أصول و محكمات /

الإسلام.. الدِّينُ الظَّاهِرُ [ مقال ]

[ الأحد 24 ربيع الآخر 1438 هـ ] [ 615 ]

من أَبرَزِ خَصَائِصِ دِينِ الإسلامِ ظُهورُه. وصِفَةُ الظُّهورِ في هذا الدِّينِ تَشمَلُ كُلَّ جَوانِبِه وشَعَائِرِه وشَرائِعِه. حتى يمكن القولَ بأنَّه "الدِّينُ الظَّاهِرُ". وإذا كان مِن مَعَاني ومُرادِفَاتِ الظَّاهِرِ البَيِّنُ والبَادِي والواضِحُ والجَلِيُّ والمرتَفِعُ والعَالي والمنكِشفُ؛ ومن أَضدَادِه الخَفيُّ والمستَتِرُ والبَاطِنُ والمبهَمُ والغَامِضُ، فإنَّا سَنَجِدُ في القرآنِ الكَريمِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ ما يُؤكِّدُ هذه الصِّفاتِ والمعاني في نُصُوصِ الدِّينِ ومَعَانِيه، وأَحكَامِه وأَخبَارِه، وفي أَتبَاعِه ومَآلِه. وهذه الخَصِيصَةُ تُعطِي هذا الدِّينَ قُوةً في انتشَارِه وقَبُولِه وكَثرَةِ أَتبَاعِه، كما أنها تُكسِبُه الامتدَادَ الزَّمَاني لكونه يَتَجدَّدُ رَغمَ كُلِّ ما يجري عليه من اندِرَاسٍ أو تَحرِيفٍ.

ومِن أَسمَاءِ اللهِ تعالى الظَّاهِرُ والبَاطِنُ، يقول تعالى: ((هو الأَوَّلُ والآَخِرُ والظَّاهِرُ والبَاطِنُ وهُو بكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ))، الحديد: 3. وكان من دُعَاءِ النَّبي –صلى الله عليه وسلم: (اللهُمَّ رَبَّ السَّماوَاتِ ورَبَّ الأَرضِ ورَبَّ العَرشِ العَظِيمِ، رَبَّنا ورَبَّ كُلَّ شَيءٍ، فَالِقَ الحَبِّ والنَّوى، ومُنزِلَ التَّورَاةِ والإِنجِيلِ والفُرقَانِ، أَعُوذُ بِك مِن شَرِّ كُلِّ شَيءٍ أَنتَ آخِذٌ بنَاصِيتِه، اللهم أنت الأوَّلُ فليس قَبلَك شَيءٌ، وأنت الآخِرُ فليس بَعدَك شَيءٌ، وأنت الظَّاهِرُ فليس فَوقَك شَيءٌ، وأنت البَاطِنُ فليس دُونَك شَيءٌ)[1].

فالظَّاهِرُ البَيِّنِ لعُلُوه على ما سِوَاه. فهو سبحانه الظاهِرُ الذي ليس فُوقَه شَيءٌ، كما في الحديث. وهو الظَّاهِرُ في فِطرِ عِبادِه وعُقولِهم، وفيما يَرَون مِن آيَاتِه المسطُورَةِ والمنظُورَةِ، فليس شَيءٌ أَظهَرَ مِن وُجُودِه ورُبُوبيَّتِه وأُلُوهيَّتِه في نُفُوسِ عِبادِه. فهو الظاهر بآثاره في صنعه، وبحكمته في أقداره وأفعاله، وبعدله وصدقه في أقواله وتشريعه. وهو الظاهر بنعمه وإحسانه على خلقه، والظاهر بغلبته عليهم وقهره لهم.

فمن كانت هذه صِفَتُه سُبحانه كان قُولُه وحُكمُه أَظهَر، وإرَادَته ومَشِيئَته أَظهرُ. وقد كَتَبَ سُبحَانَه وتَعَالى لدِينِه الظُّهُورَ؛ وأَخبَرَ عن ذلك في ثَلاثَةِ مَوَاطِن مِن القرآن الكريم؛ يقول تعالى: ((هُو الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَو كَرِهَ المـُشرِكُونَ))، [في سورتي التوبة: 33، والصف: 9]. ويقول سبحانه: ((هُو الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا))، الفتح: 28.

ومِن عَلامَات ظُهُورِ الدِّين ما يلي:

ظُهُورُ النَّبي –صلى الله عليه وسلم:

فقد كانت الدلائل على إرساله وظهوره كثيرة، وقد أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- على الإيمان به ونصرته: ((وإِذ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيتُكُم مِن كِتَابٍ وحِكمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُم لَتُؤمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقرَرتُم وأَخَذتُم عَلَى ذَلِكُم إِصرِي قَالُوا أَقرَرنَا قَالَ فَاشهَدُوا وأَنَا مَعَكُم مِن الشَّاهِدِينَ))، آل عمران: 81. وقد بشر الأنبياء السابقون، وبشرت الكتب بمبعثه: ((وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.. الآية))، الصف: 6. ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكتُوبًا عِندَهُم فِي التَّورَاةِ والإِنجِيلِ يَأمُرُهُم بالـمَعرُوفِ ويَنهَاهُم عَن الـمُنكَرِ ويُحِلُّ لَهُم الطَّيِّبَاتِ ويُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبَائِثَ ويَضَعُ عَنهُم إِصرَهُم والأَغلَالَ الَّتِي كَانَت عَلَيهِم فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الـمُفلِحُونَ))، الأعراف: 157.

وكان -عليه الصلاة والسلام- من المكانة بحيث يعرف قومه حسبه ونسبه وأخلاقه، فلم يكن أمره بالذي يخفى عليهم. قال هرقل لأبي سفيان: "إنِّي سأَلتُك عن حَسَبِه فيكم فزَعَمتَ أنَّه فيكم ذُو حَسَبٍ، فكذلك الرُّسُلُ تُبعَثُ في أحسَابِ قَومِها". وفي الحديث: (إنَّ الله اختَارَ مِن بَنيِ آدَمَ العَربَ، ثمَّ اختَارَ مِن العَربِ مُضَرَ، ثمَّ اختَارَ مِن مُضَرَ قُرَيشًا، ثمَّ اختَارَ مِن قُرَيشٍ بَنيِ هاشمٍ، ثمَّ اختارَني مِن بَني هاشِمٍ، فأَنا خَيَارٌ مِن خَيَارٍ). وتقول السيدة خديجةُ –رضي الله عنها: "كلَّا واللهِ ما يخزِيك اللهُ أبدًا، إنك لتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وتُكسِبُ المعدُومَ، وتُقرِي الضَّيفَ، وتُعِينُ على نَوائِبِ الحقِّ". وقال جعفر بن أبي طالب –رضي الله عنه- للنجاشي: "فَكُنَّا على ذلك حتى بَعَثَ اللهُ إِلَينَا رَسُولًا مِنَّا، نَعرِفُ نَسَبَهُ وصِدقَهُ وأَمَانَتَهُ وعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ".

وقد أُوتيَّ -عليه الصلام والسلام- ما به ظَهَرَ صِدقُه وكَثُرَ أَتبَاعُه. وفي الحديث المتفق عليه: (ما مِن الأَنبِياءِ نَبيٌّ إلا أُعطِي مِن الآيَاتِ ما مِثلُه آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كان الذي أُوتِيتُه وَحيًا أَوحَاه اللهُ إليَّ، فأَرجو أنِّي أَكثَرُهم تَابِعًا يَومَ القِيامةِ).

ثم إنَّ الله تعالى رفع ذكره وأعلى منزلته، يقول تعالى: ((ورَفَعنَا لَكَ ذِكرَكَ))، الشرح: 4. فذكر اسمه في الشهادتين، وفي أذان كل صلاة، وفي التشهد بكل صلاة، ولو ذهبنا نستطرد في ذلك فلن ينته بنا المقام. ويكفي أنَّ أَكثَر إنسَانٍ حُفِظَت سِيرَتَه، ودُوِّنَت أقوَالُه، وتَوَارثَتها الأَجيَالُ تَتَربَّى عليها وتَنهَلُ مِنها، كان هو صلى الله عليه وسلم. وقد جَرَّدَ الله تعالى له من يَذُبُّ عن سُنَّتِه وعن سِيرَتِه، فلا يَدخُلُ عليهما كَذِبٌ أو بَاطِلٌ.

ظُهُورُ الكِتَابِ العَزِيزِ:

وقد وَصَفَه اللهُ تعالى بأنَّه "الكِتَابُ الـمُبِينُ"، وأَخبَرَ أنَّه: ((بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ))، الشعراء: 195، ووَصَفَ آيَاتِه بأنَّها بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ: ((ولَقَد أَنزَلنَا إِلَيكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ومَا يَكفُرُ بِهَا إِلَّا الفَاسِقُونَ))، البقرة: 99. وجمع سبحانه وَصفَ ظُهُورِ هذا الكِتابِ لفَظًا ومَعنَى ومَكانَةً بقوله: ((حم * والكِتَابِ الـمُبِينِ * إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ))، الزخرف: 1- 4.

ولذلك كان هذا الكتاب هدى للناس جميعا ونورا مبينا: ((شَهرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى والفُرقَانِ... الآية))، البقرة: 184؛ ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَد جَاءَكُم بُرهَانٌ مِن رَبِّكُم وَأَنزَلنَا إِلَيكُم نُورًا مُبِينًا))، النساء: 174.

ولمـَّا كان هذا الكتاب ظَاهِرًا بيِّنًا وَاضِحًا كان يكفي لمن عَرَفَ اللغةَ العَربِيةَ حَقَّ المعرِفَةِ أن يفهمه ويُدرِكَ مَعَانيه: ((إِنَّمَا أُمِرتُ أَن أَعبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا ولَهُ كُلُّ شَيءٍ وأُمِرتُ أَن أَكُونَ مِن الـمُسلِمِينَ * وَأَن أَتلُوَ القُرآَنَ فمَنِ اهتَدَى فَإِنَّمَا يَهتَدِي لِنَفسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُل إِنَّمَا أَنَا مِن الـمُنذِرِينَ))، النمل: 91- 92. ويقول تعالى: ((وإِن أَحَدٌ مِن الـمُشرِكِينَ استَجَارَكَ فَأَجِرهُ حَتَّى يَسمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبلِغهُ مَأمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُم قَومٌ لَا يَعلَمُونَ))، التوبة: 6.

وهذا الأَمرُ لا يَتَوقَّفُ على الكِتابِ العَزِيزِ بل قد أُوِتِيَ -عليه الصَّلاة والسَّلام: (جَوَامِعُ الكَلِم)، فكانت سُنَّتَه مِن الظُّهورِ والبَيانِ والوُضُحِ ما يمكن تَميِيزُها بذلك عن غيرها.

فليس في القرآنِ الكريمِ ولا في السُّنةِ النَّبَويةِ طَلاسِمٌ لا يُعرَفُ معنَاها، ولا مَعَانٍ بَاطِنةٍ خَفِيَّةٍ، ولا كَلامٌ لا مَعنَى له أو غَيرُ مَفهُومٍ. وإنَّما يُؤتَى النَّاسُ في أَفهَامِهم إمَّا لقِلةِ مَعرِفَتِهم باللسَّان العَرَبي وقَواعِدِ اللُّغةِ وتراكيبِها وصِيغِها، وإمَّا لقِلةِ مَعرِفَتِهم بمَعهُودِ خِطَابِ الشَّارعِ واصطِلاحِه، وإمَّا لعَدمِ مَعرِفَتِه بالسِّياقَاتِ أو الظُّروفِ التي نَزلَت فيها النُّصوصُ، أو بأَسبَابِ نُزُولِها.

وإنَّما ذَهَبَ البَعضُ للتَّأويلِ ومخَالَفةِ ظَاهِرِ النُّصُوصِ لما وَقعَ فيه مِن فِهمٍ خَاطِئٍ أَلزَمَ به خِطَابَ الشَّارِع، ثمَّ سَعى لنَفيِهِ عنه بتَأوِيلٍ أَحدَثَه هو لا يَقبَلُه النَّصُّ. وأَشدُّ مِن هَؤلاءِ ضَلالًا مَن اعتَقَدَ أنَّ لخطَابِ الشَّارعِ بوَاطِنَ لا يَعلَمُها العَامَّةُ ولا تُفهَمُ مِن نُصوصِ الشَّرعِ، وإنما تُؤخَذُ عن الخَواصِ خُفيَةً، كما هو حَالُ فِرقِ البَاطِنيَّةِ وما شابهها. وقد جَرَت سُنَّةُ أَهلِ الإسلامِ في القُرُونِ المفضَّلةِ الأُولى على أَخذِ ظَاهِرِ النُّصوصِ إيمَانًا بأنَّها تُعبِّرُ عن مُرادِ اللهِ الحقِّ، وأنَّه ليس فيها معنى بَاطلٌ أو كُفريٌ.

إذن فإنَّ شأنَ هذا الدِّينَ الظُهورُ والبَيانُ والجَلاءُ والوضُوحُ والعُلو. وهو شَأنُ أَهلِه بالضَّرُورَةِ، يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابنُ مَريَمَ لِلحَوَارِيِّينَ مَن أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَائِفَةٌ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ وكَفَرَت طَائِفَةٌ فَأَيَّدنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِم فَأَصبَحُوا ظَاهِرِينَ))، الصف: 14. ويقول سبحانه: ((ولَا تَهِنُوا ولَا تَحزَنُوا وأَنتُمُ الأَعلَونَ إِن كُنتُم مُؤمِنِينَ))، آل عمران: 139؛ ويقول جَلَّ شَأنُه: ((فلَا تَهِنُوا وتَدعُوا إِلَى السَّلمِ وأَنتُمُ الأَعلَونَ واللَّهُ مَعَكُم ولَن يَتِرَكُم أَعمَالَكُم))، محمد: 35. ومُقتَضَى العُلُوِ الظُّهُورُ. سَواءَ كان العُلُو مَاديًّا أو مَعنَويًّا. وقد روى معاوية بن أبي سفيان –رضي الله عنه، أنَّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم: (لَا تَزَالُ هَذهِ الأُمَّةُ ظَاهِرينَ على مَن خَالَفَهم حتى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ وهم ظَاهِرُونَ)[2].

 

[1] رواه مسلم، عن أبي هريرة –رضي الله عنه، الرقم: 2713.

[2] البخاري، الرقم: 3116.