أديان و مذاهب /

اليهودية.. من دين سماوي إلى أكذوبة طائفية (3- 3) [ مقال ]

[ الخميس 16 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 286 ]

تتشكل "الطائفة" عندما تعرف مجموعة نفسها بصيغة مغايرة للآخرين, أكان هذا التعريف بصيغة عرقية أو دينية أو سياسية أو فكرية أو ثقافية أو اقتصادية. وينشأ عن هذا التعريف كيان جديد له سماته وخصائصه المستقلة عن القواسم المشتركة، وفق علاقات وروابط تقوم على أساس التعريف والسمات والخصائص المحدثة. وتعدد الطوائف أمرٌ طبيعيٌ في ضوءِ التنوعِ البشري، وهي حقيقة ماثلة في كل الأعراق والديانات والشرائح الثقافية والشعوب. وهي تتأسس في البيئات الدينية نظرا لقابلية الفهم الإنساني لتأويل النصوص (الدينية) برؤى مختلفة، أو تطبيقها بصور متباينة.

من "طائفة" إلى "طائفية":

تنشأ في كل دين طوائف متعددة، على مدى فترات زمنية مختلفة، لعدة أسباب وعوامل. وغالبا تكون عند النشأة قريبة جدا من هوية الأمة والكيان الأكبر الذي تنتمي إليه. لكنَّ تنامي الخلاف وتلبسه بمعطيات عرقية أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية قد يدفع للمزيد من الانفصال والاستقلال عن هوية الأمة وكيانها. ويصبح تعريف الطائفة لنفسها تعريفا منفكا عن الهوية الجامعة والأمة الأولى؛ ما يؤدي إلى جنوح أعضائها عن القواسم المشتركة وترجيح كفة القطيعة والعداء. وهنا تبدأ بذور "الطائفية" بالتشكل.

ولدى أي طائفة دينية قابلية التحول إلى "الطائفية" في ظل السياق الذي تحدده هي لموقعها من الهوية والأمة. وعادة ما يكون التحول متدرجا. على النحو التالي:

- انعزال "الطائفة" عن محيطها الطبيعي والقطيعة مع البيئة التي نشأت فيها، وانكفائها على ذاتها وعلاقتها البينية. وهو موقف يتزايد في ظل عوامل أخرى تقود لهذا المسار. وربما كان بوحي من الرموز المؤسسة التي تحاول الوصول إلى "الطائفية" انطلاق من هوية خاصة! وهكذا يتم بناء هوية ووعي الأفراد في معزل عن الأمَّة الحاضنة والهويَّة العامة.

- انفصال "الطائفة" شعوريا، وبناء خصومات لها طابع حدي. وهذا يتَأتَّى بفعل التعبئة التحريضية من الرموز، أو الإنكار السَّلبي مِن طوائف أُخرَى مِن الأُمَّة على الطائفة المتشكلة، أو الجدل الديني القائم على التهديد والإكراه.

- التَّشكُّل في كيانٍ عُضويٍّ وفَرضِ رابطة تعاقدية، بحيث يرى الفرد نفسه من خلال المجموع غير قادر عن الاستقلال عنهم، في أفكاره ومشاعره ونشاطه ومصالحه. وهذا أخطر شيء يرسخ الانقسام والانفكاك. وهنا يتم التعريف والتخاطب مع الأمَّةِ بلغة "نحن" و"هم"،

- النظر للذات بمثالية عالية: واعتقاد التميز العنصري، أو الصفاء العقدي، أو النقاء الأخلاقي، ومن ثمَّ اعتبار الخطاب الإلهي والوعد الإلهي خاصا بالطائفة وأفرادها، وإغفال الاسم الجامع والوصف الكلي في هذا الخطاب، والموضوعية في تقدير المخاطب.

- النظرة للآخر بروح الإنكار والإقصاء والتعامل معه من هذا المنطلق. وهذا أمر طبيعي ينبني على المرحلة السابقة، ويتنامى معه. فإنَّ الطائفة التي ترى في أفرادها الحق والوعد الإلهي والعنصر المختار ترى في كل من يخالفه ويتباين معه منسلخا من الهويَّة والأمَّة، وخصما لله أولا، ثمَّ للدين ثانيا، ثمَّ لقدر الله ثالثا، ينبغي إقصائه وتهميشه. وهنا ينشأ الصراع لتحقيق هذه الغاية النبيلة والمقصد السامي!

- الدخول في حالة عداء مع المحيط القريب والصراع معه. وهي المرحلة الأخيرة التي تنتهي فيها "الطائفة" وتكتمل "الطائفية" كهويَّةٍ وأُمَّةٍ بديلة!

اليهودية.. الدين والعرق:

ذكرنا أنَّ "بني إسرائيل" نشأوا في مصر، ونتيجة تحولات سياسية بات "بنو إسرائيل"، لعامل الاختلاف العرقي والديني، مجموعة مضطهدة ومستضعفة ومستعبدة؛ تنتهك حقوقها وتدنس كرامتها. وهذا الواقع، إضافة لكونهم انغلقوا اجتماعيا على ذواتهم في المجتمع المصري لاعتبارات لم تفرض عليهم، قاد لتشكل نواة "الطائفة" في وعي بني إسرائيل في المجتمع المصري.

هذا التَّشكُّل تَعزَّز مع خُروجِهم مِن مِصر، ووُقوعهم لعِصيانهم في دَائِرةِ التِّيه التي عاقبهم الله تعالى بها. حيث ظلوا مجتمعا مغلقا بعيدا عن محيطه الإنساني. بل إنَّ الانغلاق ظَلَّ سَيِّدَ الموقف في علاقة فُروع "بني إسرائيل" من ذرية الأسباط بعضهم ببعض، فلم يندمجوا فيما بينهم. وهو ما اعتُبِرَ في بَعثِ النُّقبَاءِ مِنهم: ((ولَقَد أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسرَائِيلَ وبَعَثنَا مِنهُم اثنَي عَشَرَ نَقِيبًا))، المائدة: 12، وفي سقيا الماء لهم: ((وإِذِ استَسقَى مُوسَى لِقَومِهِ فَقُلنَا اضرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانفَجَرَت مِنهُ اثْنَتَا عَشرَةَ عَينًا قَد عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشرَبَهُم))، البقرة: 60. وهذا قدر الله فيهم، والصيرورة التي آلوا إليها لما اتبعهوا من سلوك: ((وقَطَّعنَاهُمُ اثنَتَي عَشرَةَ أَسبَاطًا أُمَمًا))، الأعراف: 160. والتقطيع شدة في القطع وهو التفريق، والقطع مرادف للفصل ونقيض للوصل. فهو سبحانه يخبر عن حالهم، وما قام عليه مجتمعهم من الانفصال والتمايز على أساس النسل. لذلك قال: أسباطا أُمَمًا.

لم يتوقف هذا الفصل على الداخل الإسرائيلي، فقد رأى "بنو إسرائيل" أنهم جنس مميز عن ذُريَّةِ آدمَ –عليه الصلاة والسلام. لقد أدركوا أنفسهم في مرحلة تاريخية –كما سبق وأشرنا- ذوي مكانة دينية عند الله، اختارهم واصطفاهم وأنعم عليهم، كونهم الطائفة "المسلمة" الوحيدة على الأرض في حقبة ما بعد إبراهيم –عليه الصلاة والسلام، التي عمَّ فيها الكفر وأطبق الشرك فيها على العالم. وقد ورثوا هذا الدِّين والاعتقاد عن أبيهم يعقوب، عن إسحاق، عن إبراهيم –عليه الصلاة والسلام، ما جعلهم يظُّنون أنفسهم جِنسًا بَشريًّا أَرقى مِن غيره، للتركيب الجيني الوراثي فيه!

إضافة إلى ذلك فإنَّ إرسال الأنبياء فيهم، ومخاطبتهم بالكتب السماوية والشرائع الإلهية، وإحاطتهم بالكرامات والمعجزات، فُسِّرَ لدى بني إسرائيل تفسيرا خاطئا. وهنا نأتي لنرى كيف تشكلت "الطائفية" اليهودية.

- انعزل اليهود عن محيطهم الطبيعي في مصر، وحدثت القطيعة مع البيئة التي نشأوا بها. وانكفَؤُوا على خاصتهم وبيئتهم الداخلية. وهكذا نشأت أجيال من بني إسرائيل، إلى زمن التيه أيضا.

- انفصل اليهود شعوريا عن جميع الأمم باعتبارهم كفارا، ونظروا إليهم كخصوم نتيجة السلوك الذي أظهره المصريون معهم. كما أنهم بعد خروجهم من مصر وجدوا القوم الجبارين ودخلوا في صراع معهم، وبات الجهاد أحد موجهات العلاقة مع الآخر، في عالم مليء بالجاهلية.

- تشكُّلت "الطائفية" اليهودية في ظل اعتبار كُلِّ إسرائيلي مُؤمِنا، وكُلِّ مَن هو غَيرَ إسرائيلي كَافِرا. وأصبح تعريف المؤمن في الوعي الجمعي هو الإسرائيلي. ومن ثمَّ أصبح الدِّين والعِرقُ مُعبِّرا عن هويَّةٍ واحِدةٍ. وهكذا اعتبر بنو إسرائيل كُلَّ مَن سِواهم أمَّة مستباحة: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُم قَالُوا لَيسَ عَلَينَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُم يَعلَمُونَ))، آل عمران: 75. وهذا ما جعل الشعب اليهودي شعبا منغلقا، عنصريا، متشابكا في المصالح بشكل عصبوي.

- لقد نظر بنو إسرائيل لأَنفُسهم نَظرَةً مِثاليَّةً عالِيَةً، واعتبروا أنفسهم أبناءَ اللهِ وأَحبَاؤَه، وشَعبَ اللهِ المختار. كما جعلوا الهداية الدينية في الدُّنيا لهم، والنَّجاةَ الأُخرَوية في الجنَّة لهم، فقالو: كُونُوا هُودًا تهتدوا! وقالو: لن يَدخُل الجنَّة إلا مَن كان هُودًا![1] وكفروا بمحمد –عليه الصلاة والسلام- كونه جاء من نسل غير نسل بني إسرائيل. فأنكروا رسالته وعادوه وعادوا أتباعه رغم معرفتهم بحقيقة رسالته: ((وَلَمَّا جَاءَهُم كِتَابٌ مِن عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُم وكَانُوا مِن قَبلُ يَستَفتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرِينَ))، البقرة: 89.

هكذا تحوَّل الدين من دين إلهي سماوي إلى طقوس وشعائر وشرائع خاصة بفئة من النَّاس تحتكره لذاتها، وتمارس بموجبه الكفر والظلم والتكذيب والفساد، كطائفة مجتباة لجنسها وعنصرها. وعلى هذا الأساس يمارس اليهود حتى اليوم حياتهم وطقوسهم الدينية ويقيمون علاقتهم مع الآخرين.

 

[1] انظر: البقرة آية: 111 و135. وكذلك فعل النصارى.