النهضة و التغيير /

أهداف المنهج السياسي في الإسلام [ مقال ]

[ الاثنين 23 جمادى الأول 1438 هـ ] [ 656 ]

انتَظمَ الدِّينُ الإسلاميُّ الشَّأنَ السِّياسيَّ للمجتَمعِ المسلمِ، كجُزءٍ مِن مَنظُومَته العقديةِ والأخلاقيةِ والتشريعيةِ، الشَّاملةِ للفردِ والمجتمعِ، في جميعِ جوانبِ الحياةِ ومَناشِطِها. وينبغي التأكيد –ابتداءً- على أنَّ الدِّينَ الإسلامي بانتظَامِه الشَّأنَ السيَاسيَّ لا يأتي بشَيءٍ مُخَالِفٍ للفِطرةِ الإنسَانيةٍ، والضَّرُورةِ البَشريةِ في الاجتماعِ، وللمنطِقِ العَقلي الرَّاشِدِ. إنَّه يُقدِّمُ المنهجَ الذي ارتضاه اللهُ تعالى للأُمَّةِ المسلمةِ، ويُحقِّقُ لها ما تَصبُوا إليه في الدُّنيا والآخِرةِ، دون خَلَلٍ أو شَطَطٍ فيهما، أو في أحدِهما. ويقوم المنهجُ السياسي في الإسلام على تَصورَاتٍ عَقَديَّةٍ، وقِيمٍ أخلاقيةٍ، وقَواعِدَ كُليَّةٍ ضَابِطَةٍ، وتَشرِيعاتٍ عَامَةٍ، ومعاييرَ قِياسيةٍ. وهو مَنهَجٌ لا يَدخُلُ في التَّفاصِيلِ الإجرَائِيةِ، والعَمليَاتِ التَنفِيذِيةِ، والأَشكالِ التي يُمكِنُ أن يَخرُجَ فيها النِّظامُ السِّياسيُّ، إلا في ضَوءِ بيان المعايير التي ينبغي ألا تُنَافي مَقاصِدَه ومُقرَّراتِه وأُصولَه وقَواعِدَه.

ولو تتَبَّعنا الآياتِ القُرآنيةَ الكَريمةَ، والأَحادِيثَ النَّبويةَ الشَّريفةَ، في الشَّأنِ السِّياسي لوجدنا أنَّ مَنهجَ الدِّينَ الإسلامي في وَضعِه السِّياسي للأمَّةِ يهدف إلى ما يلي:

  • إقَامَةِ دَولَةٍ تتمثَّلُ الدِّينَ الإسلامي عَقيدةً وشَرِيعةً ومَنهجَ حياةٍ.
  • تحقِيقِ اجتِماعِ الأُمَّةِ المسلِمةِ ووِحدَتِها، وتحقيقُ أَمنِها واستقرارِها.
  • تعيينِ سُّلطَةٍ تُعنَى بحِفظِ الكُليَّاتِ الخَمسَةِ التي جَاءَت الشَّريعَةُ اهتماما بها ورِعَايَةَ لها.
  • ضَبطِ العَلاقَةِ بين الحَاكِمِ والمحكُومِ -الرَّاعِي والرَّعِيةِ؛ السُّلطَةِ والأُمَّةِ.
  • بَيانِ المعَاييرِ التي يُختَارُ الحَاكِمُ –أو تُنتَخبُ السُّلطَةُ- في ضَوئِها، والوَظائِفُ والمهَامُ المنوطة بها شَرعًا وعُرفًا وتَعَاقُدًا.

أولا: إقَامَةُ دَولَةٍ تتمثَّلُ الدِّينَ الإسلامي عَقيدةً وشَرِيعةً ومَنهجَ حياةٍ:

فإنَّ الله تعالى أرَادَ لهذه الأُمَّةِ المسلِمةِ أن تكُون أمَّةً ظاهِرةً، يُحفَظُ بظُهورِها الدِّين، ويَقومُ بها وَاجِبُ الدَّعوةِ والبَلاغِ والجهادِ على أُمَمِ الأرضِ. فإنَّ "قِوامَ الدِّينِ كِتابٌ يَهدِي، وعَدلٌ يُعملُ به، وحَدِيدٌ يَنصُر"، كما قال ابن تيمية تعليقا على قول الله تعالى: ((لَقَد أَرسَلنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وأَنزَلنَا مَعَهُم الكِتَابَ والـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسطِ وأَنزَلنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأسٌ شَدِيدٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ ولِيَعلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ))، الحديد: 25. فقرن سبحانه الكتابَ والميزَانَ والحَديدَ.

يقول تعالى: ((كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالـمَعرُوفِ وتَنهَونَ عَنِ الـمُنكَرِ وتُؤمِنُونَ بِاللَّهِ ولَو آمَنَ أَهلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيرًا لهُم مِنهُم الـمُؤمِنُونَ وأَكثَرُهُم الفَاسِقُونَ))، آل عمران: 110. ومعنى أُخرِجَت: أي أُظهِرَت وأُبرِزَت وأُبدِيت. ولولا سُلطَانُها لما أُمِرَ بمعرُوفٍ ولا نُهيَ عن مُنكَرٍ في الأَرضِ، فإن ذَهَبَ سُلطَانُها ودَولَتُها ذَهبَ الدِّينُ.

وفي الحديث أنَّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- دعا ربه يوم بَدرٍ فأَكثرَ في الدُّعاءِ وأَلحَّ، فكان مِن دعائه: (اللهمَّ.. إن تهلِك هذه العِصَابةُ مِن أَهلِ الإسلامِ لا تُعبَدُ في الأَرضِ)[1]. فـ"إنَّ الدَّولَةَ إذا انقَرضَت عن أُمَّةٍ باستِيلاءِ غَيرِها عَليها، وأَخذِ بِلادِها، انطَمَست حَقَائِقُ سَالِفِ أَخبَارِها، ودُرِسَت مَعَالِمُ دِينِها وآثارَها، وتَعذَّرَ الوُقُوفُ على الصَّوابِ الذي كان عليه أَوَّلُها وأَسلافُها، لأنَّ زَوالَ الدَّولَةِ عن الأُمَّةِ إنَّما يكون بتتابُعِ الغَاراتِ وخَرابِ البِلادِ وإحراقِها، وجَلاءِ أَهلِها عَنها، فلا تَزالُ هذه البَلايَا مُتتَابِعةً عليها إلى أن تَستَحِيلَ رُسومُ ديَانَتِها، وتَضمَحِلُّ أُصُولُ شَرعِها، وتَتلاشَى قَواعِدُ دِينِها"[2]. و"يَعُودُ عِلمُها جَهلًا، وعِزُّها ذُلًّا، وكَثرَتُها قِلَّةً"[3].

لذا فإنَّ الله تعالى أنَاطَ بهذه الأُمَّةِ إذا مُكِّنَت القِيامُ بشَأنِ الدِّين: ((الَّذِينَ إِن مَكَّنَّاهُم فِي الأَرضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ وأَمَرُوا بِالـمَعرُوفِ ونَهَوا عَنِ الـمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ))، الحج: 41.

ثانيا: تحقِيقُ اجتِماعِ الأُمَّةِ المسلِمةِ ووِحدَتِها، وتحقيقُ أَمنِها واستقرارِها:

إنَّ الدَّولةَ في الإسلامِ كِيانٌ للأُمَّةِ المسلِمةِ، قِيامُها مِن أَجلِهم، لا مِن أَجلِ رَابطٍ عِرقي أو ولاءٍ قَومي أو عَصَبيةٍ سُلالِيةٍ أو طَاعَةِ حَاكِمٍ. وما تَحتَاجُه أَيُّ أُمَّةٍ هو التَّوحُّدُ والاجتماعُ، والأَمنُ والاستقِرارُ. ولهذا راعى الإسلام هذه المعاني في منهجه السياسي، فقد حَرِصَ على تَأكِيدِ هذه المعاني:

فقد أَكَّدَ على وَاحِديةِ الأُمَّةِ، وحَذَّرَ مِن تفرقِها: ((وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّةً وَاحِدَةً وأَنَا رَبُّكُم فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمرَهُم بَينَهُم زُبُرًا كُلُّ حِزبٍ بِمَا لَدَيهِم فَرِحُونَ))، المؤمنون: 52- 53.

وقد رَاعَى الدِّينُ واحِديةَ الأُمَّةِ في الإطارِ الأَوسعِ، في: أُصولِ الدِّين، وقَواعِدِه العَامَّةِ، وأحكامِه الكُليَّةِ، العقَديةِ والتَّعبُديةِ والشَرائِعيةِ والشّعائرية؛ مع مَراعَاةِ السِّعةِ والمرُونَةِ في الفُروعِ والتفَاصِيلِ والأَحكامِ الإجرائيةِ التَّابعَةِ، لأنَّ ذلك مِن طَبيعَةِ البَشر، ولا تَسلَم مِنه أُمَّةٌ.

وضَيَّقَ الإسلامُ الأُصولَ الجَامِعةِ للدِّينِ التي يُمكِنُ جَمعُ النَّاسِ عليها، وجَعلَها مما يُمكِن تَعلُّمُه والعَملُ به. وشَرعَ العَبادَاتِ في صُورَةٍ جَماعِيةٍ، أو صِيغَةٍ جَماعِيةٍ، دُون تمييزِ. وشَملَ أَفرادَ الأُمَّةِ بأحكَامٍ كُليَّةٍ وقَواعدَ عَامَّةٍ. ووَحَّدَ قِبلَةَ الأُمَّةِ، ومَرجِعيَّتَها، ودَولَتَها. وقَبلَ تَعدُّدَ الاجتهادات رَحمَةً بها. ونَزَعَ الفَوارِقَ الجاهليةِ وحَرَّمَها، وحَذَّر مِنها، قَبَليَّةً كانت أو عِرقيَّةً أو طَبقيَّةً أو طائِفيَّةً. بل أُنزِلَ القرآنُ الكريمُ على سَبعَةِ أَحرُفٍ، استيعَابًا للهجَاتِ العَربِ، فلمَّا شَكَّلَت فِتنةً للنَّاسِ بعد ذلك اقتَصَرَ الصَّحَابَةُ –رضي الله عنهم- على حَرفٍ واحِدٍ مِنها. وجُعِلَ تَأليفُ النَّاسِ على الإسلامِ وبَقاءُهم تحت سُلطَةِ دَولَته مَنهجًا نَبَويًّا مُتَّبعًا.

ولو ذهبنا نستطرد في النصوص والتوجيهات والأحكام المتعَلِّقَةِ برِعايةِ مَقصِدِ وِحدَةِ الأُمَّةِ واجتماعِها مع تنوعها لطال بنا المقام. ويكفي من ذلك قوله تعالى: ((وَأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَا تَنَازَعُوا فَتَفشَلُوا وَتَذهَبَ رِيحُكُم واصبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ))، الأنفال: 46. وقوله –عليه الصلاة والسلام: (إنَّ اللهَ يرضَى لكم ثَلاثًا ويَكرهُ لكم ثَلاثًا. فيَرضَى لكُم أن تَعبُدُوه ولا تُشرِكُوا به شِيئًا؛ وأن تَعتَصِموا بحَبلِ اللهِ جميعًا ولا تَفرَّقوا، وأن تُناصِحوا مَن وَلَّاه اللهُ أَمرَكم..)[4].

ووِحدَةُ الأُمَّةِ واجتماعُها ضَمانٌ لاستقرارِ نِظامِها السِّياسي والقَضاءِ على نَوازِعِ النِّزاعِ والصِّراعِ بينها، فيَسُودُ الأَمنُ فيها، فإذا سَادَها الأَمنُ قَامَت مصَالحُها الدُّنيويةِ والدِّينيةِ على أَكملِ ما يكون: ((فَليَعبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيتِ * الَّذِي أَطعَمَهُم مِن جُوعٍ وآمَنَهُم مِن خَوفٍ))، قريش: 3- 4. وعندما تَغِيبُ وِحدَةُ الأُمَّةِ واجتماعُها وتتَحوَّلُ شِيعًا وأحزابًا تَفقِدُ الاستقرارَ، ويكون بأسُها بينها شديد فتفقد الأمن: ((ومِن الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذنَا مِيثَاقَهُم فَنَسُوا حَظًّا ممَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغرَينَا بَينَهُم العَدَاوَةَ والبَغضَاءَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ وسَوفَ يُنَبِّئُهُم اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصنَعُونَ))، المائدة: 14.

ثالثا: تعيينُ سُّلطَةٍ تُعنَى بحِفظِ الكُليَّاتِ الخَمسَةِ التي جَاءَت الشَّريعَةُ اهتماما بها ورِعَايَةَ لها:

فإنَّ القانون لا يقوم بذاته، فلابد له مِن سُلطَةٍ تُترجِمَه إلى وَاقِعٍ فعِليٍّ. وكذلك الشَّريعةُ لابد لقيامَها في حَياةِ النَّاسِ وتحقِيقَها لمقَاصدِها مِن سُلطَةٍ تَعملُ على إنفاذِها وتَطبيقِها وانتظَامِ حَياةِ النَّاسِ وحَركةِ المجتمعِ في ضَوئِها. يقول ابن تيمية –رحمه الله: "ولهذا كان قِوامُ النَّاس بأَهلِ الكِتابِ وأَهلِ الحَديدِ، كما قال مَن قال مِن السَّلفِ: صنفان إذا صَلحُوا صَلُحَ النَّاسُ.. الأمراءُ والعُلماءُ. وقالوا في قوله تعالى ((أَطيعُوا اللهَ وأَطيعُوا الرَّسولَ وأُولي الأَمرِ مِنكم))، أقوالا تجمَعُ العُلماءَ والأُمراءَ. ولهذا نصَّ الإمامُ أحمدُ -وغَيرُه- على دُخولِ الصِّنفين في هذه الآية؛ إذ كُلٍّ مِنهما تجِبُ طاعَتُه فيما يَقومُ به مِن طَاعةِ اللهِ"[5].

وهذا يتطلب أن يكون الحكَّامُ عُلمَاءَ بالشَّريعةِ، فإن لم يكونوا كذلك كانت طَاعتُهم لأَهلِ العِلم ِوَاجِبةٌ عليهم. يقول ابن القيم –رحمه الله: "والتحقيقُ أنَّ الأمراءَ إنَّما يُطاعُون إذا أَمرُوا بمقتَضى العِلمِ؛ فطَاعتُهم تَبعٌ لطَاعةِ العُلماءِ؛ فإنَّ الطَّاعةَ إنَّما تكون في المعروفِ وما أَوجَبَه العِلمُ، فكما أنَّ طاعةَ العُلماءِ تَبعٌ لطَاعةِ الرَّسولِ فطَاعَةُ الأُمراءِ تَبعٌ لطَاعةِ العُلماءِ، ولما كان قيامُ الإسلامِ بطَائِفتي العُلماءِ والأُمراءِ، وكان النَّاسُ كُلُّهم لهم تَبعًا، كان صَلاحُ العالمِ بصَلاحِ هاتين الطَّائِفتين، وفَسادُه بفسادِهما"[6].

وعلى هذا الأساس يمكن أن يُقالَ إنَّ السُّلطةَ في الإسلامِ تَتَجزَّأُ بحسَبِ الأَدوارِ والتَّكالِيفِ المنُوطَةِ بها والاختِصاصِ الذي تَعمَلُ في إطارِه. فالسُّلطةُ بهذا الاعتبارِ نِظامٌ مُؤسَّسيٌّ مُتعدِّدُ الوظَائفِ ومُتكامِلُ الأَدوارِ، وهو المعنى الأَقربُ لصِيغَةِ الجمعِ في الآيةِ: ((وأُولِي الأَمرِ مِنكُم)).

وإن أَخلَّت السُّلطةُ بحِفظِ هذه الكُليات التي جَاءَت الشَّريعةُ لحِفظِها فإنَّها أَخلَّت بأعظَمِ أَدوارِ الشَّريعةِ ومَقاصِدِها. ولا يُغنِي عن هذه السُّلطةِ وأَفرادِها وَصفُها بالإسلام، فإنَّ المعنى الذي نُصِبَت الوِلايةُ له ليس وَصفَ الإسلامِ في الحَاكِمِ ولكن قِيامُ الحاكمِ -المتَحقَّقِ فيه وَصفُ الإسلامِ- بواجبَاتِ الشَّريعةِ ومَقاصِدِها على الوجه الأكمل والأتم.

وقد جاء في بعض الأحاديث أنَّ النبيَّ –صلى الله عليه وسلم- بعَثَ سرِيَّةً، واستعمل عليهم رَجُلًا مِن الأنصَارِ، وأَمرَهم أن يَسمَعُوا له ويُطِيعُوا. فأَغضَبُوه في شَيءٍ، فقال: اجمَعوا لي حَطبًاَ فجَمعَوا له، ثم قال: أَوقِدوا نَارًا! فأَوقَدُوا، ثم قال: أَلَم يَأمركم رَسولُ اللهِ أن تَسمَعوا لي وتُطِيعُوا؟ قالوا: بلى. قال: فادخُلوها. قال: فنَظرَ بَعضُهم إلى بَعضٍ، فقالوا: إنَّما فرَرنا إلى رَسولِ اللهِ مِن النَّارِ. فكانوا كذلك، وسَكَنَ غَضَبُه، وطُفِئَتِ النَّارُ. فلمَّا رَجعُوا ذكرُوا ذلك للنَّبيِّ –صلى الله عليه وسلم. فقال: (لو دَخَلُوها ما خَرجُوا مِنها، إنَّما الطَّاعَةُ في المعرُوفِ)[7].

وفي حديث عبادةَ بنِ الصامتِ –المتفق عليه، قال: دعانا النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- فبايعناه، فقال فيما أَخذَ عَلينا أن بايعنا على: (السَّمعِ والطَّاعةِ، في مَنشَطِنا ومَكرَهِنا، وعُسرِنا ويُسرِنا وأَثَرةٍ علينا، وأن لا نُنَازِعَ الأَمرَ أَهلَه، إلَّا أن تَروا كُفرًا بَواحًا، عندكم مِن اللهِ فيه بُرهَانٌ).

قال الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني –رحمه الله، عن الحديث: "الكُفرُ الصَّريحُ الذي ليس عند صَاحِبه حُجَّةٌ يَقتَنعُ بها في نفسه، فَضَلًا عن أن يستطيع أن يُقنِعَ بها غَيرَه"، وأضاف: "الكَفرُ البَواحُ يمكن أن نفهَمَه بما يُعبِّرُ عنه بعضُ العُلماءِ في بعضِ المنَاسبَات بما كان مَعلُومًا مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ، يعني حُكمٌ يَشتَركُ في مَعرِفَته الخَاصَّةُ والعَامَّةُ، العَالمُ والجَاهلُ، فإذا أعلن الحاكمُ يَومًا ما استبَاحَةَ أَمرٍ مَقطُوعٍ تَحرِيمُه –مَثلًا- مِن الدِّين بالضَّرورةِ، حينئذٍ تَسقُطُ البَيعةُ التي بُويِعَ بها، لأنَّه ارتَكبَ كُفرًا بُواحًا صَريحًا"[8].

وقال الشيخ المحدث الوادعي -رحمه الله: "الكُفرُ البُواحُ كأن يستورد قَوانِينَ مِن أمريكا أو مِن رُوسيا، ويُحلُّها مَحِلَّ الإسلام، أو يُبيحُ الرِّبا، أو يُبيحُ الزِّنا، أو يُبيحُ شُربَ الخَمرِ، فهذا يُعتَبرُ كُفرًا بُواحًا"، ويضيف: "بقيَّ أَيُحكم على الحاكمِ أنَّه كَافِرٌ؟! يُقالُ: هَذا العَملُ كُفرٌ، والحَاكِمُ...[يَقصِدُ يكونُ كافِرًا] بَشرطِ أن يَكون عَالِمًا، وألَّا يكون مُكرهًا، وأن يَرى هذا ممَاثِلًا للإسلامِ أو أَحسَن"؛ ويكون هذا في رأيه: "مُلزِمًا للخُروجِ إذا كان المسلمون لهم القُدرَةُ، ويَأمَنون مِن سَفكِ الدِّماءِ، أمَّا إذا كانوا يَخشَون مِن إثَارةِ فِتنَةٍ، أو لَيسَت لديهم القُدرَةُ فلا يكون الخُروجُ وَاجِبًا، بل ربّما كان الخُروجُ غَيرَ جَائِزٍ إذا كان سَببًا لإبَادَةِ المسلمين"[9].

وقال الشيخ عبدالعزيز الراجحي: "الكُفرُ البَواحُ هو: الظَّاهِرُ الغَالِبُ، البواح: ما يجمعُ صِفتين: الظُّهورُ والغَلبةُ. يعني: غَلبَ وظَهرَ، إذَا رُؤيَّ كُفراً ظاهِرًا غَالِبًا، فإنَّه هنا يُصبِحُ الخُروجُ مَأذُونًا فيه"[10].

والمنَازَعةُ المشار لها في الحديثِ هي الخُروجُ مِن الطَّاعةِ، ومُطالَبةُ الحاكمِ بالعَودةِ إلى الشَّرعِ، والإنكارُ عليه وُقُوعَه في هذه المـُخَالَفةِ البَيِّنةِ الصَّريحَةِ الظَّاهِرةِ المعلَنةِ الغَالِبةِ، المعلُومةِ مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ، والمجمعِ عليها بين المسلمين، وعَزلُه إن أَمكَن، وليس قِتالُه كما ظَنَّ الكثير. قال الإمام العيني -رحمه الله: "إلا أن تَرَوا مِنهم مُنكرًا مُحقَّقًا، تَعلَمُونه مِن قَواعِدِ الإسلام، إذ عِندَ ذلك تَجوزُ المنَازَعةُ بالإنكارِ عليهم"[11]. فإنَّه لا طَاعةَ في مَعصِيةٍ. وهذا ما قَرَّرَه الخُلفَاءُ الرَّاشِدون المهدِيُّون، فقد كان مِن خُطبَةِ أبي بكر الصديق –رضي الله عنه- عند خلافته: "إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني؛... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم". وكان من خطبة عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- عند خلافته: "إنِّي نَظرتُ في أَمرِ الإسلامِ فإذَا هُوَ هُو، إنَّما يَقومُ بخَمسِ خِصالٍ، فمَن حَفِظَهنَّ وعَمِلَ بهنَّ وقَوِيَ عليهنَّ فقد حَفِظَ أَمرَ الإسلامِ، ومَن ضَيَّعَ مِنهن خِصلَةً واحِدةً فقد ضَيَّعَ أَمرَ الإسلام، ألا فمَن كان مِنكم يُؤمِن باللهِ واليومِ الآخِرِ فإن حَفظتُهنَّ وعَمِلتُ بهنَّ وقَويتُ عليهنَّ إلَّا آزَرَني، ألا ومَن كان مِنكم يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فإن ضَيعتُ مِنهن خِصلَةً واحِدةً إلا خَلعَني خَلعَ الشَّعرَةِ مِن العَجِين، فلا طَاعَةَ لي عليه".

فهذا هَديُ الخُلفاءِ الرَّاشدِين مِن بعد الرَّسولِ –صلى الله عليه وسلم، والذين أَجمَعَت الأُمَّةُ عليهم وأُمِرَت بلُزُومِ سُنَّتِهم، يرون أنَّ إخلالهم بما وَجبَ عليهم مِن شأن الشَّريعَةِ والدِّينِ يَقتضي عَدمَ طاعَتِهم ونَزعِهم، فضلًا عن كُفرٍ بَواحٍ! وقد قال –صلى الله عليه وسلم: (خيارُ أئمَّتِكم الذين تحبُّونَهم ويحبُّونكم، وتُصَلُّون عليهم ويُصَلُّون عليكم. وشِرارُ أئمَّتِكم الذين تُبغِضُونَهم ويُبغِضُونَكم، وتَلعَنُونَهم ويَلعَنُونَكم). قالوا قلنا: يا رسولَ الله.. أفلا نُنَابِذُهم عند ذلك؟ قال: (لا، ما أقامُوا فيكم الصَّلاةَ. لا، ما أقامُوا فيكم الصَّلاةَ. ألا مَن وُلِّي عليه وَالٍ، فرَآهُ يَأتِي شَيئًا مِن مَعصِيةِ الله، فليَكرَه ما يَأتي مِن مَعصِيةِ اللهِ، ولا يَنزَعَنَّ يدًا مِن طَاعةٍ)[12].

رابعا: ضَبطُ العَلاقَةِ بين الحَاكِمِ والمحكُومِ:

لقد اتَّسمَت علاقةُ الرَّاعِي بالرَّعِيةِ والسُّلطَانِ بالأُمَّةِ في كَثِيرٍ مِن الأُممِ والحضَاراتِ بنَوعٍ مِن التَّفريطِ لصَالحِ الحَاكمِ والسُّلطةِ. فعادَةً ما يُجيِّرُ صَاحِبُ السُّلطةِ القُوةَ والمـَالَ والنُّفُوذَ لإخضَاعِ النَّاس وإكراهِهم واستعبادِهم. يقول تعالى: ((وقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعنَا سَادَتَنَا وكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا))، الأحزاب: 67. وقال سبحانه: ((ولَو تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِم يَرجِعُ بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ القَولَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضعِفُوا لِلَّذِينَ استَكبَرُوا لَولَا أَنتُم لَكُنَّا مُؤمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ استَكبَرُوا لِلَّذِينَ استُضعِفُوا أَنَحنُ صَدَدنَاكُم عَن الهُدَى بَعدَ إِذ جَاءَكُم بَل كُنتُم مُجرِمِينَ * وقَالَ الَّذِينَ استُضعِفُوا لِلَّذِينَ استَكبَرُوا بَل مَكرُ اللَّيلِ والنَّهَارِ إِذ تَأمُرُونَنَا أَن نَكفُرَ بِاللَّهِ ونَجعَلَ لَهُ أَندَادًا وأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لـمَّا رَأَوُا العَذَابَ وجَعَلنَا الأَغلَالَ فِي أَعنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَل يُجزَونَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعمَلُونَ))، الإسراء: 31- 33. وقال سحرة مصر لفرعون: ((إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغفِرَ لَنَا خَطَايَانَا ومَا أَكرَهتَنَا عَلَيهِ مِن السِّحرِ وَاللَّهُ خَيرٌ وَأَبقَى))، طه: 73. وقال موسى –عليه الصلاة والسلام: ((وتِلكَ نِعمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَن عَبَّدتَ بَنِي إِسرَائِيلَ))، الشعراء: 22.

لقد أَلغَى الإسلامُ ابتدَاءً كافَةَ التَّصوراتِ التي تَرفعُ الحَاكِمَ فَوقَ بَشريَّتِه، أو تَغلُو فيه فُوقَ مَسئُوليتِه ومَنزِلتِه، أو تُعظِّمَهُ حَدَّ التَّقديسِ. كما جَعلَ السُّلطةَ أمَانَةً ومَسئُوليةً يحاسَبُ المرءُ عليها يومَ القيامة، ففي الحديث المتفق عليه: (ألا كُلُّكم رَاعٍ، وكُلُّكم مَسؤُولٌ عَن رَعِيتِه، فالإمَامُ الذي على النَّاسِ رَاعٍ، وهو مُسؤُولٌ عن رَعِيتِه، والرَّجلُ رَاعٍ على أَهلِ بَيتِه، وهو مَسؤُولٌ عن رَعِيتِه، والمرأَةُ رَاعِيةٌ على أَهلِ بَيتِ زَوجِها ووَلدِه، وهي مَسؤُولةٌ عنهم، وعَبدُ الرَّجُلِ رَاعٍ على مَالِ سَيدِه، وهو مَسؤُولٌ عنه، ألا فكُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسؤُولٌ عن رَعِيتِه). وفي الحديثِ أنَّ أبا ذَرٍّ -رضي الله عنه- قال: قلتُ يا رَسولَ اللهِ.. ألا تَستَعمِلني؟ قال: فضَربَ بِيدِه على مِنكَبِي. ثمَّ قال: (يا أَبَا ذَرٍّ.. إنَّك ضَعيفٌ، وإنَّها أَمانَةٌ، وإنَّها يَومَ القِيامَةِ خِزيٌ ونَدامَةٌ، إلا مَن أَخذَها بحَقِّها، وأَدَّى الذي عليهِ فيها)[13]. وهذا على أيِّ مُستوى مِن المسئوليةِ، ففي الحديث: (ما مِن رَجُلٍ يلي أَمرَ عَشَرةٍ فمَا فَوقَ ذلك إلَّا أَتَى اللهَ -عزَّ وجَلَّ- مَغلُولًا يَومَ القِيامَةِ، يَدُه إلى عُنُقِه، فكَّه بِرُّه أو أَوبَقَه إِثمُه، أَوَّلُها مَلامَةٌ وأَوسَطُها نَدامَةٌ وآخِرُها خِزيٌ يومَ القِيامَةِ)[14].

وجَعلَ الإسلامُ طَاعةَ الحَاكِمِ مَنوطَةً بطَاعَةِ اللهِ ورَسولِه، قال –صلى الله عليه وسلم: (السَمعُ والطَّاعةُ على المرءِ المسلمِ فيما أَحبَّ وكَرِهَ، ما لم يُؤمَرُ بمَعصِيةٍ، فإذا أُمِرَ بمَعصِيةٍ فلا سَمعَ ولا طَاعةَ)[15]؛ وفيما يَدخُلُ في لوَازِمِ مَسئُوليَاتَه عُرفًا: (إنَّما الطَّاعَةُ في المعرُوفِ)، قال -صلى الله عليه وسلم: (طاعَةُ الإمَامِ حَقٌّ على المرءِ المسلمِ مَا لم يُأمَر بمَعصِيةِ اللهِ -عزَّ وجَلَّ، فإذا أَمَر بمَعصِيةِ اللهِ فلا طَاعةَ له)[16].

فإن وَقعَ النِّزاعُ معه على أَمرٍ وَجبَ الرُّجوعُ فيه إلى كِتابِ اللهِ وسُنةِ رَسولِه –صلى الله عليه وسلم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللَّهِ واليَومِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وأَحسَنُ تَأوِيلًا))، النساء: 59.

ثمَّ إنَّ الإسلامَ انتزعَ اختصَاصَ فَردٍ أو أُسرَةٍ بالسُّلطةِ لذَاتِه أو لنَسَبه؛ وإنَّما أنَاطَ السُّلطَةَ بمَن هو أَصلَحُ لها. يقول تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهلِهَا وإِذَا حَكَمتُم بَينَ النَّاسِ أَن تَحكُمُوا بِالعَدلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا))، النساء: 58. وقال تعالى: ((وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ اللَّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الـمُلكُ عَلَينَا ونَحنُ أَحَقُّ بِالـمُلكِ مِنهُ وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِن الـمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم وزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ والجِسمِ وَاللَّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ))، البقرة: 247. وجَعلَ أَمرَ الأُمَّةِ شُورَى بينها: ((وَالَّذِينَ استَجَابُوا لِرَبِّهِم وأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمرُهُم شُورَى بَينَهُم ومِمَّا رَزَقنَاهُم يُنفِقُونَ))، الشورى: 38. وأَمرَ الحَاكِمَ بمُشاورَةِ الأُمَّةِ فيما يَعنِيها: ((وشَاوِرهُم فِي الأَمرِ))، آل عمران: 159. كما حثَّه على الرِّفقِ بالأُمَّةِ، قال –صلى الله عليه وسلم: (اللهم.. مَن وَليَ مِن أَمرِ أُمَّتي شَيئًا فشَقَّ عليهم فاشقُق عليهِ، ومَن وَليَ مِن أَمرِ أُمَّتي شَيئًا فرَفَقَ بهم فارفُق بهِ)[17].

خامسا: بَيانُ المعَاييرِ التي يُختَارُ الحَاكِمُ –أو تُنتَخبُ السُّلطَةُ- في ضَوئِها، والوَظائِفُ والمهَامُ المنوطة بها شَرعًا وعُرفًا وتَعَاقُدًا:

جاء الشرع الإلهي بالميزان الذي يُعرَفُ به صَلاحُ الأَمرِ مِن فسَادِه، ومُناسَبةُ الشَّيءِ لموضِعِه، ومُلائمَةُ الشَّخصِ لوَظِيفتَه. ولا تَتِمُّ الهدَايةُ دُونَ تَمييزِ الخَيرِ مِن الشَّرِ، والنَفعِ مِن الضُّرِ، والصَّلاحِ مِن الفَسادِ، والحَسنِ مِن السَّيءِ؛ بل ومَعرِفةُ خيرِ الخَيرين وشَرِّ الشَّرين، وأَعظمِ المصَالحِ وأدناها، وحَسنِ الأُمورِ وأَحسَنها.. إلخ. فالنُّصوصُ القُرآنيةُ الكريمةُ والأحَاديثُ النَّبويةُ الشَّريفةُ جاءَت بمعَاييرَ واضِحةٍ، ومقَاييسَ جَليةٍ، للأقوال والأفعال والأشخاص، المقبُولةِ والمردُودةِ، والفَاضِلةِ والمفضُولةِ.

فإذا ضَاعَت هذه الموازِينُ أو أُهمِلت وُضِعَ الأَمرُ في غَيرِ مَحلِّه، وَضُيِّعَت الأمَانات. قال –عليه الصلاة والسلام: (إذَا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظِرِ الساعةَ). قال: كيف إضاعتُها؟ قال: (إذا وُسِّد الأمرُ إلى غيرِ أَهلِه فانتظِرِ السَّاعةَ)[18].

وكما أنَّ على الحاكِمِ أن يَستَعمِلَ أصلَحَ الموجُودِ، فإن لم يكن في مُوجُودِه مَن هو أَصلَح، اختارَ الأَمثلَ فالأَمثلَ في كُلِّ مَنصِبٍ بحَسَبِه، فإنَّ هذا أَولى في حقِّه، فإنَّه بأخذِه للوِلايةِ بحَقِّها أدَّى الأَمانَةَ وقَامَ بالواجِبِ. وهذا يوسف الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، الصديق يقول مُرشِّحًا نفسه للولايةِ بوَجه استحقاقِها: ((قَالَ اجعَلنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ))، يوسف: 55.

وقد تَضمَنَت كُتبُ السِّياسةِ الشَّرعيةِ للسَّلفِ الشُّروطَ الواجِبِ تُوفرُّها في الحاكمِ المسلم، وفي الوُلاة. كما نصَّت على الوظائفِ الكُليَّةِ والعَامةِ التي يتحملها إمامُ المسلمين ووُلاتِه، وعلى وظَائِفَ بعَينِها –بحسبِ الظَّرفِ والزَّمانِ الذي صِيغت فيه كتبهم. وناقَشَ علماءُ السَّلفِ في كُتبِهم الشُّروطَ الواجبةَ التي لا ينبغِي نَصبُ إمامٍ بدونها، والشُّروطَ المستَحبَّةَ في حقِّه؛ وتحدثوا عن الوَاجِبِ في حالِ لم يتَوفَّر شَرطٌ مِن الشُّروطِ الواجبةِ، أو سقَطَ بعد تَوفُّره؛ وما إذا قصَّر الحاكمُ أو الوالي في واجباتِه ووظَائِفه التي نُصِبَ لها.

وهذا يَدلُّ على أنَّ الحاكمَ أَجيرٌ لدى الأُمَّةِ، وُضِعَ لمسئوليةٍ وأمانَةٍ ووظِيفةٍ، ولم يُنصَب لذاتِه أو شَرفِه أو مالِه أو نَسبِه. وفي الأثرِ أنَّ أبا مُسلِمَ الخولاني دخَلَ على معاوية بن أبي سفيان –رضي الله عنه- فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا جلساؤه: قل السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنَّه أعلَمَ بما يقول. فقال: إنَّما أنت أَجيرٌ..!

ومِن المؤسفِ أنَّ البَعضَ جَهِلَ مَنهجَ الدِّينَ الإسلامي، أو غَفِلَ عنه، أو تعَامى عنه، في سَبيلِ استرضَاءِ الحكَّامِ والوُلاةِ، فنَصَبَ مِنهم شُخوصًا فوقَ معَاييرِ الشَّرعِ وموازِينِه؛ وعِوضًا عن النُّصحِ لهم، وتحميلِهم المسئوليات والأمانات التي حمَّلهم اللهُ إيَّاها، إذ به يستمِيلُهم إليه بتغطيةِ الحقِّ وتركِ النُّصحِ، حتى أصبح الحَاكِمُ غافِلًا عن مُهمَّته وواجبَاتِه.

لذا لم تترك نُصوصُ الشَّرعِ هذا الأمرَ دونَ ذكرٍ وتَنبِيهٍ وإيضَاحٍ واستقصَاءٍ، سعيًا في قَطعِ الطَّريقِ على سَحرَةِ الضَّلالةِ الذين يُلبِسون الحقَّ بالبَاطلِ ويكتُمون الحقَّ وهم يعلمون، وقد جاء عن الرَّسولِ –صلى الله عليه وسلم: (إنَّه يُستَعملُ عليكُم أُمراءُ فتَعرِفُون وتُنكِرون؛ فمَن أَنكَرَ فقد بَرِئَ، ومَن كَرِهَ فقد سَلِمَ، ولكن مَن رَضِيَ وتَابعَ)؛ قالوا: يا رَسولَ اللهِ.. ألا نقَاتِلهم؟ قال: (لا مَا صَلُّوا)[19]. وقد خافهم رسول الله على الأمَّةِ لسوء أثرهم: (غَيرُ الدَّجَّالِ أَخوَفُ على أُمَّتِي مِن الدَّجَّالِ.. الأَئِمةُ الـمُضِلُّون)[20]، وفي رواية: (إنَّ أَخوَفَ ما أخَافُ على هذه الأُمَّةِ كُلُّ مُنافِقٍ عَليمِ اللِّسانِ)[21].

ومِن الظُّلمِ أن يَستَوفيَّ الحَاكِمُ حُقُوقَه غَيرَ مَنقُوصةٍ ثمَّ تُبخَسُ الأُمَّةُ حُقوقَها غَيرَ مُصانَةٍ ولا مَعفِيَّةٍ، استنادا على أحاديثِ الصَّبرِ الثَّابِتةِ[22]، والتي ينبَغي وَضعَها في سِياقِ المظَالمِ الخاصَّةِ والجَورِ المحتَملِ، جمعًا بينها وبين نُصُوصِ الأَمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكرِ، والأَخذِ على يَدِ الظَّالمِ، وأن يُقالَ بالحقِّ لا يُخافُ في اللهِ لومةَ لائِمٍ؛ وبينها وبين المعنى الذي نُصِبَ له الحَاكِمُ.

ومِن المعلومِ أنَّ الخُروجَ على الحُكامِ بقُوةِ السَّيفِ عادَةً ما يكون ذا أَثَرٍ سَيِّءٍ، ومَفاسِده عَظيمَةٌ وكثيرَةٌ، غير أنَّ ما أَمرَ اللهُ به ورُسولُه مِن طاعَةِ وُلاة الأُمورِ لا يتنافى مع مُناصَحةِ الأُمَّةِ لهم، وإنكارِها عليهم، ومُطالَبَتها بالحقِّ الذي لها بالمعرُوفِ، وسعيها في إصلاحِ وَاقِعِها. فقد أوحى الله تعالى إلى موسى -عليه الصلاة والسلام: ((اذهَبَا إِلَى فِرعَونَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَولًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشَى * قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفرُطَ عَلَينَا أَو أَن يَطغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسمَعُ وأَرَى * فَأتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرسِل مَعَنَا بَنِي إِسرَائِيلَ ولَا تُعَذِّبهُم قَد جِئنَاكَ بِآيَةٍ مِن رَّبِّكَ والسَّلَامُ عَلَى مَن اتَّبَع الهُدَى))، طه: 43- 47. فكانت مهمة موسى إخراج قومه من هذا الظلم الماحق: ((ولَقَد فَتَنَّا قَبلَهُم قَومَ فِرعَونَ وجَاءَهُم رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَن أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُم رَسُولٌ أَمِينٌ))، الدخان: 17- 18.

هكذا نرى أنَّ الدِّينَ الإسلامي جاءَ بمنهجٍ شامِلٍ في السياسةِ، وفي ظِلِّ هذا المنهجِ قامت الخلافةُ الراشدةُ والدولةُ الإسلاميةُ، وامتدَّ ظِلالها إلى مَشارقِ الأَرضِ ومَغاربِها. وهو اليوم بحَاجَةٍ إلى صياغَتِه صيَاغةً كامِلةً تَامةً بعيدةَ عن مُؤثراتِ التاريخِ وضُغوطاتِ الواقعِ، لتنطلقَ مِنه حركةُ الإصلاحِ والنَّهضةِ في الأُمَّةِ.

 

[1] صحيح مسلم، الرقم: 1763.

[2] هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، لابن القيم: ج2/477.

[3] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان: ج2/365.

[4] صحيح مسلم، الرقم: 1715.

[5] مجموع الفتاوى: ج18/158.

[6] إعلام الموقعين: ج1/8.

[7] أخرجه البخاري ومسلم.

[8] انظر: صفحة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني:

http://www.alalbany.me/play.php?catsmktba=11365

[9] انظر: صفحة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، الفتاوى- أضيف في: 10 شوال 1433هـ:

http://www.muqbel.net/fatwa.php?fatwa_id=2353

[10] شرح الواسطية: ص334.

[11] عمدة القاري: ج4/543.

[12] صحيح مسلم، الرقم: 1855.

[13] صحيح مسلم، الرقم: 1825.

[14] انظر: السلسلة الصحيحة، للألباني، الرقم: 349.

[15] متفق عليه.

[16] انظر: السلسلة الصحيحة، الألباني، الرقم: 752.

[17] صحيح مسلم، الرقم: 1828.

[18] صحيح البخاري، الرقم: 59.

[19] صحيح مسلم، الرقم: 1854.

[20] السلسلة الصحيحة، للألباني، الرقم: 1989، وقال فيه: صحيح بمجموع طرقه.

[21] مسند أحمد: ج1/157، وقال أحمد شاكر فيه: إسناده صحيح.

[22] وهي كثيرة لا تنكر. كحديث سلمة بن يزيد الجعفيُّ، حين سأل رسولَ اللهِ، فقال: يا نبيَّ اللهِ.. أرأيتَ إن قامَت علينا أُمرَاءُ يَسألونا حَقَّهم ويمنعُونا حَقَّنا، فما تَأمُرنا؟ فأعرَضَ عنه. ثم سأله، فأعرَضَ عنه. ثم سأله في الثَّالثةِ، فجَذبَه الأشعثُ بنُ قَيسٍ، وقال: (اسمَعوا وأطِيعُوا، فإنَّما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتُم). صحيح مسلم، الرقم: 1846.

وكحديث: (إنَّها ستكون بعدي أَثَرةٌ وأُمورٌ تُنكِرُونها)، قالوا: فما تَأمُرنا؟ قال: (تُؤدُّون الحقَّ الذي عليكم، وتَسألُون الله الذي لكم). متفق عليه.