أصول و محكمات /

ضَوابِطُ في التَّعَامُلِ مع أَحَادِيثِ الفِتنِ والملاحِم [ مقال ]

[ الأحد 10 ربيع الآخر 1438 هـ ] [ 800 ]

الإيمانُ باليومِ الآخِرِ رُكنٌ مِن أَركَانِ الإيمَانِ، لا يَصِحُّ إيمانُ العَبدِ إلا بِهِ. وقد جَاءَت الآياتُ القرآنيةُ والأحاديثُ النبويةُ وافرةً في الإخبارِ عنه، وعمَّا يكون فيه مِن أُمُورٍ، كالبَعثِ والنُشورِ والجزَاءِ والحسَابِ وغِيرها. والعِنَايَةُ باليَومِ الآخِرِ مَقصُودُه أن يستَعِدَّ العِبادُ لما فيه، ولمآلِهم الذي سَيَؤُلُون إليه بعدَ الحِسَابِ، مِن جَنَّةٍ أو نَارٍ. ومِن أَسمَاءِ هذا اليومِ التي ورَدَت في القُرآنِ الكَريمِ "السَّاعَةُ"، وسُميَّ بذلك لسُرعَةِ الحِسَابِ فيه، أو لسُرعَةِ مُبَاغَتَتِه للعِبَادِ، أو قِياسًا إلى ما قَبلَه أو بَعدَه مِن زَمَنٍ لا يَعلَمُ قَدرَه إلا الله. واليومُ الآخِرُ يَسبِقَهُ فَنَاءُ الأَحيَاءِ في هذا الكون، ويَبدأُ الفَنَاءُ فيه بفَنَاءِ أَهلِ الأَرضِ ثمَّ يَتبَعُه فَنَاءُ أَهلِ السَّماءِ؛ مصداقا لقوله تعالى: ((ولَا تَدعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجهَهُ لَهُ الحُكمُ وإِلَيهِ تُرجَعُونَ))، القصص: 88. وحَقِيقَةُ مَجِيءِ اليَومِ الآخِرِ مما أَشغَلَ بَالَ النَّاسِ عُمومًا، وجَادَلَ فيه الكَافِرون؛ قال تعالى: ((يَسأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ اللَّهِ ومَا يُدرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا))، الأحزاب: 63، وقال سبحانه: ((يَسأَلُونَكَ عَن السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَت فِي السَّمَاوَاتِ والأَرضِ لَا تَأتِيكُم إِلَّا بَغتَةً يَسأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنهَا قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ اللَّهِ ولَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يَعلَمُونَ))، الأعراف: 187، وقال تعالى: ((يَسأَلُونَكَ عَن السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخشَاهَا))، النازعات: 42- 45.

ووُقُوعُ اليَومِ الآخِرِ يَسبِقُه أمَارَات وعَلامَات تَدُلُّ على قُربِه، وإن كان مجيءُ السَّاعَةِ بَغتَةً على الإطلاق: ((هَل يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأتِيَهُم بَغتَةً وهُم لَا يَشعُرُونَ))، الزخرف: 66. وهذا العلامات بدأت مع بعثة الرسول –صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين أنه قال: (بُعثتُ أنا والسَّاعَةُ كهَاتَين)، وقَرَنَ بين إصبَعَيهِ السَّبَّابَةِ والوُسطَى. وأخبر سبحانه وتعالى عن قُربِ السَّاعَةِ، على مُنَاسَبةِ انشقَاقِ القَمرِ على عَهدِ رَسولِ الله: ((اقتَرَبَت السَّاعَةُ وانشَقَّ القَمَرُ))، القمر:1.

والأَحَادِيثُ في أَمَارَاتِ وعَلامَاتِ السَّاعَةِ كَثِيرةٌ، منها الصَّحِيحُ والحَسنُ، ومِنها الضَّعيفُ، ومِنها الموضُوعُ الذي لا يَثبُتُ. غيرَ أنَّه مِن الثَّابِتِ وُجودُ عَلامَاتٍ للسَّاعَةِ، وهي التي أشَارَ القُرآنُ إليها بوَصفِها "أَشرَاطًا": ((فَهَل يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأتِيَهُم بَغتَةً فَقَد جَاءَ أَشرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُم إِذَا جَاءَتهُم ذِكرَاهُم))، محمد: 18. وهي جميعا مِن قَبيلِ الآياتِ والبَراهِين على صِدقِ الرَّسولِ –صلى الله عليه وسلم، على مَن جَاءَ بَعدَه وأَدرَكَها. وإلَّا فإنَّ مَوعِدَ قِيامِ السَّاعةِ غَيرُ مَعلُومٍ بالتحديد، ولا يَعلَمُ مَوعِدَ قِيَامِها وخِتَامِ الحياةِ الدُّنيا إلَّا الله؛ لذلك وعندما سَأَلَ جِبريلُ -عليه السَّلام- النَّبيَّ –صلى الله عليه وسلم- عن الساعة، أجَابَه بالقول: (مَا المسئُولُ عنها بأَعلَمَ مِن السَّائِلِ)[1].

والتَّصدِيقُ بهذه العَلامَاتِ مُتوقِّفٌ على ثُبُوتِها وصِحَتِها، مع بَقاءِ أَنَّها ليسَت مِن العُلومِ الضَّروريَّةِ التي لا يَصِحُّ إيمانُ العَبدِ إلا بها، بل هي مِن فَضلِ العِلمِ الذي يمتَدَحُ طَالِبُه ولا يُذَمُّ تَارِكه؛ فلو مَاتَ المسلِمُ جَاهِلا بها مع إيمَانِه بأُصُولِ الإيمَانِ وأركَانِ الإسلامِ وضُرورَاتِ الدِّينِ على الإجمَالِ لم يَكُن آثما ولا مُحاسَبا، إلا ما وَرَدَ مِنها في القُرآنِ ظَاهِرا، فإنَّها تَدخُلُ في عُمومِ وجُوبِ الإيمانِ المجمَلِ بما في القرآنِ دُونَ رَدٍّ أو اعتِراضٍ. أمَّا مَن عَلِمَ بها وثَبتَت عِندَه، وظَهرَ له صِحَةُ نِسبَتِها إلى الرَّسولِ –صلى الله عليه وسلم، فإنَّه مَأمُورٌ بالإيمَانِ بها، وقَبولِها، وإن لم يُدرِك حقَائِقَها على ما هي عليه. فهي من آيَاتِ النُّبُوةِ والغَيبِياتِ التي قد لا يَستَوعِبُها العَقلُ إلا بقَدرِ ما يُحيطُ به عِلمًا.

ولم يَتَوقَّف إخبَارُ الرَّسُولِ –صلى الله عليه وسلم- لأَصحَابِه لعَلامَاتِ السَّاعَةِ، بل أَخبَرَهم بما سَيكُونُ مِن أحدَاثٍ وأُمُورٍ ومَظاهِرَ في أُمَّتِه إلى قِيامِ السَّاعَةِ، تحذيرًا وتنبيهًا وإرشادًا؛ ففي حديث حذيفة بن اليمان –رضي الله عنه، في الصحيحين: "خَطَبنَا النَّبيُّ –صلى الله عليه وسلم- خُطبَةً، ما تَرَكَ فيها شَيئًا إلى قِيامِ السَّاعةِ إلا ذَكرَه، عَلِمَه مَن عَلِمَه، وجَهِلَه مَن جَهِلَه".

ومن الحَديثِ عن أَمارَاتِ السَّاعَةِ الحَدِيثُ عن الفِتنِ والملاحِم التي تكون قُبيلَ السَّاعةِ؛ وهي أحاديثٌ كَثيرةٌ، مِنها الصَّحيحُ ومِنها الضَّعيفُ ومِنها الموضُوعُ؛ وبعضُها مُرتَبِطٌ بالعلامَاتِ الكُبرى كنُزُولِ المسيحِ –عليه الصَّلاة والسلام. وهي مِن أَهمِ ما يَشغَلُ النَّاسَ مع مُرورِ الوَقتِ واشتِعَالِ الأَحدَاثِ. وقد اهتمَّ عُلمَاءُ المسلمين في القَديمِ والحديثِ بتَدوِينِها، كَجُزءٍ مِن مِيرَاثِ النُّبوةِ، وتحقِيقِها لتَمييزِ صَحِيحِها مِن سَقيمِها، ودِراسَتِها واستخراجِ فِقهِها. وأَفرَدَ بعض المحدِّثِين في كُتُبِهم الحَديثيَّةِ أَبوابًا وفُصُولًا لهذه الأَحَادِيث، وجَمعُوا فيها كُلَّ ما نُقِلَ عن الرَّسول –صلى الله عليه وسلم، أو رُويَّ عن الصَّحابة –رضي الله عنهم- باعتبار أنَّ له حُكمَ الرَّفعِ إليه –عليه الصلاة والسلام، لأنَّ الكلامَ فيها ليس ممَّا يَدخُلُه الرَّأيُّ والاجتهَادُ.

وعَادَةً ما يَسعَى النَّاسُ مَع كُلِّ ظَرفٍ أو حَدثٍ إلى مُرَاجَعَةِ أَحَادِيثِ الملاحِمِ والفِتنِ، محَاولِين إسقَاطَها على ما يَجرِي واقعيا؛ وهذا يَنشَأُ لعِدةِ أسبابٍ منها:

  • محَاوَلَةُ فِهمِ ما يَجري بشَكلٍ آمِنٍ، واستِنَادًا إلى أَمرٍ مَقطُوعٍ به. وهُنا يَأتي دُورُ الإيمَانِ بالآيَاتِ والأَحَادِيثِ النَّبَويَّةِ لتُشكِّلَ مَرجِعًا لكَشفِ حَيثِيَّاتِ هذه الأُمُورِ الغَيبيَّة.
  • السَّعيُ في تمرِيرِ بَعضِ المخطَّطَاتِ وتَسويقِ بَعضِ الأَفكَارِ والشَّخصِياتِ تحتَ لَافِتةٍ مِن المبَشِّراتِ التي أَشَارَت لها الآياتُ والأَحَادِيثُ، أو تحت لافِتةٍ مِن التحذِيرَات. كالشَّأنِ مع أَحَادِيثِ الخُلَفَاءِ، وأَحَادِيثِ المهدِي، وأَحادِيثِ الخَوارِجِ، وأحاديث الرَّايَاتِ السَّودَاءِ.. وغيرها.
  • استِشرَافُ مُستَقبَلِ الأَحدَاثِ مِن خِلالِ استدعَاءِ الأَحادِيثِ المفصَّلَةِ في شَأنِ الملاحِمِ والفِتنِ.

ولا نِقَاشَ في أنَّ الأَحَادِيثَ الوَارِدَةَ في هذا البَابِ جَاءَت لعِدةِ حِكَمٍ، فهي تَزيدُ المؤمِنين إيمَانًا، وتَهدِي الأُمَّةَ لما يَنبغي فِعلُه، وتُطمئِنُ القَلِقِين بشَأنِ مُستقبلِ الإسلامِ، وتُبصِّرُ العَامِلين بالسُّننِ الاجتِمَاعِيةِ والتَّاريخيةِ. فوقُوعُ تلك المغيبَاتِ على النَّحو الذي أَخبَرَت به الأحاديثُ يُثبِّتُ الإيمَان ويُقوِّيه. فالمسلمون في كُلِّ عَصرٍ يُشَاهِدون وقُوعَ أَحدَاثٍ مُطَابِقَةٍ لما أَخَبرَ به الصَّادِقُ المصدُوقِ. فقد شَاهَدَ الصَّحَابَةُ انتِصَارَ الرُّومِ على الفُرسِ، ثم انتَصَرَ المسلِمُون على الفُرسِ والرُّومِ كما أَخبَر، وظَهَرَ الإسلامُ على جَميعِ الأَديَانِ. ولما ظَهَرَ الخَوارِجُ عَرفَ عَليٌّ –رضي الله عنه- أنَّهم المعنيون بأَحادِيثِ الرَّسُولِ –صلى الله عليه وسلم. وكذلك الشأن لمـَّا ظَهَر التَّترُ عَرَفت الأُمَّةُ أنَّهم الذين وَصَفَهم الرَّسُولُ في أَكثَرِ مِن أَثَرٍ.

وتَنزِيلُ وإِسقَاطُ هذه الأَحَادِيثِ المتَعلِّقَةِ بالفِتنِ والملاحِمِ على الوَقَائِعِ يَنبَغي أن يَتِمَّ وفقا للمَنهجِ التالي:

أولا: إثبَاتُ صِحَّةِ الحَديثِ، بثُبُوتِ سَنَدِه، وثُبُوتِ لَفظِه. وهذا يَتَطلَّبُ مَعرِفَةً تَامَّةً بعُلُومِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ. فكَثيرًا ما يَقعُ المنتَسِبون للطَوائِفِ والفِرقِ في التَّسلِيمِ لأَحَادِيثَ مَكذُوبَةٍ ومَغلُوطَةٍ وتَرويجها بين النَّاسَ لتسوِيقِ آرَاءِهم ومُعتَقدَاتِهم، كما يفعل الشيعة.

ثانيا: سَلامَةُ فَهمِه في ضَوءٍ المعهُودِ مِن خِطَابِ الوَحي، وفي ضُوءِ السِياقَاتِ التي وَرَدَ فيها الحَديثُ، مع جَمعَه مع بَقيِّةِ النُّصَوصِ الوَارِدَةِ في الموضُوعِ. وفي الحديث أنَّ عائشةَ –رضي الله عنها- لـمَّا سمعت رسول الله يقول: (مَن أَحَبَّ لقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لقَاءَهُ، ومَن كَرِهَ لقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لقَاءَهُ)، قالَت: يا رَسُولَ اللَّهِ.. كُلُّنا يَكرَهُ الموتَ! قالَ: (ليسَ كذلِكَ، ولَكِنَّ المؤمِنَ إذَا بُشِّرَ برَحمَةِ اللَّهِ ورِضوَانِهِ وجَنَّتِهِ أَحَبَّ لقَاءَ اللَّهِ وأَحَبَّ اللَّهُ لقَاءَهُ، وإنَّ الكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بعَذَابِ اللَّهِ وسَخَطِهِ كَرِهَ لقَاءَ اللَّهِ وكَرِهَ اللَّهُ لقَاءَهُ)[2].

ثالثا: عَدَمُ الخُرُوجِ في استِنبَاطِ أَحكَامِه عَن مَقَاصِدِ الدِّينِ وقَواعِدِه المطَّرِدَةِ، وعن الأَحكَامِ المستَقِرَّةِ والمجمَعِ عَليها بين المسلمين. روى سَعيدُ بنُ جُبيرٍ أَنَّ رَجُلًا قال لعَبدِاللهِ بن عُمَرَ: يا أبَا عَبدِالرَّحمنِ.. حدِّثنَا عن القِتَالِ في الفِتنَةِ، واللهُ يَقُولُ: ((وَقَاتِلُوهُم حَتَّى لَا تَكُونَ فِتنَةٌ)). فقال: هل تَدري ما الفِتنَةُ، ثَكَلَتك أمُّك؟ إنَّما كانَ مُحمَّد –صلى الله عليه وسلم- يُقاتِلُ الـمُشرِكِينَ، وكان الدُّخُولُ في دِينِهم فِتنَةً، ولَيسَ كقِتالِهم على الـمُلكِ. وفي رواية أنه قال: قد فَعَلنا على عَهدِ رَسولِ الله –صلى الله عليه وسلم- إذ كَانَ الإسلامُ قَليلًا، فكَانَ الرَّجُلُ يُفتَنُ في دِينِه، إمَّا يَقتُلُونَه وإمَّا يُوثِقُونَه، حتى كَثُرَ الإسلامُ فلَم تَكُن فِتنَةٌ. فلمَّا رَأَى الرَّجُلُ أنَّه لا يُوافِقُه فيما يُريدُ قال: فمَا قُولُك في عَليٍّ وعُثمَان؟ قال: ما قَولي في عَليٍّ وعُثمَان؟! أمَّا عُثمَانُ فكَان اللهُ قد عَفَا عَنه، فكَرِهتُم أن يَعفُو عنه؛ وأمَّا عَليٌّ فابنُ عَمِّ رَسولِ اللهِ وخِتنَهُ -وأشَارَ بِيَدِه- وهَذِه ابنَتَه- حَيثُ تَرون[3].

رابعا: عَدَمُ التَّكلُّفِ في تَنزِيلِها ما لم يَتبيَّن ذلك بدَلائِل قَطعِيَّةٍ، والاستئناسُ بها دُونِ القَطعِ بها حتى تَثبُت. فقد جَرَّ التَنزِيلُ المتكَلَّفِ لها وَيلاتٍ على الأُمَّةِ، وصِراعَاتٍ دَمويَّةٍ ذَهبَ ضَحيَّتُها الكثيرُ مِن الأَنفُسِ.

خَامِسًا: الرُّجوعُ فيها لأَهلِ العِلمِ والمعرِفَةِ والتَّشاوُرِ بشَأنِها بين أَهلِ الرَّأي والخِبرَةِ، حتى لا يَجرِي تَأويلُها في بِاطِلٍ أو قَصرُها عن حَقٍّ. فقد تَشَاوَرَ أبُو بَكرٍ وعُمَرُ -رضي الله عنهما- في جَمعِ القُرآنِ، وجَاءَ في الأَثرِ عن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- قال: "لا تَقولُوا في عُثمَانَ إلا خَيرًا، فواللهِ ما فَعَلَ الذي فَعَلَ في المصَاحِفِ إلا عَن مَلأٍ مِنَّا، قال: ما تَقولُون في هذه القِراءَةِ؟ فقد بَلغَني أنَّ بَعضَهم يَقُولُ: إنَّ قِرَاءَتي خَيرٌ مِن قِراءَتِك، وهذا يَكَادُ أَن يَكُونَ كُفرًا، قلنا: فما تَرَى؟ قال: أَرَى أَن نَجمَعَ النَّاسَ على مِصحَفٍ وَاحِدٍ فلا تَكُونَ فُرقَةٌ ولا اختِلافٌ. قُلنَا: فنِعمَ مَا رَأيتَ"[4].

سادسًا: الاعتبار بما فيها مِن الموعِظَةِ والإرشَادِ في استيعَابِ مُتغيِّراتِ الأَحوالِ والظُّروفِ، ووَضعِها وتَفسِيرِها في إطَارِ السُّننِ الرَّبَانيَّةِ الجَاريَّةِ في الأَنفُسِ والمجتمعَاتِ. لذلك أَرشَدَ رَسولُ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- في كُلِّ أَمرٍ مُستَقبَليٍّ بما يُلائِمُه ويُنَاسِبُه. فعن أبي ذَرٍّ –رضي الله عنه- قال: "قال لي رَسُولُ اللهِ: (يا أَبَا ذَرٍّ.. كيف أَنتَ إذا كَانَت عليك أُمرَاءُ يُميتُونَ الصَّلاةَ -أو قال يُؤخِّرونَ الصَّلاةَ؟). قلتُ: يا رَسُولَ اللهِ.. فما تَأمُرُني؟ قال: (صَلِّ الصَّلاةَ لوَقتِها، فإن أَدرَكتَها معَهم فصَلِّها فإنَّها لك نَافِلَةٌ)"[5]. وعنه أيضا: "قال لي رَسُولُ اللهِ: (يا أَبَا ذَرٍّ!). قُلتُ: لبَيكَ يا رَسُولَ اللهِ وسَعدَيكَ! قال: (كَيفَ أَنتَ إذا أصَابَ النَّاسَ مَوتٌ يكُونُ البَيتُ فيه بالوَصِيفِ؟). قُلتُ: اللهُ ورُسُولُهُ أَعلَمُ! أو قالَ: ما خَارَ اللهُ لي ورُسُولُهُ. قال: (عليكَ بالصَّبرِ، أو قال: تَصبِرُ)، ثُمَّ قال لي: (يا أَبَا ذَرٍّ!) قُلتُ: لبَيكَ وسَعدَيكَ! قال: (كَيفَ أنتَ إذَا رَأيتَ أَحجَارَ الزَّيتِ قَد غَرِقَت بالدِّمِ؟). قُلتُ: مَا خَارَ اللهُ لي ورُسُولُهُ. قال: (عليكَ بِمَن أنتَ مِنه). قُلتُ: يا رَسُولَ اللهِ أَفَلا آخَذُ سَيفِي وأَضَعُهُ على عَاتِقي؟ قال: (شَاركتَ القَومَ إذَن!). قُلتُ: فمَا تَأمُرُنِي؟ قال: (تَلزَم بَيتَكَ). قُلتُ: فإِن دُخِلَ علَيَّ بَيتِي؟ قال: (فإِن خَشيتَ أن يَبَهرَكَ شُعاعُ السَّيفِ فَأَلقِ ثَوبَكَ على وَجهِكَ، يَبوُءُ بإثمِكَ وإثمِهِ)[6].

سابعا: وهو مَبنيٌّ على ما سَبَقَ، من حيثُ الاجتهاد لكُلِّ حَادِثَةٍ بما يحقِّقُ مَقَاصِدَ الشَّريعَةِ ويتَّسِقُ مع قَواعِدِها وخَصَائِصها وسِماتِها. ويناسب ذلك قوله صلى الله عليه وسلم- لـمَّا سئل عن مُكثِ الدَّجَالِ في الأَرضِ، فقال: (أربَعِينَ يَومًا، يَومٌ كَسَنةٍ ويَومٌ كشَهرٍ ويَومٌ كجُمعَةٍ، وسَائِرُ أيَّامِهِ كأيَّامِكُم)، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأَيتَ اليَومَ الَّذي كالسَّنةِ أَتكفِينا فيه صَلاةُ يَومٍ؟ قال: (لا، اقدُرُوا لهُ قدره)[7]. وقال رَسُولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- لعبدِاللَّهِ بنِ عمرٍو: (كيفَ بِكَ يا عَبدَاللَّهِ بنَ عمرٍو إذا بَقِيتَ في حُثَالةٍ مِن النَّاسِ قد مَرِجَت أَمَانَاتُهم، ومَرِجَت عُهودُهم، واختلفوا)، فقال عَبدُاللَّهِ: فَكيفَ تَأمُرُني يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: (تعَملُ بما تَعرِفُ وتَدعُ ما تُنكرُ، وتَعمَلُ بخَاصَّةِ نَفسِكَ، وتَدعُ عَنكَ عَوامَّ النَّاسِ)[8].

إنَّ التَّطلُّعَ إلى مَا قد يَحدُثُ في المستَقبَلِ أَمرٌ فِطرِيٌّ، فالإنسَانُ يَجِدُ في نَفسِه فُضُولًا ورَغبَةً شَديدَةً لذلك، لِذَا يَستَعِينُ كَثِيرٌ مِن الزُّعمَاءِ والرُؤسَاءِ، بل والأَفرَادِ، بالسَّحَرةِ والكُهَّانِ والمنَجِّمِين لمعرِفَةِ المستَقبَلِ. وقد جَاءَهم اللهُ تعالى بالحَقِّ الذي يُغنِي ويَكفِي ويَشفِي. ودَلَّ رَسُولُه -صلى الله عليه وسلم- الأُمَّةَ للمَنهَجِ الأَمثَلِ الذي يَنبَغِي أَن تَسلُكُوه لموَاجَهَةِ تحدِّيَاتِ المستَقبَلِ وصِعَابِه ومَخَاطِره. فنَصَحَ لأَفرَادٍ بأَعيَانِهم كعَثمَانٍ -رضي الله عنه، وتبشيره له بالجنَّةِ على بَلوَى تُصِيبُه، وأَمَرَ أبَا ذَرٍّ أن يَعتَزِلَ الفِتنَةَ، وأن لا يُقَاتِلَ ولو قُتِلَ. ونَصَحَ عُمومُ الأُمَّةِ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، فنَهَى المسلِمين عن أَخذِ شَيءٍ مِن جَبلِ الذَّهبِ الذي يَنحَسِرُ عنه الفُراتَ في آخَرِ الزَّمَانِ، وحَذَّرَ مِن فِتنَةِ الدَّجَالِ وبَيَّن حَقِيقَتَه وما معه مِن الشُّبهَات، والمنقَذَ مِنه. وغير ذلك من التوجيهات والنصائح العامة، كما في حديث: (بادِرُوا بالأَعمَالِ فِتَنًا..)[9].

فالواجِبُ عُمومًا الأَخذُ بالقُرآنِ الكريمِ والسُّنةِ النَّبويَّةِ الصَّحيحَةِ، والعَملُ بالظَّاهِرِ المعلُومِ مِنهما، والرُّجوعُ في الأُمورِ لأَهلِ العِلمِ والمعرِفَةِ والرَّأي والخِبرَةِ اتقَاءً للمشتبهات والفتن.

 

[1] رواه مسلم.

[2] رواه مسلم.

[3] رواه البخاري.

[4] فتح الباري، لابن حجر: ج8/634.

[5] رواه مسلم.

[6] إرواء الغليل، للألباني، الرقم: 8/101

[7] رواه مسلم.

[8] انظره في: صحيح دلائل النبوة، للوادعي، رقم: 557. وقال: حديث حسن. وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة.

[9] رواه مسلم.