رؤية في المستجدات /

مليشيات طائفية إجرامية بغطاء قانوني [ تقرير ]

[ الاثنين 28 صفر 1438 هـ ] [ 516 ]

مثَّل "الحَشد الشعبي" في العراق قوة طائفية شيعية مسلحة، غير نظامية. وهو يقوم بأدوار عسكرية وأمنية، بدعم من حكومة العبادي والفصائل الشيعية العراقية. وقد صوت مجلس النواب العراقي في 26 نوفمبر (2016م) لصالح مشروع قانون دمج "الحشد الشعبي" بالقوات العراقية المسلحة بأغلبية الحاضرين؛ ما أثار لغطا واسعا بشأن دور "الحشد الشعبي" ومستقبل العراق في ظل هذا القانون.

قانون طائفي بامتياز:

وينصُّ القانون على اعتبار "الحشد الشعبي" قوات رديفة ومساندة للقوات المسلحة العراقية الحكومية، بكيان مستقل إداريا وماليا وتنظيميا، وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة. ويخضع منتسبوه للقوانين العسكرية النافذة من جميع النواحي؛ كما يتمتعون بكافة الحقوق والامتيازات التي تكفلها القوانين العسكرية والقوانين الأخرى ذات العلاقة.

يتألف الحشد مِن أكثرِ مِن خمسين فصيلا شيعيا[1]. وتشكل على خلفية فتوى المرجع السيستاني الداعية للقتال -تحت مسمى "الجهاد الكفائي"[2]، والتي أيدتها المرجعيات الدينية في النجف. وهو يلقى دعما إيرانيا كبيرا، بالتدريب والخبرات والأسلحة، بل تشير مصادر عدة إلى وجود مقاتلين إيرانيين في صفوفه -كما هو حاصل في الساحة السورية. وتقدر الميزانية التي خصصتها الدولة العراقية لـلحشد للعام 2016م بترليون و160 مليار دينار عراقي.

ويأتي تشكيل "الحشد الشعبي" وإقرار قانون دمجه في القوات المسلحة العراقية في ظل ظروف تشهد تمددا للنزعة الطائفية والتغلغل الإيراني الواضح والصريح في المنطقة تحت غطاء دولي وأممي. ولا يمكن فصل المشهد العراقي عن مشهد اليمن وسوريا وما يجري فيهما من تدمير لمقدرات عموم السنة لصالح الأقليات الشيعية المدعومة إيرانيا.

وقد سبق أن أعطت الأمم المتحدة "الحشد الشعبي" نوع اعتراف دولي ضمني به في خطابها الرسمي، فقد جاء على لسان الممثل الخاص للأمين العام ورئيس بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق "يان كوبيش" ذكر الحشد، وهو يتحدث عن محاربة تنظيم "داعش"، حيث قال: "إن الهجمات العسكرية لقوات الأمن العراقية، بدعم حاسم من قوات الحشد الشعبي، والمتطوعين من القبائل السنية، والتحالف الدولي، لم تغير الكثير في الوضع على الأرض"[3].

كما أن الإدارة الأمريكية باتت ترعى مثل هذا التوجه دون أي اعتبار لعموم الأمة. ففي 12 مارس 2016م، قام القنصل الأمريكي "ستيف ووكر" بزيارة رسمية لجرحى الحشد بمستشفى الصدر التعليميّ بالبصرة، وأكَّد أمام الصحافة بالمستشفى: أنَّ حكومة بلاده تشيد بما قدَّمه الحشد الشعبي من جُهدٍ إلى جانب الجيش العراقي في تحرير المدن والمناطق العراقية من سيطرة تنظيم "داعش". وأضاف: بأنَّ الحكومة الأمريكية لا تضع أي فيتو على مشاركة الحشد بتحرير الموصل من "داعش"، وأن الأمر متروك للحكومة العراقيّة.[4]

وفي حين يقوم التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن بتوجيه الضربات الجوية على تنظيم "داعش" في العراق تتقدم قوات الجيش العراقي و"الحشد الشعبي" في مناطق السُّنة تحت ستار "التحرير". فمنذ تشكله في عام 2014م شارك "الحشد الشعبي" في القتال في مناطق عدة لسنة العراق، كالفلوجة، والرمادي، وبيجي، وصلاح الدين، وسامراء، وغيرها. وهو حاضر بقوة اليوم في حصار مدينة الموصل، أكبر حواضر السنة في العراق، منذ 17 أكتوبر (2016م).

وتُتَّهم قوات "الحشد الشعبي" الشيعية بأعمال إجرامية وقتل وتعذيب وتهجير ونهب وإذلال بحق السُّنة. وقد نسب هذه الأعمال معترفا بوقوعها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لميليشيات وصفها بـ"الوقحة" تعمل بمعية "الحشد الشعبي"، دون أن يسمها!

وذكرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقارير لها تعرض المناطق السُّنية إلى انتهاكات يَرقَى بعضُها إلى جرائِم حَربٍ. وأضافت أنَّ بعضَ المناطق تَعرَّضت إلى هجمات تبدو وكأنها جزءٌ مِن حملةِ تشُّنها المليشيات لتهجير السكان من المناطق السنية والمختلطة[5].

وسبق أن شهد الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "ديفيد بتريوس"، على أفعال الحسد، فقال في تصريح لصحيفة "واشنطن بوست": إن ميليشيات "الحشد الشعبي" المدعومة من إيران سوف تشكل خطرا على العراق أكثر من تنظيم "داعش" الإرهابي؛ وقال: إن هذه المليشيات "تقوم بفظاعات ضد المدنيين السُّنة"؛ مشيراً إلى ضرورة خَلقِ قُوَّاتٍ سُنيَّةٍ منَاوئَةٍ لداعش، ووَقفِ تجاوزاتِ الميليشيات الشيعية بحق المواطنين السُّنة التي تزيد مِن حدَّة التوتر الطائفي في البلاد[6]. وشدد بتريوس على خطورة الميليشيات الشيعية التي تحارب في الصفوف الأولى ضد تنظيم "داعش"، وعبَّر عن تخوفه من قيامها بعمليات تطهير طائفي، وتهجير السنة من مناطقهم[7].

كما سبق أن حذر مسئولون خليجيون من "الحشد الشعبي" باعتباره منظمة إرهابية لا تقل سوءا عن تنظيم "داعش".

وتشير كثير من الصحف العربية والعالمية والمنظمات الدولية إلى أنَّ "الحشد الشعبي" قام بعمليات نهب وإحراق الممتلكات؛ بعد دخول عدة مدن مِن قِبلِ الجيش العراقي المدعوم جوياً من الولايات المتحدة. وبذلك تظل يد القوات النظامية الرسمية مبرأة مما يرتكبه "الحشد الشعبي".

وتزخر المواقع الإلكتروني بمقاطع الفيديو والصور التي تشير إلى جرائم الحشد ووحشيته وأعمال العنف التي يرتكبها بشكل طائفي ضد السُّنة. والتوجه نحو ترسيم هذه القوات يهدف إلى تطهيرها وتحصينها قانونيا وتوفير غطاء رسمي لها يمنحها المزيد من الحضور والتأثير. وهو الأمر ذاته الذي تريد الأمم المتحدة أن تلعبه في اليمن بإبقاء قوات الحوثيين في اليمن كجزء من منظومة الجيش والأمن والمليشيات الطائفية المرسمة قانونا.

وقد دعا عددٌ مِن المسؤولين الكبار في قيادة الحرس الثوري الإيراني إلى قِيامِ حَرسٍ ثَوريٍّ شِيعِيٍّ في العراق تابعٍ عقَائِديًّا للحرس الثوري الأُم في إيران. وجاء حضور قاسم سليماني ومشاركته في إدارة معارك الحشد في تكريت والفلوجة كخطوة نحو إبراز هذا التعاون والتواصل. وتسعى إيران إلى تكريس عزلة العراق عن محيطه العربي والإقليمي لصالح نفوذها فيه، وهو ما باتت تحققه حكومة العبادي على أرض الواقع.

وقال وزير العدل اللبناني في حكومة تصريف الأعمال أشرف ريفي مستنكرا تصويتَ مجلس النواب العراقي على مشروع القانون: إن القانون يؤكد أن الأطماع الإيرانية في العالم العربي لا تقف عند حدّ، وهي تهدد وحدة العراق وعروبته. مضيفا في تغريدة له: أنَّ إيران تعمّم النموذج نفسه بالعراق وسوريا ولبنان واليمن بأدوات مختلفة. واختتم قائلًا: "المواجهة مع المشروع الإيراني مسؤولية لبنانية وعربية لا مكانَ فيها للتردد والحسابات الصغيرة".

موقف سنة العراق:

وقال رئيس مجلس النواب سليم الجبوري إن قانون الحشد الشعبي لا يعني إعفاء مرتكبي الانتهاكات من العقاب. وأكد الجبوري -خلال مؤتمر صحفي عقب التصويت- على ضرورة إقرار "تمثيل نسبي" للقوات بناء على المحافظات العراقية. في حين أعلن تحالف القوى العراقية -أكبر كتلة سنية في البرلمان العراقي- أن إنشاء هيئات عسكرية وأمنية جديدة موازية لأجهزة الدولة هو إجهاض لمشروع الدولة، وأن القانون "طعن لمبدأ الشراكة". وهدد بالطعن عليه أمام القضاء، وسط تأكيدات قانونية بمخالفته الدستور العراقي.

وقال رئيس التحالف أحمد المساري -في مؤتمر صحفي: إن كتلته سبق أن طالبت التحالف الوطني -أكبر كتلة شيعية برلمانية- بضرورة التريث قبل التصويت على القانون لحين حصول توافق وطني، "حتى لا يترك انطباعا بأن القانون يشرع مبدأ الأمر الواقع".

وكان نواب سنة قد طالبوا قبيل انسحابهم من جلسة التصويت بتعديلات عدة على القانون، على رأسها تخصيص 40% من مقاتلي الحشد للعشائر السنية؛ كما طالبوا بضرورة التريث في إصدار القانون إلى حين التوافق حوله.

من جهته، قال أسامة النجيفي نائب الرئيس العراقي إن القانون سيطعن فيه، معلنا رفضه ‫"التسوية السياسية" التي قدمها التحالف الشيعي جملة وتفصيلا.

أما مستشار المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية يحيى الكبيسي فاعتبر أن القانون "ضربة قاضية لفكرة الدولة داخل العراق". مستبعدا أن تتمكن المحكمة الاتحادية من تغيير الواقع لأنها "مسيسة"، مشيرا إلى أن القانون بمثابة "فرض هوية أحادية في العراق".

من جهتها أصدرت الأمانة العامة لعلماء المسلمين بالعراق بيانا بخصوص إقرار القانون، وقالت: إن القانون يفتح بابًا جديدًا من أبواب الشر الكثيرة المشرعة على العراق وأهله والمنطقة. وأفاد البيان أن القانون لم يأت بجديد من حيث واقع ما يقوم به الحشد من استهداف للعراق والعراقيين بذريعة "محاربة الإرهاب"، وإيغاله في اتباع السياسات الطائفية الحاقدة وانتهاج الطرق الاستئصالية، وانتهاكاته لحقوق الإنسان الموثقة محليًا ودوليًا، ومن حيث كونه استنساخًا فجًّا لتجربة إيرانية سيئة الصيت، وامتدادًا لمنظومة الحرس الثوري، وأداة حكومية مكملة لمهامها الطائفية العابرة للحدود.

وعدد البيان المخاطر السياسية والقانونية والعسكرية والإنسانية المترتبة على القانون. فبدل أن يعمل على إحداث التوازن في الجيش وجعله من جميع المكونات العراقية؛ تم زيادة الطين بلة بإنشاء تكوين رديف تطغى عليه الطائفية بشكل مطلق.

وأشار البيان أن واقع التجارب السابقة يثبت بلا شك أن كل المسميات الأخرى من خارج "الحشد" هي لمجرد إضفاء الصفة الوطنية عليه مثل: (الحشد العشائري) أو (الحشد الوطني)، وأنه لا يختلف كثيرا عن جهاز مكافحة الإرهاب الذي أضحى جهازًا طائفيًا بامتياز، مع ارتهان قراره لجهة خارجية.

وهاجم البيان من يسمون بـ"ممثلي المكون السني" واصفا إياهم بأنَّهم "مجرد لوازم تكميلية لتأطير الصورة فحسب ومنحها الشرعية، وأنه يمكن الاستغناء عنهم إذا ما اقتضت الحاجة". وبحسب البيان فإنَّ القانون أعطى ميليشيا الحشد صفة رسمية وغطاءًا قانونيًا، يمكنه من التحرك خارج العراق تحت غطاء تشكيل حكومي رسمي، لخدمة أهداف لا تتفق بالضرورة مع مصالح العراق.[8]

واعتبر علماء المسلمون في العراق هذا القانون الرصاصة الأخيرة للإجهاز على المؤسسة العسكرية العراقية التي نخرتها الميليشيات منذ تأسيسها، ولاستبدال الأمن العسكري والوقائي بالأمن الميليشياوي؛ استعدادًا لمرحلة ما بعد معركة الموصل.

ومن الطبيعي أن يعبر سُنَّةُ العراقِ عن تخوفهم وهم المستهدفون بهذه المليشيات بعد أن أقصوا عن الجيش تحت ستار هيكلة القوات المسلحة، وعزلوا من مناصبهم ووظائفهم تحت شعار مكافحة "حزب البعث"، وألصقت بهم تهمة "الإرهاب" لمقاومتهم الجيش الأمريكي، وباتت مناطقهم هدفا للمواجهات الشاملة بـتآمر محلي وإقليمي ودولي.

إن تجربة استصناع حرس ثوري على غرار الحرس الثوري الإيراني في العراق وسوريا يتم على قدم وساق، ومن خلال وتيرة متسارعة ومخطط مدروس. مع بقاء هذه القوة ضاربة وممسكة بالقانون، أو متمردة ومعطلة له كما في الحالة اللبنانية، لا يمكن لأي عمل سياسي أن يقاوم تغول المليشيات الطائفية في الدولة والحياة العامة.

إن تحويل "الحشد الشيعي" إلى كيان قانوني -أيا كانت صفته- بمثابة شرعنة للطائفية المسلحة، وهنا تلتقي المصلحة الإيرانية والأمريكية في العراق على عزل السنة وتهميشهم بعصى غليظة لا يمكن الخروج عن طولها! بل يجعل من العراق جسر عبور للتمدد الإيراني من طهران إلى دمشق وبيروت، محاصرا تركيا شمالا والخليج جنوبا.

وما تزال الأمة تتطلع إلى مواقف عملية قوية توقف هذا الإجرام وهذا التغول الصفوي الإيراني في المنطقة قبل فوات الأوان.

 

[1] موزعين على عدة مكونات، من أهمها: منظمة بدر، والتيار الصدري، وحزب الدعوة، والمجلس الإسلامي الأعلى، وحزب الله العراقي، والمرجعيات الشيعية المختلفة.

[2] فتوى أطلقها المرجع الشيعي الأعلى في العراق، في 10 يونيو 2014م، للتطوع من أجل القتال مع قوات حكومة نوري المالكي ضد من وصفتهم بالإرهابيين والدواعش. يذكر أن السيستاني من مواليد مدينة ارشاد بإيران، في عام 1930م، وأصبح أعلى مرجع ديني شيعي في العراق في عام 1992م.

[3] موقع مركز أنباء الأمم المتحدة على الإنترنت باللغة العربية، في 22/7/2015م:

http://www.un.org/arabic/news/story.asp?NewsID=24095&Kw1=عراق&Kw2=&Kw3=#.VbPp_vmqqko

[4] انظر: ووكر لجرحى الحشد الشعبي: الولايات المتحدة تقدر جهودكم، موقع قناة الحرة، في 12/3/2016م:

http://www.alhurra.com/content/iraq-american-/297923.html

زيارة غير مسبوقة للقنصل الأمريكي بالبصرة لجرحى الحشد، موقع الجزيرة، في 14/3/2016م:

http://www.aljazeera.net/news/arabic/2016/3/14/

[5] العراق: المليشيات تُصعّد من انتهاكات قد يرقى بعضها إلى جرائم الحرب. اطلع عليه بتاريخ 2015-03-04.

[6] بتريوس: الحشد الشعبي أخطر من داعش بالعراق، سكاي نيوز عربية، في 20/3/2015م.

[7] جنرال أمريكي: ميليشيات إيران أخطر من داعش، العربية نت، في 21/3/2015م.

[8] قال المتحدث الرسمي باسم هيئة الحشد الشعبي أحمد الأسدي – خلال مؤتمر صحفي في بغداد، في 29/10/2016م: إن قواته تعتزم عبور الحدود إلى سوريا للقتال مع قوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد بعد طرد مقاتلي تنظيم الدولة من العراق. ورجح مستشار الأمن الوطني في الحكومة العراقية رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض دخول قوات بلاده الأراضي السورية بعد تحرير الموصل، عازيا السبب في ذلك إلى ملاحقة عناصر تنظيم الدولة. (انظر: الجزيرة نت، في 29/10/2016م).