نيهم. ويقول تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُوا وإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصرِهِم لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ولَولَا دَفعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَهُدِّمَت صَوَامِعُ وبِيَعٌ وصَلَوَاتٌ ومَسَاجِدُ يُذكَرُ فِيهَا اسمُ اللَّهِ كَثِيرًا ولَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ))[2]؛ فرتَّبَ سبحانه على الدِّفاعِ بقاءَ دُورِ العِبادَةِ وظُهورِ الدِّينِ، وأَذِنَ بالقِتالِ للذين أُخرِجُوا مِن ديارِهم بغَيرِ حَقٍّ؛ لذلك يقول تعالى: ((لا يَنهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقَاتِلُوكُم فِي الدِّينِ ولَم يُخرِجُوكُم مِن دِيَارِكُم أَن تَبَرُّوهُم وتُقسِطُوا إِلَيهِم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الـمُقسِطِينَ * إِنَّمَا يَنهَاكُمُ اللَّهُ عَن الَّذِينَ قَاتَلُوكُم فِي الدِّينِ وأَخرَجُوكُم مِن دِيَارِكُم وظَاهَرُوا عَلَى إِخرَاجِكُم أَن تَوَلَّوهُم ومَن يَتَوَلَّهُم فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ))[3]؛ ويقول سبحانه: ((وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم ولَا تَعتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الـمُعتَدِينَ * واقتُلُوهُم حَيثُ ثَقِفتُمُوهُم وأَخرِجُوهُم مِن حَيثُ أَخرَجُوكُم والفِتنَةُ أَشَدُّ مِن القَتلِ ولَا تُقَاتِلُوهُم عِندَ الـمَسجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُم فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُم فَاقتُلُوهُم كَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ))[4].

ومن ثمَّ فإنَّ النظر إلى أحكامهم وأوضاعهم ينبغي أن تُؤطَّرَ في ظِلِّ حالَةِ الجهاد والتَّدافُعِ القَائِمةِ بينهم وبين أعدائِهم. وهذا يَتطلَّبُ قَدرًا مِن فقه السياسَةِ الشَّرعيةِ الملائمِ للواقعِ حالًا ومآلًا. فالماكِثُون على الأَرضِ مِن المدَنِيين مُرابِطُون، والمقَاتِلُون مِنهم مُجاهِدون، والقَتلى مِنهم في المعارك شُهداءَ. فإن عَجِزُوا عن ثُغُورِ بلادِهم وَجبَ على إخوانِهم نُصرَتهم بما يستَطِيعون، كي لا تُفتَحَ على بِلادِ المسلمين ثُغورٌ أُخرى.

ثانيا: أنَّ هذه الحالةَ تتطلَّبُ وَقفَة صَادِقةً مع تَوجيهاتِ المولى سبحانه وتعالى التي تَرتَبِطُ بهذا الشأن. فقد وجَّهَ اللهُ تعالى المؤمنين لنُصرَةِ إخوانِهم في الدِّين الذين يُجبِرهم الظَّالمون لهِجرَةِ بُلدَانِهم. يقول تعالى وهو يَستَحِثُّ المؤمنين للقِتالِ: ((فَليُقَاتِل فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشرُونَ الحَيَاةَ الدُّنيَا بِالآخِرَةِ ومَن يُقَاتِل فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقتَل أَو يَغلِب فَسَوفَ نُؤتِيهِ أَجرًا عَظِيمًا * ومَا لَكُم لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والـمُستَضعَفِينَ مِن الرِّجَالِ والنِّسَاءِ والوِلدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخرِجنَا مِن هَذِهِ القَريَةِ الظَّالِمِ أَهلُهَا وَاجعَل لَنَا مِن لَدُنكَ وَلِيًّا وَاجعَل لَنَا مِن لَدُنكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَولِيَاءَ الشَّيطَانِ إِنَّ كَيدَ الشَّيطَانِ كَانَ ضَعِيفًا))[5].

وقال سبحانه عن شأنِ نُصرَةِ نَبِيِّه –وقد أُخرِجَ مِن بلده: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُم إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلتُم إلَى الأَرضِ أَرَضِيتُم بِالحَيَاةِ الدُّنيَا مِن الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبكُم عَذَابًا أَلِيمًا ويَستَبدِل قَومًا غَيرَكُم ولَا تَضُرُّوهُ شَيئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ * إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِي اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفلَى وكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ))[6].

فالله سبحانه أَمرَ المؤمنين بمنَاصَرةِ إخوانهم في الدِّين، وجَعلَ ذلك مِن الجهادِ في سبيله، كما جَعلَ دِفاعَ المؤمنين عن حقِّهم في البقاءِ في دِيارِهم، وجهادَهم لاستردادِها، جِهادًا في سبيله. وجَعلَ –سبحانه- للمُهاجرين الذين أُوذُوا حقًّا في الصَّدقاتِ والمعُونةِ والإيواءِ، فقال تعالى: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهلِ القُرَى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُربَى واليَتَامَى والـمَسَاكِينِ وابنِ السَّبِيلِ كَي لَا يَكُونَ دُولَةً بَينَ الأَغنِيَاءِ مِنكُم ومَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ * لِلفُقَرَاءِ الـمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِن دِيارِهِم وأَموَالِهِم يَبتَغُونَ فَضلًا مِن اللَّهِ ورِضوَانًا ويَنصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإِيمَانَ مِن قَبلِهِم يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم ولَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ويُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم ولَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الـمُفلِحُونَ))[7].

ثالثا: أنَّ حَالَ المهجرين واللاجئين في البلدان المختلِفةِ بحَاجَةٍ إلى غَوثٍ عَاجِلٍ، وعَونٍ دَائِمٍ، كي تقوى شُوكُتُهم ويُصلُبَ عُودُهم، ويُعودُوا إلى بلادِهم قَادِرين مُحرِّرين لها. وهذا يتطلَّبُ إسنادَهم، وتَقدِيمَ كَافَةِ التَّسهيلاتِ لهم، ورِعايتَهم لإغلاقِ بابِ الحَاجَةِ عنهم، صِيانَةً لهم مِن التَّوظِيفات المنحَرفَةِ التي قد تُوظِّفُهم فيها مَشاريعُ الفسَادِ والتَّآمُر، وكي لا تتخطفهم أيادي التنصير أو الإلحاد أو الضلال.

فعلى الحكومات الإسلامية –والعربيةِ مِنها خاصَّةً- فتحُ أبوابِها لاستقبالِهم، وإيوائِهم، وتَعلِيمِهم، وتَمكينِهم مِن العَيشِ الكريمِ كي يكونوا عُونًا لمـَن في الدَّاخِل، وسَندًا لقَضيَّتهم، ورَصيدًا لجولاتِ المعاركِ القَادمَةِ مع قوى الاستبعاد والاستكبار التي أخرجتهم. ومِن المؤسفِ أن يَتمَّ حِصارُهم في المخيمات، وسَجنُهم فيها، أو إغلاقُ منافِذِ التَّعليمِ والعَملِ والعَيشِ والتَّنقَّلِ أمامَهم، كما هو حاصل في بعض الدول. فإنَّ هذا يُوهِنُهم، ويُوهِنُ مَن هُم في الجبهاتِ الداخليةِ مِن أبنائهم، ويَضطرُّهم للهِجرةِ مجددًا للذَّهابِ إلى البُّلدانِ غَيرِ الإسلامية، حيث يَتمُّ استقبالهم وإفادتُهم!!

كما أنَّ على العلماء تَقدِيمَ رُؤى فِقهيَّةٍ شامِلةٍ تستوعِبُ هذه الظاهرة الاجتماعية، وتشمل جَوانِبَ الضَّرورات الشرعيةِ والحاجيات الإنسانية، وتَضعُ الحلول المناسِبةَ للأَزماتِ المتولِدةِ عن هذه الظُّروفِ تَعبُديًّا وأخلاقيًّا ومَعيشيًّا واجتماعيًّا. آخِذِين بعِينِ الاعتبارِ كافَّةَ الظُّروفِ المحيطةِ بهؤلاءِ المهجرين، سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وتبَايُنها مِن بيئةِ لأخرى. مع ضَرورةَ أن تتَشكَّلَ جُهودٌ أهليةٌ واسعةٌ لتُلبِّي احتياجات هذا الكمِّ البَشري الهائل الفردية والجماعية، وتُبقي جَذوةَ انتمائِه لدِينِه وأُمَّتِه وبَلدِه قائِمًا وحاضِرًا في وِجدانِه وشُعورِه وأحاسِيسِه وحركتِه.

رابعا: تُجرِّمُ القوانينُ الوضعيةُ على صَعيدِ الدُّولِ أو المنظومَةِ الأُمميةِ الإبادةَ الجماعِيةَ والتَّهجيرَ القَسريَّ، وتَنصُّ على مُعاقَبةِ مَن يَرتكِبُها. وهذا مَدخَلٌ قَانُونيٌّ مُناسِبٌ في الدفاعِ عن قضَايا المهجَّرين مِن بُلدانِهم في غير الدول الإسلامية، كحالَةِ مُسلمي بُورمَا، والذين يمثلون أقليةً دِينيةً يجري اضطهادُها وإبادتُها عِرقيًّا وتهجيرُها على أساسٍ ديني. ومن ثمَّ فينبغي أن يكون للحكومات العربية والإسلامية دور في دعمهم ومساندتهم، وإيقاف الاضطهاد والإجرام الواقع عليهم، تحت عنوان المواثيق الأممية والاتفاقات الدولية.

وعلى المسلمين جميعا أن يوقنوا أنَّ هذه مَرحلَةَ ابتِلاءٍ تَمرُّ بها الأُمَّةُ المسلِمةُ اليوم ليشتدَ عُودُها ويَقوى مِراسُها، فالأيام دولٌ والعاقبة للمتقين: ((فَاستَجَابَ لَهُم رَبُّهُم أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَى بَعضُكُم مِن بَعضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وأُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وأُوذُوا فِي سَبِيلِي وقَاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنهُم سَيِّئَاتِهِم ولَأُدخِلَنَّهُم جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ ثَوَابًا مِن عِندِ اللَّهِ واللَّهُ عِندَهُ حُسنُ الثَّوَابِ * لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأوَاهُم جَهَنَّمُ وبِئسَ الـمِهَادُ))[8].

 

[1] البقرة: 246.

[2] الحج: 38- 40.

[3] الممتحنة: 8- 9.

[4] البقرة: 190- 191.

[5] النساء: 74-76.

[6] التوبة: 38- 40.

[7] الحشر: 7- 9.

[8] آل عمران: 195- 197.