أصول و محكمات /

نزول عيسى –عليه السلام- بين أهل الإسلام وأهل الكتاب (2- 2) [ مقال ]

[ الاثنين 9 جمادى الأول 1438 هـ ] [ 630 ]

لا يمكن فَصلُ حَركَةِ أَيِّ أُمَّةٍ عن مُعتقدَاتها التي تُؤمِن بها، لأنَّ العقائدَ اليَقِينيةِ الرَّاسِخةِ في الوعي والشُّعورِ تَجِدُ طريقها للوجود عبر القول والفعل، إذا لم تكُن منفَصِلةً عن الحيَاةِ والكون. من هنا اعتمد كَثِيرٌ مِن المفكرين في تحليلهم لحركة الصهيونية -اليهودية والنصرانية- على توجيهات كتبهم المقدسة. فإنَّ الحديث عن "أرضِ الميعادِ" و"المسيحِ المخلِّصِ" و"هرمجدون" وغيرها من المعتقدات وجَّهت العالم الغربي سياسيا في كثير من القضايا والمواقف. لذلك كان ولابد من معرفة هذه العقائد وربطها مع الأحداث لمعرفة رؤية الأعداء إلى العالم.

اعتقادُ يَهُود في نُزُولِ عِيسى:

بُعِثَ عِيسى –عليه الصلاة والسلام- في يَهُود؛ ووُلِدَ في زَمَنٍ تَغَلغَلَ الفَسَادُ فيهم، حيث استَطَالَت أَيدِيهم إلى "التَّورَاةِ" تَبدِيلًا للأَلفاظِ، واستَطَالَت أَلسِنَتَهم إليها تَحرِيفًا للمعَاني. كما أنَّ طَبيعَةِ الجُحودِ وتَكذِيبِ الأَنبِياءِ والاستطالةِ عليهم بالقَتلِ كانت قد أَخذَت عُمقَها في يهود. قال تعالى: ((ولَقَد آَتَينَا مُوسَى الكِتَابَ وقَفَّينَا مِن بَعدِهِ بِالرُّسُلِ وآَتَينَا عِيسَى ابنَ مَريَمَ البَيِّنَاتِ وأَيَّدنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُم رَسُولٌ بِمَا لَا تَهوَى أَنفُسُكُم استَكبَرتُم فَفَرِيقًا كَذَّبتُم وفَرِيقًا تَقتُلُونَ))، البقرة: 87.

وفي حِين أَيَّدَه اللهُ تعالى بالمعجِزَاتِ البَاهِراتِ والآيَاتِ الخَارِقةِ حَسدَه يَهود وشَكَّكوا في نُبُوَّته. فلمَّا وَاجَه عيسى –عليه الصلاة والسلام- فَسَادَهم وانحِرافَاتهم، وأَظهَرَ حَالَ حَاخَامَات يَهُودَ وكَهنَتِهم وكيف اشتروا بآياتِ الله ثمنًا قَليلًا، عَادَوه عَدَاءً شَدِيدًا، وبَدأُوا في تكذِيبِه، والطَّعنِ في أُمَّه واتِّهامِها بالزِّنَا، والصَّدِّ عنه. وسَعَوا في التَّآمُرِ عليه حتى وَشَوا به عِندَ الوالي الرُّومَاني للقَضاءِ عليه.

وبقُدرَةِ اللهِ تعالى نجَا عِيسى –عليه الصلاة والسلام، وجُعِلَ الشَّبَه على شَخصٍ خَائِنٍ سَعَى للوِشَايةِ به. ورُفِعَ عِيسى إلى السَّماءِ؛ وظَنَّ يَهُودُ أنَّه قُتِلَ، وأنَّهم بذلك سَاهَمُوا في قَتلِه والقَضاءِ عليه؛ وجعَلوا ذلك عَلامَةً على كَذِبِ نُبُوتِه. قال تعالى: ((وقَولِهِم إِنَّا قَتَلنَا الـمَسِيحَ عِيسَى ابنَ مَريَمَ رَسُولَ اللَّهِ ومَا قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم وإِنَّ الَّذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنهُ مَا لَهُم بِهِ مِن عِلمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ومَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ وكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا))، النساء: 157- 158.

بتَكذِيبِ يَهودَ لعِيسى ابن مَريَم، رَغمَ كُلِّ الآيَاتِ المبَشِّرَةِ بمَسِيحٍ يَبعَثُه اللهُ، بَقِيت هذه الآيَاتُ التي تَتَحدَّث عن "المسيح" في "التَّورَاة" مُعلَّقَةً تَتطَلَّبُ تَفسِيرًا لها. مِن هنا اتَّفَقَت غَالِبُ فِرقِ اليَهُوديَّةِ على اعتقادِ "مَسيحٍ" مُخلِّصٍ قَادِمٍ، لكنَّها تبَاينَت في هذا الشأن.

فقد اعتقد "السامريون"، وهي مِن أَقدَمِ الفِرقِ في اليَهُوديَّةِ، بمَجِيءِ "مَسيحٍ" مُخلِّصٍ. كما اعتَقَدَ "الفريسيون"، بـ"مسيحٍ" يأتي ليَقُودَ بنى إسرائيلَ في قِتالِهم ضِدَّ الأُممِ الأُخرى، ويَمنَحَهم السِّيَادَةَ على كُلِّ شُعُوبِ الأَرضِ. وسُوفَ ينعَمُ يَهودُ وأَولياؤُهم بالنَّعِيمِ والسَّلامِ في عَهدِه! وكذلك يُؤمِن "القُرَّاؤُون" بـ"المسيحِ" وكَونِه يأتي في آخِرِ الزَّمانِ لخَلاصِ بني إسرائيل.

وفي حِينِ تُنكِرُ فِرقَةُ "الصَّدُوقِيين" "فِكرَةَ" "المسيحِ" في عِقائِدِها؛ فإنَّ "الحسيديُون" لا يُؤمِنون بـ"مَسيحٍ" فَردٍ، بل يعتقدون أنَّ "المسيحَ" يتَحقَّقُ في عَدَدٍ مِن أبنَاءِ الطَّائِفةِ الذين يَعمَلُون على الخلاصِ لأَبنَاءِ الطَّائِفةِ كُلٌّ في فَترَةِ حَيَاتِه.

ومِن ثمَّ فاليَهودُ يَنتَظِرون "مَسيحًا" مُخلِّصًا لهم دُون سَائرِ الأُمَم، وفي عَهدِه يكون لهم العُلُو على كُلِّ الأُمَم[1]. معتقدين أنَّ بني إسرَائِيلَ سَيجتَمِعُون تحت رَايَتِه، وسيكون قُدُومُه في صَهيون: "لأنَّه مِن صُهيُون تَخرُجُ الشَّريعَةُ ومِن أُورشَليم كَلِمَةُ الرَّبِ"[2].

وعلى هذا الاعتبار فإنَّ "مَسيحَ" يَهود ليس هو المسيحُ عِيسى ابن مَريمَ، الذي يَعتَقِدُون أنَّه أَفَّاكٌ وكَذَّابٌ، وأنَّه قُتِلَ وصُلِبَ ودُفِنَ؛ بل هو مَسيحٌ آخَر يَأتي مِن بين يَهودَ فقط[3]؛ وبفَضلِه سَيعُودُ يَهود إلى "الأَرضِ المقدَّسَةِ"[4].

وهم يتفقون مع المسلمين في أنَّ العدل والخير[5] والسلام[6] والأمن[7] والرخاء[8] سَيَسُودُ في زَمَانِه؛ وأنه سوف يُعبَدُ "إله" واحد -بوصفه عندهم إله بني إسرائيل![9] وهذا ممَّا يُعزِّزُ تَصدِيقَ القُرآنِ الكَرِيمِ للأخبَارِ الوَارِدَةِ في التَّورَاةِ ممَّا لم يَمسَّه تَحرِيفٌ.

فإنَّ خِلافَ المسلمين معهم في حَقِيقَةِ هذا "المسيح"، وفي مَن سَيتَّبِعُه، وبأيِّ شَريعَةٍ سيحكُم.

اعتقادُ النَّصَارَى في نُزُولِ عِيسى:

عَانَى أَتبَاعُ المسيحِ عِيسى ابن مَريمَ بعد رَفعِه إلى السَّماءِ، وقُضيَّ عليهم تِبَاعًا، وحُورِبُوا حتى استَخفَوا بدِينِهم، وذَهبَ "الإنجيلُ" بذهَابِهم، ما أَدَّى إلى انحِرافِ "المسِيحِيةِ" الحَقَّةِ عن التَّوحِيدِ، ووُقُوعِها في الشِّركِ على يدِ "بولس".

ورَغمَ انتِشَارِ "المسِيحِيةِ" بتَبَني الإمبراطوريةِ الرُّومَانيةِ لها إلا أنَّها تَحوَّلت إلى دِيَانَةٍ تُؤمِن بالخُرافَاتِ والأساطِيرِ. فافتَرَقَ أتبَاعُها إلى طَوائِفَ شَتَّى، واختَلَفُوا في حَقِيقةِ عيسى ابن مريم –عليه السَّلام. وادَّعوا فيه دَعاوَى كَثيرَةً كَذَّبَها القُرآنُ الكريم: ((لَقَد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الـمَسِيحُ ابنُ مَريَمَ))[10]، ((يَا أَهلَ الكِتَابِ لَا تَغلُوا فِي دِينِكُم ولَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الحَقَّ إِنَّمَا الـمَسِيحُ عِيسَى ابنُ مَريَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيرًا لَكُم إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ومَا فِي الأَرضِ وكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا))[11]، ((ذَلِكَ عيسَى ابنُ مَريَمَ قَولَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُم فَاعبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُستَقِيمٌ))[12]، ((وإِذ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابنَ مَريَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَينِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَن أَقُولَ مَا لَيسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلتُهُ فَقَد عَلِمتَهُ تَعلَمُ مَا فِي نَفسِي ولَا أَعلَمُ مَا فِي نَفسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ))[13].

وبما أنَّ النَّصَارَى يُؤمِنون بأنَّ عِيسى –الإِلَه أو ابنِ الإِلَه- قُتِلَ، ثمَّ صُلِبَ، ثمَّ قَامَ مِن القَبرِ وصَعَدَ إلى السَّماءِ، فإنَّ عَودَتَه للأَرضِ مَرَّةً ثَانيَةً "لـيُحَاسِبَ الأَحياءَ والأمواتَ" ليست فِكرَةً مُستَحِيلَةً! بل هي مِن صَميمِ عَقائدِهم. وتحاول الكنائس -بوجه عام- الالتزام بحرفية نصوص "الكِتابِ المقدَّسِ". وقد ذُكِرَت عَودَةُ المسيحِ في "الكتابِ المقدس" أكثر مِن 300 مرَّة. وفي إنجيل متى (24/27): "مَا هِي عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وانقِضَاءِ الدَّهرِ؟ فَأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُم: انظُرُوا! لاَ يُضِلَّكُم أَحَدٌ، فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأتُونَ بِاسمِى قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الـمَسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ، وسَوفَ تَسمَعُونَ بِحُرُوبٍ وأَخبَارِ حُرُوبٍ. اُنظُرُوا، لاَ تَرتَاعُوا. لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَن تَكُونَ هذِهِ كُلُّهَا، ولكِن لَيسَ الـمُنتَهَى بَعدُ، لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ، ومَملَكَةٌ عَلَى مَملَكَةٍ، وتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوبِئَةٌ وزَلاَزِلُ في أَمَاكِنَ".

ومن عَلاماتِ مجيءِ المسيح ثانيةً عندهم:

  • ازدياد الحروب والمجاعات والزلازل. (مرقس: 13/8).
  • سيزداد الفساد وعدم العدالة. (تيموثاوس الثانية 3/1- 5).
  • مجيء أنبياء كذبة باسم المسيح يصدقهم الناس. (مرقس: 13/21- 23).
  • سيُبشَّر بالإنجيل في كل أنحاء العالم، (مرقس: 13/10).
  • يصيب المؤمنين اضطهاد عظيم. (مرقس: 13/9- 13).

فالنصارى يعتقدون أنَّ مجيءَ عيسى سيكون والقيامةِ الآخِرةِ لحسابِ النَّاس.

ختاما...

فإنَّ عَقيدةَ المللِ الثَّلاثةِ تُؤمِنُ بمَجيءِ مَسيحٍ، وظُهورِه آخرِ الزَّمان. وفي حين تُعطي العقيدةُ الإسلاميةُ مشهدا عاما عن المسيح عيسى ابن مريم، العبد الرسول –عليه السلام، مِن قَبلِ مَولدِه إلى حين رَفعِه ثم عَودَتِه إلى الأَرضِ، في نُصوصٍ ظاهِرةٍ، لا تتعارض ولا تتناقض، تُقدِّمُ عقائدُ اليَهودِ والنَّصارى رَؤيةً مُتنَاقِضةً في الإيمان بالمسيح واعتقاد عودته ملكا لبني إسرائيل أو مجيئه مُخلِّصًا لأتباعه.

 

[1] إشعياء: 2/4.

[2] إشعياء: 2/3.

[3] إشعياء: 11/1، وإشعياء: 11/2.

[4] إشعياء: 11/12.

[5] إشعياء: 11/4.

[6] إشعياء: 52/7.

[7] حزقيال: 39/9.

[8] إشعياء: 25/8.

[9] إشعياء: 2/ 17.

[10] المائدة: 17، و72.

[11] النساء: 171.

[12] مريم: 34- 36.

[13] المائدة: 116.