النهضة و التغيير /

ابن القيِّم.. العَالِمُ الرَّبَانيُّ الموسُوعيُّ (1 - 2) [ مقال ]

[ الخميس 14 ربيع الآخر 1438 هـ ] [ 994 ]

عَاشَ المسلِمُونَ في القَرنِ السَّابَعِ الهِجرِي ظُرُوفًا مَأسَاويَّةً جِدًا، وأَحدَاثًا جِسَامًا كان مِن أَبرَزِها اجتِيَاحُ التَتَرِ المغُولِ العَالَمَ الإسلامي، وتَدمِيرُهم مُدُنَه وحَوَاضِرَه بما في ذلك عَاصِمَةُ الخِلافَةِ الإسلامَيَّةِ بَغدَاد. وهذا الوَاقِعُ سَبَقَه انتِشَارٌ وَاسِعٌ لطَوَائِفِ الضَّلالِ والبِدعِ، مِن شِيعَةٍ رَافِضَةٍ وبَاطِنيَّةٍ وحَرَكَاتٍ صُوفِيَّةٍ مُغَالِيَةٍ في عَقَائِدِ الحُلُولِ والاتِّحَادِ والشِّركيَّاتِ البِدعِيَّةِ، حتى تَشَكَّلَت لها دُوَلٌ هنا وهناك. بالإضَافَةِ إلى بُرُوزِ فَلاسِفَةٍ يُظهِرُون الإلحَادَ والزَّندَقَة في ظلَّ تَأثُّرِ كَثَيرٍ مِن المسلِمِين بالفَلسَفَةِ وعِلمِ الكَلامِ. ومع قَتَامَةِ المشهَدِ العَامِ في سَاحَةِ العَالمِ الإسلامي، كَانَت تَبَاشِيرُ انبثَاقِ فَجرٍ جَدِيدٍ تَلُوحُ في الأُفُق، وحَركَةُ بَعثٍ إِسلاميٍّ تتَشكَّلُ في الوَسطِ العِلمِيِّ والاجتِمَاعيِّ والسِّيَاسيِّ والجِهَادِيِّ. وفي ظِلِّ هذه الأَجوَاءِ وُلِدَ ونَشَأَ وعَاشَ شَمسُ الدِّينِ أَبو عَبدِالله محمَّدُ بن أَبي بَكرٍ، الشَّهِيرُ بابنِ قَيِّم الجَوزِيَّةِ، آوَاخِرِ القَرنِ السَّابِعِ الهِجرِي وحتى مُنتَصَفِ القَرنِ الثَّامِن الهِجرِي. وهي حِقبَةٌ تَارِيخيَّةٌ شَهِدَت تَوقُّفَ المدِّ التَتَري المغُولي وانكِسَارَه، وانتِصَارَ المسلِمِين بقِيادَةِ النَّاصِرِ محمد بن قَلاوون على التَتَرِ، في وَقعَةِ شَقحَب بالقُربِ مِن دِمشق، في الثَّانِي مِن رَمضَانٍ سَنَة 702هـ. وهو الانتِصَارُ الذي أَعَادَ للمُسلِمينَ ثِقَتَهم في أَنفُسِهم وقُوَّتِهم، بعد الذي جَرَى في العُقُودِ السَّابِقَةِ مِن تهدِيدِ التَتَرِ لمـُدُنِ وحَوَاضِرِ المسلِمِين في العِراقِ والشَّامِ.

لقَد فَتَحَ ابنُ القَيِّمِ –رَحِمَه الله- مَدَارِكَه على هذا التَّحَوُّلِ الكَبيرِ في الأُمَّةِ، والذي وَاكَبَه بُرُوزُ شَخصيَّةٍ إسلامِيَّةٍ عِلمِيَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ على السَّاحَةِ العَامَّةِ، كان لها تَأثِيرُها على الحَركَةِ العِلمِيَّةِ والمعرِفِيَّةِ والدَّعَويَّةِ والجهَادِيَّةِ، بل وعلى شَخصِيَّةِ ابن القَيمِ نَفسِه؛ ألا وهي شَخصِيَّةُ شَيخِ الإسلامِ ابن تَيمِيَّة –رَحِمَه الله.

وقد كان ابنُ تَيمِيَّة في قَلبِ الانتِصَارِ الذي تَحقَّقَ في مَعرَكَةِ شَقحَب، بفَتَاوَاه في وُجُوبِ قِتَالِ التَّتَر، وكَشفِه لتَلبِيسَاتِهم وتَلبِيسَاتِ مَن يَتَواطَؤُون مَعَهم، وذَهَابِه للسُّلطَانِ النَّاصِرِ قَلاوُون يَدعُوه للقِتالِ ويَستَحثُّه ويُقوِّي عَزِيمَتَه، ودَعوَتِه للمُسلِمِين والأُمرَاءِ والجُنُودِ للاجتِمَاعِ وتَوحِيدِ الصَّفِّ والثَّبَاتِ، وخُرُوجِه للمُشَارَكَةِ في القِتَالِ بنَفسِه وبمَن معه مِن طَلَبَتِه ومُريدِيه وأَتبَاعِه، وتَبشِيرِه المجَاهِدِين بالنَّصرِ وهُم في أَرضِ المعرَكَةِ، قائِلا لهم: إنَّكم لمنصُورُون والله إنَّكم لمنصُورُون! فيُقُولون: قُل إن شَاءَ الله! فيُقول جَازِمًا: إن شَاءَ اللهِ تحقِيقًا لا تَعلِيقًا! يَتَأوَّلُ في ذلك آيَاتِ القُرآنِ الكَريم، وفَتوَاه للنَّاسِ أن يُفطِروا كي يَتقوَّوا على الأَعدَاءِ مُدَّةَ قِتَالهم، وهو يُفطِرُ أمَامَهم.

وكان ابن تَيميَّة عَالمـًا مُوسُوعيًّا، وفَقِيهًا مُجتَهِدًا، ومُصلِحًا مُجدِّدًا، غَزَيرَ الاطِّلاعِ، عَمِيقَ الفَهَم، صَاحِبَ فِكرٍ ومَنطِقٍ وجَدَلٍ، زَاهِدًا في الدُّنيا، مُنشَغِلًا بالتَّعلِيمِ والدَّعوَةِ والفُتيا والاحتِسَابِ والإصلاحِ. وقد لازَمَه ابنُ القَيِّمِ قُرَابَةَ سِتَّةَ عَشَرَ عَامًا[1]، ونَهَلَ مِن عِلمِه ومَعَارِفِه ما انعَكَسَ في شَخصِيَّةِ ابن القَيمِ ومُؤلَّفَاتِه ونُقُولاتِه عن شَيخِه.

لقد مَثَّلَ ابنُ القيِّمِ امتِدَادًا لنَهجِ الاجتِهَادِ والتَّجدِيدِ والإصلاحِ الذي تَأسَّسَ في هذه الحِقبَةِ، وبَرَزَت شَخصيَّتُه في مُؤَلَّفَاتِه التي تُشكِّلُ مُوسُوعَةً غَزِيرَةً، بعُلُومِه الشَّرعِيَّةِ: قُرآنًا وتَفسِيرًا وحَدِيثًا وفِقهًا وعَقِيدَةً وأُصولًا، وبعُلُومِه الفَلسَفيَّةِ والتَّارِيخيَّةِ والطَّبيعِيَّةِ عُمُومًا. ولو ذَهبَنا نَستَشهِدُ لكُلِّ وَاحِدَةٍ مِن ذلك يَطُولُ المقَامُ.

ولكن نكتَفي هنا بعَرضِ شَيءٍ مِن كَلامِ هذا العَالِمِ، ضِمنَ حَدِيثِه الإيمَاني، عن أُمُورٍ تُظهِرُ مَدَى برَاعَتِه واطِّلاعِه حَولَ الطِّبِّ، وما فيه مِن عُلُومٍ، كالتَّشرِيحِ والتَّغذِيَةِ والعِلاجِ والأَدوِيَةِ، وما يَتَّصِلُ به مِن مَعَارِفَ في عِلمِ الأَحيَاءِ، والكَائِنَاتِ الحيَّةِ وتَكوِينِها وتَركِيبِها ووَظَائِفِها، وعلى عِلمِ الزِّرَاعَةِ والفَلَكِ والمنَاخِ.. وغيرها.

وسَوفَ نَقتَبِسُ له نَصَّين: الأَولُ تَحدَثَ فيه عن قَولِ اللهِ تعالى: ((وفِي أَنفُسِكُم أَفَلَا تُبصِرُونَ))، في كتابه: (التبيان في أقسام القرآن)[2]. وهو رَغَمَ طُولِه إلا أنَّه شَيِّقٌ ومَلِيءٌ بالدُّررِ والفَوائِدِ، ويُناسِبُ مَقصُودَ الاستِشهَادِ. والثاني مِن كِتابِه الشَّيِّق الماتِعِ (مِفتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ ومَنشُورُ وِلايَةِ العِلمِ والإرَادَةِ)[3]، وفي النصِّ المختَارِ يَتحدَّثُ عن آيَاتِ الله الكُونيَّةِ.

وهو في كِلا النَّصَّين يَدمِجُ بين مَعَارِفِه وعُلُومِه وبين عُذُوبَةِ أَلفَاظِه في تَقرِيرِ العَقَائِدِ، ومُحاجَجَةِ العُقُولِ، وتَذكِيرِ القُلُوبِ، وتَربِيةِ الرُّوحِ. فهو يُقدِّمُ أُنمُوذَجًا للعَالمِ الرَّباني الموسُوعِي في حِقبَةٍ تَارِيخيَّةٍ صَعبَةٍ، ورَمزًا مِن رُمُوزِ الحَركَةِ التَّجدِيديَّةِ التَّصحِيحيَّةِ الإصلاحِيَّةِ في الأُمَّةِ، الذين قَاوَمُوا حَالَةَ الانهيَارِ والضَّعفِ والانحِطَاطِ وأَسَّسُوا للتَّغييرِ، وتَركُوا ثَروَةً فِكريَّةً وعِلمِيةً وثَقَافِيةً لا تَزالُ مَرجِعًا مهما للأجيال.

النَّصُّ الأَول.. ابن القَيِّمِ طَبِيبًا:

يقول رحمه الله: "لمـَّا كان أَقرَبُ الأَشيَاءِ إلى الإِنسَانِ نَفسُه دَعَاه خَالَقُه -وبَارِئُه ومُصوِّرُه وفَاطِرُه مِن قَطرَةِ مَاءٍ- إلى التَّبَصُّرِ والتَّفكُّرِ في نَفسِه. فإذَا تَفكَّرَ الإنسَانُ في نَفسِه استَنَارَت له آيَاتُ الرُّبُوبيَّةِ، وسَطَعَت له أَنوَارُ اليَقينِ، واضمَحَلَّت عنه غَمَراتُ الشَّكِ والرِّيَبِ، وانقَشَعَت عنه ظُلُمَاتُ الجَهلِ. فإنَّه إذَا نَظَرَ في نَفسِه وَجَدَ آثَارَ التَّدبِيرِ فِيه قَائِمَاتٌ، وأَدِلَّةُ التَّوحِيدِ على رَبِّه نَاطِقَاتٌ، شَاهِدَةٌ لمدَبِّرِه، دَالَّةٌ عليه مُرشِدَةٌ إليه؛ إذ يَجِدهُ مُكوَّنًا مِن قَطرَة مَاءٍ لحُومًا مُنضَدَةً وعِظَامًا مُركَّبَةً وأَوصَالًا مُتعَدِّدَةً مَأسُورَةً مَشدُدَةً بحِبَالِ العُرُوقِ والأَعصَابِ، قد قُمِّطَت وشُدَّت وجُمِعَت بجِلدٍ مَتِينٍ مُشتَمِلٍ على ثَلاثمَائَةٍ وسِتِّين مِفصَلاً، ما بَينَ كَبيرٍ وصَغيرٍ وثَخِينٍ ودَقِيقٍ ومُستَطِيلٍ ومُستَدِيرٍ ومُستَقِيمٍ، وجَعَلَ فِيه تِسعَةَ أَبوَابٍ، فبَابَانِ للسَّمعِ، وبَابَانِ للبَصرِ، وبَابَانِ للشَّمِ، وبَابٌ للكَلامِ والطَّعَامِ والشَّرَابِ والتَّنفُّسِ، وبَابَانِ لخُرُوجِ الفَضَلاتِ التي يُؤذِيه احتِبَاسُها.

وجَعَلَ دَاخِلَ بَابَي السَّمعِ مُرًّا قَاتِلًا، لئَلَا تَلِجَ فيها دَابَةٌ تَخلُصُ إلى الدِّمَاغِ فتُؤذِيهِ. وجَعَلَ دَاخِلَ بَابَي البَصَرِ مَالِحًا لِئَلَا تُذِيبَ الحَرَارَةُ الدَّائِمَةُ ما هُناك مِن الشَّحمِ. وجَعَلَ دَاخِلَ بَابَ الطَّعَامِ والشَّرَابِ حُلوًا ليَسيغَ به ما يَأكُلُه ويَشرَبُه، فلا يَتَنغَّصُ به لو كان مُرًّا أو مَالِحًا.

وجَعَلَ له مِصبَاحَينِ مِن نُورٍ كالسِّرَاجِ المضِيءِ، مُرَكَّبَين في أَعلَى مَكَانٍ مِنه وفي أَشرَفِ عُضوٍ مِن أَعضَائِه طَلِيعَةً له، ورَكَّبَ هذا النُّورَ في جُزءٍ صَغِيرٍ جِدًا، يُبصِرُ به السَّمَاءَ والأَرضَ وما بَينَهما، وغَشَّاه بسَبعِ طَبقَاتٍ وثَلاثِ رُطُوبَاتٍ بَعضُها فُوقَ بَعضٍ، حِمَايَةً له وصِيَانَةً وحِرَاسَةً. وجَعَلَ على مَحلِّه غَلقًا بمِصرَاعَينِ أَعلَى وأَسفَلَ، ورَكَّبَ في ذَيلِ المِصرَاعَينِ أَهدَابًا مِن الشَّعرِ وقَايَةً للعَينِ وزِينَةً وجَمَالًا، وجَعَلَ فَوقَ ذلك كُلِّه حَاجِبَينِ مِن الشَّعرِ يحجُبَانِ العَينَ مِن العَرَقِ النَّازِلِ ويتَلَقَّيَانِ عنها ما يَنصَبُّ مِن هناك، وجَعَلَ سُبحَانَه لكُلِّ طَبَقَةٍ مِن طَبقَاتِ العَينِ شُغلًا مَخصُوصًا، ولكُلِّ وَاحِدٍ مِن الرُّطُوبَاتِ مِقدَارًا مَخصُوصًا لو زَادَ على ذلك أو نَقَصَ مِنه لاختَلَّت المنَافِعُ والمصَالِحُ المـَطلُوبَةُ، وجَعَلَ هذا النُّورَ البَاصِرَ في قَدرِ عَدَسَةٍ، ثمَّ أَظهَرَ في تِلكَ العَدَسَةِ صُورَةَ السَّمَاءِ والأَرضِ والشَّمسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والجِبَالِ والعَالَمِ العُلويِّ والسُّفلِيِّ مع اتِّسَاعِ أَطرَافِه وتَبَاعُدِ أَقطَارِه، واقتَضَت حِكمَتُه سُبحَانَه أن جَعَلَ فيها بَيَاضًا وسَوَادًا، وجَعَلَ القُوَّةَ البَاصِرَةَ في السَّوادِ، وجَعَلَ البَيَاضَ مُستَقرًا لها ومَسكَنًا، وزَيَّنَ كُلًّا مِنهما بالآخَرِ، وجَعَل الحَدَقَةَ مَصُونَةً بالأَجفَان والحَوَاجِبِ كما تَقدَّمَ، والحَوَاجِبُ بالأَهدَابِ، وجَعَلَها سَودَاءَ، إذ لو كَانت بَيضَاءَ لتَفرَّقَ النُّورُ البَاصِرُ وضَعُفَ الإِدرَاكُ، فإنَّ السَّوادَ يجمَعُ البَصَرَ ويَمنَعُ مِن تَفَرُّقِ النُّورِ البَاصِرِ، وخَلَقَ سُبحَانه لتَحرِيكِ الحَدَقَةِ وتَقلِيبِها أربَعًا وعِشرِين عَضَلَةً، لو نَقَصَت عَضَلَةٌ وَاحِدَةٌ لاختَلَّ أَمرَ العَينِ، ولما كانت العَينُ كالمِرآةِ التي إنَّما تَنطَبِعُ فيها الصُّورُ إذا كانت في غَايَةِ الصَّقَالَةِ والصَّفَاءِ، وجَعَلَ سُبحَانه هذه الأَجفَانَ مُتَحرِّكَةً جِدًا بالطَّبعِ إلى الانطِبَاقِ مِن غَيرِ تَكَلُّفٍ، لتَبقَى هذه المرآةُ نَقيَّةً صَافِيَّةً مِن جَميعِ الكُدُورَاتِ، ولهذا لمـَّا لم يَخلُق لعَينِ الذُّبَابَةِ أَجفَانًا فإنَّها لا تَزَالُ تَرَاها تُنظِّفُ عَينَها بِيَدِها مِن آثَارِ الغُبَارِ والكُدُورَات.

وكما جَعَلَ سُبحَانَه العَينين مَؤدِّيَتَين للقَلبِ ما يُريَانِه فيُوصِلانِه إليه كما تَريَاه جَعَلَهما مِرآتَينِ للقَلبِ، يَظهَرُ فيهما ما هو مُودَعٌ فيه مِن الحُبِّ والبُغضِ، والخَيرِ والشَّرِ، والبَلادَةِ والفِطنَةِ، والزَّيغِ والاستِقَامَةِ، فيُستَدَلُّ بأَحوَالِ العَينِ على أَحوَالِ القَلبِ، وهو أَحَدُ أَنوَاعِ الفَرَاسَةِ الثَّلاثَةِ، وهي فَرَاسَةُ العَينِ وفَرَاسَةُ الأُذنِ وفَرَاسَةُ القَلبِ. فالعَينُ مِرآةٌ للقَلبِ وطَلِيعَةٌ ورَسُولٌ. ومِن عَجيبِ أَمرِها أنَّها مِن أَلطَفِ الأَعضَاءِ وأَبعَدِها تَأثُّرًا بالحَرِّ والبَردِّ، على أنَّ الأُذنَ على صَلابَتِها وغِلظِها لتَتَأثَّرُ بهما أَكثَرَ مِن تَأثُّرِ العَينِ على لطَافَتِها، وليسَ ذلك بسَبَبِ الغِطَاءِ الذي عليها مِن الأَجفَان، فإنَّها لو كانت مُنفَتِحَةً لم تَتَأثَّر بذلك تَأثُّرَ الأَعضَاءِ اللَّطِيفَةِ.

ومِن ذلك الأُذنَان، شَقَّهما تَبارَكَ وتَعَالى في جَانِبي الوَجهِ وأَودَعَهما مِن الرُّطُوبَةِ ما يَكُون مُعِينًا على إدرَاكِ السَّمعِ، وأَودَعَهما القُوَّةَ السَّمعِيَّةَ، وجَعَلَ سُبحَانه في هذه الصَّدَفَةِ انحِرَافَاتٍ واعوِجَاجَاتٍ لتَطُولَ المسَافَةُ قَليلًا، فلا يَصِلُ الهوَاءُ إلا بعد انكِسَارِ حِدَّتِه، فلا يَصدُمُها وَهلَةً وَاحِدَةً فيُؤذِيها، وأَيضًا لئَلَّا يُفجَأَها الدَّاخِلُ إليها مِن الدَّبيبِ والحَشرَاتِ، بل إذا دَخَلَ إلى عَوَجَةِ مِن تلك الانعِطَافَاتِ وَقَفَ هناك فسَهُلَ إخرَاجُه.

وكانت العَينَانُ في وَسَطِ الوَجهِ، والأُذُنَانُ في جَانِبَيه، لأنَّ العَينَين مَحَلُ الملاحَةِ والزِّينَةِ والجَمَالِ، وهما بمَنزِلَةِ النُّورِ الذي يَمشِي بين يَدَي الإنسَانِ، وأمَّا الأُذُنَانِ فكان جَعلُهما في الجَانِبَين ليَكُون إدرَاكَهما لما خَلفَ الإنسَان وأَمَامَه وعن يَمِينِه وعن شِمَالِه سَواء، فتَأتِي المسمُوعَاتُ إليهما على نِسبَةٍ وَاحِدَةٍ، وخُلِقَت العَينَان بغِطَاءٍ والأُذُنَان بغَيرِ غِطَاءٍ، وهذا في غَايَةِ الحِكمَةِ، إذ لو كان للأُذُنَين غِطَاءٌ لمـَنعَ الغِطَاءُ إدرَاكَ الصُّوتِ، فلا يَحصُلُ إلا بَعدَ ارتِفَاعِ الغِطَاءِ، والصُّوتُ عَرَضٌ لا ثَبَاتَ له، فكان يَزُولُ قَبلَ كَشفِ الغِطَاءِ بخِلافِ ما تَرَى العَينُ فإنَّه أَجسَامٌ وأَعرَاضٌ لا تَزُولُ فيما بين كَشفِ الغِطَاءِ وفَتحِ العَينِ.

وجَعَلَ سُبحَانَه الأُذُن عُضوًا غُضرُوفيًّا، ليس بلَحمٍ مُستَرخٍ، ولا عَظمٍ صَلبٍ، بل هي بين الصَّلابَةِ واللِّين، فتقبل بلِينِها وتُحفَظُ بصَلابَتِها، ولا تَنصِدعُ انصِدَاعَ العِظَامِ، ولا تَتَأثَّرُ بالحَرِّ والبَردِ، والشَّمسِ والسُّمُومِ، تَأثُّرَ اللَّحمِ إذ المصلَحَةُ في بُرُوزِها لتَتَلقَّى ما يَرِدُ عليها مِن الأَصوَاتِ والأَخبَارِ.

ومِن ذلك الأَنفُ، نَصَبَه سُبحَانَه في وَسَطِ الوَجهِ قَائِمًا مُعتَدِلًا، في أَحسَن شَكلٍ وأَوفَقِه للمَنفَعَةِ، وأَودَعَه حَاسَّةُ الشَّمِ التي يُدرِكُ بها الرَّوَائِحَ وأَنوَاعِها وكَيفيَّاتِها ومَنَافِعِها ومَضَّارِها، ويَستَدِلُّ بها على مَضَّارِ الأَغذِيَةِ والأَدوِيَةِ ومَنَافِعِها، وأَيضًا فإنَّه يَستَنشِقُ بالتَّخزِين الهَوَاءَ البَارِدَ الرَّطبَ فيُؤَدِّيه إلى القَلبِ، فيَترُّوحُ به، فيَستَغني بذلك عن فَتحِ الفَمِ أَبدًا، وجَعَلَ تَجوِيفَه بَقَدَرِ الحَاجَةِ، فلم يُوسِّعه عن ذلك فيَدخُلَه هَوَاءٌ كَثِيرٌ، ولم يُضَيِّقه فلا يَدخُلَه مِن الهوَاءِ ما يَكفِيه، وجَعَلَ ذلك التَّجويفَ مُستَطِيلًا ليَنحَصِرَ فيه الهَوَاءُ ويَنكَسِرَ بَردُه وحِدَّتُه قَبلَ أن يَصِلَ إلى الدِّمَاغِ، فلولا ذلك لصَدَمَه بحِدَّتِه وقُوَّتِه. والهَوَاءُ الذي يَستَنشِقُهُ الأَنفُ يَنقَسِمُ شِطرَين: شِطَرًا يَصعَدُ إلى الدِّمَاغِ وشِطرًا يَنزِلُ إلى الرِّئَةِ. وهو مِن آلَاتِ النُّطقِ، فإنَّ له إِعَانَةً على تَقطِيعِ الحُرُوفِ. وكما أنَّ تَجوِيفَه جُعِلَ لاستِنشَاقِ الهَوَاءِ فإنَّه جُعِلَ مَصبًّا لفَضَلاتِ الدِّمَاغِ، تَنحَدِرُ مِنه في تلك القَصَبَةِ فيَخرُجُ فيَستَرِيحُ الدِّمَاغُ، ولذلك جَعَلَ عليها سِترًا ولم يَجعَلها بَارِزَةً فتَستَقبِحُها العُيُونُ، وجَعَلَ فيه تجوِيفَين فإنَّه قد يَنسَدُّ أَحَدُهما أو يَعرِضُ له آفَةٌ تَمنَعُه مِن الإدرَاكِ والاستِنشَاقِ، فيَبقَى التَّجوِيفُ الثَّاني نَائِبًا عنه يَعمَلُ عَمَلَه، كما اقتَضَت الحِكمَةُ مِثلَ ذلك في العَينَين. ثمَّ تَأمَّل الهَوَاءَ الذي يَستَنشِقَه الأَنفُ كيف يَدخُلُه أَولًا مِن المـُنخَرِين ويَنكَسِرُ بَردُه هناك، ثمَّ يَصِلُ إلى الحَلقِ فيَعتَدِلَ مِزَاجُه هناك، ثمَّ يَصِلُ إلى الرِئَةِ أَلطَفَ ما يكُونُ، ثمَّ تَبعَثُه الرِّئَةُ إلى القَلبِ فيُرَوِّحُ عن الحَرَارَةِ الغَرِيزِيَّةِ التي فيه، ثمَّ يَنفُذُ مِن القَلبِ إلى العُرُوقِ المتَحرِّكَةِ، ويُبلُغُ إلى أَقَاصِي أَطرَافِ البَدَنِ، ثمَّ إذَا سَخُنَ في البَاطِنِ وخَرَجَ عن حَدِّ الانتِفَاعِ خَرَجَ عن تِلك الأَقَاصِي إلى البَدَنِ، ثمَّ إلى الرِّئَةِ ثمَّ إلى الحُلقُومِ ثمَّ إلى المـُنخَرِين خَارِجًا، فيَخرُجُ مِنهما ويَعُودُ عِوضَه هَوَاءٌ بَارِدٌ نَافِعٌ. والنَّفسُ الوَاحِدُ مِن أَنفَاسِ العَبدِ إنَّما يَتِمُّ بمجمُوعِ هذه الأُمُورِ والقُوى والأَفعَالِ، وهو له في اليَومِ واللِّيلَةِ أَربَعَةٌ وعِشرُون أَلفَ نَفسٍ، للهِ في كُلِّ نَفَسٍ عِدَةُ نِعَمٍ قد وَقَفتَ على القَلِيلِ مِنها، فما ظَنُّك بمَا وَرَاءَ التَّنفُسِ مِن الأَعضَاءِ والقُوى ومَنَافِعِها وتَمَامِ النِّعمَةِ بها.

وأمَّا الفَمُ فمَحَلُّ العَجَائِبِ، وبَابُ الطَّعَامِ والشَّرَابِ والنَّفَسِ والكَلامِ، ومَسكَنُ اللِّسَانِ النَّاطِقِ الذي هو آلَةُ العُلُومِ وتُرجُمَانُ القَلبِ ورُسُولُه المؤَدِّي عنه. ولمـَّا كان القَلبُ مَلِكَ البَدَنِ ومَعدِنًا للحَرَارَةِ الغَرِيزِيَّةِ فإذَا دَخَلَ الهَوَاءُ البَارِدُ وَصَلَ إليه فاعَتَدَلَت حَرَارَتُه وبَقيَّ هنَالِك سَاعَةً فسَخُنَ واحتَرَقَ، فاحتَاجَ القَلبُ إلى دَفعِه وإخرَاجِه، فجَعَلَ أَحكَمُ الحَاكِمين إخرَاجَه سَبَبًا لحُدُوثِ الصَّوتِ في الحُنجُرَةِ والحَنَكِ واللِّسَانِ والشَّفَتِينِ والأَسنَانِ، مَقَاطِعَ ومَخَارِجَ مُختَلِفَةٍ، وبِسبَبِ اختِلَافِها تَميَّزَت الحُرُوفُ بَعضُها عن بَعضٍ، ثمَّ أُلهِمَ العَبدُ تَركِيبَ تِلك الحُرُوفِ ليُؤَدِّي بها عن القَلبِ ما يَأمُرُ به.

فتَأَمَّل الحِكَمَةَ البَاهِرَةَ حَيثُ لم يُضِع سُبحَانَه ذلك النَّفسَ المستَغنَى عنه المحتَاجَ إلى دَفعِه وإِخرَاجِه، بل جَعَلَ فيه إذَا استُغنِيَّ عنه مَنفَعَةً ومَصلَحَةً، هي مِن أَكمَلِ المنَافِعِ والمصَالِحِ؛ فإنَّ المقصُودَ الأَصلِيَّ مِن النَّفسِ هو اتِّصَالُ الرِّيحِ البَارِدِ إلى القَلبِ فأمَّا إخرَاجُ النَّفسِ فهو جَارٍ مَجرَى دَفعِ الفَضَلَةِ الفَاسِدَةِ، فصَرَفَ ذلك سُبحَانَه إلى رِعَايَةِ مَصلَحَةٍ ومَنفَعَةٍ أُخرَى، وجَعَلَه سَبَبًا للأَصوَاتِ والحُرُوفِ والكَلامِ.

ثمَّ إنَّه سُبحَانه جَعَلَ الحنَاجِرَ مُختَلِفَةَ الأشكَالِ في الضِّيقِ والسِّعَةِ والخُشُونَةِ والملاسَةِ، لتَختَلِفَ الأَصوَاتُ باختِلافِها، فلا يَتَشَابَه صُوتَان كما لا تَتَشَابَه صُورَتَان. وهذا مِن أَظهَرِ الأَدِلَّةِ، فإنَّ هذا الاختِلافَ الذي بين الصُّورِ والأَصوَاتِ على كَثرَتِها وتُعدُّدِها، فقلَّمَا يَشتَبِه صُوتَان أو صُورَتَان، ليس في الطَّبِيعَةِ ما يَقتَضِيه، وإنَّما هو صُنعُ اللهِ الذي أَتقَنَ كُلَّ شَيءٍ وأَحسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَه، فتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالمين وأَحسَنُ الخَالِقِين. فمَيَّزَ سُبحَانه بين الأَشخَاصِ بما يُدرِكُه السَّمعُ والبَصَرُ.

وأَودَعَ اللِّسَانَ مِن المنَافِعِ مَنفَعَةَ الكَلامِ، وهي أَعظَمُها، ومَنفَعَةُ الذُّوقِ والإدرَاكِ، وجَعَلَه دَلِيلًا على اعتِدَالِ مِزَاجِ القَلبِ وانحِرَافِه، كما جَعَلَه دَلِيلًا على استِقَامَتِه واعوِجَاجِه، فتَرَى الطَّبِيبَ يَستَدِلُّ بما يَبدُو للبَصَرِ على اللِّسَانِ مِن الخُشُونَةِ والملَاسَةِ والبَيَاضِ والحُمرَةِ والتَّشَقُّقِ وغَيرِه على حَالِ القَلبِ والمِزَاجِ، وهو دَلِيلٌ قَويٌّ على أَحوَالِ المـَعِدَةِ والأَمعَاءِ، كما يَستَدِلُّ السَّامِعُ بما يَبدُو عليه مِن الكَلامِ على ما في القَلبِ فيَبدُو عليه صِحَّةُ القَلبِ وفَسَادِه مَعنىً وصُورَةً.

وجَعَلَ سُبحَانَه اللِّسَانَ عُضوًا لحمِيًّا لا عَظمَ فيه ولا عَصَبَ، لتَسهُلَ حَرَكَتُه، ولهذا لا تَجِدُ في الأَعضَاءِ مِن لا يَكتَرِثُ بكَثرَةِ الحَركَةِ سِوَاه، فإنَّ أيَّ عُضوٍ مِن الأَعضَاءِ إذا حَرَّكتَه كما تُحرِّكُ اللِّسَانَ لم يُطِق ذلك ولم يَلبَث أن يَكِلَّ ويَخلُد إلى السُّكُونِ إلَّا اللِّسَان. وأَيضًا فإنَّه مِن أَعدَلِ الأَعضَاءِ وأَلطَفِها، وهو في الأَعضَاءِ بمَنزِلَةِ رَسُولِ الملِكِ ونَائِبِه، فمِزَاجُه مِن أَعدَلِ أَمزِجَةِ البَدَنِ، ويَحتَاجُ إلى قَبضٍ وبَسطٍ وحَرَكَةٍ في أَقَاصِي الفَمِ وجَوَانِبِه، فلو كان فيه عِظَامٌ لم يَتَهيَّأ مِنه ذلك ولم يَتَهيَّأ مِنه الكَلامُ التَّامُ ولا الذُّوقُ التَّامُ، فكَوَّنَه اللهُ كما اقَتضَاه السَّببُ الفَاعِليُّ والغَائِيُّ، والله أعلم.

وجَعَلَ سُبحَانَه على اللِّسَانِ غَلقَين أَحدُهما الأَسنَانُ والثَّاني الفَمُ، وجَعَلَ حَرَكَتَه اختِيَاريَّةً، وجَعَلَ على العَينِ غِطَاءً وَاحِدًا، ولم يجعَل على الأُذُن غِطَاءً، وذلك لخَطَرِ اللِّسَانِ وشَرَفِه وخَطَرِ حَرَكَاتِه، وكُونُه في الفَمِ بمَنزِلَةِ القَلبِ في الصَّدرِ.. مِن اللَّطَائِفِ، فإنَّ آفَةَ الكَلامِ أكثَرُ مِن آفَةِ النَّظَرِ، وآفَةُ النَّظَرِ أَكثَرُ مِن آفَةِ السَّمعِ، فجَعَلَ للأَكثَرِ آفَاتٍ طَبقَين والمتَوَسِّطِ طَبقًا وجَعَلَ الأَقلَّ آفَةً بلا طَبَقٍ.

وجَعَلَ سُبحَانه الفَمَ أَكثَرَ الأَعضَاءِ رُطُوبَةً، والرِّيقُ يَتحَلَّلُ إليه دَائِمًا لا يُفَارِقُه، وجَعَلَه حُلوًا لا مَالِحًا كمَاءِ العَينِ ولا مُرًّا كالذي في الأُذُنِ ولا عَفِنًّا كالذي في الأَنفِ، بل هو أَعذَبُ مِياه البَدَنِ وأَحلَاها، حِكمَةً بَالِغَةً، فإنَّ الطَّعَامَ والشَّرَابَ يُخَالِطُه، بل هو الذي يُحِيلُ الطَّعَامَ ويَمتَزِجُ به امتِزَاجَ العَجِينِ بالماءِ، فلولا أنَّه حُلوٌ لما التَذَّ الإنسَانُ، بل ولا الحَيَوانُ، بطَعَامٍ ولا شَرَابٍ، ولا سَاغَه إلَّا على كُرهٍ وتَنغِيصٍ، ولمـَّا كان كَثِيرٌ مِن الطَّعَامِ لا يُمكِنُ تَحوَّلَه إلَّا بَعدَ طَبخِه جَعَلَ الرَّبُ تعالى له آلَةً للتَّقطِيعِ والتَّفصِيلِ، وآلَةً للطَّحنِ، فجَعَلَ آلَةَ القَطعِ -وهي الثَّنَايَا ومَا يَلِيها- حَادَّةَ الرُّؤُسِ، ليَسهُلَ بها القَطعُ، وجَعَلَ النَّواجِذَ وما يَلِيها مِن الأَضرَاسِ مُسطَّحَةَ الرُّؤُسِ عَرِيضَةً، ليَتَأَتَّى بها الطَّحنُ، ونَظَمَها أَحسَنَ نِظَامٍ كاللُّؤلُؤِ المنتَظَمِ في سِلكٍ، وجَعَلَها مِن الجَانِبِ الأَعلَى والأَسفَلِ، ليَتَأَتَّى بها القَطعُ والطَّحنُ، وجَعَلَها مِن الجَانِبِ الأَيمَنِ والأَيسَرِ، إذ رُبَّما كَلَّت إحدَى الآلَتَين أو تَعطَّلَت أو عَرَضَ لها عَارِضٌ فيُنتَقَلُ إلى الآلَةِ الأُخرَى، وأَيضًا لو كان العَمَلُ على جَانِبٍ وَاحِدٍ دَائِمًا أَوشَكَ أن يَتَعطَّلَ ويَضعُفَ. وتَأمَّل كَيفَ أَنبَتَها سُبحَانه مِن نَفسِ اللَّحمِ، فتَخرُجُ مِن خِلالِه نَابِتَةً كما يَنبُتُ الزَّرعُ في الأَرضِ، ولم يَكسُها سُبحَانه لَحمًا كسَائِرِ العِظَامِ سِوَاها، إذ لو كَسَاها اللَّحمَ لتَعطَّلَت المنفَعَةُ المقصُودَةُ. ولمـَّا كانت العِظَامُ مُحتَاجَةً إلى لَحمٍ يكسُوها ويَحفَظُها ويَتلَقَّى عنها الحَرَارَةَ والبَّردَ، ويَحفَظُ عليها رُطُوبَتَها، لم تَكمُل مَصلَحَةُ الحَيَوَان إلَّا بهذه الكِسوَةُ. ولمـَّا كانت عِظَامُ الأسنَانِ مُحتَاجَةً إلى ذلك مِن وَجهٍ، مُستَغنِيَّةً عنه مِن وَجهِ، جُعِلَت كِسوَتُها مُنفَصِلَةً عنها، وجُعِلَت هي المكتَسيَّةَ العَارِيَّةَ، لتَمَامِ المنفَعَةِ بذلك. ولمـَّا كانت آلَةُ القَطعِ والكَسرِ والطَّحنِ لم تَنشَأ مع الطِّفلِ مِن أَوَّلِ نَشأَتِه كسَائِرِ عِظَامِه، لعَدَمِ الحَاجَةِ إليها، عُطِّلَ عنها وَقتَ استِغنَائِه عنها بالرَّضَاعِ، وأُعطِيَها وَقتَ حَاجَتِه إليها، وفيه حِكمَةٌ أُخرَى، وهي أنَّه لو نَشَأَت معه مِن حِينِ يُولَد لأَضرَّت بحَلَمَةِ الثَّدي، إذ لا عَقلَ له يُحرِزُه عن عَضِّها، فكانت الأُمُّ تَمتَنِعُ مِن إرضَاعِه.

ومِن عَجِيبِ أَمرِها [أي الأسنان] الاتِّفَاقُ والموَالَاةُ التي بَينَها وبَينَ المـَعِدَةِ. فإنَّه يُسلَّمُ إليها الشَّيءُ اليَابِسُ والصَّلبُ فتَطحَنُه، ثمَّ تُسَلِّمُه إلى اللِّسَانِ فيَعجِنَه، ثمَّ اللِّسَانُ يُسلِّمُه إلى الحَلقِ فيُوصِلُه إلى المـَعِدَةِ، فتُنضِجُه وتَطبُخُه، ثمَّ يُرسَلُ إليها منه مَعلُومَها المقَدَّرِ لها. فإذا عَجِزَت [أي الأسنان] عن قَطعِ شَيءٍ وطَحنِه عَجِزَت المـَعِدَةُ عن إنضَاجِه وطَبخِه، وإذا كلَّت الأَسنَانُ كَلَّت المـَعِدَةُ، وإذا ضَعُفَت ضَعُفَت. وهي تَصحَبُ الإنسَانَ وتَخدُمُه ما لم يَرَها، فإذا وَقَعَت عَينُه عليها فَارَقَته الأَبد. وهي سِلاحٌ ومِنشَارٌ وسِكِّينٌ ورُوحٌ وزِينَةٌ، وفيها مَنَافِعُ ومَصَالِحُ غَيرُ هذه".

ثمَّ تكَلَّمَ عن الشَّعرِ وحَالِه ومَنبَتَه وسَبَبَه، وذَكَرَ وظَائِفَه المختَلِفَةِ، بحَسَبِ مَوقِعَهِ. فيقول مثلا: فيجعل وظائفه موزعة بين الحماية والوقاية والزينة والتلطيف. "أمَّا شَعرُ اللِّحيَةِ ففِيه مَنَافِعُ: مِنها الزِّينَةُ والوَقَارُ والهَيبَةُ"، و"مِنها التَّمييزُ بين الرِّجَالِ والنِّسَاءِ"، ولمـَّا كُنَّ النِّسَاءُ: "مَحلَّ الاستِمتَاعِ والتَّقبِيلِ كان الأَحسَنُ والأَولى خُلُوهُنَّ عن اللحَى، فإنَّ مَحلَّ الاستِمتَاعِ إذا خَلا عن الشَّعرِ كان أَتمَّ. ولهذا المعنى -والله أعلم- كان أَهلُ الجَنَّةِ مُردًا، ليَكمُلَ استِمتَاعُ نِسَائِهم بهم، كما يَكمُلَ استِمتَاعُهم بهِنَّ".

وتَحدَّثَ عن اختِلافِ لَونِ الشَّعرِ، مَن أَسوَدَ وأَحمَرَ وأشقَرَ؛ وعن الشَّيبِ، واختِلافِ ذلك بين الإنسَانِ والحيَوَانِ، وبين شَعرِ جِسمِ الإنسَانِ ذَاتِه. كما تَحدَّثَ عن جُعُودَةِ الشَّعرِ وانبِسَاطِه، وعن ظَاهِرَةِ الصَّلعِ، وعن طُولِ الشَّعرِ وقِصَرِه.

وفي أَثنَاءِ ذلك رَبَطَ بين حَالَةِ الجِسمِ ووَظَائِفِه مِن نَاحِيَةٍ وبين حَالَةِ النَّفسِ ووَظَائِفِها؛ كما رَبَطَ بين حِكمَةِ الخَلقِ وحِكمَةِ الشَّرِيعَةِ، في أَكثَرِ مِن مَوطِنٍ. يقول مثلا: "لهذا جَاءَت الشَّرِيعَةُ بحَلقِ العَانَةِ، ونَتفِ الإبطِ. وكان حَلقُ العَانَةِ أَولَى مِن نَتفِها لصَلابَةِ الشَّعرِ وتَأذِّي صَاحِبَها بنَتفِه، وكان نَتفُ الإبطِ أَولَى مِن حَلقِه لضَعفِ الشَّعرِ هناك، وشِدَّتِه وتَعَجُّلِ نَبَاتِه بالحَلقِ، فجَاءَت الشَّرِيعَةُ بالأَنفَعِ في هذا وهذا".

كما تَحدَّثَ عن تَأثِيرِ الأَطعِمَةِ والأَشرِبَةِ والجِمَاعِ، وعن عَامِلِ السِّنِّ والكِبَرِ، وعن عَامِلِ اختِلافِ الجِنسِ مِن ذَكَرٍ لأُنثَى[4]، وعن عَامِلِ الصِّحَةِ والمرَضِ. كما أَجرَى مُقَابَلاتٍ بين أَهلِ بِيئَةٍ وأُخرَى وعِرقٍ وآخَرِ[5]، أو بين نُوعِ الإنسَانِ والحيَوَانِ[6]، أو بين الإنسَانِ والنَّبَاتِ[7]، أو بين الإنسَانِ والأَرضِ!

وهو في ذلك كُلِّه يَستَخدِمُ في وَصفِ أَعضَاءِ وأَجزَاءِ الجِسمِ، وطَبَائِعِه ووَظَائِفِه، المصطَلحَات الشَّائِعَةَ عند أَهلِ الفَنِّ في زَمَانِه، مِن حُكمَاءَ وأَطبَاءَ. فيَتحَدَّثُ مَثَلًا عن: العُرُوقِ والأَوعِيَةِ والمجَارِي والأَوتَارِ والأَغشِيَةِ والمفَاصِلِ في جِسمِ الإنسَانِ، وعن عُمقِ البَدَنِ وسَطحِه، وأَعلَاه وأَسفَلِه، ومَسَامِه ومَنَافِذِه؛ وعن "المزَاجِ"، و"الطَّبِيعَةِ"، و"البَلغَمِ"، و"الأَبخِرةِ"، و"الرُّطُوبَةِ"، و"اليُبُوسَةِ"، و"الحرَارَةِ"، و"البُرُودَةِ"، و"الفَضَلاتِ"، و"الاعتِدَالِ"، و"الخِفَّةِ" و"النشَاطِ"؛ ثمَّ يُركِّبُ مع هذه المصطَلَحَاتِ أَوصَافًا لتَفسِيرِ العَمليَّاتِ المتَعلِّقَة بها، مِن ذلك: الاعتِدَالُ والاختِلالُ، والحَركَةُ والسُّكونُ، والاجتِمَاعُ والانتشَارُ، والتَّحلُّلُ والاحتِراقُ، والزِّيَادَةُ والنُّقصَانُ، والغِلظَةُ واللِّينُ، والقُوَّةُ والضَّعفُ، والتَّولُّد والانفِصَالُ.

ثمَّ نَبَّهَ ابن القيِّمِ، بعد أن أَسهَبَ في مَسأَلَةِ الشَّعرِ، على أنَّ هذا شَأنُ الشَّعرِ: "فما الظَّنُّ بغَيرِه مِن الأَجزَاءِ الأَصلِيَّةِ، فإذا كانت هذه قَلِيلَةٌ مِن كَثيرٍ مِن حِكمَةِ الرَّبِّ تعالى في الشُّعورِ ومَواضِعِها ومَنَافِعِها، فكيف بحِكمَتِه في الرَّأسِ والقَلبِ والكَبِدِ والصَّدرِ وغيرها". ثمَّ يَقُولُ -رَابِطًا بين حِكمَةِ الخَلقِ والأَمرِ: "ولا تَضجَر مِن ذلك! فإنَّ الخَلقَ فيه مِن الفِقهِ والحِكَمِ نَظِيرَ ما في الأَمرِ، فالرَّبُّ تعَالى حَكِيمٌ في خَلقِه وأَمرِه، ويُحِبُّ مَن يَفقَه عنه ذلك، ويَستَدِلَ به على كَمَالِ حِكمَتِه وعِلمِه ولُطفِه وتَدبِيرِه. فإذا كان اللهُ لم يَضَع هذه الفَضَلاتِ في الإنسَانِ سُدَى فما الظَّنُّ بغيرها".

وهكذا يَصِلُ العَالِمُ الرَّبَانيُّ الموسُوعِيُّ إلى مُبتَغَاه في مُحَادَثَةِ العَقلِ والفِكرِ، رَابِطًا بين عُلُومِ الشَّرعِ وعُلومِ الكَونِ والطَّبيعَةِ، في لُغَةٍ عِلمِيَّةٍ -حُكِمَت بالطَّبعِ بخِبرَةِ ومُصطَلحَاتِ الزَّمَانِ والمكَانِ. ليظهر بخطابه هذا إلى أيِّ مَدَى كان عُلمَاءُ الأُمَّةِ يجمَعُون بين فِقهِ الشَّرعِ والوَاقِعِ، وحُسنِ المعرِفَةِ بعُلُومِ عَصرِهم باعتبَارِها غَايةَ ما يمكِنُ الإنسَانُ بُلُوغَه في زَمَانِه.

 

[1] وُلِدَ ابن القَيِّمِ في السَّابِعِ مِن صَفَرٍ سَنَةَ 691هـ، وتُوفِيَّ في الثَالِثِ عَشَر مِن رَجَبٍ سَنَةَ 751هـ، وكان مَولِدُه ووَفَاتُه بدِمَشقٍ. ووُلِدَ ابن تَيمِيَّة في العَاشِر مِن رَبيعِ الأَوَّلِ سَنَةَ 661هـ، ببَلدَةِ حَرَّان، وتُوفِيَّ في العِشرِين مِن ذِي القعدَةِ سَنَةَ 728هـ، بمَدِينَةِ دِمَشقٍ. = ابنَ تَيميَّةَ (1263م- 1328م) ابن القيم (1292م- 1349م)

[2] تحقيق محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت- لبنان: ص303- 325.

[3] دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان: ص207- 214.

[4] يقول مثلا: "وإذا بَانَ أنَّ الشَّعرَ إنَّما يَتَولَّدُ مع الحَرَارَةِ واليُبسِ المعتَدِلِ بَقِيَت ثَلاثَةُ أَقسَامٍ، أَحَدُها حَرَارَةٌ غَالِبَةٌ على اليُبسِ، كالصُبيَان، الثَّاني عَكسُه وهو يُبسٌ غَالِبٌ على الحَرَارَةِ، كالمشَائِخِ، الثَّالِثُ حَرَارَةٌ ضَعِيفَةٌ ويُبسٌ ضَعِيفٌ، كأَبدَانِ النِّسَاءِ، ففي هذه الأقسَام يَقِلُّ الشَعرُ. وأمَّا الشَّبابُ فإنَّ حَرَارَةَ أبدَانِهم ويُبسِهم مُعتَدِلٌ فيَقوَى تَولُّدُ الشَّعرِ فيهم".

[5] يقول مثلا: "ولهذا تَجِدُ الشُّقرَ أَشَدُّ حَرَارَةً، وأكثَرُ حَرَكَةً وهِمَّةً".

[6] فهو يقول: "فإنَّ الإِنسَانَ يَستَعمِلُ المطَاعِمَ والمشَارِبَ المركَّبَةَ المتَنوِّعَةَ، ويَتنَاوَلُ أَكثَرَ مِن حَاجَتِه، فتَجتَمِعُ فيه فَضَلاتٌ كَثِيرَةٌ". "وأما سَائِرُ الحيَوانَاتِ فلا تتَنَاولُ الأغذِيَةَ المركَّبَةَ، وتَتَناوَلُ مِنها على قَدرِ الحَاجَةِ".

[7] يقول مثلا: " يقارن بين نبات الشعر والنبات فيقول: "فيَبقَى بَعضُه مَركُوزًا في الجِلدِ، مَنزِلَتُه مَنزِلَةُ أَصلِ النَّبَاتِ، وبَعضُه يَطلُعُ إلى خَارِجَ، مَنزِلَتُه مَنزِلَةُ سَاقِ النَّبَاتِ". ويقول في موطن آخر: "وهذا كما نُشَاهِدُ النَّبَاتَ الذي يَنبُتُ في الأَرضِ الرَّخوَةِ الليِّنَةِ فإنَّه يَطُولُ ويَزدَادُ، والذي يَنبُتُ في الأَرضِ الصَّخرِيَّةِ الصُّلبَةِ لا يَنمُو إلَّا نُموًّا يَسِيرًا، فكذلك الشَّعرُ النَابِتُ في الأَعضَاءِ الليِّنَةِ الرَّطبَةِ فإنَّه سَرِيعُ النُّمُو".