أصول و محكمات /

العلامة السعدي والاهتمام بالـأدلة العقلية في التوحيد [ مقال ]

[ السبت 26 صفر 1438 هـ ] [ 708 ]

عاش الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي –حمه الله- في حقبة الحرب الباردة من القرن العشرين، والتي اتسمت بالصراع الأيديولوجي بين الغرب الليبرالي والشرق الشيوعي. وكان الفكر الشيوعي الإلحادي قد امتدَّ إلى الوطن العربي وبلغ الجزيرة العربية. وقد عاش الشيخ السعدي في الفترة: 1307ه - 1376ه؛ وهي فترة قيام أحزاب وأنظمة إلحادية في العالم العربي والإسلامي، وانتشار أفكارها وثقافتها في الشباب والعامة عموما. وحيث أن الشيخ اهتم بقضايا عصره الذي عاش فقد دفعه ذلك للحديث عن الأدلة العقلية على وحدانية الله وكماله، وتعزيز البراهين التي يتقوى بها إيمان المؤمن، ويزداد يقينهُ معها، وتمكِّنَه مِن مواجهة ما يطرحه الملحدون والمتشككون في الله تعالى، ممن بدأوا يتأثرون بأطروحات الغرب والشرق.

وقد ألقى الشيخ محاضرة قيمة بعنوان "البراهين العقلية على وحدانية الرب ووجوه كماله"[1]؛ مؤكدا على أنَّ هذه المسألةَ أَعظمُ المسائل على الإطلاق، وأكبرُها وأوجبُها وأنفعُها وأوضحُها، وعليها اتفقت جميعُ الكتُبِ المنزَلَةِ مِن الله على رُسلِه، وجميعُ الرُّسلِ؛ وأنها أهمُّ ما دعا إليه الرُّسل. ففي حين دعا الرسل أقوامهم لعبادة الله وحده: ((اعبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِن إِلَهٍ غَيرُهُ))، الأعراف: 59، ذكروا لهم من أسماء الرَّبِّ وأوصافه ونِعَمه وآلائه وألطافه ما به يعرفون ربهم ويخضعون له ويعبدونه. والقرآنُ العظيم من أوله إلى آخره يبين هذه المسألة ويذكر لها البراهينَ المتنوعة، ويصرِّف لها الآيات؛ وكذلك الأحاديثُ النبوية.

ولم يخصص الشيخ المحا  ضرة لذكر الأدلة النقلية على هذه المسألة؛ لأنَّ الكتابَ والسُّنَّةَ فيهما من البراهين والأدلة على ذلك ما لا يُعدُّ ولا يُحصى، ولا يمكن استيفاء بعضه، وهي واضحة جلية؛ يعرفها الخواص والعوام، وبعض ذلك كافٍ وافٍ بالمقصود –كما يقول. لكنه أشار إشارةً يسيرةً إلى براهينها العقلية التي يشترك في معرفتها والخضوعِ لها جميعُ العُقلاءِ مِن البَشر، ولا يُنكِرُها إلا كُلُّ مُكابِرٍ مُستكبر، مُنابذٍ للعقل والدين.

لقد انطلق الشيخ في بداية حديثه عن الأدلة من أنَّ الموجودات ترتبط بوجودها في العقل بثلاث فرضيات:

الأولى: "أن تُوجَدَ هذه المخلوقاتُ والحوادثُ بنفسِها من غَيرِ مُحدِثٍ ولا خَالِقٍ، فهذا محالٌ ممتنعٌ؛ يجزم العقل ضرورة ببطلانه، ويعلم يقيناً أنَّ مَن ظنَّ ذلك فهو إلى الجنون أقربُ مِنه إلى العقل، لأنَّ كُلَّ مَن له عَقلٌ يَعرِفُ أنَّه لا يمكن أن يوجَد شيءٌ مِن غَيرِ مُوجِدٍ ولا مُحدِثٍ".

الثانية: "أن تكون هذه المخلوقات مُحدِثةَ وخَالِقةَ نَفسِها؛ فهذا أيضاً مُحالٌ مُمتنعٌ؛ يجزمُ العَقلُ ضَرورةً ببُطلانه وامتناعه، فكُلُّ مَن له أدنى عَقلٌ يجزمُ أنَّ الشيءَ لا يُحدِثُ نفسَه، كما أنَّه لا يَحدُثُ بلا مُحدِثٍ، وإذا بَطُلَ هذانِ القِسمانِ عَقلاً وفِطرةً.." تعيَّنَت الفرضية الثالثة.

الثالثة: "أنَّ هذه المخلوقات والحوادث لها خَالِقٌ خَلقَها، ومُحدِثٌ أحدَثَها".

هذه الفرضيات الثلاث نبَّه القرآن الكريم عليها فقال تعالى: ((أَم خُلِقُوا مِن غَيرِ شَيءٍ أَم هُمُ الخَالِقُونَ * أَم خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ والأَرضَ بَل لاَ يُوقِنُونَ))، الطور: 35- 36.

ويؤكد الشيخ هذه القاعدة العقلية: المخلوقُ لا بُدَّ له مِن خَالِق، والمحدَثُ لا بُدَّ له مِن مُحدِث، والموجَدُ لا بُدَّ له مِن مُوجِد، والمصنوعُ لا بُدَّ له مِن صَانِع، والمفعول لا بُدَّ له مِن فاعِل. فهذه قضايا بديهية عقلية، يشترك في العلم بها جميعُ العقلاء، وهي من أعظم القضايا العقلية، فمن ارتاب فيها أو شكَّ في دلالتها فقد برهن على اختلالِ عقله وضلاله.

ثم يتناول الشيخ في محاضرته أَدِلَةَ التَّفكُّرِ في خَلقِ الإنسانِ والأكوان، وكيف أنَّ النَّظرَ السَّديدَ يوصلُ إلى الاعترافِ بقُدرَة الله وعَظَمته ووَحدَانيته. فالعالم مصنوع بحكمة دقيقة وقدرة تامة وسنن مطردة، ما ينفي أن يحصُلَ ذلك صُدفةً واتفاقاً من غير مُحدِثٍ وفَاعِلٍ، فالتدبيرُ محكَمٌ والصِّنعَةُ مُتقَنةٌ: ((صُنعَ اللَّهِ الَّذِي أَتقَنَ كُلَّ شَيءٍ))، النمل: 88، والمخلوقات مهدية إلى مصالحها ومنافعها وضروراتها التي لا بُدَّ منها لبقائها، ثم إنَّ أرزاقها وأقواتها مُيسَّرةٌ لها. وقد نبَّه الله لذلك بقوله: ((قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعطَى كُلَّ شَيءٍ خَلقَهُ ثُمَّ هَدَى))، طه: 50.

ومن الأدلة العقلية تأمل رحمة الله العامة ونعمه المبثوثة لعباده في أنفسهم وفي الآفاق من حولهم، والشعور بها في عالم المادة والروح، فهي تشير إلى خالق منعم متفضل: ((ومَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فمِن اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُم الضُّرُّ فَإِلَيهِ تَجأَرُونَ))، النحل: 53.

كما أنَّ لجوءَ العِبَادِ بفِطرَتهم حالَ اضطرارهم وبؤسهم، وفَقرِهـم المدقِـع، ومَرضِهم الموجع، وهمِّهم المفجِع، إلى ربِّهم وإلـهِهم داعين وسائلين ومرتجين، فيجيبُ دعواتِهم ويَكشِفُ كُربَاتِهم ويَرفَعُ ضُرورَاتِهم، دليل على وجود من يعلم حالهم ويسمع دعاءهم ويلبي رجاءهم: ((أَفَمَن يَخلُقُ كمَن لَا يَخلُقُ))، النحل: 17.

يقول الشيخ السعدي: "هذا النوع -وهو تخليص المضطرين- قد شاهدته الخَلِيقةُ بأَعيُنِهم، ورَأَوا مِن الوقَائِعِ ما لا يُعدُّ ولا يُحصَى، وهذا يضطرُّهم إلى الاعترافِ بالله وبوحدانيته".. ف"قلوبهم مُتعلِّقةٌ بالله، وأَلسِنتُهم مُلحِّةٌ في سُؤالِه، وأَفئدتُهم مُتشرِّفةٌ لنواله؛ لا تَلتَفِت عن اللهِ يَمنةً ولا يَسرةً؛ لعِلمِها الضَّروريِّ أنَّه وَحدَه كَاشِفُ الشَّدائدِ فَارِجُ الكُروبِ؛ لا مَلجَأَ للخَليقةِ إلا إليه؛ ولا مُعوَّلَ لهم إلا عليه".

ويسوق–رحمه الله- معجزات الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- من الآيات والخوارق والبراهين وحسن العاقبة في إطار الأدلة العقلية. "وهذا متواترٌ معروفٌ بين الخواص والعوام، وقد نقلَتها الأُممُ والقُرونُ والأَجيالُ، وصَارَت أَعظمَ مِن بُرهانِ الشَّمسِ والقَمرِ، وهي كلها براهينُ على ربوبية من أرسلهم، ووحدانيته، وعظمة سلطانه، وكمال قدرته، وسعة علمه وحكمته، وما ينكرها إلا كل متكبر جبار".

ويجعل الشيخ الكُتبَ السَّماويةَ والسُّنّةَ النَّبويَّةَ، وما فيها مِن الشَّرائعِ، أَدِلَّةً عَقليَّةً: فـ"فيها مِن الآياتِ والبَرَاهين مَا لا يُعبِّرُ عنه المعبِّرون، ولا يَقدِرُ أن يَصِفَه الواصِفُون"؛ "فمَن نَظرَ فيما احتوى عليه القُرآنُ العظيمُ مِن الأَخبَارِ الصَّادقَةِ، والأَحكَامِ العَادِلةِ، والشَّرائعِ المحكمةِ، والصَّلاحِ العَامِ، وجلبِ المنافِعِ الدِّينيةِ والدُّنيويةِ، ودَفعِ مَضارِهما، والخيرِ العَظيمِ والهدايةِ والصَّلاحِ المطلَقِ الكَامِلِ: اضطر إلى الاعتراف بأنه تنزيلٌ مِن حَكيمٍ حميدٍ، وربٍّ كريمٍ".

ومن الأدلة التي ساقها الشيخ "الفطرة السوية" فهي على اختلاف البشر "مضطرةٌ إلى الاعتراف بباريها، وكمالِ قدرته ونفوذ مشيئته"، "ولم يخرج عن هذي الفطرة إلا من اجتالتهم الشياطين، وحوَّلتَ فِطَرَهم، وغيّرتها بالعقائدِ الفاسدة، والخيالاتِ الضالة، والآراءِ الخبيثة، والنظرياتِ الخاطئة. فلو خُلُّوا وفِطرَهم لم يمِيلُوا لغَيرِ ربِّهم، منيبين إليه في جَلبِ المنافِعِ ودَفعِ المضَارِ، ومنيبين إليه في التألُّه والتعبُّد والخضوع والانكسار".

ومعظم الديانات تتجه لإثبات الربوبية وتتقدم للأرباب بالتأله والعبودية؛ والإلحاد والتشكك المطلق طارئ على البشرية، ولا يمثل في تاريخها حجما يذكر. فتواطؤ البشر على هذه المعاني مع اختلاف أعراقهم ولغاتهم وبلدانهم ومذاهبهم وإن اختلفوا في تفاصيلها دليل على ثبوت الأصل، وهو وجود الخالق وقدرته المطلقة في النفع والضر.

هذا الاتفاق شبه المطبق بين أجيال البشرية دليل عقلي على أنَّ هناك فطرة داخلية تناديهم لهذا الأمر، يجدونه ضرورة فيهم. وهو الشاهد الذي استدل به السعدي –رحمه الله.

ثم تطرق الشيخ لدليل المآلات القريب من ثواب المحسنين المعَجَّل، وعقاب الظالمين المعَجَّل. وهذا الأمر الملحوظ في سنن الحياة بين الناس نموذجٌ للعدل الأخروي الذي تكلمت عنه الرسالات ونبهم إليه، فبشرت المحسنين وحذرت المسيئين. فإذا كان الكونُ يقُومُ على العَدلِ، والعَدلُ صِفَةٌ للأحيَاءِ القَادِرين العَالِمين "فإنَّ كُلَّ ما دلَّ على شيءٍ مِن أَوصَافِه وأَفعَالِه؛ فإنَّه يتضَمَّنُ إثباتَ ذاتِه ووجوبَ وجُودِه".

والطرق العقلية كما يذكر الشيخ السعدي –رحمه الله- واسعة غير منحصرة: "وكلٌّ يعبِّرُ عنها بعبَاراتٍ إمَّا كُليَّة وإمَّا جُزئيَّة؛ بحسب الحال التي تحضُرُه، وبحسَبِ الأُمورِ التي تَغلُبُ عليه. وإلا فكُلُّ ما خَطَر في القلوب، وشاهدته الأَبصَارُ، وأدركَته الحواسُ والمشَاعِرُ، وكلُّ متحركٍ وساكنٍ، وكلُّ حيوانٍ وجماد: أدلةٌ وبراهينُ على وحدانية الله، وآيات عليه:

وفي كلِّ شيء له آيةٌ              تَدُلُّ على أنَّه واحِدُ".

ويضيف الشيخ: "ولكن الجزئيات تَسبِقُ إلى الأَذهَان، وتَفهَمُها القُلوبُ تَفصِيلياً، ويحصُلُ بها النفعُ والفَائِدةُ العَاجِلةُ؛ لسهولتها وبساطتها، وكونها تدرك بالبَديهَةِ". ثم ذهب يذكر أمثلةً لها، ويسرد حكاياتٍ عن المتقدمين والمعاصرين، ليفَهم منها كل قارِئٍ ما يناسِبَه ويليق بفهمه.

كما ذكر الشيخ الذوق الوجداني الذي يجده العارفون في حلاوة الطاعات ومرارة المعاصي؛ و"انتظام الأسباب على وتيرة واحدة"، "فإنَّه تعالى أَجرَى الأُمورَ على أسبابها ومسبَّباتها قدراً وشرعاً؛ ليُعرف بذلك حكمتُه البالغة، ولينشط العاملون على أعمالهم التي ربطها الله بمسبِّباتها، وأجراها على سنته، ثم إنه مع ذلك منع بعضَ الأسبابِ عن ترتب آثارها عليها، كما في معجزات الأنبياء الخارقة للعادة، وكرامات الأولياء".

ومِن الأَدلةِ العقلِيَّةِ التي أَشارَ لها الشيخ أيضا:

صدق إخبَارِ اللهِ ورَسُولِه -صلى الله عليه وسلم- عن أُمورٍ مِن الغَيبِ: الماضية والمعاصرة لزمن المخاطبين والمستقبلية؛ وقد وقعت موافقةٍ مطابقةٍ لما أَخبَر اللهُ به ورَسولُه، وهي غير محصورة في أنواعها فضلاً عن أفرادها، وتَستحقُّ أن يُصرَفَ لها تصنيفٌ مُستَقِلٌ؛ ولم يأتِ خبرٌ واحِدٌ صَحيحٌ منها يُناقِضُ الواقعَ ويخالف المحسوسَ. كما أنها لم تأتِ بما تُحِيلُه العُقولُ، وربما أَتَت بما تحَارُ فيه العُقولُ ولا تهتدي إليه. ولم يَأتِ عِلمٌ صحيحٌ أو نَظريَّةٌ صَادِقةٌ مُتفَقٌ عليها بين العُقلاءِ تُناقِضُ ما ثَبَت عن الرَّسولِ -صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى: ((وتَمَّت كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدقًا وعَدلاً))، صدقاً في إخبارها، وعدلاً في أحكامها وشرائعها.

إحكام الشريعة واتفاق أحكامها، فهي في غاية الحسن والانتظام، ولا يُمكِنُ البَشَرَ أَن يقتَرِحُوا مِثلَها في الحُسنِ، وموافقتِها لكُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، ومُجاراتِها لجميعِ الأَحوالِ، وجَريانِها على الهُدى والرُّشدِ والسَّدادِ والصَّلاحِ، لا تناقضَ فيها ولا اختلاف، ولا عبث ولا نقص ولا اختلال. وكلما أمعن فيها العالِمُ البصيرُ عَلِم أنها أَحسنُ الأَحكامِ وأَصلَحُها في عباداتها ومُعامَلاتها، وتَفصِيلها للحقوق الخاصة والعامة، قال تعالى: ((أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ ولَو كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلاَفًا كثيرا))، النساء: 82. فالاستدلال بكمال الشريعة وموافقتها للعقل من أعظم الأدلة. فإنَّ الشريعة ما أمرت بشيء فقال العقل: ليتها لم تأمر به، ولا نهت عن شيء فقال العقل: ليتها أمرت به. وهذا بالنظر العقلي للشريعة وأحكامها وقوانينها.

تحدِّي اللهِ تعالى لجميعِ الإنسِ والجِنِّ أن يَأتُوا بمثلِ هذا القرآن، وإخبارُه أنَّهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثله، ورغم أنَّ التحدي قائمٌ في كُلِّ وَقتٍ فإنَّ عَجزَ الخَلقِ ظَاهرٌ ومُستَمِر، مع تَوفُّرِ دَواعي الأَعدَاءِ وحِرصِهم الشَّديدِ على ردِّ ما جاء به الرسول، والقَدحِ في رسالته.

الآثار الجليلة المترتبة على رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّه بُعِثَ في أُمَّةٍ أُميَّةٍ، والأَرضُ مملوءَةٌ مِن الجهلِ والشِّركِ والشُّرورِ المتَفاقِمةِ، فهَداهم الله به مِن الضَّلالةِ، وعَلَّمَهم به بعد الجَهَالةِ، واستقامَت أخلاقُهم، وصَلُحَت أَعمَالهم، وامتلأت الأرض من الخير والهدى والصلاح، وانتشرت الرَّحمةُ والعَدلُ، وأَظهرَ الله دينه على سائر الأديان، وانتشر وقبلته القلوب المستقيمة في جميع الأقطار، وزهق به كل باطل ومحال.

حال الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- وما كانوا عليه من الكمالات، وما لهم مِن الصفات والخصائص، وما ظهر لهم من الآيات والمعجزات التي لم يستطع مخالفوهم الإتيان بمثلها.

وليس عند المنكِر لذلك مـا يدفع هـذا العلـمَ اليقينيَّ والطريقَ البرهانيَّ، إلا عدمُ علمه بذلك؛ لفساد إدراكه، واشتغاله بالعقائد الفاسدة، وإعراضه عن طلب الهدى. ومن المعلوم المتفق عليه بين العقلاء: أن عدمَ العلم بالشيء ليس من الشُّبَه في شيء، فضلاً عن أن يكون برهاناً يدفع أقوى البراهين وأجلها وأصدقها من العالِمين الموقنين؛ الذين هم أعظم الخلق علوماً، وأبلغهم يقيناً، وأصدقهم وأبرَّهم عقولاً وأصفاهم أفئدة.

إن جهود الشيخ –رحمه الله- في التنبيه على خطورة الإلحاد ورد شبهاته كثيرة، وقد دون في تفسيره تأملاته في هذه القضايا فقال -عند قوله تعالى: ((ولَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لا يَعلَمُونَ))، في سورة الروم: "وهؤَلاء الذين لا يعلمون، أي: لا يعلمون بَواطِنَ الأَشياءِ وعَواقَبَها، وإنما ((يَعلَمُونَ ظَاهِرًا مِن الحَيَاةِ الدُّنيَا)) فينظرون إلى الأسبَابِ ويَجزِمُون بوُقُوعِ الأَمرِ الذي في رأَيهم انعَقَدت أَسبَابُ وُجُودِه ويتَيَقَّنُون عَدَمَ الأَمرِ الذي لم يُشَاهِدوا له مِن الأَسبَابِ المقتَضِيَةِ لوُجُودِه شَيئًا، فَهُم واقِفُون مع الأَسبَابِ غَيرَ نَاظِرين إلى مُسبِّبها المتَصرِّفِ فيها. ((وهُم عَن الآخِرَةِ هُم غَافِلُونَ)) قد توجَّهَت قُلُوبُهم وأَهوَاؤُهم وإرَادَاتُهم إلى الدُّنيا وشَهواتِها وحُطَامِها، فعَمِلَت لها وَسَعت، وأَقبَلَت بها وأَدبَرَت، وغَفَلَت عَن الآخِرةِ، فلا الجنَّةُ تَشتَاقُ إليها، ولا النَّارُ تَخافُها وتَخشَاها، ولا المقَامُ بين يَدي اللهِ ولِقَاؤُه يُروِّعُها ويُزعِجُها. وهذا عَلامَةُ الشَّقَاءِ وعِنوانُ الغَفلَةِ عن الآخِرَةِ". ثم يقول: "ومِن العَجبِ أنَّ هذا القِسمَ مِن النَّاسِ قد بَلغَت بكَثيرٍ مِنهم الفِطنَةُ والذَّكَاءُ في ظَاهِرِ الدُّنيا إلى أَمرٍ يُحيرُ العُقولَ ويُدهِشُ الأَلبَابَ. وأَظهَروا مِن العَجائِب الذَّريَّةِ والكَهرَبائِيَّةِ والمرَاكِبِ البَريَّةِ والبَحريَّةِ والهوَائِيَّةِ ما فَاقُوا به وبَرزُوا، وأُعجِبُوا بعُقولهم، ورَأوا غَيرَهم عَاجِزًا عمَّا أَقدَرَهم الله عليه، فنَظرُوا إليهم بعَينِ الاحتِقَارِ والازدِرَاءِ، وهم مع ذلك أَبلَدُ النَّاسِ في أَمرِ دِينِهم، وأَشدُّهم غَفلَةً عن آخِرَتهم، وأَقلُّهم مَعرِفَةً بالعَواقِبِ. قد رَآهم أَهلُ البَصَائِرِ النَّافِذَةِ في جَهلِهم يتَخبَّطُون، وفي ضَلالِهم يَعمَهُون، وفي بَاطِلِهم يتردَّدُون، نَسُوا الله فأنسَاهم أَنفُسَهم أولئك هم الفَاسِقون؛ ثم نظروا إلى ما أَعطَاهم اللهُ وأَقدَرَهم عليه مِن الأَفكَارِ الدَّقِيقَةِ في الدُّنيا وظَاهِرها وما حُرِمُوا مِن العَقلِ العَالي فعَرَفُوا أنَّ الأَمرَ للهِ والحُكمَ له في عِبادِه، وإن هُو إلا تَوفِيقُه وخُذلانُه، فخافوا ربَّهم وسَألُوه أن يُتمَّ لهم ما وَهبَهم مِن نُورِ العُقولِ والإيمَانِ حتَّى يَصلِوا إليه، ويَحِلًّوا بساحته. وهذه الأُمورُ لو قارنها الإِيمانُ وبُنيَت عليه لأَثمرَت الرُّقِيَّ العَالي والحياةَ الطَّيبةِ، ولكِنَّها لما بُنيَّ كُثيرٌ مِنها على الإلحاد لم تُثمِر إلا هُبوطَ الأَخلاقِ وأَسبَابَ الفَناءِ والتَّدميرِ"[2].

وفي الختام فإنَّ تجديد الخطاب والاستشهاد بالأدلة العقلية دور العلماء في كلِّ عصر بحسب الحاجة وما يطرأ على الناس من شبهات وظنون. وهو منهج متبع لدى العلماء في مخاطبة كل جيل بلغة عصره. وهو ما يظهر في محاضرة الشيخ السعدي رحمه الله، والتي نفع الله بها.

 

[1] ألقيت المحاضرة في 20 جمادى الآخرة 1370ه، وحققها باسل بن سعود الرشود، وقدم لها الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل، وطبعتها دار ابن الجوزي، ط1/1429ه.

[2] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: ج1/636.