رؤية في المستجدات /

المرأة السعودية في بؤرة اهتمام الغرب مجددا.. لماذا؟ [ مقال ]

[ الأربعاء 20 ربيع الآخر 1438 هـ ] [ 832 ]

في كُلِّ مَحطَّةٍ تَارِيخِيةٍ تُوَاجِهُ الأُمَّةَ تَرتَفِعُ الأَصوَاتُ الغَربِيةُ المنَادِيَةُ بحُقُوقِ المرأَةِ عَالِيًا. وغَالِبًا تَتِمُّ الإِشَارَةُ إلى وَضعِ المرأَةِ السُّعُوديَّةِ خُصُوصًا، نَظرًا لطَبِيعَةِ الحَيَاةِ الاجتِمَاعِيةِ المحَافِظةِ المنطَلِقَةِ مِن تعَالِيمِ الإسلامِ وهَويَّةِ الأُمَّةِ الثَّقَافِيةِ. فلا يَزالُ المجتَمعُ السُّعُوديُّ ممسِكًا بدِينِه وأَعرَافِه وتَقَالِيدِه، مُقَاوِمًا لعَوَامِلِ التَّغرِيبِ والانحِلالِ التي يُرادُ لها أَن تَعُمَّ الشُّعوبَ الإسلامِيَّةِ جَميعًا وتَقضِي على ما تَبقَّى فيها مِن قِيمٍ العِفَّةِ والحَياءِ والحِشمَةِ والطَّهارَةِ. و"قَضِيةُ المرأَةِ" في المنظُورِ الغَربيِّ لَيسَت سِوى مَلفٍّ للمُزَايَدَةِ به في مَعرَكَةِ الأَجنِدَاتِ السِّيَاسيَّةِ والاقتِصَادِيَّةِ الهادِفَةِ للتَّطويِعِ والترَكيعِ، لا أَقلَّ ولا أَكثرَ. فالغَربُ المنَادِي بحُقُوقِ المرأَةِ لا يُلقِي بَالًا لأَوضَاعِ المرأَةِ في كَثِيرٍ مِن دُولِ العَالمِ الفَقِيرَةِ، وفي مَنَاطِقِ الصِرَاعِات المسَلَحِةِ التي تكون فيها المرأَةُ أُولى الضَّحَايَا. كما أنَّ الحُريَّةَ التي يَسعَى الغَربُ لتَطبِيقِها في المجتمعَات الإسلاميَّةِ لصَالحِ المرأَةِ تَفقِدُها المرأَةُ المسلِمَةُ في الغَربِ، في أَجوَاءِ الاضطِهَادِ الذي يمارَسُ ضِدَّ المسلِمَات هناك تحت لَافِتةِ "مُكافَحَةِ الإرهَابِ"، ولافِتةِ "الاندِماجِ المجتِمعيِّ"، ولافِتةِ "الإسلامُوفُوبيا"، وغَيرِها مِن اللَّافِتاتِ. وعِوضًا عن إِعطَاءِ النِّساءِ المسلِماتِ الحَقَّ في ممَّارَسةِ حُقُوقِهن وِفقَ مُعتَقدَاتِهن واختِيارِهن الشَّخصِي، يُفرَضُ عليها كَشفَ النِّقَابِ وخَلعَ الحِجَابِ تحت ذَرائِعَ عِدَّةٍ.

وأَخطرُ ما في الأَمرِ هو ذلك التَّدخُّلُ السَّافِرُ في الشَّئُونِ الدَّاخِليَّةِ للدُّولِ دون أَدنى مُراعَاةٍ للخُصُوصِياتِ الثَّقَافِيةِ والاجتِماعِيةِ والدِّينيةِ والأَخلاقِيةِ؛ وإِعطَاءُ الدُّولِ الغَربيةِ نَفسَها حَقَّ فَرضِ ما تَرَاهُ هي مُنَاسِبًا لمجتَمعَاتها. وهي في سَبيلِ ذلك لا تَتَورَّعُ عن دَعمِ مُنظمَاتٍ أَهليَّةٍ ومُؤسَسَاتٍ مُجتَمعيَّةٍ ومَنَابِرَ إعلاميَّةٍ دَاخِلَ بُنيَةِ المجتَمعَاتِ الإسلامِيةِ المستَهدَفَةِ لتُمرِّرَ هذا التَّدخُّلَ بغِطاءٍ مَحلِّيٍّ ووَطَنيٍّ!

وفي حِينَ تجتَاحُ مَنطِقَةَ الخَليجِ والعَالمِ العَرَبيِّ تَهدِيدَاتٌ حَقِيقِيةٌ تَعصِفُ بالحُقُوقِ والحُريَاتِ وتُهدِّدُ الوُجُودَ الإنسَاني وتَرتَكِبُ الجَرائِمِ العَلنِيةِ والمدَانَةِ في كُلِّ الأَديَانِ والأَعرَافِ ضِدَّ الأَبرِياءِ والضُّعفَاءِ، وفي مُقدِمَتهم المرأَةُ، تبدُو الدُّولُ الغَربِيةُ مُعرِضَةً عن فَرضِ أَجنِدَاتِ الحُقوقِ والحُرِّياتِ –لغَايَةٍ في نَفسِها، في حين تَنشَغِلُ باهتِمامٍ بقَضَايا خَاصَّةٍ تَعوُدُ خَيَارَاتُها للمُجتَمعَاتِ، وتَفرِضُ رُؤَاها بنُوعٍ مِن القُوَّةِ والقَهرِ!

وهكذا تَتحوَّلُ قَضايَا هَامِشيَّةٌ -يُمكِن أن تَستَمِرَّ الحَيَاةُ في وُجُودِها- مِن الطَّرفِ إلى مَركَزِ الاهتِمامَاتِ السِّياسِيةِ والدُبلُومَاسِيةِ والإعلامِيةِ. فتُنتَقِلُ –مَثلًا- قِيادَةُ المرأَةِ للسَّيَّارَةِ مِن مَسأَلَةِ خِيارٍ مُجتَمعيٍّ يَعُودُ فيها لدِينِه وهَويَّتِه وأعرَافِه إلى قَضيَّةِ إدَانَةٍ في مَلَفِّ الحُقُوقِ والحُريَّات! وقِس على ذلك الكَثيرَ مِن القَضايَا.

إنَّ بِلادِ الحَرمَينِ الشَّريفَين وجَزِيرَةَ العَربِ مَهوَى أَفئِدَةِ المسلمين، وتَحتَلُّ السُّعودَيَّةُ مَوقِعًا محوَريًّا في العَالمِ الإسلامي، وعليه فإنَّ اختِراقَ هذه البِيئَةِ وزَعزَعةِ قِلاعِها بَاتَ هَدَفًا للقُوى الاستِعمَاريَّةِ المتَربِّصَةِ لإضعَافِ بُنيَتِها وتَسهِيلِ سُقُوطِها؛ وما دَعمُ الأَقلِّياتِ الطَّائِفيَّةِ والعِرقِيةِ والمذهَبِيةِ ببَعِيدٍ عن هذه السِّياسَاتِ الفَاعِلَةِ في المنطِقَةِ.

إنَّ هذا التَّحدِّي يَفرِضُ على نِسَاءِ مجتَمعِنا التَّصدِّي لمحَاوَلاتِ التَّغرِيبِ والانحِلالِ بالعِلمِ والأَخلاقِ والتَّربِيةِ والعَملِ الدَّؤُوبِ لتَرسِيخِ مَفَاهِيمِ وقِيمِ الإسلامِ، والالتِزامِ بأَحكَامِه وتَشرِيعَاتِه، والحِفاظِ على المجتَمعِ الأُنثَوي طَاهِرًا نَقيًّا مُحصَّنًا ضِدَّ الأفكارِ الهدَّامَةِ والدَّعوَاتِ الخَبيثَةِ المدمِّرَةِ.

لقد عَرفَ الغَربُ خُطوُرَةَ تَأثِيرِ المرأَةِ في إحدَاثِ أيِّ تَغيِيرٍ مِن دَاخِلِ المجتمعَاتِ، فهيَّ الحلَقَةُ الأَضعَفُ التي يمكن التَّأثِيرِ عليها، وهي العَامِلُ الأَقدَرُ على صِيَاغَةِ فِكرِ ووَعيِّ وقِيمِ الأَجيَالِ مِن مَوقِعِ كَونِها الزَّوجَةَ والأُمَّ. لذلك تتَضَاعَفُ جُهودُ المنظَّماتِ الغَربيَّةِ في اختِراقِ البَيئَاتِ المتَديِّنَةِ والمحَافِظةِ بصُورَةٍ أَقوَى مِن جُهُودِه في الاختِراقِ السِّيَاسِي التي قد تَصطَدِمُ بعَوَائِقِ ومَصَالحِ النُّخَبِ السُّلطَويَّةِ.

هذا التَّوجُّهُ مُعَبَّرٌ عنه بكُلِّ صَراحَةٍ. ففي جَلسَةِ استِماعٍ للكُونغرسِ الأمرِيكي لـ"ريكس تيلرسون"، مُرشحِ الرَّئيسِ الأمريكي المـُنتَخبِ "دونالد ترامب" في 11 ديسمبر 2016م لمنصِبِ وزِيرِ الخَارِجيةِ الأمرِيكِيةِ، أمامَ السِّينَاتُور "ماركو روبيو"، عُضو مَجلِسِ النُّوابِ الأَمرِيكي عن الحِزبِ الجُمهُورِي مِنذُ سَنةِ 2011م، يحثُّ السِّينَاتورُ المرَشَّحَ لوَزَارَةِ الخَارِجِيةِ الأَمرِيكِيةِ على ضَرُورَةِ التَّخطِيطِ لتَغييرِ وَاقِعِ المرأَةِ السُّعودِيةِ لتُشمَلَ بالحُقُوقِ والحُريَّاتِ –وبالتَّأكِيدِ وِفقًا للمَنظُورِ الأَمرِيكي!

فليسَ المطلُوبُ مِن المرأَةِ السُّعُوديَّةِ غَربيًا أن تَكُون امرَأَةً مُتعلِمَّةً وعَامِلَةً ونَاجِحَةً، فهذا مُتحقَّقٌ في كَثيرٍ مِن مُعطَياتِ الأَرقامِ والإحصَائِياتِ والبَيانَاتِ، فهذه الأُمورُ لم تكن في يُومٍ مِن الأَيامِ أَمرًا مُضادًا للدِّينِ والهويَّةِ في الجُملَةِ، بل المطلُوبُ هو التَّغيُّرُ في الهويَّةِ والقِيمِ والأَخلاقِ التي تحتَكِمُ إليها المرأَةُ السُّعوديَّةُ في تَعلُّمِها وعَمَلِها ونجَاحِها. المطلُوبُ هو جَعلُها نُسخَةً مِن المرأَةِ الغَربِيةِ في خَلاعَتِها وفُجُورِها وانحلالها تحت ذَرِيعَةِ الحُقوقِ والحريَّاتِ؛ ثمَّ لا يُمانِعُ الغَربُ بعد ذلك من أيِّ وَسِيلةٍ تُوصِلُ لذلك: قَوانين وقَرارَاتٍ حَكُوميَّةٍ، أو مُؤسَساتٍ ومَنَاهِجَ تَعلِيميَّةٍ، أو خِطَابٍ دِيني "مُتغَرِّبِ" الهوى والهويَّةِ، أو مُنظمَاتٍ مَدَنيَّةٍ ومُجتَمعِيةٍ فَاعِلةٍ في الأرض.

يقول د. "هنري ماكوو"، الأستاذُ الجَامِعيُ والكَاتِبُ الأمريكيُ والبَاحِثُ المتخصص في الشُؤون النَّسويَّةِ والحركَاتِ التَّحرريَّةِ، في مقال له بعِنوان (الحِجَابُ مُقابِلَ البكيني في سُوقِ المرأَةِ الأمرِيكِيةِ) :"فإلى جَانِبِ سَرِقَةِ نِفطِ العَربِ، فإنَّ الحربَ في الشَّرقِ الأَوسَطِ إنَّما هي لتَجرِيدِ العَربِ مِن دِينِهم وثَقَافَتِهم، واستِبدَالِ البُرقُعِ بالبكيني"، ويُضيفُ قائلا: "بالنِّسبَةِ لي.. الحِجابُ يمثِّلُ تكرِيسَ المرأَةِ نَفسِها لزَوجِها وعَائلَتِها، هم فَقطَ يَرونَها، وذلك تَأكِيدًا لخُصوصِيَّتِها. تركيزُ المرأَةِ المسلِمَةِ مُنصَبٌّ على بَيتِها "العُش"، حَيثُ يُولدُ أطفَالُها وتَتِمُّ تَربِيتُهم، هي الصَّانِعةُ المحلِيةُ، هي الجِذرُ الذي يُبقِي على الحيَاةِ، الرُّوحُ للعَائِلةِ، تُربِّي وتُدرِّبُ أَطفالَها، تَمدُّ يَدَ العَونِ لزَوجِها، وتكون مَلجَأً له. على النَّقِيضِ مَلِكةُ الجمَالِ الأَمرِيكيةِ، وهي تَرتَدِي البِكيني، فهي تختَالُ عَاريَّةً تَقرِيبًا أَمامَ الملايين، على شَاشَاتِ التَّلفَزَةِ، وهي مِلكٌ للعَامَّةِ؛ تُسوِّقُ جِسمَها إلى المزَايِدِ الأَعلى سِعرًا. هي تَبِيعُ نَفسَها بالمزَادِ العَلنيِّ كُلَّ يِومٍ" [المرأة السعودية وساسة الغرب، طارق السيد، موقع لها أون لاين، في 26/12/1433ه- 10/11/2012م].

هذه هي حَقِيقةُ الشِّعارَاتِ وهَدفُ المخطَّطاتِ! فعلى المجتمعِ السُّعودِي والمرأَةِ السُّعوديَّةِ خُصوصًا التَّمتُّعِ بالوَعي والقُدرَةِ على إفشَالِ هذه المؤَامَراتِ الخَبِيثَةِ مِن خِلالِ المزِيدِ مِن التَّلاحُمِ والتَّعاوُنِ والمشَارِيعِ الهَادِفَةِ للحِفاظِ على الدِّينِ والهويَّةِ والخُصُوصيَّةِ المجتَمَعيَّةِ. فربما تكون المعركةُ القَادِمةُ مَعركةَ قِيمٍ وأَخلاقٍ تَضرِبُ أُسُسَ المجتمعِ في أَخصِّ خُصُوصيَاتِه.