النهضة و التغيير /

ليس السَّيفُ الحَكمَ! [ مقال ]

[ السبت 28 جمادى الأول 1438 هـ ] [ 390 ]

عرفت السَّاحةُ السِّياسيةُ الصِّراعَ على السُّلطةِ مُنذُ بزُوغِ فَجرِ الدَّولةِ على الاجتماعِ البَشَري، فللسُّلطةِ بَريقُها الذي يُغري، والميلُ إليها مَغرُوسٌ في نُفوسِ البَشرِ. فالسُّلطةُ تجمعُ بين الجَاهِ والمـَال، وهما أَحبُّ شيءٍ للنَّفسِ البَشريةِ. وقد كان مَدخَلُ إبليسَ لوعي آدمَ –عليه الصلاة والسلام- في الجنَّةِ طَلبُ الجَاه: ((فوَسوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَل أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلدِ ومُلكٍ لَا يَبلَى * فَأَكَلَا مِنهَا..)). وأخبر تعالى عن مَحبَةِ بني آدمَ للمالِ فقال سبحانه: ((وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيرِ لَشَدِيدٌ))، ((وَتُحِبُّونَ الـمَالَ حُبًّا جَمًّا)). والصِّراعُ على السُّلطةِ يأخذُ أَشكالًا مُختَلِفةً وصُورًا مُتعدِّدةً. وكثيرا ما كانت الدُّولُ تَزُولُ بالصِّراعاتِ الدَّاخلية لا بالغَزو الخَارجِي؛ لأنَّ مِن شأنِ الغَزو الخَارجِي أن يُوجِدَ الحافِزَ للمقَاوَمةِ واتحادِ الجَبهةِ الدَّاخِليةِ ضدَّه. أما الصِّراعُ الداخليُّ فإنَّه يمثل تحولا لمواقعِ النُّفوذِ ومَراكزِ القرارِ دَاخِلَ المجتمعِ ذاته، ما يجعلُه مُنقسِمًا على نفسه في الموقف مِن هذا التحول.

ومِفتَاحُ فِهمِ الصِّراعِ على السُّلطةِ هو مَعرِفةُ ماذا تمثِّلُ السُّلطَةُ في وَعيِّ المجتمعِ المبحُوثِ. فإذا كانت السُّلطَةُ مَغنَمًا يَنالُ بمُوجِبِه الحَاكِمُ وحَاشِيتُه الحَقَّ في فِعلِ ما يشَاؤُون، وأَخذِ ما يشَاؤُون، والنَّيلِ ممَّن يشَاؤُون، فإنَّها والحَالةُ هذه تمثِّلُ فُرصَةً مُناسِبةً للتَّنَافُسِ على حِيازَتها؛ أمَّا إذا كانت السُّلطَةُ مَغرمًا يتَحمَّلُ بمُوجِبِه الحَاكِمُ وحَاشِيتُه المسئُوليات والأَمانَات التي تُكلِّفُهم أرواحَهم ورَاحَتَهم وجُهدَهم، فإنَّها والحالةُ هذه تمثِّلُ عِبئًا يهرُبُ الجميعُ منه.

ومع ذلك تَظلُّ السُّلطَةُ مَحبُوبَةً للنَّفسِ البَشريَّةِ، حتى وإن تحمَّلت في سبيلِها المغَارِمَ. لذا تَبقَى النَّفسُ البَشريَّةُ مُتطلِّعَةً لها، لإشباعِ ذلك الحُبِّ الغَريزي إليها. والإنسانُ –كما أَخبَرَ تعَالى- ظَلُومٌ جَهُولٌ، لا يَقِفُ عند حَقِّه بل يَعتَدي على حُقُوقِ الآخَرين، فدَافِعُه للظُّلمِ الطَّمعُ وحُبُّ الاستئثَارِ. ولا يَبلُغُ السُّلطَةَ إنسَانٌ إلا شَعرَ بأنَّه مَلِكٌ على مَن سِواه. والمـَالِكُ لا يُحبُّ أن يُنَازِعَه أَحَدٌ في مُلكِه.

لذلك فإنَّ الحُكَّامَ يتَطلَّعُون لسُلطَةٍ لا يُشَارِكُهم فيها أَحَدٌ، يتَصرَّفُون فيها تَصرُّفَ المـَالِكِ. ومِن هنا ظَهرَت الملكيةُ كنِظامٍ سِياسيٍّ يُضَادُ نِظَامَ "الخِلافَةِ" كمَفهُومٍ شَرعي. فالملكيَّةُ نِظامٌ سِياسيٌّ يحتَلُّ فيه الحَاكِمُ مَوقِعَ المالكِ للأَرضِ والشَّعبِ، بمُجرَّدِ أنَّ يجلسَ على رَأسِ السُّلطَةِ؛ وبمُوجِبِ هذا الموقِعِ فإنَّه يَتصَرَّفُ في مُلكِه كما يَشاءُ، كما هو حالُ الجبَابرةِ في الأرض، أمثالَ: فِرعونَ والنُّمرود.

وفي حِين بَدأَ شَأنُ الإسلامِ بالنُّبوةِ فإنَّه جَرَى على أَهلِه مِن التَّحولاتِ السِّياسيةِ ما جَرَى على الأُمَمِ مِن قبلِهم. فمراحلُ الكمَالِ في البشريةِ قَصِيرةٌ لا تَدومُ، ويعقبُها انحدارٌ تدريجيٌّ شيئًا فشيئًا. قال -صلى الله عليه وسلم: (لَتُنقَضَنَّ عُرَى الإسلامِ عُروَةً عُروَةً، فَكلَّما انتقضَت عُروَةٌ تشَبَّثَ النَّاسُ بالَّتي تَلِيها، وأَوَّلُهنَّ نَقضًا الحُكمُ، وآخِرُهنَّ الصَّلاةُ)[1].

ونَقضُ الحُكمِ يكون مُتدرِّجًا، ونَتِيجةً للتَّغيراتِ المجتمعيةِ التي يتَأثَّرُ الحُكمُ بها. قال –صلى الله عليه وسلم: (تكُونُ النُّبوةُ فيكم ما شَاءَ اللهُ أن تكُونَ، ثمَّ يَرفعُها إذا شَاءَ أن يَرفعُها، ثمَّ تكُونُ خِلافَةٌ على مِنهاجِ النُّبوةِ، فتكُونُ ما شَاءَ اللهُ أن تكُونَ، ثمَّ يَرفعُها إذا شَاءَ أن يَرفعُها، ثمَّ يكُونُ مُلكًا عَاضًّا، فيَكونُ ما شَاءَ اللهُ أن يكُونَ، ثمَّ يَرفعُه إذا شَاءَ أن يَرفعُه، ثمَّ يكُونُ مُلكًا جَبريًا، فيَكونُ ما شَاءَ اللهُ أن يكُونَ، ثمَّ يَرفعُه إذا شَاءَ أن يَرفعُه، ثمَّ تكُونُ خِلافَةٌ على مِنهاجِ النُّبوَةِ)[2]. وهذا ما أشار إليه الصحابي عُتبَةُ بن غَزوَانَ، في خُطبَة له، فكان فيما قال: "وإِنَّهَا لَم تَكُن نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلَّا تَنَاسَخَت، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَاقِبَتِهَا مُلكًا، فَسَتَخبُرُونَ وتُجَرِّبُونَ الأُمَرَاءَ بَعدَنَا"[3].

لقد جاءُ النَّصُّ بأنَّ الخِلافةَ التي على مِنهَاجِ النُّبوةِ ثلاثون سَنةً فقط: (خِلافةُ النُّبوَّةِ ثلاثونَ سنةً، ثمَّ يؤتي اللَّهُ الملكَ من يشاءُ) أو (مُلكَهُ مَن يشَاءُ)، وفي رواية: (الخِلافةُ في أمَّتي ثَلاثُونَ سَنةً، ثمَّ مُلكٌ بعد ذلك)[4]، وفي لفظ: (.. ثمَّ تكونُ مُلكًا)[5]. وهي بذلك تَشمَلُ خِلافةَ: أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب –رضي الله عنهم أجمعين. في حين تُمثِّلُ وِلايةُ مُعاويةَ بن أبي سفيان –رضي الله عنه- بِدايةَ التَّحوِّلِ عن الخِلافةِ الرَّاشِدةِ للمُلكِ العَضُوض.

هذا التَّحولُ المبكِّرُ من الخِلافَةِ الرَّاشِدةِ للملكيَّةِ سَاقَ الأُمةَ الإسلامِيةَ لكَثيرٍ مِن الوَيلاتِ فيما بعد، رَغمَ أنَّه في بِدايَاتِه بدا شَكليًّا، حيثُ انتُزِعَت إرادةُ الأُمَّةِ في اختيارِ الحَاكِمِ مِنها، وأُنِيطَت بالحَاكِمِ باعتِبارِه مَالِكًا لا خَلِيفَةً مُبايعًا له مِن الأُمَّةِ للنيابةِ عنها. وشَيئًا فشَيئًا تَولَّى السُّلطةَ بمُوجبِ هذه المـَلكِيَّةِ أغرَارٌ غَيرُ مُؤهَّلِين للمُلكِ، لمجردِ أنَّهم وَرَثةٌ لأَملاكِ آبائِهم التي تَدخُلُ الأُمَّةُ فيها تَبعًا!

وقد حثَّ النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- أُمَّتَه –في كَثِيرٍ مِن الأحَادِيثِ- أن تُراعِيَ اجتمَاعَها ووِحدتَها، بأن تُعَالجَ هذه التَّحولاتِ في إطَارٍ سِلميٍّ بَعِيدٍ عن السَّيفِ، طَالمـَا وأنَّ المعَاني الكُليةَ التي يُنصَبُ لأَجلِها الحَاكِمُ في الشَّريعَةِ قَائِمةً، وإن اقَتضَى ذلك تَفويتُ بعضِ الحُقوقِ الخَاصةِ، أو المصَالحِ غَيرِ الضَّروريةِ، أو وُجودِ المخَالفَاتِ التي لا تَنقُضُ تلك المعاني والمقاصدَ الكُليةَ. فقد قال –عليه الصلاة والسلام: (كانَت بنُو إسرَائيلَ تَسُوسُهم الأَنبِياءُ، كُلمَّا هَلكَ نَبيٌّ خَلفَه نَبيٌّ، وإنَّه لا نَبيَّ بَعدِي، وسيكون خُلفَاءٌ فيَكثُرُون). قالوا: فما تَأمُرُنا؟ قال: (فُوا ببيعةِ الأَوَّلِ فالأَوَّلِ، وأَعطُوهم حَقَّهم، فإنَّ اللهَ سَائِلُهم عمَّا استرعَاهُم)[6]. وقد سَألَ سَلمةُ بن يَزيد الجعفيُّ رسولَ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- فقال: يا نبيَّ اللهِ! أَرأَيتَ إن قَامَت علينا أُمرَاءُ يَسألُونَا حقَّهم ويَمنَعونَا حَقَّنا، فما تَأمُرُنا؟ فأعرَضَ عنه. ثمَّ سَألَه فأَعرَضَ عنه. ثمَّ سَألَه في الثَّانِيةِ أو في الثَّالِثةِ فجَذبَه الأَشعثُ بن قَيسٍ؛ فقال رَسُولُ اللهِ: (اسمَعوا وأطيعوا، فإنَّما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتُم)[7].

والسَّمعُ والطَّاعةُ مَحصُورةٌ في المعروفِ، ففي الحَديثِ المتَّفقِ عليه: (لا طَاعَةَ في مَعصِيةِ اللهِ، إنَّما الطَّاعَةُ في المعرُوفِ)[8]. كما أن الصبر لا ينافي الأَخذَ في الأَسبابِ بمُدافَعةِ فسَادِهم ورَفعِ ظُلمِهم. ففي حديث عبدالله بن مسعود –رضي الله عنه، أنَّ النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: (ما مِن نبيٍّ بعَثَه اللهُ في أُمَّةٍ قَبلي إلَّا كان له مِن أُمَّتِه حَوارِيُّونَ وأصحَابٌ، يَأخُذُون بسُنَّتِه، ويَقتَدُون بأَمرِه؛ ثمَّ إنَّها تَخلُفُ مِن بَعدِهم خُلوفٌ، يقُولُون ما لا يَفعَلُون، ويَفعَلُون ما لا يُؤمَرُون، فمَن جَاهَدَهم بيَدِه فهو مُؤمنٌ، ومَن جَاهَدَهم بلِسَانِه فهو مُؤمِنٌ، ومَن جَاهَدَهم بقَلبِه فهو مُؤمِنٌ، وليس ورَاءَ ذلك مِن الإيمَانِ حَبةُ خَردَلٍ)[9].

ومُجاهَدةُ اليَدِ لا يُقصَدُ بها السَّيفُ، فقد حَذَّرَ –عليه الصلاة والسلام- مِن السَّيفِ، في أحَادِيثَ ومُناسبَاتٍ كَثِيرةٍ؛ منها ما جَاءَ في حَجَّةِ الودَاعِ: (لا تَرجِعوا بعَدي كُفَّارًا يَضرِبُ بَعضُكم رِقابَ بَعضٍ)[10]. وقال أيضا: (وإذَا وُضِعَ السَّيفُ في أُمَّتي لم يُرفَع عنها إلى يَومِ القِيامَةِ)[11]. وقال: (خِيارُ أئِمَّتِكمُ الَّذِين تُحِبُّونَهم ويُحِبُّونَكم، ويُصلُّون عليكم وتُصلُّون عليهم؛ وشِرارُ أَئِمَّتِكم الَّذين تُبغِضُونهم ويُبغِضُونكم، وتَلعَنُونهم ويَلعَنُونكم). قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ.. أفَلا نُنَابِذُهم بالسَّيفِ؟ فقال: (لا.. ما أقَامُوا فِيكمُ الصَّلاةَ. وإذا رَأيتُم مِن وُلاتِكم شَيئًا تَكرَهُونَه فاكرَهوا عمَلَه، ولا تنزِعوا يدًا مِن طاعَةٍ)[12]. وقال –كما جاء في الصحيحين: (مَن رأى مِن أَميرِه شَيئًا يكرَهُه فليَصبِر عليه، فإنَّهُ مَن فَارقَ الجمَاعَةَ شِبرًا فمَاتَ، إلا مَاتَ مِيتَةَ جَاهِليةٍ). والمقصُودُ بالمفَارَقةِ المنَابذَةُ بالسَّيفِ.

وفي بعضِ الرِّواياتِ حَثَّ الرَّسولُ على تَجنُّبِ مُشاركَتِهم في الكَذِبِ والظُّلمِ. فقال –عليه الصلاة والسلام: (إنَّها ستكُونُ بَعدِي أُمرَاءُ يَكذِبون ويَظلِمون، فمَن دَخلَ عليهم فصَدَّقَهم بكَذِبِهم وأَعَانَهم على ظُلمِهم فليس مِنِّي ولَستُ مِنهُ، وليس بوَاردٍ عليَّ الحَوضَ؛ ومَن لَم يُصدِّقهم بكَذِبِهم ويُعِنهم على ظُلمِهم فَهو مِنِّي وأنَا مِنهُ، وهو وَاردٌ عليَّ الحَوضَ)[13]. وفي توجيه آخر يقول: (إنَّه يُستَعملُ عليكم أُمرَاءُ، فتَعرِفون وتُنكِرون، فمَن كَرِهَ فقد بَرِئَ، ومَن أَنكرَ فقد سَلِمَ، ولكن مِن رَضيَ وتَابَعَ)، قالوا: يا رسولَ اللهِ.. ألا نُقاتِلُهم؟ قال: (لا، ما صَلُّوا)[14]. وقال–صلى الله عليه وسلم: (لَيَأتِيَن عَلَيكُم أُمَرَاءُ يُقَرِّبُونَ شِرَارَ النَّاسِ، ويُؤَخِّرُونَ الصَّلاة عَن موَاقِيتِها، فمَن أَدرَكَ ذلِكَ مِنكُم فلا يَكُونَنَّ عَرِيفاً، ولا شُرطِياً، ولا جَابِياً، ولا خَازِناً)[15].

هذا كُلُّه بالطَّبعِ إذا كانت معَالمُ الدِّينِ قَائِمةٌ، ومصَالحُ الأُمَّةِ متَحقِّقةٌ، ومهَامُ الوِلايةِ مُنتَصِبةٌ؛ وكان المنكَرُ عليهم مُخالفَات شَرعيةً لا تُناقِضُ الدِّينَ وأُصولَه ومُحكمَاتِه، ولا تَخونُ الأُمَّةَ في مَصَالحِها فتَجعَلَها رَهِينةً لأَعدائِها، ولا تُضيِّعُ مَقاصِدَ الولايةِ ومعَانِيها. كما جاء في الحديث: (كيف أنت إذا كانت عليك أُمرَاءُ يُؤخِّرونَ الصَّلاةَ عن وَقتِها؟ -أو يُميتونَ الصَّلاةَ عن وَقتِها؟). قال قلتُ: فما تأمرني؟ قال: (صَلِّ الصلاةَ لوقتِها، فإن أدركتَها معهم فصلِّ فإنَّها لكَ نافلةً)[16]. فتأخيرُ الصَّلاةِ إلى حَدِّ الكراهَةِ مُخالِفٌ للسُّنةِ والهدي النبوي، لكِنَّه لا يَنقُضُ فَرضَ إقامةِ الصَّلاةِ في وَقتِها. أمَّا فيما هو مِن نَواقِضِ الدِّينِ، وتَفويتِ مَصالحِ الأُمَّةِ العُظمَى، وتَضييعِ وَاجِباتِ الولايةِ، فيَدخُلُ تحت حَديثِ عبادة بن الصامت، قال: "دعَانَا النَّبيُّ –صلى الله عليه وسلم- فبايعناه. فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على: (السَّمعِ والطَّاعةِ في مَنشَطِنا ومَكرَهِنا، وعُسرِنا ويُسرِنا، وأَثَرةٍ علينا، وأن لا نُنَازِعَ الأَمرَ أَهلَه، إلَّا أن تَرَوا كُفرًا بَواحًا، عندكم مِن اللهِ فيه بُرهَانٌ)[17].

وهذا المنهجُ الوسطي في الإنكارِ على المـُخَالفَةِ، وتَبيينِ الحَقِّ، والتِزامِ الطَّاعةِ في المعرُوفِ، هو ما سَارَ عليه أَئمَّةُ السَّلفِ. يقول ابن تيمية –رحمه الله، عمَّا جَرى في زَمَنِ بني أُميَّةَ: "ففي الجُملةِ أَهلُ السُّنةِ يجتَهِدون في طَاعَةِ اللهِ ورَسولِه بحسبِ الإمكان، كما قال تعالى: ((فاتَّقُوا اللهَ ما استَطَعتُم))، وقال النَّبي –صلى الله عليه وسلم: (إذا أَمرتُكم بأَمرٍ فأَتُوا مِنه ما استطَعتُم). ويعلمون أنَّ اللهَ تعالى بَعثَ محمَّدًا –صلى الله عليه وسلم- بصَلاحِ العِبادِ في المعَاشِ والمعَادِ، وأنَّه أَمرَ بالصَّلاحِ ونَهى عن الفَسادِ، فإذا كان الفَعلُ فيه صَلاحٌ وفَسادٌ رَجَّحُوا الرَّاجِحَ مِنهما، فإذا كان صَلاحُه أَكثَرُ مِن فسَادِه رَجَّحُوا فِعلَه، وإن كان فَسَادُه أكثَرُ مِن صَلاحِه رَجَّحُوا تَركَه. فإنَّ اللهَ تعالى بَعثَ رَسولَه -صلى الله عليه وسلم- بتَحصِيلِ المصَّالحِ وتكمِيلِها، وتَعطِيلِ المفَاسِدِ وتَقلِيلِها. فإذا تولَّى خَلِيفةٌ مِن الخُلفَاءِ،... فإمَّا أن يُقال: يَجِبُ مَنعُه مِن الوِلايَةِ وقِتالًه حتى يُولَّى غَيرُه، كما يَفعَلُه مَن يَرى السَّيفَ، فهذا رَأيٌّ فَاسِدٌ، فإن مَفسَدةَ هذا أَعظَمُ مِن مَصلَحَته؛ وقَلَّ مَن خَرجَ على إِمامٍ ذِي سُلطَانٍ إلا كان ما تَولَّدَ على فِعلِه مِن الشَّر أَعظَمَ مما تَولَّدَ مِن الخَيرِ"،.. "وغَايةُ هؤلاءِ إمَّا أن يُغلَبُوا وإمَّا أن يَغلِبُوا، ثمَّ يَزُولُ مُلكُهم فلا يكون لهم عَاقِبةٌ"،.. ويُخبِرُ عمَّن خَرجُوا بقوله: "فلا أَقامُوا دِينًا ولا أَبقَوا دُنيًا. والله تعالى لا يَأمرُ بأَمرٍ لا يَحصُلُ به صَلاحُ الدِّينِ ولا صَلاحُ الدُّنيا، وإن كان فاعلُ ذلك مِن أَولياءِ اللهِ المتَّقينَ، ومِن أَهلِ الجنَّةِ"،.. "وكان أفَاضِلُ المسلمين يَنهَون عن الخُروجِ والقِتالِ في الفِتنةِ"،.. "ولهذا استَقرَّ أَمرُ أَهلِ السُّنةِ على تَركِ القِتالِ في الفِتنَةِ، للأحَاديثِ الصَّحِيحةِ الثَّابِتةِ عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم، وصَارُوا يذكرون هذا في عقَائِدِهم، ويَأمُرُون بالصَّبرِ على جَورِ الأَئِمةِ، وتَركِ قِتالِهم، وإن كان قد قاتَلَ في الفِتنَةِ خَلقٌ كَثيرٌ مِن أهل العِلمِ والدِّينِ"،.. "ومَن تَأمَّلَ الأحَادِيثَ الصَّحيحةَ الثَّابِتةَ عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا البابِ، واعتبرَ أيضا اعِتبَارَ أُولي الأَبصَارِ، عَلِمَ أنَّ الذي جاءَت به النُّصوصُ النَّبويَّةُ خُيرُ الأُمُورِ"،.. "واللهُ ورَسُولُه إنَّما يَأمرُ بالصَّلاحِ لا بالفسَادِ، لكن الرَّأيَ يُصِيبُ تَارَةً ويُخطِئُ أُخرَى"،.. "ولم يكن في الخروجِ لا مَصلَحَةُ دِينٍ ولا مَصلَحَةُ دُنيا، بل تمكَّن أولئك الظَّلمَةُ الطُّغاةُ..."، بل كان في الخروج مِن الفَسادِ ما لم يَكُن حَصلَ مِن قَبل، فإنَّ ما قُصِدَ مِن تَحصِيلِ الخَيرِ ودَفعِ الشَّرِ لم يَحصُل مِنه شَيءٌ، بل زَادَ الشَّرُّ بالخُرُوجِ ونَقصَ الخَيرُ بذلك، وصَارَ ذلك سَببًا لشَرٍ عَظيمِ. "وهذا كُلُّه ممَّا يُبيِّنُ أنَّ ما أَمرَ به النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مِن الصَّبرِ على جَورِ الأَئِمَّةِ، وتَركِ قِتالِهم، والخُروجِ عليهم، هو أَصلَحُ الأُمُورِ للعِبادِ في المعَاشِ والمعَادِ، وأنَّ مَن خَالفَ ذلك -مُتعَمِّدًا أو مُخطِئًا- لم يَحصُل بفَعلِه صَلاحٌ بل فَسادٌ. ولهذا أَثنَى النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على الحَسنِ بقولِه: (إنَّ ابنِي هذا سَيدٌ، وسَيصُلحُ اللهُ به بين فِئتَينِ عَظِيمَتين مِن المسلِمين). ولم يُثنِ على أَحَدٍ لا بقِتالٍ في فِتنَةٍ، ولا بخُرُوجٍ على الأَئِمةِ، ولا نَزعِ يَدٍ مِن طَاعَةٍ، ولا مُفَارقَةِ للجمَاعَةِ. وأحَاديثُ النَّبي -صلى الله عليه وسلم، الثَّابِتةِ في الصَّحيحِ، كُلُّها تَدلُّ على هذا"[18].

لقد وَلَّدَ استِبدَادُ الحَاكِمِ نُشُوءَ مُعَارَضَةٍ رَافِضَةٍ، ومع ظُلمِ الحَاكمِ وفَسادِه وإغلاقِه بابَ النَّصِيحةِ والإصلاحِ تَولَّدَ عُنفُ المعَارَضةِ ولجُوءُها إلى السَّيفِ، ما وَضعَ الحُكَّامَ المستَبدِّين في مَوقعِ المدَافِعِ عن سُلطَانِه ومُلكِه. وبهذا أصَبحَت المعَادلَةُ: إمَّا أن يَقضِي الحَاكِمُ على المعَارَضةِ، وإمَّا أن تَقضِي المعَارَضةُ على الحَاكِم. وأَصبَحَ كُلُّ طَرفٍ لا يَرَى عِلاجَ مُخَالِفِه إلا في السَّيفِ، فضَاعَتِ الأُمَّةُ بين العُنفِ والعُنفِ المضَادِ. وفي حِينِ كانت السُّلطةُ تتَغلَّبُ على المعارضَاتِ المسلَّحةِ، كانت تَفقِدُ مع الوَقتِ قُدرَتها على البَقاءِ وتَنتَقِصُ مِن شَرعِيَّتِها لصَالحِ قُوةٍ أُخرَى صَاعِدَة.

وهذا مِن آثَارِ ضَياعِ الشُّورَى التي تُمثِّلُ أهمَّ ركائِزِ الحُكمِ الرَّاشِدِ في الإسلام، ومَيدَانَ النَّصِيحةِ والإصلاحِ بالتي هي أَحسَنُ بين المعَارَضةِ والحَاكِمِ والحَاكمِ والرَّعيَّةِ. وصدق رسول الله –صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أولَ دِينِكم نبوةٌ ورحمةٌ، ثم تكونُ خِلافةٌ ورَحمةٌ، ثم تكونُ مُلكًا وجَبريةً، يَستحِلُّونَ فيها الدَّمَ)[19].

 

[1] رواه أحمد في مسنده، الرقم: 22160؛ والحاكم في مستدركه، الرقم: 7022. وانظر: الصحيح المسند، الوادعي، الرقم: 490، وقال عنه: حديث حسن.

[2] رواه أحمد في مسنده، عن حذيفة (رقم: 18406)، وحسنه شعيب الأرناؤوط. وهو مروي عن النعمان بن بشير، كما في تخريج مشكاة المصابيح (رقم: 5306)، وقال الألباني: إسناده حسن. وفي سنن أبي داود، برقم: 225، عن أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل: (إنَّ الله بَدَأَ هذا الأَمرَ نُبُوَّةً ورَحمَةً، وكَائِنًا خِلافَةً ورَحمَةً، وكَائِنًا مُلكًا عَضُوضًا، وكَائِنًا عُنوَةً وجَبريَّةً وفَسادًا في الأَرضِ، يَستحِلُّون الفُروجَ والخُمورَ والحَرِيرَ، ويُنصرُون على ذلك، ويُرزَقُون أبدًا حتى يَلقًوا الله). حسنه ابن حجر العسقلاني، في المطالب العالية، ج2/367. وقال ابن كثير، في البداية والنهاية (ج8/21): إسناده جيد.

[3] رواه مسلم، الرقم: 2967.

[4] رواه أبو داود والترمذي، وحسنه ابن حجر العسقلاني في موافقة الخبر الخبر: 1/141. والشوكاني في السيل الجرار: ج4/506؛ وانظر: السلسلة الصحيحة، للألباني، الرقم: 459؛ والصحيح المسند، للوادعي، الرقم: 439.

[5] صحيح ابن حبان، الرقم: 6943.

[6] متفق عليه.

[7] صحيح مسلم، الرقم: 1846.

[8] وفي حديث عبادة بن الصامت، في مستدرك الحاكم (ج4/431) أنَّهُ دَخلَ علَى عُثمانَ بنِ عفَّانَ –رضي الله عنه- فقال: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- يقولُ: (سَيليكُم أُمرَاءُ بعدِي يُعرِّفونكم ما تُنكِرون، ويُنكُرون عليكم ما تَعرِفُون، فمَن أَدرَكَ ذلك مِنكُم فلا طَاعةَ لمن عَصَى اللَّهَ).

[9] صحيح مسلم، الرقم: 50. وقال أبو رافعٍ: فحدَّثتُ عبدَاللهِ بن عُمرَ فأَنكَرَه عليَّ. فقَدِمَ ابنُ مَسعُودٍ، فنَزَلَ بقَنَاةٍ، فاستَتبَعَني إليه عبدُاللهِ بنُ عُمرَ يَعُودُه، فانطَلَقتُ معه. فلمَّا جَلَسنَا سَأَلتُ ابنَ مسعودٍ عن هذا الحدِيثِ فحَدَّثَنِيه كما حدَّثتُه ابنَ عُمرَ. والمقصود بالخلوف الأمراء كما في رواية مسند أحمد. انظر: مسند أحمد: ج6/187، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.

[10] متفق عليه.

[11] رواه: أبو داود (رقم: 4252)، والترمذي (رقم: 2202)، وابن ماجة (رقم: 3207).

[12] صحيح مسلم، الرقم: 1855.

[13] رواه الترمذي، والنسائي، وحكم الألباني بصحته. وانظر: الصحيح المسند، الوادعي، الرقم: 1098.

[14] صحيح مسلم، الرقم: 1854.

[15] صحيح ابن حبان، الرقم: 4586، وانظر: السلسلة الصحيحة، الألباني، الرقم: 360.

[16] صحيح مسلم، الرقم: 648.

[17] متفق عليه.

[18] منهاج السنة النبوية: 527- 531. باختصار وتصرف. وهذا الكلام لا ينافي النهي عن إعانة الحكام الظلمة في ظلمهم، والفسدة في فسادهم. يقول ابن تيمية: "ولا يَحِلُّ للرَّجُلِ أن يكون عُونًا على ظُلمٍ؛ فإنَّ التعاون نوعان، الأول تعاون على البر والتقوى،... والثاني تعاون على الإثم والعدوان، كالإعانة على دم معصوم، أو أخذ مال معصوم، أو ضرب من لا يستحق الضرب، ونحو ذلك، فهذا الذي حرمه الله ورسوله". مجموع الفتاوى: ج28/283. ويقول أيضا: "فإذا أحاط المرء علما بما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- من الجهاد الذي يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة، وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلمهم، علم أن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض: جهاد من يستحق الجهاد، كهؤلاء القوم المسئول عنهم، مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام مِنهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله، ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثا. وهي واجبة على كل مكلف. وهي متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم، ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم، ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا، وإن لم يكونوا أبرارا. ونسأل الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل". مجموع الفتاوى: ج28/508.

[19] أبو عبيدة عامر بن الجراح، إتحاف الخيرة المهرة، البوصيري: ج5/21. وقال: حسن.