أديان و مذاهب /

اليهودية.. من دين سماوي إلى أكذوبة طائفية (1- 3) [ مقال ]

[ الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 305 ]

اليهودية ديانة سماوية توحيدية بالأساس. تأسست من رسالة نبي الله موسى –عليه الصلاة والسلام. ونظرا لكونه بعث في بني إسرائيل، وكانت رسالته تقضي بإخراجهم من مصر وقيادتهم لدخول الأرض المقدسة (فلسطين)، فإنَّ رسالة موسى كانت رسالة خاصَّةً ببني إسرائيل. وقد كان النَّبيُّ قَبَل بِعثَةِ الرَّسولِ محمَّدٍ –صلى الله عليه وسلم- يُرسَلُ لقومه خَاصةً، فكانت شَرِيعَةُ موسى مُختَصَّةٌ ببني إسرائيل.

بنو إسرائيل:

"بنو إسرائيل" وَصفٌ يُشيرُ لذُرِّيَّةِ ونَسلِ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم –عليهم الصلاة والسلام جميعا، من أبنائه الاثنى عشر، والذين عُرِفُوا بالأسباط. ويَرِدُ ذِكرُ الأَسباطِ في القرآن الكريم تاليا لذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب دوما. ولمـَّا استسقى موسى ربَّه وأمره أن يضرب بعصاه الحجر (انفَجَرَت مِنهُ اثنَتَا عَشرَةَ)، ليشرب كل فصيل منهم من مورده الخاص[1]. كما أنَّ الله تعالى أقام على بني إسرائيل: (اثنَى عَشَرَ نَقِيبًا) للقيام بواجبات الدعوة والدِّين وحمل قومهم عليه[2].

أما "إسرائيل" فهو لَقَبٌ ليَعقُوب -عليه الصلاة والسلام. يقول تعالى: ((كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسرَائِيلُ عَلَى نَفسِهِ مِن قَبلِ أَن تُنَزَّلَ التَّورَاةُ قُل فَأتُوا بِالتَّورَاةِ فَاتلُوهَا إِن كُنتُم صَادِقِينَ))، آل عمران: 93. فإسرائيل هنا يعقوب.

ويَشتَهِرُ بنو إسرائيل تاريخيا بالعبرانيين[3]، ويقال بأنَّ هذا نسبة لعبورهم مع موسى –عليه الصلاة والسلام- للبحر، ونجاتهم منه. وأيا يكن الأمر فإنَّ بني إسرائيل عاشوا عدة محطات في تاريخهم:

  • المحطة الأولى: منذ دخول يعقوب وبنيه مصر في زمن ولاية يوسف لملك مصر، وحتى ظهور فرعون.
  • المحطة الثانية: منذ تملك فرعون وحتى خروجهم من مصر وهلاك الطاغية.
  • المحطة الثالثة: منذ نجاتهم من فرعون وحتى وفاة موسى –عليه الصلاة والسلام.
  • المحطة الرابعة: منذ وفاة موسى وحتى قيام دولة داود وسليمان –عليهما الصلاة والسلام. (عهد القضاة)
  • المحطة الخامسة: منذ قيام دولة بني إسرائيل وحتى زوال ملكهم. (عهد الملوك)
  • المحطة السادسة: وهي محطة السبي والتشرد والاحتلال، والتي دامت قرونا من الزمن.

ويذكر أن مُلَكَ بني إسرائيل استَمرَّ لقُرابَةِ 244 عاما، هي فترة استقلالهم وتمكينهم في الأرض؛ ثمَّ تفرقوا وتنازعوا وغلب عليهم الأعداء فسُلِطُّوا عليهم. وكان معظم تحركهم تاريخيا بين مصر وفلسطين والشام والعراق. حيث كانت هذه المنطقة هي موطن إبراهيم –عليه الصلاة والسلام- ومهاجره، وأبنائه من بعده. وقد مثلت الأرض المباركة (فلسطين) في الديانات جميعا، بما فيها اليهودية، موعودا إلهيا لعباده المؤمنين، وقبلة لهم[4].

نبيُّ اللهِ مُوسَى:

عاش بنو إسرائيل بعد يوسف –عليه الصلاة والسلام- بمصر قرونا من الزمن، وهم مختلطون بأهل مصر الأصليين. ولمـَّا حكم فرعون مصر اضطهد بني إسرائيل، وأوغل في تعذيبهم؛ فقد كانوا قوما مُوحِّدين، وكان قد نَصَّبَ نفسه مَلِكًا وإلَهًا ورَبًا لأهل مصر أجمعين، ولم يدخُل بنو إسرائيل في عقيدته وديانته.

في هذه الأثناء بعث الله تعالى موسى بن عمران –عليه الصلاة والسلام- نبيا مرسلا إلى فرعون بالتوحيد والعبودية لله. فتضاعف اضطهاد فرعون وقومه لبني إسرائيل: ((وقَالَ المـَلَأُ مِن قَومِ فِرعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وقَومَهُ لِيُفسِدُوا فِي الأَرضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبنَاءَهُم ونَستَحيِي نِسَاءَهُم وإِنَّا فَوقَهُم قَاهِرُونَ))، الأعراف: 127.

وقد بدأ شأن موسى قبيل مولده بما أوحاه الله لأُمِّه في شَأنِه بعد ولادته. وتربَّى في قصر فرعون منذ صغره، وكانت أُمُّه حاضنته طيلة فترة طفولته. وبعد بلوغه أَشُدَّه ومعرفته بوضع قومه في مصر ظهر تعاطفه معهم. ونتيجة لقتله رجلا قبطيا على إثر شجار وقع بينه وبين رجل من بني إسرائيل، فوكزه موسى على إثره وقضى عليه، خَرَجَ مِن مصر خائفا، ولجَأَ إلى أهل مَدين. وهناك تزوج بها وأقام عشر سنوات، توجه بعدها إلى مصر عائدا. وفي طريقه لمصر وعلى جَبلِ الطُّورِ خَاطَبَه الله تعالى، وكلَّفَه بمهمَّةِ الرِّسالة والدَّعوةِ لفرعون وقومه، ومَنَحَه أَخَاه هارون سَندًا له في حَملِ الرسالة.

سعى موسى –عليه الصلاة والسلام- في دعوة فرعون، ونُصحِهِ وتَبلِيغِهِ حُجَجَ الله. وأَظهَرَ لفرعون وقَومِه الآياتِ والمعجزاتِ المتعدِّدَةِ، وبرغم ذلك جَحَدُوها وكَفرُوا بها. ونتيجة اشتداد وَطأَةِ التَّعذيبِ والإجرامِ الذي مارسه فرعون وقَومَه على بني إسرائيل أَمَرَ الله تعالى موسى أن يخرج بني إسرائيل باتجاه الأرض المقدسة، وفي طريق خروجهم تبعهم فرعون فحدثت معجزة انفلاق البحر وغَرَقِ فِرعون وجُنده.

عقب نجاتهم، تمرَّدَ بنو إسرائيل على موسى، وتعنَّتُوا معه، وتلمَّسُوا عِبَادَة إِلَهٍ مَادِيٍّ، ولم يَغِب موسى عنهم عند ذهَابِه إلى الطُّور حتى عَبَدَ بنو إسرائيل العِجلَ الذي صَنَعَه لهم السَّامري.

ولما أَمَرهم موسى بدُخُولِ فِلسطِين امتنعوا عليه، مُعتذِرِين بوجُودِ قومٍ جبَّارين فيها، ورفضوا القتال معه. فكُتِبَت عليهم سنواتُ التيه الأَربعين. وفي هذه الفترة توفي موسى –عليه الصلاة والسلام، ودُفِن خَارجَ أَرضِ فلسطين.

الكتاب المقدس.. التوراة:

تمثل "التوراة" الكتاب الهادي الذي أنزله الله تعالى على موسى -عليه الصلاة والسلام، ليبلغه قومه. قال تعالى: ((إِنَّا أَنزَلنَا التَّورَاةَ فِيهَا هُدًى ونُورٌ يَحكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحبَارُ بِمَا استُحفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخشَوُا النَّاسَ واخشَونِ ولَا تَشتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ومَن لَم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُم الكَافِرُونَ))، المائدة: 44.

وقد تولى الله تعالى كتابة "التوراة" بيده لكليمه موسى –عليه الصلاة والسلام. ثمَّ أنزَلَها عليه في طُورِ سيناء مكتوبة. قال تعالى: ((وكَتَبنَا لَهُ فِي الأَلوَاحِ مِن كُلِّ شَيءٍ مَوعِظَةً وتَفصِيلًا لِكُلِّ شَيءٍ فَخُذهَا بِقُوَّةٍ وأمُر قَومَكَ يَأخُذُوا بِأَحسَنِهَا سَأُرِيكُم دَارَ الفَاسِقِينَ))، الأعراف: 145.

والألواح جمع لوح، وهو كُلُّ صفيحة عريضة من خشب أو غيره. فهي صفائح مادية ظاهرة مَكتُوبٌ عليها بِلُغَةِ موسى وقَومِه. وفي القرآن الكريم أن موسى لمـَّا رجع إلى قومه غضبان أَسِفًا، وراءهم يعبدون العجل ألقى الألواح (الأعراف: 150). ((ولَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغَضَبُ أَخَذَ الأَلوَاحَ وفِي نُسخَتِهَا هُدًى ورَحمَةٌ لِلَّذِينَ هُم لِرَبِّهِم يَرهَبُونَ))، الأعراف: 154.

وفي الحديث أنه: (احتجَّ آدمُ ومُوسى، فقالَ موسَى: يا آدمُ أنتَ أبونا خيَّبتَنا وأخرجتَنا منَ الجنَّةِ! فقالَ لَهُ آدمُ: أنتَ موسَى.. اصطفاكَ اللَّهُ بِكَلامِهِ، وخطَّ لَكَ بيدِهِ، أتلُومُني على أَمرٍ قدَّرَهُ اللَّهُ عليَّ قبلَ أن يخلُقَني بأَربَعينَ سَنةً؟)، وفي رواية: (كَتَبَ لَكَ التَّوراةَ بيدِهِ)[5].

لذلك قال ابن تيمية: إنَّ اللَّهَ كَتَبَ لموسى التَّوراةَ بيدِهِ وأَنزَلها مَكتُوبةً، وأَنَّ هذا ثَبَتَ بالنَقلِ الصَحيح[6]. وقد حظيت التوراة بهذا الاهتمام كونها تضمنت عقائد وشرائع شاملة وصالحة للإنسانية في تلك الحقبة من التاريخ. لذلك حكى الله تعالى على لسان عيسى ابن مريم قوله لبني إسرائيل: ((ومُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِن التَّورَاةِ ولِأُحِلَّ لَكُم بَعضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُم وَجِئتُكُم بِآيَةٍ مِن رَّبِّكُم فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُونِ))، آل عمران: 50.

والتوراة هي ذاتها صُحُفِ موسى المـُشَارُ إليها في غَيرِ مَا مَوضِعٍ مِن القرآن الكريم. يقول تعالى: ((إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبرَاهِيمَ ومُوسَى))،  الأعلى: 18- 19. ويقول سبحانه: ((أَم لَم يُنَبَّأ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى * وإِبرَاهِيمَ الَّذي وَفَّى))، النجم: 36- 37. فإنَّ الله تعالى أشار لما ينزله على رسله بالصحف، يقول تعالى: ((لَم يَكُن الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أَهلِ الكِتَابِ والـمُشرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأتِيَهُمُ البَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِن اللَّهِ يَتلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ))، البيِّنَة: 1- 3. ولم يجعل اللهُ سبحانه احتكامَ بني إسرائيل إلَّا للتوراة، ولم يُثَنِّ مع التوراة غَيرَ الإِنجيلَ في جميعِ مَواطِن آيات القرآن الكريم.

ويُقسِّمُ اليَهودُ موروثهم مِن النَّصِّ الدِّيني إلى قسمين:

  • التوراة: وفيها خمسة أسفار، وهي: سفر التكوين أو الخلق، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر التثنية. ويُطلَقُ عليها جميعا اسم "أسفار موسى". وهي تحتوي على الشرائع والقوانين والشعائر والوصايا العشر التي أوصى الله بها موسى، كما تَضمُّ أخبَاراً تاريخية عن بني إسرائيل.
  • أسفار الأنبياء: وهي نوعان:

أسفار الأنبياء الأولين أو المتقدمين، وهي: سفر يشوع (يوشع بن نون)، وسفر القضاة، وسفرا صموئيل الأول والثاني، وسفر الملوك الأول والثاني.

وأسفار الأنبياء الآخرين أو المتأخرين، وهي: سفر أشعيا، وسفر إرميا، وسفر حزقيال، وسفر هوشع، وسفر يوئيل، وسفر عاموس، وسفر عوبديا، وسفر يونان (يونس)، وسفر ميخا، وسفر ناحوم، وسفر حَبَقوق، وسفر صَفَنيَا، وسفر حجَّى، وسفر زكريا، وسفر ملاخي.

وهذا القسم يتَضمَّن ما وَقعَ لبني إسرائيل مِن أَحدَاثٍ بعد مَوتِ مُوسى، وحتَّى هَدمِ الهيكل المقدَّس. وهو يُغطِّي فَترَةً زَمَنِيَّةً تمتَدُّ بين سَنةِ 1300 ق. م. وسَنةِ 200 ق. م. تقريباً.

ويضاف لذلك كتب الحكمة والأناشيد، وهي تجمع أسفارا مختلفة، تَتضمَّن رواياتٍ تاريخيةً وقَصَصيَّةً وإنشادية. وعددها ثلاثة عشر. وترتيب هذه الأسفار حسب ورودها في العهد القديم كما يلي: سفر راعوث، وسفرا أخبار الأيام الأول والثاني، وسفر عزرا، وسفر نحميا، وسفر إستير، وسفر أيوب، وسفر المزامير (مزامير داود)، وسفر الأمثال، وسفر الجامعة، وسفر نشيد الأنشاد، وسفر مراثي إرميا، وسفر دانيال. وهذه الأسفار معترفٌ بها لدى اليهود.

ومن أهم كتب يهود "التلمود"، وهو عندهم في منزلة أهم بكثير من منزلة التوراة. وهو يَضُمُّ في ثناياه "المشنا" وهي رواياتٌ شَفهيَّةٌ تناقلها الحاخامات، حتَّى جمعها الحاخام يوضاس -سنة 150م- تحت عنوان "المشنا"، أي الشريعة المكررة. ثمَّ دوَّنَ الراباي يهوذا -سنة 216م- زيَادَات ورِوايَات شفهيَّةً أُخرَى. وشُرِحت "المشنا" في كتاب سمي "جمارا"، ومن "المشنا" و"الجمارا" تكوَّن "التلمود"، والذي يعتبره اليهود إيضاحا وتفسيرا للتوراة التي أُنزِلَت على موسى.

في المقال القادم نذكر كيف تحول اليهود من أمة مختارة إلى جنس مغضوب عليه، وملعون على لسان أنبيائه؟ وكيف تحولت التوراة من كتاب رباني يهدي إلى كتاب مُحرَّفٍ تتخلله الأكاذيب والترهات؟

 

[1]  انظر: آية (60) من سورة البقرة.

[2]  انظر: آية (12) من سورة المائدة.

[3]  هناك جدل حول أصل التسمية بالعبرانية هل يعود لاسم رجل أم لوصف أناس عبروا من منطقة لأخرى مهاجرين، ونشأة هذه التسمية تاريخيا.

[4]  وذلك قبل أن ينسخ ذلك في شريعة الرسول محمد –صلى الله عليه وسلم.

[5]   مسلم، الرقم: 2652.

[6]   مجموع الفتاوى: ج12/520.