أصول و محكمات /

الشريعة وموانع التكليف: الشمول والسماحة. [ مقال ]

[ الخميس 2 ربيع الأول 1438 هـ ] [ 639 ]

خلق الله تعالى الإنس والجنَّ لعبادته: ((ومَا خَلَقتُ الجِنَّ والإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ)). وحيث أنه سبحانه زودهم بخصيصة الاختيار، فجعلهم مختارين بين أن يطيعوه وبين أن يعصوه، فإنَّه خاطبهم بالرسالات والشرائع ليدخلوا في عبوديته اختيارا. فإن آمنوا بالرسالة وأطاعوا أمره حققوا مراد الله تعالى الشرعي فيهم، وإن كفروا بالرسالة وعصوه خرجوا من العبودية الشرعية وإن لم يخرجوا من العبودية الكونية. ومحك التمييز بين المؤمن والكافر والطائع والعاصي الشريعة، وهي خبر وأمر ونهي.

وفي قانون الله تعالى جِنسُ الإِنسِ والجِنِّ مخاطبون بالشرع، مكلفون بالشريعة. والآيات والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة جدا. قال تعالى: ((وإِذ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابنَ مَريَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إِلَهَينِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَن أَقُولَ مَا لَيسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلتُهُ فَقَد عَلِمتَهُ تَعلَمُ مَا فِي نَفسِي ولَا أَعلَمُ مَا فِي نَفسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ * مَا قُلتُ لَهُم إِلَّا مَا أَمَرتَنِي بِهِ أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُم وكُنتُ عَلَيهِم شَهِيدًا مَّا دُمتُ فِيهِم فلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِم وأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ))، المائدة: 116- 117. وعلى هذا الأساس يتوجه الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام، جميعهم، بعبادتهم لله وحده؛ يقول سبحانه وتعالى لنبيه الكريم: ((قُل إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبرَاهِيمَ حَنِيفًا ومَا كَانَ مِن الـمُشرِكِينَ * قُل إِنَّ صَلَاتِي ونُسُكِي وَمَحيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرتُ وأَنَا أَوَّلُ الـمُسلِمِينَ * قُل أَغَيرَ اللَّهِ أَبغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيءٍ ولَا تَكسِبُ كُلُّ نَفسٍ إِلَّا عَلَيهَا ولَا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَرجِعُكُم فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم فِيهِ تَختَلِفُونَ))، الأنعام: 161- 164.

ومن تمام الشريعة وكمالها أنها راعت بعض فئات العباد وأفرادهم وبعض أحوالهم بأمرين:

  • عدم دخولهم في خطاب التكليف.
  • عذرهم في مخالفتهم للتكليف رغم كونهم مخاطبين به.

فالتكليف منوط بتوفر الشروط وانتفاء الموانع. وحيث تخلف شرط أو قام مانع عفي عن التكليف. وبعض هذه الشروط يرجع إلى المـُكَلَّفِ، وبعضُها يرجعُ إلى الفَعلِ المـُكلَّفِ به. والشروط التي ترجع إلى المـُكلَّفِ قِسمَان: شُروطٌ عَامَة، وشُروطٌ خَاصةٌ ببعضِ التكَاليف.

وأهم شروط التكليف: العِلمُ والقُدرَةِ. وحيثما انتفى أحدهما أو كليهما، انتفى التكليف، وحيث نقص من أحدهما أو كليهما نقص من التكليف. يقول ابن تيمية –رحمه الله: "التكليف مشروط بالتمكن من العلم والقدرة على الفعل"[1]؛ "وهذا عام في جميع الحقوق التي لله ولعباده، هي مشروطة بالتمكن من العلم والقدرة، والمجهول والمعجوز عنه كالمعدوم"[2].

وعلى هذا الأساس كان البُلوغُ شَرطًا في التكليف؛ فالبُلوغُ مَرحَلةٌ تَحوُّلٍ عُمُريةٍ يتَجاوزُ فيها الفَردِ سِنَّ الطُفُولةِ؛ وفيها تظهر عليه علامات النضج الجسمي والعقلي والنفسي، التي تمكنه في الوضع الطبيعي من التزاوج والتناسل وتحمل مسئوليات الحياة.

قال تعالى: ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن ضَعفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ ضَعفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ قُوَّةٍ ضَعفًا وَشَيبَةً يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ))، الروم: 54. وقال سبحانه: ((وَاللَّهُ أَخرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُم لَا تَعلَمُونَ شَيئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ والأَبصَارَ والأَفئِدَةَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ))، النحل: 78. فمرحلة الطفولة حتى سن البلوغ هي مرحلة تحول من الضعف والجهل إلى القوة والعلم.

وللبلوغ أماراتٌ يُعرَفُ بها، وهي:

الاحتلام: قال تعالى: ((وإِذَا بَلَغَ الأَطفَالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَليَستَأذِنُوا كَمَا استَأذَنَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُم آيَاتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ))، النور: 59. قال الطبري –رحمه الله: "الحُلُم يعني الاحتلام". والاحتلامُ هو خُروجُ المنيِّ مِن الذَّكرِ أو الأُنثَى -في يَقظَةٍ أو مَنامٍ. وهو مُؤشِّرٌ على نُضجِه الجِنسي، وعَلامَةٌ على صَلاحِ الفَردِ للتَّناسُل؛ ويُرافِقُه تَغيرٌ بَدَني ونَشَاطٌ هِرمُوني.

الإنبات: وهو ظُهورُ شَعرِ العَانَةِ، والذي يُحتَاجُ في إزالته إلى الحَلقِ. وقد وَردَ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما حَكَمَ سَعدُ بن مُعَاذٍ في بني قُريظَة، فحَكَمَ بقَتلِ مُقاتِلَتهم، وسَبيِّ ذَرارِيهم، أَمرَ أَن يُكشَفَ عن مؤتَزَرِهم، فمَن أَنبَتَ فهو مِن المقَاتِلةِ، ومَن لم يُنبِت فهَو مِن الذُّرية[3]. وكَتَب عُمَرُ بن الخطاب –رضي الله عنه- إلى عَامِله أن لا يَقتُلَ إلا مَن جَرَت عليه المواسي.

الحيض: وهي علامة مختصة بالأنثى: وقد جاء في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)[4]. ويضيفُ بَعضُهم عَلامَة الحمل، وإن كانت تَرجِع في حقيقتها للاحتلام والحَيضِ، فهي ليست علامة مُستَقِلةً بذاتها.

بُلوغُ سِنِّ الخامسة عشر: وذلك بالسَّنةِ القَمَرية. واستدل القائلون بهذه العلامة بحديث عبدالله بن عُمر –رضي الله عنه: عَرضَني رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أُحُدٍ في القِتالِ وأنا ابن أَربَعَ عَشَرةَ سَنةٍ فَلم يُجزني، وعَرضَني يومَ الخَندَقِ وأنَا ابن خَمسَ عَشَرةَ سَنةٍ، فأَجَازَني[5]. وقد عَمِلَ عُمرُ بن عبدالعزيز –رحمه الله- بذلك لما بلغه هذا الحديث، كما جاء في الصحيحين، وقال: إنَّ هذا الفرق بين الصغير والكبير.

أما الشَّرطَ الثَّاني في التَّكليفِ فهو العقل. ويقصد به الوعي والإدراك التام، وهو "مناط التكليف" كما يقول العلماء. فهو "شرط في التكليف والخطاب بالشرع"[6]. والعقل محل العلم ومستقر المعرفة، فلا علم بلا عقل، فهو "شرطٌ في جميع العُلومِ التي تختص بالعقلاء"[7].

والعقل غريزة يتميز بها الإنسان، ومعنى يُدرِكُ به العِلمَ، والمقصود في حديث التكليف "ما به يُمكِنُ التمييز والاستدلال على ما وراء المحسوس، ويخرجُ به صَاحِبه عن حَدِّ المعتوهين"؛ وقيل هو "آلة التمييز".

ولما كان لا يَلزَمُ مِن البُلوغِ والعَقلِ القُدرَةُ والعِلمُ شَرَطَ الشَّارعُ الحكيمُ القُدرَةَ والعِلمَ خَاصَةً في كل شخص. ويقصد بالقدرة التَّمكُّن مِن أَداءِ التَّكليفِ، وضِدُّه العَجزُ. قال تعالى: ((لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا))، البقرة: 286، وقال سبحانه: ((مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجعَلَ عَلَيكُم مِن حَرَجٍ))، المائدة: 6. ويقصد بالعِلمِ العِلمُ المنَافي للجهل بالتكليف، لقوله تعالى: ((ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً))، الإسراء: 15. فـ"ما لا يعلم بحال أولا يقدر عليه بحال هو في حقنا بمنزلة المعدوم فلا نكلف إلا بما نعلمه ونقدر عليه"[8].

وعلى أساس توفر هذين الشرطين، من عدمهما أو ضعفهما، أو عدم أحدهما أو ضعفه، يخرج كثيرٌ مِن المكلَّفين مِن التكليف. فـ"التكليف مشروط بالتمكُّن مِن العِلمِ والقُدرةِ، فلا يُكلَّفُ العَاجِزُ عن العِلم ما هو عَاجِزٌ عنه، والنَّاسي والمـُخطِئُ كذلك. لكن إذا تجدَّد له قُدرةُ على العلم صار مأمورا بطلبه، وإذا تجدد له العِلمُ صار مأمورا حينئذ باتباعِه وصارَ في هذه الحال مَذمُوما على تَركِ ما يقدِر عليه مِن طَلبِ العِلمِ الواجِبِ، وعلى تَركِ اتباع ما تبيَّن له مِن العِلم"[9].

وهناك شرط آخر للتكليف وهو أساس الديانة ألا وهو الاختيار، أي أن يكون المكلَّفُ غير مُجبَرٍ ولا مُكرَهٍ ولا مُضطَرٍ، فتصح بذلك إرادته وفِعلُه. فالمجبر على أمر، أو المكره عليه، أو المضطر له، معذورون وغير آثمين فيما يصدر عنهم في حدود ما أذن لهم في الشارع لحالتهم.

يقول تعالى في حق المكره: ((مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَن أُكرِهَ وقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ولَكِن مَن شَرَحَ بِالكُفرِ صَدرًا فَعَلَيهِم غَضَبٌ مِن اللَّهِ ولَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ))، النحل: 106. ويقول سبحانه في حق المضطَّر: ((وقَد فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيكُم إِلَّا مَا اضطُرِرتُم إِلَيهِ))، الأنعام: 119.

وهكذا نجد أن خطاب الشارع للمكلفين رغم عمومه وشموله راعى المكلفين وأحوالهم جميعا. من هنا تحدث العلماء عن موانع التكليف. أي كُلُّ ما يَمنَعُ تَوجُّهَ الخِطابِ عَقلاً أو شَرعًا للمكلف، وهذا يعني إسقاط الأمر والنهي والتأثيم والمؤاخذة. وربما خُفِفَ عن المكلف، أو كُلِّفَ ببَديلٍ عن الواجِب الذي عجز عنه، أو أُبيحَ له ما حُرِّمَ عليه قَبلُ، أو أُمِرَ بالقَضاءِ في غير وقت الوجوب، وهكذا مما يسع جميع المكلفين.

ومن الموانع المتعلقة بالعقل:

الجنون: وهو ذَهابُ العَقلِ الذي هو مَناطُ التَّكلِيف، أو فساده. والعلماء متَّفقون على أنَّ التَّكلِيفَ مَرفوعٌ عن المجنون، لقوله -صلى الله عليه وسلم: (رُفِع القَلَمُ عن ثلاثة: عن النائمِ حتَّى يستيقظَ، وعن الصَبيِّ حتَّى يحتَلم، وعن المجنُونِ حتَّى يعقِلَ)[10]. وعلى هذا فأقوال وأفعال المجنون لغوٌ لا أثر لها، ولا يؤثم على ترك الأمر وارتكاب النهي. أما إذا أَتلَفَ مَالا لغيره أو أضرَّ بالغير فإما أخذ من ماله وناب وليه عنه، وإما ضمنت عاقلته.

الإغماء: وهو فقدان الوعي وزوال الإدراك؛ وهو عَرَضٌ مرضي أشد من النوم؛ لأنَّ النائم يمكن تنبيهه فيصحى خلافا للمغمى عليه. وللإغماء أسباب مختلفة كثيرة. وقد يكون لفترة قصيرة أو طويلة. لذلك اختلف العلماء في قضاء العبادة إذا مَرَّ وقتُها على المغمى عليه وهو في هذه الحالة. فقال الشافعي: لا قضاء عليه. وقال الحنفية: إن كان طويلاً فيلحق بالجنون، ويسقط القضاء عنه؛ وإن كان قصيرًا فيلحق بالنوم، فلا يسقط به القضاء.

ويدخل في هذه العوارض: المعتوه عتها قريبا من الجنون، والمصروعُ من المسِّ الذي لا يَعقِل ما يَفعَل، والكبيرُ الخَرِفُ، وفَاقِد الذَّاكِرة، والواقع تحت تأثير التخدير الطِّبي. وقد فصَّل العلماء كثيرا في هؤلاء ومراعاة الشارع لهم. هذا خِلافًا للواجبات المالية فإنَّها تَجبُ في مالهم ويَقومُ بها عاقلتهم.

النائم: والنومُ ضِدُّ اليَقظةِ، وهو أحد أحوال الإنسان الطبيعية. وهو يمنع من الإدراك مع سلامة الحواس، ويمنع استعمال العقل مع قيامه. وقد وصفه الله تعالى في القرآن الكريم بالوفاة، فقال سبحانه: ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوتِهَا والَّتِي لَمْ تَمُت فِي مَنَامِهَا فَيُمسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيهَا الـمَوتَ ويُرسِلُ الأُخرَىٰ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ))، الزمر: 42. والنائم لا يتوجَّه إليه تكليف حَالَ نَومِه، لقوله –صلى الله عليه وسلم: (رُفِع القلم عن ثلاثة:... والنائم حتى يستيقظ)[11]، ولا يعتد بأقواله مطلقا. والواجب عليه حال استيقاظه قضاء ما فاته. لقوله –صلى الله عليه وسلم: (مَن نَسيَ صَلاةً أو نَامَ عنها، فكفَارتُها أن يُصليَّها إذا ذَكرَها)[12]. وكذلك شأن الصيام.

السُّكر: وهو زوال العقل -كليًّا أو جُزئيًّا- بمُسكِر. وقد اختلف العلماء في عَدِّ السُكرِ مِن مَوانعِ التكليف، فانقسموا إلى خمس فِرَق:

الأول: ذهب إلى أنَّ السُّكرَ ليسَ مانعًا، وأن السَّكرَان مُكلَّفٌ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَقرَبُوا الصَّلاَةَ وأَنتُم سُكَارَى حَتَّى تَعلَمُوا مَا تَقُولُونَ))، النساء: 43. ولم يعذروه لأنه أزال عقله اختيارًا، فيُعدُّ مُكلَّفًا عقوبةً له.

الثاني: ذهبوا إلى أنَّ السُّكرَ مَانِعٌ مِن التكليفِ، فالسَّكرانُ لا يُوجَّه له الخِطابُ، شَأنُه عندهم شَأنُ المجنون.

الثالث: ذهبوا للتفريق بين أقوال السَّكرانِ وأفعاله، وقالوا: هو مُكلَّفٌ بالأفعالِ دونَ الأَقوال، فيؤاخَذُ على الأفعال، ولا يُؤاخَذ على الأقوال.

الرابع: ذهبوا للتفريق بين مَن سَكِرَ قصدا، ومَن سكر مِن غَيرِ قَصدٍ، فالقاصد عندهم يؤاخَذُ خلافا لغير القاصد.

الخامس: اعتبر بحالة إدراكه، فإن ذَهَبَ عَقلُه بالكُليَّةِ امتَنعَ التَّكليفُ في حقِّه، وإلا فإنَّ وجود شيء من عقله يوجب التكليف. ولا يلزمُ مِن ذلك أن يُعذَر في حُقوقِ الآدميين، ويُعاقبُ عُقوبَةَ الصاحي غير السكران إن كان ذلك باختياره.

ومن الموانع المتعلقة بالعلم:

الجهل: وهو ضِدُّ العِلمِ. وهو أَصيلٌ في الإنسان، وبُدفعُ بالتَّعلُم. ويُعذَرُ المرءُ به في مَواضِعِ الاجتهَادِ الصَّحيحِ، ومَواضِعِ الشُّبهَةِ، وحيث لم يَبلُغه الحُكمُ الشَّرعيُّ لعَدمِ ظُهورِه أو وُصولِه إليه. ومتى فَعَل المكلَّفُ مُحرمًا جَاهِلًا بتحريمه، أو تَركَ وَاجِبًا جَاهِلًا بوجوبه، عُذِرَ، ولم يَأثَم ولا يَلزَمه قَضاؤُه إذا كان قد فَاتَ وَقتُه. والدليل أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يَأمُر المـُسيءَ في صَلاته -وكان لا يَطمِئنُ فيها- بقضَاءِ ما فَاتَ مِن الصَّلوات، وإنَّما أَمرَه بفَعلِ الصَّلاةِ الحَاضِرةِ على الوجه المشروع.‏

الخطأ: وهو قول أو فعل يَصدُر عن الإنسانِ غَيرَ قَاصِدٍ إياه بل غيره. وهو لا ينافي أهلية الأداء في الأصل، وتترتب عليه الآثار الشرعية بالنسبة لحقوق العباد؛ لأنه لا عذر فيها، لكنه قد يكون سبباً مخففاً فيها، كالدية في القتل الخطأ؛ وأما حقوق الله تعالى فإن الخطأ يعد فيها عذراً، ولا يؤاخذ الله تبارك وتعالى به. لقوله تعالى: ((لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا لَهَا مَا كَسَبَت وعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا)) قال: قَد فعلتُ![13]، وقول رسوله –عليه الصلاة والسلام: (إنَّ الله وَضَعَ عن أُمَّتي الخَطَأ، والنِّسيَان، وما استكرهوا عليه) [14].

النسيان: وهو مانع عَرَضي؛ ويقصد به ذُهوُل القَلبِ عن الشِّيءِ بعدَ العِلمِ به. لقوله تعالى: ((لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا لَهَا مَا كَسَبَت وعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا)) قال: قَد فعلتُ![15] ولا يتَرتَّبُ على أقوال وأفعال الناسي شيء، ولا يأثم عليها لأنَّ الإثم مربوط بالقصدِ والنية، والناسي لا قَصدَ له ولا نية. وإذا فَعلَ ما يَضُرُّ بالآخَرين ناسيًا تَرتَّبَ عليه الضَّمان، لأنَّ حقوق الآخرين مبنية على الشحّ والمطالبة، ولأن إيجاب الضَّمان في حقوق العباد مبني على ربط الأسباب بِمُسَبِّبَاتِهَا. والحكمة تحقيق العدل ورعاية مصالح العباد، وإلا لانتشرت الفوضى والاضطراب وتعلل المتعللون بالنسيان. ومع ذلك تسقط عنه المؤاخذة الأخروية إذا كان ناسيا فعلا. ويسقط عنه الحدُّ والتعزير إذا قام على دعوى نسيانه دليل أو قرينة، ولا يكتفي بمجرَّد دعوى النسيان.

وإذا زالَ عَارضُ النِّسيَانِ عن الشخص لَزِمَه التَّكليفُ، والقيامُ بما ذَهلَ عنه، فإنَّ كانت صلاة أداها، لقوله –صلى الله عليه وسلم: (مَن نسِيَ صلاةً فليُصَلِّ إذا ذكَرها، لا كفارةَ لها إلا ذلك)[16]؛ وإن كانت زكاة دفعها إلى مستحقيها، وإن أكل أو شرب ناسيا أتمَّ صَومَه ولم يقطعه. فالنسيان عُذرٌ في إسقاطِ الإثمِ وعَدَم المؤاخذة الأخروية، لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَن أُمَّتِيَ الخَطَأَ، والنِّسيَانَ، ومَا استُكرِهُوا عَلَيهِ)[17].

ومن الموانع المتعلقة بالقدرة:

العجز: وهو انعدام القدرة كليا أو جزئيا، عقليا أو بدنيا أو ماليا. فلا تكليف مع عجز، ولا تكليف فوق الطاقة، ولا تكليف بما يعود على القدرة بالزوال. وما عَجَزَ عنه العَبدُ مِن الواجبات سَقطَ عنه، بقدر عجزه. فإن كان العجز مؤقتا عذر بقدره، وإن كان العجز لازما دائما عذر بقدره. فلا يسقط المقدور بالمعذور.

فالعبادات والتكاليف المشروعة -إيجابا أو استحبابا- إذا عجز المرء عن بعض ما يجب فيها لم يَسقُط عنه المقدور لأجل المعجُوزِ عنه، فقد قال الله تعالى: ((فاتقوا الله ما استطعتم))، وقال النبي –صلى الله عليه وسلم: (إذا أَمرتُكم بأَمرٍ فأَتُوا مِنهُ ما استَطعتُم)[18]. ومعلوم أنَّ الصلاة -وغيرها من العبادات- لا تسقُطُ بالعَجزِ عن بَعضِ شُروطِها وأركانِها.

وهذا يشمل العجز عن الفعل أو العجز عن العلم. يقول ابن تيمية: "فَمَا عجز الإِنسَانُ عن عَلمِه واعتقَادِه، حتَّى يعتَقدَ ويَقُولَ ضِدَّه خطَأً أَو نِسيَانا، فذلك مغْفُورٌ لَهُ. كمَا قَالَ النَّبِي –صلى الله عليه وسلم: (إِذا اجتَهدَ الحَاكِمُ فَأصَابَ فَلهُ أَجرَانِ، وإِذا اجتَهدَ فَأَخطَأَ فَلهُ أَجرٌ). وهَذَا يكونُ فِيمَا هُوَ مِن بَاب القيَاسِ والنَّظَرِ بعَقلِه ورَأيه، ويكونُ فِيمَا هو مِن بَابِ النَّقلِ والخَبَرِ الَّذِي يَنَالهُ بسَمعِه وفِهمِه وعَقلِه، ويكونُ فِيمَا هو مِن بَابِ الإحسَاسِ والبَصَرِ الَّذِي يجده ويناله بِنَفسِهِ"[19].

الإكراه: وهو حَملُ المرءِ على فِعلٍ أو قَولٍ كَارِها، بحيث لو رُفِعَ عنه الإكراه لم يَفعَله أو يَقُله. وقد عَذَرَ اللهُ المـُكرَهَ فقال تعالى: ((إلا مَن أُكرِهَ وقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ))، النحل: 106، وقال النبي –صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(إنَّ اللهَ تجاوَز عن أُمَّتي الخطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهوا عليه)[20]. فمَن أُكرِه على فِعلِ مُحرَمٍ أو تَركِ وَاجِبٍ فلا شَيءَ عليه حَالَ الإكراه، إذا كان الفعل والترك في حقِّ الله، وعليه قضاؤه إذا زال الإكراه عنه، وهو معذور. أما إذا أكره على ما يتعلق بحقوق العباد؛ فالأمر فيه تفصيل، فإن أتلف أو ضيع مالا كان الضَّمانُ على المـُكرِه وليس على المـُكرَه، ويأَثمُ إن قَتَلَ أو زَنَا مُكرَها. فالإكراه لا يُسقِطُ التَّكليفَ، فالمـُكرَهُ مُخاطَبٌ بالأحكام الشَّرعية، لكنه في فُسحةٍ في بعضِ ما أبَاحَت الشَّريعةُ له دفعًا للضَّرر. لذلك فرَّقَ العُلماءُ بين الإكراه الملجئ وغير الملجئ، وجعلوا للمُكرَه ضَوابِطَ فيما يُبَاحُ له مِن قَولٍ وفِعلٍ حَالَ الإكرَاه لاعتبارات الشَّرع.

أما من هو دون البلوغ من ذكر وأنثى فهو غير مخاطب بتكاليف الشريعة على وجه الإيجاب، وفي الحديث: (رُفِع القَلمُ عن ثلاثة:.. وعن الصَّبي حتَّى يحتَلِم). وهذا خلافا للتنشئة والتربية التي لا بُدَّ منها في تأهيل الطفل لمرحلة ما بعد البلوغ. فكما أن للتنشئة أثر في تهويد الطفل أو تنصيره، أو حرفه عن فطرته إلى الشرك أو الإلحاد، فإنَّها مؤثرة في ترسيخ هذه الفطرة وتعويده على واجبات الدين والقيام بتكاليفه.

وبهذا يتأكد أنَّ الشريعة لم تغفل أحدا من الخلق في الاعتبار، ما يجعلها شريعة شاملة صالحة لكل زمان ومكان ومجتمع. فهي رحمة كلها، وعدل كلها، ومنافع كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.

 

[1] مجموع الفتاوى، لابن تيمية: ج21/634.

[2] المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام، جمعه ورتبه وطبعه على نفقته محمد بن عبدالرحمن بن قاسم، ط1/1418هـ: ج3/153.

[3] الحديث رواه أصحاب السنن، وقال: الترمذي حسن صحيح.

[4] رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. وقد صحح الحديث أحمد شاكر (انظر: المحلى: ج3/219)، والألباني (انظر: إرواء الغليل: ص196)، وابن باز (انظر: مجموع فتاوى ابن باز: ج10/409).

[5] متفق عليه؛ واللفظ لمسلم.

[6] درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية: ج9/25.

[7] النبوات، لابن تيمية: تحقيق عبدالعزيز بن صالح الطويان، أضواء السلف، الرياض، ط1/1420هـ- 2000م: ج1/540.

[8]  مجموع الفتاوى، لابن تيمية: ج28/594.

[9]  جامع الرسائل، لابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، دار العطاء، الرياض، ط1/1422هـ- 2001م: ج1/240.

[10] رواه أبو داود وغيره، وقال ابن تيمية عنه: اتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول. (مجموع الفتاوى: ج11/191). وقال الشوكاني: روي من طرق يقوي بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض. (السيل الجرار: ج1/155).

[11] سبق ذكره؛ وعنه -عليه الصلاة والسلام: (إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريطُ في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها)، رواه النسائي والترمذي وصحَّحه.

[12] صحيح مسلم، الرقم: 684.

[13] صحيح مسلم، الرقم: 126.

[14] رواه ابن ماجه والبيهقي، وابن حبان في صحيحه. وقد حسن إسناده ابن تيمية، في مجموع الفتاوى: ج10/762. وقال الشوكاني: لا يقصُر عن رُتبة الحَسَن لغيره. (فتح القدير: ج1/461). وقال الألباني: صحيح بمجموع طرقه. (تخريج مشكاة المصابيح، الرقم: 6248). وله شواهد من الكتاب والسنة تدل على صحته‏.‏

[15] صحيح مسلم، الرقم: 126.

[16] صحيح البخاري، الرقم: 597.

[17] وهذا الحديث أخرجه جماعة من الحفاظ؛ كابن ماجه وابن حبان والحاكم، ولكنه حديث ضعيف، نَصَّ الأئمة الكبار أمثال الإمام أحمد وأبي حاتم وغيرهما على أن هذا حديث ضعيف لا يثبت، وله طرق كلها ضعيفة، بينما جرى على تحسينه جماعة من المتأخرين؛ أمثال: الحافظ ابن رجب، وابن حجر وغيرهما. والحديث له شواهد تدل على معناه من القرآن ومن السنة.

[18] رواه البخاري ومسلم

[19] الاستقامة، لابن تيمية: ج1/28- 29.

[20] رواه ابن ماجه والبيهقي، وابن حبان في صحيحه. وقد حسن إسناده ابن تيمية، في مجموع الفتاوى: ج10/762. وقال الشوكاني: لا يقصُر عن رُتبة الحَسَن لغيره. (فتح القدير: ج1/461). وقال الألباني: صحيح بمجموع طرقه. (تخريج مشكاة المصابيح، الرقم: 6248). وله شواهد من الكتاب والسنة تدل على صحته‏.