أصول و محكمات /

فَضلُ العِلمِ الصَّحيحِ بالله [ مقال ]

[ الجمعة 4 جمادى الآخر 1438 هـ ] [ 405 ]

قال الله تعالى: ((قَالَ يَا أَيُّهَا الـمَلَأُ أَيُّكُم يَأتِينِي بِعَرشِهَا قَبلَ أَن يَأتُونِي مُسلِمِينَ * قَالَ عِفرِيتٌ مِن الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وإِنِّي عَلَيهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلمٌ مِن الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبلَ أَن يَرتَدَّ إِلَيكَ طَرفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُستَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضلِ رَبِّي لِيَبلُوَنِي أَأَشكُرُ أَم أَكفُرُ ومَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشكُرُ لِنَفسِهِ ومَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ))، النمل: 38- 40. هذه الآيات الكريمات تَعرِضُ حَدثًا تارِيخيًّا وقَعَ مع نبيِّ اللهِ سليمان –عليه الصلاة والسلام، وهو يَرغَبُ في إظهَارِ عَظمَةِ مُلكِه الذي وَهبَه اللهُ تعالى له لأَهلِ سبَأَ. وقد كانت سبَأُ -في ذلك الوقت- مملَكةً رَغِيدةَ العَيشِ قَويَّةَ الجَيشِ. فطَلبَ ممَّن كان حَاضِرًا في مجلِسه مِن خَاصَته أن يَأتُوه بعَرشِها، على سَبيلِ الإسرَاعِ والتَّعجُّلِ، قُبيلَ وُصولِ وَفدِ مملكَةِ سبَأ إليه، في حَاضِرةِ دَولتَه ببَيتِ المقدسِ. ومعلومٌ أنَّ الرِّحلةَ في تلك الحقبةِ التَّارِيخيةِ بين اليَمنِ والشَامِ كانت تَستَغرِقُ ما لا يَقلُّ عن ثلاثةِ أَشهر، عَبرَ وسَائِلَ النَّقلِ التَّقلِيديةِ المتمثلةِ في الخُيولِ والبِغالِ والجِمالِ. فالمسَّافةُ بين اليمن وفلسطين تَزيدُ عن ألفي كيلومتر، ولا بُدَّ لقوافِلِ السَّيرِ قديما مِن المبيت والراحة.

المتنافسون:

تقدَّم لتَلبِيَةِ طَلبِه شَخصَان؛ الأوَّل وَصفَه القُرآنُ بأنَّه (عِفرِيتٌ مِن الجِنِّ)، وهو وَصفٌ مُتعلِّقٌ بجِنسِ الخِلقَةِ؛ والثَّاني وَصفَه القُرآنُ بأنَّه (الَّذِي عِندَهُ عِلمٌ مِن الكِتَابِ)، وهو وَصفٌ لا يُوضِّحٌ جِنسَ المخلُوقِ ولكن ما تَميَّزَ به فَوقَ خِلقَتِه، ألا وهو العِلم. وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّه ليس مِن جِنس ِالمتكلِّم الأوَّل.

ومِن المعلومِ أنَّ الله تعالى مَنحَ سليمانَ –عليه الصلاة والسلام- مُلكًا عَظيمًا، وسَخَّرَ له الإنسَ والجِنَّ والطَّيرَ والحيوانَ والرِّياحَ. غير أنَّ طاعَةَ الجِنِّ والشَّياطينِ لسليمانَ لم تكُن مِن جِنسِ طاعَتِهم ومعاونَتِهم للسَّحرةِ والكُهَّانِ والمشعوِذِين، والكُفَّارِ وأهلِ البَاطِلِ والضَّلالِ والغَي. وِمن ثمَّ فإنَّ قيامَ هذا العِفريت بما يُلبِّي طَلبَ سُليمانَ إنَّما يأتي في إطارِ شَرعِ الله، لا خَارِجًا عنه، ولا مُنحَرفًا مِنه. فما كان سليمانُ –عليه الصلاة والسلام- ليسمَحَ في مُلكِه الذي وَهبَه اللهُ إيَّاه لعِفريتٍ مِن الجِنِّ أن يُمارِسَ السِّحرَ أو الشَّعوذَةِ؛ وإنَّما أن يَعمَل معه بطَاقَته وقُوَّته التي مَنحَه الله إياها، والتي يفُوقُ في كَثيرٍ مِنها طَاقةَ البَشرِ وقُوتهم[1]. وهذه مُعجِزَةٌ وكَرامَةٌ لهذا النَّبي الجليل.

إذَن فالعِفريتُ خَاطبَ سليمان استِنادًا إلى قُدرَته وطاقَته التي مكنَّه الله مِنها. وما يقومُ به الجِنُّ مِن خوارقَ تختلفُ عن مُعجزاتِ الأنبياءِ –عليهم الصلاة والسلام. فجِنسُ آياتِ الأَنبياءِ خَارجةٌ عن مَقدُورِ البَشر، بل وعن مقدُورِ جِنسِ الجنِّ والحيوان؛ وأمَّا خَوارق غيرِهم فإنَّها مِن جِنسِ ما يقدِرُ عليه الإنسُ والجنُّ والحيوانُ. وحَملُ العِفريتِ للعَرشِ والطَّيرانُ به هو مِن جِنسِ مَقدُورِ الطُّيورِ، فإنَّها تحمِلُ فرَائِسَها مِن مكانٍ لآخَرَ. وهذا تَصرُّفٌ فيما هو مَقدُورٌ للمخلوقين، وليس فيه ما يَختَصُّ الرَّبُّ بالقُدرةِ عليه، ولا ما يَختصُّ به الملائكة. فنَقلُ شيءٍ مِن مكانٍ إلى مكانٍ يفعَلُه الإنسُ والجِنُّ، لكنَّ الجنّ تفعَلُه دُون أن يُبصِرَ النَّاسُ به[2]. فما يَقدِرُ عليه الإنسُ يَقدِرُ عليه الجنُّ والحيوان، وما يَقدِرُ عليه الجنُّ يَقدِرُ عليه الإنسُ والحيوان، ولكن تختلف قُدرَتهم وحِيلُهم وطَرائقُهم في ذلك. "والجنُّ يطيرون في الهواءِ، وعلى الماءِ، ويحملون الأجسامَ الثَّقيلةِ".[3]

والأقوالُ في (الَّذي عِندَه عِلمٌ مِن الكِتابِ)، واستطاعَ إحضَارَ عَرشِ بلقيسَ، كَثيرةٌ، مِنها أنَّه:

- سليمان –عليه الصلاة والسلام، وهو قَولٌ لا يَتَّفِقُ مع طَبِيعةِ السِّياقِ؛ ولا يَزِيدُه الوَصفُ المذكورُ مَعنى ممدُوحًا فَوقَ النُّبوةِ.

- مَلكٌ مِن الملائِكةِ، وقِيلَ هو جِبريلُ -عليه السلام، وهو قَولٌ ليس له ما يُؤيِّدُه مِن النَّص. ثمَّ إنَّ الملائكةَ لدِيها مِن القُدرةِ الذَّاتِيةِ ما يُمكِّنُها أن تُحقِّقَ مُرادَ سُليمانَ -عليه الصلاة والسلام، دون إشارةٍ للعلم.

- إنسيٌّ.. صَالحٌ، وهذا هو الأَقربُ للصَّوابِ والأَوفَقُ للسِّياقِ. فإنَّ خِطابَ سُليمانَ للمَلأِ مِن حَولِه خِطابٌ للإنسِ والجِنِّ، ممَّن سُخِّروا له وعملوا في سُلطَانه((يا أَيُّها المـَلأُ)). ويمكن استنبَاطُ جِنسِه مِن خلال الوَصفِ المقَابِلِ له، تَمييزًا له عنه: ((قال عِفرِيتٌ مِن الجِنِّ)). ولم يتم تَعيينُ اسمِه كما لم يتم تعيين شَخصِهِ، لا في كِتابٍ ولا في سُنةٍ، وما ذكره بعضُ الصَّحابةِ والتَّابِعين يكونُ مُتلقًا عن الإسرائيليات؛ علما بأنَّه ليس في تَعيين اسمه فَائِدةٌ تُذكر.

وقد جاءَ وَصفُ هذا الشَّخصِ في الآيةِ بما له ارتِباطٌ بما حَدَثَ، تَفضِيلًا له ولما اتَّصفَ به مِن العِلم. وقِيلَ في (عِلمِ الكِتاب) عِدةُ أقوالٍ مٍنها:

- عِلمٌ بما في اللوحِ المحفُوظِ: وهذا مِن أَبعَدِ الأَقوالِ وأَغرَبِها. فإنَّ العِبادَ لا يَعلَمون بما في اللوحِ المحفُوظِ إلا بما علَّمهم اللهُ تعالى إيَّاه بالوحي، ولا وَحيَ في الأَمرِ، ولم يَثبُت أنَّ القَائِلَ نَبيٌّ، فبَطُلَ كُونُه عِلمٌ بما في اللوح المحفوظ.

- عِلمٌ بالسِّحر: وفي هذا القولِ اتِّهامٌ بإتيانِ السِّحرَ في مَجلِسِ سُليمان –عليه الصلاة والسلام، دُون إنكارٍ مِنه، وهو طَعنٌ فيه. وهذا مما يقُولُه بعضُ بني إسرائيل، والعامَّة.

- عِلمٌ بالتَّوراةِ التي أُنزِلَت على موسى –عليه الصلاة والسلام؛ وقيل: عِلمٌ بالزَّبورِ، وقيل: عِلمٌ بالكُتُبِ السَّماويةِ، وهذا هو الأَليقُ والأَقربُ للسِّياقِ، ومُتعلَّقُ التَّميُّزِ والمدحِ.

معاني (الكتاب) في القرآن الكريم:

إنَّ مِن المهِمِ دَومُا في مَعرِفةِ مُرادِ المتكلِّمِ مَعرِفةُ اصطلاحَاتِه، وفي أيِّ المعَاني يُطلِقُها في استخدامَاته. وقد استَخدَم الشَّرعُ ألفَاظًا في غَيرِ اصطِلاحِها اللُّغَويِّ لمعَانٍ أرادَها هو وَعيَّنها؛ كالصلاة والصيام والحج وغيرها. وحَملُ الكلامِ على مَعهودِ الشَّارعِ في خِطابِه أَولى مِن حَملِها على الاصطِلاحِ اللُّغويِّ. وهذا المعهُودُ إنَّما يكون بالوُقوفِ على مجموعِ نُصوصِ الشَّرعِ، ومَعرفَةِ استخداماتَه للألفاظ فيها.

وحيثُ أنَّ كَلمةَ (الكِتَاب) ورَدَت في القرآنِ الكريمِ أكثر مِن (175) مَرةً؛ فإنَّها لم تخرُج في الغالب عن الإشارة إلى:

- القُرآنِ الكريمِ. كما في قوله تعالى: ((ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيبَ فِيهِ هُدًى للمُتَّقِينَ))، البقرة: 2.

- التَّوراةِ. كما في قوله تعالى: ((أَتَأمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وتَنسَونَ أَنفُسَكُم وأَنتُم تَتلُونَ الكِتَابَ أَفَلَا تَعقِلُونَ))، البقرة: 44.

- الإنجِيلِ. كما في قوله تعالى: ((قُل يَا أَهلَ الكِتَابِ لَا تَغلُوا فِي دِينِكُم غَيرَ الحَقِّ ولَا تَتَّبِعُوا أَهوَاءَ قَومٍ قَد ضَلُّوا مِن قَبلُ وأَضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ))، المائدة: 77.

- الكُتُبِ المنزلَةِ عُمومًا. كما في قوله تعالى: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ وأَنزَلَ مَعَهُم الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ))، البقرة: 213.

وإن خَرجَت ففي حُدودٍ ضَيِّقَةٍ، وفي سِياقَاتٍ محدُودَةٍ، كما في قوله تعالى: ((مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ))، الأنعام: 38. فالكِتابُ هُنا المقصودُ به اللَّوحُ المحفوظُ. وكما في قوله تعالى: ((ولَا جُنَاحَ عَلَيكُم فِيمَا عَرَّضتُم بِهِ مِن خِطبَةِ النِّسَاءِ أَو أَكنَنتُم فِي أَنفُسِكُم عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُم سَتَذكُرُونَهُنَّ ولَكِن لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُوا قَولًا مَعرُوفًا ولَا تَعزِمُوا عُقدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ واعلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُم فَاحذَرُوهُ واعلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ))، البقرة: 235. فالكِتابُ هنا إشَارةٌ إلى العِدِّةِ، وهي حكمُ اللهِ في كِتابِه. وكما في قوله تعالى: ((وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا))، الكهف: 49. ويُقصَدُ به كِتابُ الحسَناتِ والسِّيئاتِ التي دَوَّنتها الملائكةُ على بني آدمَ في الحياة الدنيا.

فالأقرَبُ إذن لتَفسيرِ الآيةِ أنَّ المقصُودَ بالكِتابِ هو الكِتابُ المنزَلُ، سَواءَ أُريدَ به التَّوراةُ أو الزَّبورُ أو غيرها ممَّا أُنزِلَ على بني إسرائيل. وأنَّ المرادَ بقولِه تعالى: (عِلمٌ مِن الكِتابِ) اختِصاصُه بأَمرٍ دُون مَن سِواه. كما جاءَ على لسانِ موسى –عليه الصلاة والسلام، والخَضِرِ، في الحديث المتَّفقِ عليه. قَالَ موسى: هَل أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمتَ رَشَدًا؟ قَالَ: (إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا، يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلمٍ مِن عِلمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعلَمُهُ أَنتَ، وأَنتَ عَلَى عِلمٍ عَلَّمَكَهُ لَا أَعلَمُهُ). فـ(مِن) أفادَت اختِصاصَ كُلٍّ مِنهما بعِلمٍ دُونَ الآخر.

"عِلمُ البَاطِن".. "العلم اللَّدُني":

يَذهبُ أَهلُ التَّصوُّفِ إلى أنَّ هذا الشَّخصَ وَليٌّ صَالحٌ له عِلمٌ بَاطِنٌ لا يَعلَمُه غَيرُه. رَغبَةً في تَوظِيفِ هذه الآياتِ في إثبَاتِ عِلمٍ بَاطِنٍ للنُّصوصِ الشَّرعيةِ كما في أَدبيَّاتهم هُم، وفي عَقائِدهم الخَاصَّة. وإثباتُ طَريقِ العِلمِ بأنَّه مِن الكِتابِ يَنفِي هذا التَّوجيهَ، فإنَّ الصُّوفيةَ يُسمُون العُلومَ البَاطِنةِ عُلومًا "لدُنيَّةً"؛ أي أنَّها عُلومٌ مُتلقَاةٌ مِن الله مبَاشَرةً لا مِن الكِتابِ. فـ"العِلمُ اللَّدُني" عندهم هو "الذي لا وَاسِطةَ في حُصُولِه بين النَّفسِ وبين البَاري، وإنَّما هو كالضَّوءِ مِن سِراجِ الغَيبِ، يَقعُ على قَلبٍ صَافٍ فَارِغٍ لَطِيفٍ".

وفي حين يَستَشهِدُ الصُّوفِيةُ بقول الله تعالى: ((فوَجَدَا عَبدًا مِن عِبَادِنَا آَتَينَاهُ رَحمَةً مِن عِندِنَا وعَلَّمنَاهُ مِن لَدُنَّا عِلمًا))، الكهف: 65، فإنَّهم مِن حَيثُ لا يَشعُرُون ينَاقِضُون مَبدَأَهم، فإنَّ هذا العِلمَ الذي أُوتِيه الخَضِرُ تَلقَّاه مُوسى عنه تَعلِيمًا، بالمشَاهَدةِ والخِبرَةِ، لا عن الله؛ وذكرَه القُرآنُ الكريمُ في ثنَايا وَقائِعِ الحَديثِ بين الخَضِرِ ومُوسى –عليه الصلاة والسلام. فأَقصَى ما في هذا العِلمِ هو تَحقِيقُ المقَاصِدِ الشَّرعيةِ والمصَالحِ المرعِيةِ التي أَتتَ بها الشَّريعةُ، اعتِبارًا بالمقَامَاتِ والمآلاتِ، ولو بارتكَابِ ما ظَاهِرُه الفسَادُ أو الجُهدُ الذي لا نفَعَ فيه.

فإن قُصِدَ بعِلمِ البَاطِنِ العِلمُ بالاعتقادَاتِ الصَّحِيحَةِ والفَاسِدةِ، والإرَادَاتِ الصَّحيحةِ والفَاسِدةِ، والعِلمِ بمعرِفةِ اللهِ ومَحبَّتِه والإخلاصِ له، وخَشيَتِه والتَّوكُّلِ عليه، والرَّجاءِ له والحُبِّ فيه والبُغضِ فيه، والرِّضا بحُكمِه والإنابَةِ إليه، والعِلمِ بما يُحمَدُ ويُذمُّ مِن أَخلاقِ النُّفوسِ: كالسَّخاءِ والحيَاءِ والتَّواضُعِ والكِبرِ والعُجبِ والفَخرِ والخُيلاءِ، وأَمثالِ ذلك مِن العُلومِ المـُتعَلِّقَةِ بأُمُورٍ بَاطِنَةٍ في القُلوبِ، فهذا العِلمُ هو العِلمُ بحَقِيقَةِ الدِّينِ وأَصلِه. فإنَّ اعتقادَ القَلبِ أَصلٌ لقَولِ اللِّسانِ، وعَملَ القَلبِ أَصلٌ لعَملِ الجوَارحِ؛ فالقَلبُ مَلِكُ البَدنِ. وهذا العِلمُ ظَاهِرٌ مَبثُوثٌ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ. ومَن كان بأُمُورِ القَلبِ أَعلَم كان أَعلَمَ بِه، وأَعلَمَ بمعَاني القُرآنِ والحَديثِ فيه. وعَامَّةُ النَّاسِ يجِدُون هذه الأُمورَ في أَنفُسِهم ذُوقًا ووَجدًا. فتكون مَحسُوسَةً لهم بالحِسِّ البَاطِنِ؛ لكنَّ النَّاسَ مُتفَاضِلُون في حقَائِقِ الِإيمَانِ تفَاضُلا عَظِيمًا. ولهذا كان في حَقَائِقِ الإيمَانِ البَاطِنةِ، وحقَائِقِ أنبَاءِ الغَيبِ التي أَخبَرت بها الرُّسلُ ما لا يَعرِفُه إلا خَواصُ النَّاس. فيكون هذا العِلمُ بَاطِنًا مِن جِهتَين: مِن جِهَةِ كون المعلُومِ بَاطِنًا، ومِن جِهةِ كَون العِلمِ باطِنًا لا يَعرِفُه أَكثرُ النَّاسِ. والكلامَ في هذا العِلمِ يَدخلُ فيه مِن الحقِّ والبَاطِلِ ما لا يَدخلُ في غَيرِه، فما وَافقَ الكِتابَ والسُّنةَ فهو حَقٌّ، وما خَالَفَ ذلك فهو بَاطِلٌ، كالكلامِ في الأُمورِ الظَّاهِرة.

وأمَّا إذا أُريدَ بالعِلمِ البَاطِنِ العِلمُ الذي يَبطُنُ عن أَكثَرِ النَّاسِ، أو عن بَعضِهم، فهذا على نوعين: أحدهما بَاطِنٌ يخَالِفُ العِلمَ الظَّاهِرَ أي ما جَاءَ به الكِتابُ والسُّنةُ، والثَّاني لا يُخَالِفُه. فأمَّا الأَوَّلُ فبَاطِلٌ. فمَن ادَّعى علمًا باطِنًا أو عِلمًا ببَاطِنٍ يخَالِفُ العِلمَ الظَّاهِرَ كان مُخطِئًا، إمَّا مُلحِدًا زِندِيقًا، وإمَّا جَاهِلا ضَالًا. والبَاطِنُ المخَالِفُ للظَّاهِرِ المعَلومِ مِثلَ ما يدَّعِيه البَاطِنيةُ القَرامِطةُ مِن الإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم، ممَّن وَافقَهم مِن الفَلاسِفةِ وغُلاةِ المتَصوِّفةِ والمتكلمين. وأمَّا الثَّاني فهو بمنزِلةِ الكَلامِ في العِلمِ الظَّاهِرِ، قد يكون حَقًّا وقد يكون بَاطِلًا. فإنَّ البَاطِنَ إذا لم يخَالِف الظَّاهِرَ لم يُعلَم بُطلَانُه مِن جِهةِ مُخالَفَته للظَّاهِرِ المعلُومِ، فإنَّ عُلِمَ أنَّه حَقٌّ قُبِلَ، وإن عُلِمَ أنَّه بَاطِلٌ رُدَّ، وإلا أُمسِكَ عنه.

ولا رَيبَ أنَّ اللهَ تَعَالى يَفتَحُ على قُلُوبِ أَوليَائِه المتقِين وعِبادِه الصَّالحين، بسَبَبِ طهَارةِ قُلوبِهم مما يَكرَهُه، واتِّبَاعِهم ما يُحبُّه، مِن الفَهمِ عنه مُرادَه في خَبَرِه وقَضائِه وشَرعِه، ما لا يَفتَحُ به على غَيرِهم. وفي الصحيحين أنَّه قيل لعلي بن أبي طَالب –رضي الله عنه: هل عندكم مِن رَسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- كتَابٌ تَقرؤُونه؟ فقال: "لا والذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرأَ النِّسمَةَ، إلا هذه الصَّحيفَةَ، وفيها أسنانُ الإبلِ، وفِكاكُ الأَسيرِ، وألَّا يُقتَلُ مُسلِمٌ بكَافِر"، وفي لفظ: هل عَهِدَ إليكم رَسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- شَيئًا لم يَعهَده إلى النَّاس؟ فقال: "لا"، وفي لفظ: "إلا فَهمًا يُؤتِيه اللهُ عبدًا في كِتابِه". وفي الأَثر: "مَن عَمِلَ بما عَلِمَ وَرَّثَه اللهُ عِلمَ ما لم يَعلم". فهذا هو "العِلمُ اللَّدُني"، أن يَعرِفَ العَبدُ الحَقَّ في النَّصِّ القَابِلِ للاجتهَادِ، وأن يَفهَم مُرادَ اللهِ في النَّصِّ القَابِلِ لتَعدُّدِ التَّأويلات، وأن يَعلَم قَصدَ اللهِ في ذاتِ الأَمرِ، كل ذلك بفهم يقذفه الله في عقله، ونور يجده في بصيرته، وأمر يقذفه في قلبه.

والنَّاسُ -في هذا الباب- على ثَلاثَةِ أقسَامٍ، طرفَانِ ووَسطٌ. فقَومٌ يَزعُمُون أنَّ مجرَّدَ الزُّهدِ وتَصفِيةُ القَلبِ ورِياضَةُ النَّفسِ تُوجِبُ حُصُول العِلمِ بلا سَببٍ آخَرٍ؛ وقُومٌ يقولون لا أَثرَ لذلك بل الموجِبُ للعِلمِ العِلمُ بالأَدِلةِ الشَّرعِيةِ أو العَقلِيةِ؛ وأمَّا الوَسطُ فهو أنَّ ذلك مِن أَعظَمِ الأَسبَابِ مُعاوَنةً على نَيلِ العِلمِ، بل هو شَرطٌ في حُصولِ كَثِيرٍ مِن العِلمِ، وليس هو وَحدَه كافِيًا، بل لا بُدَّ مِن أَمرٍ آخَر، إمَّا العِلمُ بالدَّليلِ فيما لا يُعلمُ إلَّا به، وإمَّا التَّصورُ الصَّحِيحُ لطَرفَي القَضِيَّةِ في العُلومِ الضَّرورِيَّةِ. وأمَّا العِلمُ النَّافِعُ الذي تحصُلُ به النَّجاةُ مِن النَّارِ ويَسعَدُ به العِبادُ فلا يَحصُلُ إلا باتباعِ الكُتُبِ التي جَاءَت بها الرُّسل، قال تعالى: ((فإمِّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدَى فمَن اتَّبعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ ولا يَشقَى * ومَن أَعرَضَ عن ذِكرِي فإنَّ لَه مَعِيشَةً ضَنكًا ونَحشُرُه يَومَ القِيامَةِ أَعمَى * قال رَبِّ لمَ حَشَرتَني أَعمَى وقَد كُنتُ بَصِيرًا * قالَ كَذَلِكَ أَتَتكَ آيَاتُنَا فنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَومَ تُنسَى))... فمَن ظَنَّ أنَّ الهُدَى والإيمَانَ يَحصُلُ بمُجرَّدِ طَريقِ العِلمِ مع عَدَمِ العَملِ به، أو بمُجرَّدِ العَمَلِ والزُّهدِ بُدونِ العِلمِ فقد ضَلَّ، وأَضَلُّ مِنهما مِن سَلكَ في العِلمِ والمعرِفَةِ طَريقَ أهلِ الفَلسَفةِ والكَلامِ بدُونِ اعتبَارِ ذلك بالكِتابِ والسُّنَّةِ، ولا العَملِ بمُوجِبِ العِلمِ، أو سَلَكَ في العَمَلِ والزُّهدِ طَريقَ أهلِ الفَلسَفةِ والتَّصَوُّفِ، بدُونِ اعتبَارِ ذلك بالكِتابِ والسُّنَّةِ، ولا اعتبَارِ العَمَلِ بالعِلمِ؛ فأَعرَضَ هؤلاءِ عن العِلمِ والشَّرعِ، وأَعرَضَ أولئك عن العَمَلِ والشَّرعِ، فَضلَّ كُلٌّ مِنهما مِن هذين الوَجهَين، وتبَايَنُوا تبَايُنًا عَظِيمًا، حتى أَشبَه هؤلاءِ اليَهودَ المغضُوبِ عليهم، وأَشبَه هؤلاءِ النَّصَارَى الضَّالين؛ بل صَارَ مِنهما مَن هو شَرٌّ مِن اليَهودِ والنَّصارَى كالقرامطةِ والاتحاديةِ وأمثالهم مِن الملاحدةِ الفَلاسِفةِ".[4]

وقد سمى الله تعالى الوحي الذي أنزله على رُسُلِه عِلمًا، بما في ذلك القرآن، في آيات كثيرة. قال تعالى: ((ولَن تَرضَى عَنكَ اليَهُودُ ولَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم قُل إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُو الهُدَى ولَئِنِ اتَّبَعتَ أَهوَاءَهُم بَعدَ الَّذِي جَاءَكَ مِن العِلمِ مَا لَكَ مِن اللَّهِ مِن وَلِيٍّ ولَا نَصِيرٍ))، البقرة: 120. وقال سبحانه: ((قُل آمِنُوا بِهِ أَو لَا تُؤمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ مِن قَبلِهِ إِذَا يُتلَى عَلَيهِم يَخِرُّونَ لِلأَذقَانِ سُجَّدًا))، الأسراء: 107. فمَن عَلِمَه عَلِمَ عن اللهِ تعالى، ولا يعقل أو يجوز شرعا أن يكون "العِلمُ اللَّدُني" عن الله مُناقِضًا في حَقِيقَته لعِلمِ اللهِ "الوحي" الظَّاهِر. وإنَّما أَنكَرَ واستَشكَلَ مُوسى على الخَضرِ فِعلَه على ظَاهِرِ الشَّرعِ، فلمَّا أبَان له الخضرُ ما تَلبَّس الوقائِعَ مِن ظُروفٍ ومُلابَسَات مُعتَبرَةٍ في ظَاهِرِ الشَّرعِ لم يُنكِر موسى عليه ذلك. بل إنَّ الخَضِرَ لم يُنكِر على مَوسى ما عَلِمَه مِن ظَاهِرِ الشَّريعَةِ، بل أَمرَه بالتِزامِ الصَّبرِ لبَيَانِ وَجهِ إِنزَالِ الأحكَامِ على الوَقائِعِ إلى حين يُخبِرُه بها. ومِن المعلومِ أنَّ العِلمَ يحصُلُ في قَلبِ العَبدِ بطُرقٍ مُختَلِفةٍ، وهي لا تتناقض بتاتا.[5]

وعلى فَرضِ أنَّ العِلمَ الذي تَميَّزَ به الرَّجُلُ الصَّالحُ "عِلمٌ لَدُني" فأيُّ عَلاقَةٍ له بإحضَارِ العَرشِ مِن اليمنِ إلى الشَّامِ في ظَرفِ لحظَاتٍ مَعدُودَةٍ؟! فإنَّ وُجودَ العِلمِ لا يُوجِبُ وُجودَ القُدرَةِ أو الفِعلِ. فإن قِيلَ بأنَّه لجَأَ إلى اللهِ بالدُّعاءِ، فهذا أَمرٌ آخرُ يقَعُ لكُلِّ مَن دعَا اللهَ صَادِقًا مُخلِصًا مُوقِنًا بالإجابةِ، قال تعالى: ((وقَالَ رَبُّكُمُ ادعُونِي أَستَجِب لَكُم إِنَّ الَّذِينَ يَستَكبِرُونَ عَن عِبَادَتِي سَيَدخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ))، غافر: 60. وإن قيل بأنَّه أَقسَمَ على اللهِ فأَبرَّه، فهذا أَمرٌ لا يُنكِرُه الشَّرعُ، وقد جاء في الحديث المتفق عليه: (إنَّ مِن عِبادِ اللهِ مَن لو أَقسَم على اللهِ لأبَرَّه). وفي الحالتين فهو ليس عِلمًا لَدُنيًّا، ولكنَّها حالَةً إيمَانيةً سَاميةً يَصدُقُ فيها المرءُ ويُخلِصُ، حتى يَجِدَ القَبولَ والإجَابَةَ مُتحقِّقةً عَاجِلا غيرَ آجِلٍ.

العلم المادي والطبيعي:

ذَهبَ البَعضُ في تَأوِيلِ العِلمِ المشَارِ إليه بأنَّه العِلمُ المادِيُّ والطَّبيعِيُّ، وأنَّ في ذلك إشارةً قُرآنيةً في فَضلِ العِلمِ المادي الصَّحيحُ. وهنا عدة ملاحظات:

الأولى هي أنَّ مَعهُودَ القُرآنِ الأَعَمِ في العِلمِ هو العِلمُ بالوحي الإلهي، وهذا ما يُناسِبُ الآية، خَاصَّةً وأنَّه ربط بالكِتابِ، وقد سَبقَ أن ذَكرنا أنَّ الكِتَابَ في مَعهودِ النَّصِ القرآني هو الوحي. ولو وُقِفَ على لَفظَةِ (عِلمٌ) لكان أُفُقُ تَأوِيلِه بالعِلمِ المادِي والطَّبيعي أَوسع. وهذا لا يُنافي أنَّ القُرآن الكريم يُثني على العِلمِ مِن حيثُ هو.

الثانية أنَّ مُجرَّدَ وُجُودِ العِلمِ (المعرفة) لا يُثبِتُ وُجُودَ القُدرَةِ والفِعلِ، في أَمرٍ يتَطلَّبُ قُدرَةً وفِعلًا. فإنَّ العِلمَ بجَوازِ وقُوعِ أَمرٍ أو العِلمَ بقَوانينِ وقُوعِه لا يعني وُقوعَه، ما لم يَصحَب ذلك القُدرَةُ النَّافِذةُ والفِعلُ التَّامُ الذي يتَطلَّبَه حُدوثُ الأَمر.

الثالثة أنَّ العِلمَ أَمرٌ تَراكُميٌّ بنَائِيٌّ، لا يَنفَكُ عن تَطوُّرِ العَقلِ البَشريِّ، ولا يَنبُتُ في شَكلِ طَفرَةٍ مُنفَصِلةٍ عن بِيئَتِه. وعلى افتراض أن الشخص المشار إليه في الآية كان من ذوي العلوم المادية والطبيعية فإنَّ عِلمَه لا يَتجَاوزُ حُدودَ ما وَصلَ إليه عَصرُه والعُصورُ السابِقةُ له، ليفعل المستحيل. فعِلمُ الطَّيرانِ مثلا لم يَقُم على قَانُونٍ وَاحِدٍ، واكتِشافٍ أُحادِيٍّ، بل قَامَ على مَنظُومَةٍ مِن القَوانين والقَواعِدِ والاكتشافاتِ والأَدواتِ؛ حتى استطَاعَ أن يُحقِّقَ أمُورًا كانت مُستَحِيلةً في العَقلِ البَشري، ويَنقُلَ مِن الأَوزان ما لو أُخبِرَ به الأَولُون لأنكروه!

وقد أنَاطَ المنَافِسُ الثَّاني الفِعلَ إليه فَردًا -كما قال العِفرِيتُ قبله: ((أنا آتِيكَ به)). ومِن ثمَّ فإنَّ تَقيِيمَ عِلمِه وقُدرَتِه على الفِعلِ في إطَارِ الزَّمانِ والمكَانِ والظَّرفِ يَنفِي إثبَاتَ نَقلِه للعَرشِ على سَبيلِ السُّرعَةِ اعتِمادًا على عِلمِه هو وفِعلِه هو؛ فإنَّ نَقَلَ الأَشيَاءِ اليوم تَتِمُّ مع تَطوُّرِ العُلومِ والمعَارِفِ وتَعدُّدِ الوَسائِلِ والمكتشافات بجُهودِ جَمعٍ مِن النَّاسِ.

وعلى سَبيلِ الذَّهابِ إلى أنَّ المقصودَ بالعِلمِ العِلمَ الماديَّ والتِّجريبي فهل تَوقَّفَ عَمَلُ هذا العَالِم والعِلمُ على نَقلِ عَرشِ بلقيس فقط؟! أليس مِن الطبيعي أن يُوظَّفَ هذا العلمُ في قضايا أَكبرُ وأَعظمُ أهميَّةٍ لدولة سليمان؟!

ونَقلُ الأُمُورِ في المنطِقِ العِلميِّ والفُرُوضِ العَقلِيةِ ليس له إلَّا طَريقَين:

الأولى أن يَتِمَّ إعدَامُه في مَحِلِه وإيجَادُه في المحِلِ الآخَرِ، بدُون وَاسِطةٍ ولا وَسِيلةٍ، وهذا أَمرٌ لا يَقدِرُ عليه إلَّا الله. فإنَّه المـُوجِدُ المـُعدِمُ للخَلقِ.[6]

الثاني أن يَتِمَّ نَقلُه بالإزَاحَةِ، مِن خِلالِ حَركَةٍ، وهذا يتَطلَّبُ قُوةً وطَاقَةً مُحرِّكَةً له. وهذا بمقدُورِ المخلُوقِين، ولا يكون إلَّا بوَسِيلَةٍ وسَبَبٍ. وهذا ما يَقُومُ به البَشرُ اليوم في كُلِّ أَوجُهِ النَّقلِ البري والبحري والجوي، وإن كان النَّقلُ الجوي عُرِفَ مُتأخِرًا عن البري والبحري. وسواءَ جَرى نَقلُ الشَّيءِ كَامِلًا بهيئته وتركيبه، أم نُقِلَ مُفكَّكًا أو مُتحَلِّلًا ثم يرُكَّبُ فيما بعد على ما كان.[7]

وانتقَالُ رَسُولِ الله –صلى الله عليه وسلم- في الإسرَاءِ والمعرَاجِ جَرَى لرُوحِه وجَسدِه –على الصَّحيحِ- وِفقَ سُننِ اللهِ الكُونيَّةِ. وِفقَ مَبدَأ الإزَاحَةِ والحركَةِ، فقد حُمِلَ على ظَهرِ البُراق. وإن كان الأَمرُ مُعجِزًا في ذَاتِه لغَيرِ الأَنبيَاءِ والرُّسلِ. فلو أنَّ مُجرَّدَ العِلمِ المادي المنفَصِلِ عن السَّببِ يَنقُلُ لكان ذلك مُعجِزةً أَعظَمَ مِن الإسرَاءِ!

فثَبَتَ مِن مجمُوعِ ما تَقدَّمَ أنَّ العِلمَ المرادَ في الآيةِ ليس هو العِلمُ المادي والطبيعي، لا مِن جِهةِ ظَاهِرِ اللَّفظِ، ولا مِن جِهةِ المعاني المحتملة للفظ. وليس في ذلك إنكارٌ لنَفعِ العِلمِ المادِي وأَثرِه، وإنَّما تَأكِيدٌ على ضَرورَةِ القُدرَةِ والفِعلِ المصَاحِبةِ للعِلمِ، والتي تتَطلَّبُ بِيئَةً مِن الوسَائِلِ والوسَائِطِ والأدواتِ والجُهودِ الملائِمةِ لذلك العَصرِ وعُلومِه. فالعلم وحدَه لا يَصنَعُ المعجِزةَ، ولكن البِيئَةَ العِلميةَ بكُلِّ بُناها الصِّناعيةِ والتِّقنيةِ والهندسِيةِ والفِيزيائيةِ والميكانيكية.. إلخ، فلا يكفي أن تمتَلكَ أَفضَلَ نَظريَّةِ نَقلٍ دون بُنيَةِ نَقلٍ مُتكَامِلةٍ.

العلم بالله:

رأينا كيف أنَّ المرادَ بالعِلمِ في الآيةِ ليس المقصودُ به عِلمَ السِّحرِ والشَّعوذَةِ، ولا عِلمًا بَاطِنيًا يُخالِفُ علومَ الوحي المنزلِ، ولا عِلمًا مَادِيًا تَجريبيًا، كما أنَّه لا يمكن أن يكون عِلمًا عَقليًّا رِياضيًّا أو خَياليًّا مُجردًا، ليس له رَصِيدٌ في الفِعلِ والوَاقعِ. ولم يَبقَ إلَّا أن يُردَّ الأَمرُ إلى نِصابِه المعهُودِ مِن كلامِ الله تعالى، وهو أنَّه عِلمٌ بالوحي والدِّينِ الذي أَنزلَه الله تعالى، وامتَدحَ به عِبادَه المؤمنين ووَصفَهم بالرَّاسِخين في العِلم، حتى قَرنَ شهادَتهم بشهَادَته سُبحانَه وشهَادَة ملائكته.

والاختصاصُ الذي حَققَ به المنَافِسُ هذا الأَمرَ المعجِزَ هو العِلمُ باللهِ تعالى على الوَجهِ الأَكمَلِ، حيثُ يكون الإيمانُ به يَقِينًا، والوُثُوقُ بتَمَامِ قُدرَتِه وكمَالِ تَصرُّفِه مَقطُوعًا به دُون أَدنى شَك. هو العِلمُ الذي يَتبَعُه عَمَلٌ واتِّباعٌ، وخُضُوعٌ وانقيادٌ؛ ودَوامُ استِّعَانةٍ بالله، وحُسنُ تَوكُّلٍ عليه، بحيث إذا دَعَاه استجَابَ له، أو أَقسَم عليه أَبرَّه.

فهذا العَبدُ الذي تَقدَّم لمنَافَسةِ العِفريتِ مِن الجنِّ لم يَأتِ بقُوةٍ ماديةٍ أو سَببٍ مَاديٍّ، ولم تُحِل الآيةُ إلى ذلك، بل أحَالَت إلى ما قَامَ لدَيه مِن عِلمٍ من الكِتاب. وأَعظمُ عُلومِ الكِتابِ مَنزِلةً ومَكانَةً وحَظوةً العِلمُ بالله. فإنَّ كُتُبَ الله إنما نزَلَت لتَعرِيفِ العِبادِ بخَالِقِهم، ورَبِّهم، ومَليكِهم، وإِلههم. ومن كان بالله أعلم كان به أوثق وإليه ألجأ: ((فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمعَانِ قَالَ أَصحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهدِينِ * فَأَوحَينَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضرِب بِعَصَاكَ البَحرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرقٍ كَالطَّودِ العَظِيمِ * وأَزلَفنَا ثَمَّ الآَخَرِينَ * وَأَنجَينَا مُوسَى ومَن مَعَهُ أَجمَعِينَ * ثُمَّ أَغرَقنَا الآخَرِينَ))، الشعراء: 61- 66.

فإنَّ العفريت لما كان اعتماده على ذاته قال لسليمان: ((وإِنِّي عَلَيهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ))، أمَّا الذي عِندَه عِلمٌ مِن الكِتابِ فقد فَوَّضَ الأَمرَ لله، فلم يَنسِب لذَاتِه قُدرَةً ولا حِفظًا. وسواءَ أَقسَم هذا الرَّجلُ الذي عنده عِلمٌ مِن الكِتابِ، أو دعا الله تعالى باسمه الأعظم –كما هو مَذهبُ جمهُورِ المفسرين[8]، أو تمنَّى على الله في قَلبِه، فإنَّه كان على ثِقَةٍ بقُدرَةِ الله وقُوَّتِه. وفي الحديث: (القُلوبُ أوعيةٌ، وبعضُها أَوعَى مِن بعضٍ، فإذا سَألتُم اللَّهَ عزَّ وجلَّ -أيُّها النَّاسُ- فاسأَلوهُ وأَنتُم مُوقِنون بالإجَابةِ، فإنَّ اللَّهَ لا يَستَجيبُ لعَبدٍ دُعاهُ عن ظَهرِ قَلبٍ غَافلٍ)[9].

فما حَدث مِن إحضارِ العرش لم يكن فِعلَ عِفريتٍ ولا بَشرٍ، بل كرامةً إلهيةً لعبدٍ صالحٍ مِن جلساءِ نبي الله سليمان –عليه الصلاة والسلام. وفي هذا إثباتُ كرامةِ سليمان نفسه، حيث بَلغَ بأَتبَاعِه مِن الإخلاصِ والصِّدقِ مع الله هذه المنزلةَ مِن الله. "ومعلوم أنه لا يكون في وسع البشر الإتيان بالعرش بهذه السرعة، وأنَّ ذلك لا يحصل إلا بخصائص قدرة الله تعالى. وقطع المسافة البعيدة في لحظة لا يصح تقديره في الجواز إلا بأحد وجهين: إمّا بأن يقدَّم الله المسافة بين العرش وبين منزل سليمان، وإمّا بأن يعدم العرش ثم يعيده في الوقت الثاني بحضرة سليمان. وأيّ واحد من القسمين كان لم يكن إلّا من قبل الله...

ولـمَّا رأى سليمان ذلك أَخذَ في الشُّكرِ لله –سبحانه، والاعترافِ بعِظمِ نِعمِه، والاستحياء والتَّواضُعِ له، وقال: ((هَذَا مِن فَضلِ رَبِّي))، لا باستحقَاقٍ مِنِّي، ولا باستطاعَةٍ مِن غَيري، بل أَحمدُ النَّعمَةَ لربِّي حيث جَعلَ في قومي ومِن أُمتي مَن له الجاه عنده فاستجَابَ دُعاءَه"[10].

هذه هي البَدهيَّات التي يَنبَغي تفسيرُ الآياتِ في ضَوئِها، بعيدًا عن الخُرافةِ التي لا يَتقبَّلُها عَقلٌ ولا حِسٌ، والاعتقادات البَاطِلةِ التي لا تَسنُدُها نُصوصُ الوحيِّ ومُقررَاتِه، والتَّأويلاتِ التي لا تتَّفِقُ مع سِياقِ الأشخاصِ والظَّرفِ التَّاريخي والحضَّاريِّ للقِصةِ محلِّ التَّفسير.

وبهذا يتَبيَّن فَضلُ الإيمانِ باللهِ، والعِلمِ الصحيحِ به، والاستعانةِ والاعتمادِ عليه، وسُؤالِه ودُعائه إظهارًا لتَوحيدِه ونِعمَه، عل كُلِّ قُدرَةٍ مادِيةٍ وعِلمِ دُنيوي. ((فَلَمَّا رَآهُ مُستَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضلِ رَبِّي لِيَبلُوَنِي أَأَشكُرُ أَم أَكفُرُ ومَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشكُرُ لِنَفسِهِ ومَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)).

وهذا هو حَقيقةُ السَّرِّ بين الأَولياءِ وبين ربِّهم سبحانَه، يقول تعالى عن استفادة زكريا –عليه الصلاة والسلام- مِن حَالِ مَريمَ مع ربِّها: ((فتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الـمِحرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزقًا قَالَ يَا مَريَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَت هُوَ مِن عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَب لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتهُ الـمَلَائِكَةُ وهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الـمِحرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِن اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِن الصَّالِحِينَ))، آل عمران: 37- 39.

 

[1] يقول تعالى: ((واتَّبَعُوا مَا تَتلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ ومَا كَفَرَ سُلَيمَانُ ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحرَ ومَا أُنزِلَ عَلَى الـمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ ومَارُوتَ ومَا يُعَلِّمَانِ مِن أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحنُ فِتنَةٌ فَلَا تَكفُر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الـمَرءِ وزَوجِهِ ومَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلَّا بِإِذنِ اللَّهِ ويَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُم ولَا يَنفَعُهُم ولَقَد عَلِمُوا لَمَنِ اشتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن خَلَاقٍ ولَبِئسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُم لَوْ كَانُوا يَعلَمُونَ))، البقرة: 102.

[2] انظر في هذا الشأن كلاما مطولا لابن تيمية في: النبوات: ج1/144- 145.

[3] انظر: النبوات: ج1/523- 524.

[4] انظر في هذا الشأن: مجموع الفتاوى: ج13/230- 248.

[5] انظر في طرق العلم: درء تعارض العقل والنقل: ج9/28- 29.

[6] وقد افترض الإمام القرطبي –في معرض حديثه عن الآية- الانتِقالَ بأنَّه تمَّ بإحدى أمرين: إمَّا بإعدَامِ اللهِ الجَوهرَ في أَقصَى الشَّرقِ وإعَادَتِه في الحَالَةِ الثَّانيةِ، وهي الحالة التي بعد العَدمِ، في أَقصَى الغَربِ؛ وإمَّا بإعدَامِ الأَماكِنَ المتَوسِّطَةِ ثمَّ إعَادَتِها.

[7] ولا يَدخُلُ في ذلك ما يجري مِن نَقلٍ للصَّوتِ والصُّورَةِ في أَجزَاءَ مِن الثَّانِيَةِ عَبرَ مسَافَاتٍ طَويلَةٍ جِدًا. فإنَّ الذي يَتِمُّ نَقلُه ليس هو الصَّوتُ المادِيُّ والمنظُورُ المرئِي ذَاتُه، وإنَّما يَتِمُّ تَحوِيل الصَّوتِ المادِيُّ والمنظُورِ المرئِي إلى صِيغَةِ مَوجَاتٍ كهرومغناطيسية يَتِمُّ إرسَالها عَبرَ الأَسلاكِ المعدِنيةِ أو الفَضاءِ، وإعَادَةِ تَرجَمَتِها مُجدَّدًا إلى صِيغَةِ صَوتٍ مماثِلٍ أو صُورَةٍ مُطَابِقَةٍ على جِهازٍ في مَحلِّ التَّلقِّي. فالمنقُولُ ليس هو عَينُ المسمُوعِ أو المرئي وإنَّما نَظيرٌ له، كوَرقَةِ الفَاكسِ مَثلا، تَبقَى بِيدِك ويَصِلُ نُظِيرُها للمتلقي.

[8] قال ابن القيم: " فاسمه لا يذكر على قليل إلا كثره، ولا على خير إلا أنماه وبارك فيه، ولا على آفة إلا أذهبها، ولا على شيطان إلا رده خاسئا داحرا، وكمال الاسم من كمال مسماه, فإذا كان شأن اسمه الذي لا يَضرُّ معه شيءٌ في الأَرضِ ولا في السَّماءِ فشأنُ المسمى أَعلى وأَجلُّ"، الصلاة وأحكام تاركها: ج1/143.

[9] رواه أحمد في مسنده، عن عبدالله بن عمرو: ج10/140، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح؛ وحسَّن إسناده الشوكاني، والألباني في صحيح الترمذي.

[10] لطائف الإشارات، لعبدالكريم القشيري، تحقيق إبراهيم البسيوني، الهيئة المصرية العامة للكتاب- مصر، ط3: ج3/39.