أصول و محكمات /

القرآن.. الكتاب المحفوظ من التبديل والتحريف [ مقال ]

[ الجمعة 1 ربيع الآخر 1438 هـ ] [ 334 ]

لا يمكِنُ لأُمَّةٍ مِن الأُمَمِ البَشَريَّةِ أن تَهتَدي بعد أن تَضِلَّ في شَأنِ كِتَابِها الذي أَنزَلَه اللهُ تعالى لها هُدى ونُورًا؛ فلا تُميِّزُ حَقِيقَتَه ولا تَعرِفُ قَدرَه، ولا تُنزِّهَه عن مَطَاعِن الطَّاعِنين، وتَحرِيفِ المبطِلِين. وهذا ما وَقَعَ في الأُمَمِ السَّابَقَةِ مع كُتُبها المنزَلَةِ إليها، ونَزَّه اللهُ تعالى هذه الأُمَّةَ المسلِمَةَ مِنه، لأنَّها خَاتِمةُ الأُمَمِ ورِسَالَتَها خَاتِمَةُ الرِّسَالات. قال تعالى: ((إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))، الحجر: 9. فحَفِظَ اللهُ تعالى نُصُوصَه، وحَفِظَ اللهُ حَمَلَته جِيلًا بعد جِيلٍ حتى يُبَلِّغُوه، وحَفِظَ اللهُ أُمَّةً تُمسِكُ بصَحيحِ تَأويِلِه جِيلًا بعد جِيلٍ، وسَخَّرَ له مَن يَذُبُّ عنه ويُقَاتِلُ عليه. وهذا ما تَميَّزَ به القُرآنُ الكَريمُ عن بَقِيَّةِ الكُتُبِ السَّماويَّة التي اندَرَسَ كَثِيرٌ مِنها، وحُرِّفَ ما تَبَقَى مِن نُصُوصِها، واختُلِفَ في تَأويِلها. وقد وَقَعَ في هذه الأُمَّةِ المسلِمَةِ بَعضُ ما وَقَعَ في الأُمَمِ السَّابِقةِ مِن هذه الأمرَاضِ، من حيث الخِلافِ على حَقِيقَتِه، ودَعوى تَحرِيفِه سَعيًّا في تَحرِيفِه، وتأويِلِه بتَأوِيلاتٍ بَاطِلَةٍ إخرَاجًا له عن معَانِيه الصَّحِيحَةِ. غَيرَ أنَّ ذلك لم يَبلُغ بالقُرآنِ الكريم الذي تَولَّى الله حِفظَه ظَلَّ محفُوظًا ظَاهِرًا مُنتَشِرًا في صُدُورِ المسلمين وفي مَصَاحِفِهم.

ونَعرِضُ هنا بَعضًا مِن مُعتَقَدَاتِ الفِرقِ الإسلامِيَّةِ أو المنتَسِبَةِ للإسلامِ في القرآن الكريم:

المختَلِفون في طَبِيعَةِ القرآنِ الكريم:

نشأ الخلاف في القرآن الكريم في المائَةِ الثَّانِيةِ بعد الهِجرَةِ، زَمَن التَّابِعين. وكان الجَعدُ بن دِرهَم أوَّلَ مَن نَفَى صِفَةَ الكَلامِ عن الله؛ وهو الذي ضحَّى به خالد بن عبداللهِ القَسري، وقال: "أيُّها النَّاسُ ضَحُّوا تَقَبَّلَ الله ضَحَاياكم، فإنِّي مُضحٍّ بالجَعدِ بن دِرهِم، فإنَّه زَعَمَ أَنَّ اللهَ لم يتَّخِذ إِبرَاهِيم خَلِيلًا، ولم يُكلِّم مُوسَى تَكلِيمًا"؛ ثمَّ نَزَلَ فذَبَحَه. وأَخَذَ عنه هذا القَولَ الجَهمُ بن صَفوَان، وقد قُتِلَ أيضًا مِن أَحَدِ وُلاةِ بني العَبَّاسِ على أَقوَالِه الكُفرِيَّةِ. وكان بِشرُ بن غياث المرِيسِي أوَّلَ مَن أَظهَرَ هذه المقُولَةِ وانتَصَر لها؛ وذَبَّ عنها. وإن لم يُدرِك الجَهمَ بن صَفوان، إنَّما أَخَذَ مَقَالَتَه واحتَجَّ لها ودَعَا إليها.

فكان أوَّلَ خِلافٍ وَقَعَ بعد عَهدِ الصَّحَابَةِ –رضوان الله عليهم- الكَلامُ عن حَقِيقَةِ القُرآنِ ما هي؟ غيرَ أنَّ هذه الفِرقِ التي تَكلَّمَت في طَبيَعَةِ القُرآنِ لم تَطعَن في ثُبُوتِ القُرآنِ، أو تَقُل بتَحرِيفِه بزِيَادَةٍ أو نُقصَانٍ أو تَبدِيلٍ؛ خِلافًا لما سَيَأتي مِن عَقِيدَةِ الشَّيعَةِ.

الخَـوَارِجُ:

كانت الخَوارِجُ أوَّلَ الفِرقِ ظُهورًا في الأُمَّةِ، وكان اشتِغَالُهم بالقُرآنِ الكَريمِ -تِلاوَةً وحِفظًا- عَظيمًا. وفي حَديثِ أَبي سَعيدٍ الخُدري –رضي الله عنه- قال: سَمِعتُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يخرُجُ في هذه الأُمَّةِ، ولم يَقُل مِنها، قَومٌ تَحقِرون صَلَاتَكم مع صَلَاتِهم، يَقرَؤُون القُرآنَ لا يُجاوزُ حُلُوقَهم، أو حَنَاجِرَهم، يَمرُقُون مِن الدِّينِ مُروقَ السَّهمِ مِن الرَّميةِ، فيَنظُرُ الرَّامِي إلى سَهمِه، إلى نَصلِهِ إلى رِصَافهِ، فيَتَمَارى في الفُوقةِ، هل عِلِقَ بها مِن الدَّمِ شَيءٌ)[1].

ودَخَلَ الانحِرافُ على الخَوارِجِ رَغمَ قُربِهم لعَهدِ التَّنزِيلِ مِن ثَلاثَةِ أُمورٍ:

  • تركُهم الأَخذَ بسُنَّةِ الرَّسُولِ –صلى الله عليه وسلم، واعتمادُهم على القُرآنِ الكَريم. حتى خَالَفوا الصَّحَابَةَ –رضي الله عنهم- في السُّننِ الثَّابِتَة؛ وكانوا يُعرَفُون بالحرورِيَّةِ.
  • طَعنُهم في صَحَابَةِ الرَّسُولِ –صلى الله عليه وسلم، لما رَأَوا مِن الخِلافِ والفِتنَةِ التي وَقعَت بينهم، ما جَعَلَهم يُكفِّرونهم ويُقَاتِلونهم.
  • تَركُهم للسُّنَّةِ وفِهمِ الصَّحَابَةِ أَلجَأَهم للقياسِ العَقلِيِّ، فحَكَّمُوه في النُّصُوصِ، فضَلُّوا وأَضلُّوا.

وقد تَشَعَّبَت بالخَوارِجِ الآرَاءُ، حتى أَخَذُوا في القُرآنِ الكَريمِ بمَذهَبِ المعتَزِلةِ؛ وإن ظَلُّوا مُتَميِّزين في عَقَائِدِهم الخَاصَةِ بهم عن المعتَزِلةِ.

المـُعتَزِلَةُ:

ذَهَبَ المعتَزِلَةُ إلى أَنَّ القُرآنَ الكَريمَ كلامٌ مَخلُوقٌ؛ استِنادًا للقَولِ بأنَّ الكَلامَ إمَّا أن يكون جِسمًا أو عَرَضًا، فمن قال بالأَولِ جَعَلَ كَلامَ اللهِ جِسمًا ولا شَيءَ إلا الجِسم؛ ومَن قال بالثَّاني جَعَلَه عَرَضًا يخلُقُه اللهُ فيما يَشَاءُ مِن الخَلقِ. ونِسبَتَهم القُرآنَ الكَريمَ بأنَّه كَلامُ اللهِ نِسبَةَ مَخلُوقٍ لخَالِقٍ، كبَيتُ اللهِ، ونَاقَةُ اللهِ، وعِبادُ اللهِ! والقُرآنُ بهذا المعنَى لَدَيهم حَادِثٌ ولَيسَ بقَدِيم.

وقد استَدَلُّوا، في جُملَةِ ما استَدَلُّوا به، بقول الله تعالى: ((اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ))، الرعد: 16؛ فالآية تَدُلُّ على العُمومِ، ولا مُوجِبَ لإخراجِ القُرآنِ مِن هذا العُمومِ، فيَدخُلُ فيه وُجُوبًا –بزعمهم. مع العِلمِ بأنَّ المعتَزِلَةَ يَنفُون خَلَقَ اللهِ لأَفعَالِ العِبَادِ، ويجعَلون العِبَادَ خَالِقين لأَفعَالهم، فاستَثنَوا أَفعَالَ العِبادَ مِن العُمومِ وأَدخَلوا كَلامَ اللهِ فيه!

وقد جَرَّهم هذا القَولُ إلى كَثيرٍ مِن العِبارات والجُمَلِ المخَالِفَةِ للوَحيِّ واللُّغَة، والتَّقعِيدِ واللوَازِمِ المخَالِفَةِ للنَّقلِ والعَقلِ، والجَدلِ والنِّقَاشِ العَقيمِ في أُمُورٍ لا يَنبَغي الخَوضُ فيها. ثمَّ رتبوا على ذلك تَضلِيلٌ وتَكفِيرٌ للمُخَالِفِ لهم. فكانوا أَوَّلَ مَن أَوقَعَ القَولَ بخَلقِ القُرآنِ الكَريمِ وفَتَنُوا النَّاسَ به زَمَنَ الخلِيفَةِ المـَأمُون.

وقد ناقَشَهم عُلمَاءُ الحَديثِ مِن أَهلِ السُّنَّةِ، ورَدُّوا على شُبَهَهم التي بَثُّوها انتِصَارًا لقَولهم؛ وبَيَّنُوا أنَّ التَّمييزَ بين كَلامِ اللهِ وخَلقِه مِن أَظهَرِ ما يكون في نُصوصِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ. ولولا أنَّ الخَلقَ غَيرَ الكَلامِ لما عَطَفَ الله الأَمرَ على الخَلقِ في قَولِه تعالى: ((والشَّمسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمرِهِ أَلاَ لَهُ الخَلقُ والأَمرُ..))، الأعراف: 54.

الأَشَاعِرَةُ:

يعتَقِدُ الأَشَاعِرةُ أنَّ القُرآنَ الكريمَ عِبارَةٌ عن كَلامِ اللهِ، وليس هو كَلامُ اللهِ؛ وكلامُ الله عِندَهم مَعنَىً وَاحِدٌ فقط، إن عُبِّرَ عنه بالعِبرِيَّةِ صَارَ تَورَاةً، وإن عُبِّرَ عنه بالسِّريَانيَّةِ صَارَ إنجِيلًا، وإن عُبِّرَ عنه بالعَرَبيةِ صَارَ قُرآنًا. والتَّعبِيرُ عنه بلَفظٍ أَي حَرفٍ وصَوتٍ. فالقُرآنُ عندهم قِسمَان: مَعنَى غَيرُ مخلُوقٍ، وهو صِفَةٌ أَزَليَّةٌ لله، ولَفَظٌ مخلُوقٌ أَنشَأَه اللهُ، أو جِبريلُ أو محمد!

فالمتَكَلِّمُ عِندَ الأَشَاعِرَةِ مَن قَامَ به الكَلامِ، وإن لم يَتَلفَّظ به. واللهُ تعالى عِندَهم مُتَّصِفٌ بصِفَةِ الكَلامِ على هذا الوجه. فَهُم وإن أَثبَتُوا للهِ الكَلامَ إلَّا أنَّهم جَعَلُوا اللهَ تعالى غَيرَ مُتكَلِّمٍ على الحَقِيقَةِ؛ وإنَّما يُعلِمُ جِبرِيل –عليه السلام- بمُرادِه اضطِرارًا يَضطَرُّه إليه، فيَفهم المعنَى القَائِمَ بنَفسِه، فيُعَبِّرُ جِبريلُ عن هذا المرَادِ بلَفظِه هو. وربَّما قالَت طَائِفَةٌ مِنهم إنَّ المـُعَبِّرَ عنه باللَّفظِ محمدٌ –صلى الله عليه وسلم.

فجَعَلَ الأَشَاعِرَةُ كَلامَ اللهِ مَعنَى قَائِمًا بالنَّفسِ، وَاحِدًا لا يَتَعدَّدُ ولا يَتَبَعَّضُ، ولا يَتَفاضَلُ، يَستَوي فيه الأَمرُ والنَّهيُ والخَبَرُ والاستِخبَارُ، وليس هو بحَرفٍ ولا صَوتٍ. فالقُرآنُ والإنِجيلُ والتَّورَاةُ عندهم شَيءٌ وَاحِدٌ، وإنَّما يختَلِفُ اللَّفظُ المـُعَبِّرُ عنه بحَسَب اللُّغَةِ. وهو قُولٌ يُخالِفُ صَرِيحَ القُرآنِ الكَريمِ وإجمَاعُ العُقلاءِ مِن أَهلِ الكُتُبِ السَّمَاويَّةِ؛ فمَعلُومٌ أنَّ شَرائِعَ الأَنبِيَاءِ –عليهم الصلاة والسلام- مُختَلِفَةٌ، فكيف يكون مَعنَاها واحِدًا في ذَاتِه؟!

والكُلَّابية -أتباَعُ عبداللهِ بن كُلَّابٍ، شَيخُ الأَشعريِّ- ترى أنَّ القرآنَ الكَريمَ حِكَايَةٌ عن كَلامِ اللهِ، وهو مَعنَى قَائِمٌ في ذاتِه يَنقَسِمُ إلى أَمرٍ ونَهيٍّ وخَبَرٍ واستِخبَارٍ؛ فهذا القرآنُ يُحاكي ذاك المعنَى.

لقد تجَاهَلَ الأَشَاعِرَةُ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ التي تُثبِتُ الكَلامَ والمخَاطَبَةَ والنِدَاءَ ومُحَاوَرَةَ اللهِ لخَلقِهِ مِن الملائِكةِ والبَشَرِ والجِنِّ، وتَعَلُّقَ كَلامِ اللهِ بمَشِيئَتِه: ((إنَّما أَمرُنا لشَيءٍ إذَا أَرَدنَاه أن نَقُولَ له كُن فيَكُون))، ونَفيَ أن يَعلَمَ أَحَدٌ بما في نَفسِه سبحانه: ((تَعلَمُ ما في نَفسِي ولا أَعلَمُ ما في نَفسِكَ))!

فخَالَفُوا الكِتَابَ والسُّنَّةَ واللُّغَةَ والعُرفَ. فالقرآنُ الكريمُ لا يَعتَبِرُ الإيحَاءَ مِن غَيرِ نُطقٍ بحَرفٍ وصَوتٍ كلامًا، وإن قَامَ في النَّفسِ مَعنَى مُدرَك، قال الله تعالى لزكريا: ((آيَتُكَ ألَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويَّا فَخَرَجَ على قَومِه مِن المحرَابِ فَأَوحَى إليهم أن سَبِّحُوا بُكَرَةً وعَشِيَّا))، وقال لمريم: ((فقُولي إنِّي نَذَرت للرَّحمَن صَومًا فلن أُكلِّمَ اليَومَ إنسِيَّا)). والسُّنَّةُ النَّبَويَّةُ أفَادَت أنَّ خَواطِرَ النَّفسِ والحَديثَ القَائِمَ بذَاتِها لا يُسمَّى كَلامًا عند الشَّارِع؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ عَفَا لأُمَّتي عمَّا حَدَّثَت به أَنفُسَها ما لم تَتَكلَّم أو تَعمَل به). وقال لمعاذ: (أَمسِك عليك لسَانَك)، قال: وإنَّا لمؤَاخَذُون بما نقُول؟ قال: (ثَكِلَتك أُمُّك، وهل يَكُبُّ النَّاسَ على مَنَاخِرِهم إلا حَصَائِدُ ألسِنَتِهم؟).

وفي اللُّغَةِ يُسمَّى النَّاطِقُ مُتَكلِّمًا، والسَّاكِتُ أَخرَسًا. ومِن أُصُولِ أَهلِ اللُّغَةِ أنَّ الكَلامَ اسمٌ وفِعلٌ وحَرفٌ. والفُقَهَاءُ مُتَّفِقُون على أنَّ مَن حَلَفَ لا يَتَكَلُّم، فحَدَّثَ نَفسَه بشَيءٍ دُونَ أن يَنطِقَ بلِسَانِه لم يَحنَث، ولو نَطَقَ حَنَثَ.

المخالفون في صحة القرآن:

يَعتِقِدُ غَالِبيَّةُ المسلمين عَبرَ التَّارِيخِ وفي أَنحَاءِ العَالمِ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ، الموجُودِ بَينَ دَفَتي المصحَفِ الشَّريفِ، والمحفُوظِ جِيلًا بعد جِيلٍ عن أَصحَابِ الرَّسُولِ –رضوَانُ اللهِ عليهم، هو كَلامُ اللهِ ووَحيُه المـُنزَّلِ على محمد –صلى الله عليه وسلم، بجميعِ آياتِه وسُورِه، لم يَطرَأ عليه تَغييرٌ ولا تَبدِيلٌ ولا زِيَادَةٌ ولا نُقصَانٌ. غير أنَّ بَعضَ طَوائِفِ الضَّلالِ والزَّندَقَةِ طَعنَت في القُرآنِ الكَريمِ؛ وتَجرَّأت على الحَديثِ عن تَحرِيفِ الكِتَابِ العَزيز.

الشِّيعَةُ:

كان مِن الطَّبيعي جِدًا مع اعتِقَادِ الشَّيعَةِ كُفرَ مُعظَمِ الصَّحَابَةِ –رضوان الله عليهم، وتخوينِهم إيَّاهم، أن يَعتَقِدَ بعضُهم تَحرِيفَ القُرآنِ الكَريمِ، زِيادَةً أو نُقصَانًا أو تَبدِيلًا. وقد صَرَّحَ بهذا التَّحرِيفِ مَرَاجِعُ شِيعيَّةٍ في القَدِيمِ والحَدِيثِ. حتى أنَّ بعَضَهم أَلَّفَ في هذا الشَّأنِ صَرَاحَةً في كِتابٍ بعِنوان: (فَصلُ الخِطَابِ في إثبَاتِ تَحرِيفِ كِتابِ رَبِّ الأَربَابِ)، وهو ميرزا حسين محمد تقي النُّوري الطَبرسي[2]. حيث زَعَمَ أنَّ الصَّحَابَةَ –رضي الله عنهم- بَدَّلُوا في القرآن الكريم. وهو لم يَزِد على أن جَمَعَ ما تَفرَّقَ في كُتُبِ المرَاجِعِ الشِّيعيَّةِ المعتَبَرة عندهم. وكِبَارُ عُلمَاءِ الشِّيعَةِ يَقُولُون بأنَّ القَولَ بتَحرِيفِ ونُقصَانِ القُرآنِ مِن ضَرورِيات مَذهَبِهم.[3]

وبالرَّغمِ مِن ثُبوتِ هذا القول في كُتبِ الشَّيعَةِ الاثنى عَشريَّةِ إلا أنَّ كثيرا مِنهم يُنكِرُونه، كما يُنكِرُه عامَّتُهم؛ ذلك أنَّ القَولَ بتَحرِيفِ القُرآنِ الكريم قُولٌ بَاطِلٌ يَجرُّ إلى كَثيرٍ مِن الكُفرِ والزَّندَّقَةِ، ويُسهِّلُ الطَّعنَ في خَتمِ النُّبوَّةِ والرِّسَالَةِ. وعُمومُ الأُمَّةِ تُنكِرُ هذا القَولَ وتُكفِّرُ القَائِلَ به؛ يقول ابن حزم –رحمه الله: "القولُ بأنَّ بين اللَّوحَين تَبدِيلًا كُفرٌ صَحِيحٌ وتَكذِيبٌ لرَسُولِ اللهِ –صلى الله عليه وسلم"[4].

وهذا القَولُ إن أَثبَتَه الشِّيعَةُ الاثنى عشرية ارتَدَّ عليهم، وأَظهَرَ انسِلاخَهم عن الأُمَّة، وإن نَفَوه دَخَلُوا في الإجمَاعِ الحقِّ الذي ليس وراءَه غَيرَ الكُفر. فالدين الذي اجتمع عليه المسلمون اجتماعًا ظاهِرًا مَعلُومًا مَنقُولٌ عن نَبيِّهم نقلًا متَواتِرًا، مَنذُ زَمَنِ الصَّحَابَةِ جِيلًا بعد جِيلٍ، نَقَلُوا القُرآنَ ونَقَلُوا السُّنَّةَ، فالسُّنَّةُ مُفسِّرةٌ للقرآنِ مُبيِّنَةٌ له، كما قال تعالى: ((وأَنزَلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لتُبيِّنَ للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيهم))، النحل: 44. فبَيَّنَ مَا أَنزَلَ اللهُ لفَظًا ومَعنًا، فصَارَت مَعَاني القُرآنِ التي اتَّفقَ عليها المسلِمون اتِّفَاقًا ظَاهِرًا ممَّا تَوارَثته الأُمَّةُ عن نَبيِّها، كما تَوارَثَت عنه أَلفَاظُ القُرآنِ الكَريمِ، ولم يَكُن فيما اتَّفقَت عليه الأُمَّةُ شَيءٌ مُحرَّفٌ مُبدَّلٌ مِن المعَاني، فضلا عن أَلفَاظِ تلك المعَاني؛ فإنَّ نَقلَها والاتفَاقِ عليها أَظهَرُ مِنه في الأَلفَاظِ، فكان الدِّينُ الظَّاهِرُ للمسلمين الذي اتَّفقُوا عليه مما نَقلُوه عن نَبيِّهم لَفظُه ومَعنَاه، فلم يَكُن فيه تَحرِيفٌ ولا تَبدِيلٌ لا للفظ ولا للمعنى.

ولذلك عَمَدَت فِرقُ البَاطِنيَّةِ -كي لا تَتَواجَه مع إجمَاعِ الأُمَّةِ- إلى إثبَاتِ الأَلفَاظِ وادِّعَاءِ أنَّ لها مَعَانٍ بَاطِنَةٍ. فلم يَطعَنُوا في اللَّفظِ إلا أنَّهم حَرَّفُوا المعَاني وكَذَبُوا في التَّأويلِ على خِلافِ السُّنَّةِ واللُّغَةِ وما جَاءَ عن الصَّحَابةِ الذين عاشَروا التَّنزِيل.

فبَقَيَ أنَّ القَولَ بتَحرِيفِ القُرآنِ الكَريمِ لم يُعرَف عن أَيِّ فِرقَةٍ مِن الفِرقِ، خِلافًا لما وَرَدَ في كُتُبِ الشِّيعَةِ مما يُكذِّبُونه تَارَةً ويُنكِرُونَه تَارَةً ويُضعِّفُونَه تَارَةً، ولا يُصرِّحُون به! فتحقق وعد الله تعالى فيه: ((إِنَّ الَّذِينَ يُلحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخفَونَ عَلَينَا أَفَمَن يُلقَى فِي النَّارِ خَيرٌ أَم مَن يَأتِي آمِنًا يَومَ القِيَامَةِ اعمَلُوا مَا شِئتُم إِنَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِيرٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكرِ لَمَّا جَاءَهُم وإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ ولَا مِن خَلفِهِ تَنزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ))، فصلت: 40- 42.

 

[1] رواه البخاري ومسلم.

[2] توفي سنة 1320هـ، ودفن بالنجف. طُبِعَ كتابه سنة 1298هـ، بطهران.

[3] انظر مثالا لذلك ما ذكره محمد بن محمد النعمان الحارثي المذحجي، الملقب بالمفيد، (336ه- 413ه) في كتابه (أوائل المقالات)؛ وأبو منصور أحمد بن علي الطبرسي، من شيوخ الشيعة في القرن السادس الهجري، في كتابه (الاحتجاج)؛ والمرجع محمد محسن بن مرتضى بن محمود، المشهور بالفيض الكاشاني، (1007ه- 1091هـ)، في تفسيره (الصافي- 5 مجلدات)؛ والمرجع محمد باقر المجلسي، (1037ه- 1111ه)، في كتابيه (مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول) و(بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار)؛ وسلطان محمد بن حيدر الخرساني، (1251ه- 1327ه) في كتابه (بيان السعادة في مقامات العبادة)؛ وعدنان بن علوي بن علي آل عبد الجبار الحسيني القاروني البحراني (مشارق الشموس الدُّريَّة) (1302ه- 1348ه). ويمكن الرجوع لكتاب: الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة، لمحب الدين الخطيب.

[4] الفصل في الأهواء والملل والنِّحل: ج4/139.