النهضة و التغيير /

مصالح العباد بين الفقيه والشريعة [ مقال ]

[ الخميس 24 صفر 1438 هـ ] [ 353 ]

عقد ابن القيم –رحمه الله، في سفره القيم (إعلام الموقعين عن رب العالمين)، فصلا خاصا بتَغيُّرِ الفتوى واختلافها، "بحسب تَغيُّرِ الأَزمنَةِ والأَمكنَةِ والأَحوالِ والنيَّاتِ والعَوائِدِ". وربط ذلك بكون "الشَّريعَةِ مَبنِيَّة على مَصَالحِ العبَاد". فإن من طبيعة صلاح القانون للمجتمعات أن يواكب تغيراتها في ظل الأحوال والظروف والملابسات المتبدلة، فلا يجمد على حال دون حال أو ظرف دون آخر. هذه الخاصية التي منحتها الشريعة للفتوى والمفتي لتكييف الأحكام الشريعة في ضوء الواقع هي ما جعل صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان لا يتوقف. فإذا ما جهل الفقهاء وحملة الشريعة هذا الدور وهذه الوظيفة ولم يأخذوا بهذا الحيز من يسر الدين ومرونته أوقعوا الناس في ضنك دنيوي وحرج ديني، وربما ألجأوهم إلى الحيل أو دفعوهم لمناهضة حكم الشريعة والخروج عليها.

خصائص الشريعة:

عندما تناول ابن القيم هذا الموضوع أشار إلى خصائص الشريعة التي تمتاز بها باعتبارها شريعة إلهية، للانطلاق من هذه الخصائص في فهم دور الفقيه التشريعي من خلال الفتوى. فقد قال: "فإنَّ الشَّريعةَ مَبنَاها وأَسَاسَها على الحِكَمِ ومَصَالحِ العِبَادِ في المعَاشِ والمعَادِ، وهي عَدلٌ كُلُّها، ورَحمَةٌ كُلُّها، ومَصَالحُ كُلُّها، وحِكمَةٌ كُلُّها. فكُلُّ مَسأَلَةٍ خَرَجَت عن العَدلِ إلى الجَورِ، وعن الرَّحمَةِ إلى ضِدِّها، وعَن المصلَحَةِ إلى المفسَدَةِ، وعن الحِكمَةِ إلى العَبَثِ؛ فلَيسَت مِن الشَّريعَةِ وإن أُدخِلَت فيها بالتَّأويل. فالشَّريعَةُ عَدلُ اللهِ بَينَ عِبادِه، ورَحمَتُه بَينَ خَلقِه، وظِلُّه في أَرضِه، وحِكمَتُه الدَّالةُ عليه وعلى صِدقِ رَسُولِه –صلى الله عليه وسلم، أَتمَّ دَلالَةٍ وأَصدَقَها، وهي نُورُه الذي به أَبصَر المبصِرون، وهُدَاه الذي به اهتدى المهتَدُون، وشِفَاؤُه التَّامُ الذي به دواءُ كُلِّ عَلِيلٍ، وطَريقُه المستَقيمُ الذي مَن استقام عليه فقَد استَقَام على سَواءِ السَّبيلِ"[1].

وقد وقع بسبب الجهل بهذه الخصائص "غَلَطٌ عَظيمٌ على الشَّريعَةِ، أَوجَبَ مِن الحَرجِ والمشَقَّةِ وتَكلِيفِ ما لا سَبيلَ إليه مَا يُعلَمُ أنَّ الشَّريعَةَ البَاهِرةَ التي في أَعلَى رُتَبِ المصَالحِ لا تَأتي به". فهي الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها. فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.[2]

إن الشريعة في منظورها التأصيلي والتقعيدي تتناول الأحكام في بعدين: بعد ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان، وهو ما يسمى في العلوم الإنسانية بـ"النظرية"، وبعد متغير يراعي تغير الزمان والمكان، وهو ما يسمى بـ"التطبيق". و"الفقه تنزيل المشروع على الواقع"[3]، بمعنى أنه الجانب التطبيقي من معرفة الأحكام النظرية. فالأحكام النظرية عادة يدركها كُلُّ مَن يَقرَأُ نصوصَ الكِتابِ والسُّنةِ، فهو قَدرٌ مُشتَركٌ بين الجميعِ تَقومُ به الحُجَّةُ على الخَلقِ في أَصلِ الأَمر.

وهذا التطبيق يحتاج إلى إدرَاكِ خصَائِصِ الشَّريعةِ وعدم الخروج عليها، لأنه بالضرورة خروج عن الشريعة نفسها.

دور الفقيه:

في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي، عن زيد بن ثابت –رضي الله عنه، أنَّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: (نضَّرَ اللهُ امرأً سمِعَ مِنَّا حديثًا فحفِظَهُ حتَّى يُبَلِّغَه غيرَهُ، فرُبَّ حامِلِ فِقهٍ إلى مَن هو أفقَهُ مِنه، ورُبَّ حامِلِ فِقهٍ ليس بفَقيهٍ)، أشار المصطفى –عليه الصلاة والسلام- أنَّ مَعرِفةَ النَّصوصِ وحِفظَها لا يَلزمُ مِنه فِقهُ حَامِلِها.

فالنصوص تشير إلى كليات الأحكام، وإنزالها على الوقائع والأحداث يحتاج إلى فِقهٍ في الأَمَاراتِ ودَلائِلِ الحَالِ وحَقَائِقِ الأُمورِ على ما هي عليه، لإسقاط تلك الأحكام عليها؛ فـ"للحُكمِ الشَّرعيِّ تَعَلُقٌ بالاسمِ الدَّالِ على الوَاقِعِ"[4].

وإذا جَهِلَ الفَقيهُ الأَحكامَ الكُليَّةَ أو الحَالَ والوَاقِعَ ضَيَّعَ الحقُوقَ وانتَهكَ الحُدودَ. والفتوى سِلاحُ الفَقيه، وهو نَاطِقٌ عن الشَّريعةِ، ومُوقِّعٌ عن ربِّ العالمين، فإن أَخطَأَ نُسِبَ خَطَأُه للشَّرعِ فكان وَاجِبًا عليه التَّحرُّزُ مِن مسَالكِ الغَلطِ ومهَاوي الشَّطَط. فإنَّ أمارات الحُكمِ الموافِقِ للشَّريعةِ مُوافقَةُ مَعانيها ومَقاصِدها وخَصائِصها؛ وذلك بأن يُحقِّقَ العَدلَ والاعتدال، والرَّحمَة والمنفَعةَ، ويُراعي القُدرةَ والحالَ والوَاقِع والمآل. "ومَن له ذَوقٌ في الشَّريعةِ، واطِّلاعٌ على كَمَالِها وعَدلِها وسِعتِها ومَصلَحتِها، وأنَّ الخَلقَ لا صَلاحَ لهم بِدُونها البتة، عَلِمَ أنَّ السِّياسَةَ العَادِلةَ جُزءٌ مِن أجزائها، وفَرعٌ مِن فُروعِها، وأنَّ مَن أحَاطَ عِلمًا بمقاصِدِها ووضعِها لم يحتج معها إلى سياسَةٍ غيرِها البتة".[5]

وموطن التنزيل وتفعيل الشريعة على واقع الناس "مَوضِعُ مَزلَّةِ أقدامٍ، ومَضلَّةِ أفهَامٍ، وهو مَقامُ ضَنكٍ في مُعتَركٍ صَعبٍ، فَرَطَ فيه طَائفةُ فعَطلوا الحُدودَ وضَيعُوا الحقوق، وجَرأُوا أَهلَ الفُجورِ على الفَسادِ، وجعَلوا الشَّريعةَ قَاصِرةً لا تَقومُ بمصَالحِ العِبادِ"،.. "والذي أَوجَبَ لهم ذلك نَوعُ تَقصِيرٍ في مَعرِفةِ حَقيقَةِ الشَّريعةِ والتَّطبيقِ بين الواقع وبينها"[6].

فساد الفقه فساد المجتمع:

هذا القصور في الفقه عند التنزيل يوقع الناس في حرج وضيق، ويدفع العامة إلى البحث عن مخارج أخرى لما وقعوا فيه، إمَّا حيلٌ يحتالون بها وإمَّا قوانين وعوائد يخترعها لهم ولاة الأمر من حكام أو زعماء. كما أنَّ الحُكامَ -أَنفُسهم- قد يدخلون على الناس قوانين محدثة نظرا لأخطاء الفقهاء. "فتولَّدَ مِن تقصِيرِ أولئك في الشَّريعَةِ وإحداثِ هؤلاءِ ما أَحدثُوه مِن أوضاعِ سياستهم شَرٌ طَويلٌ وفَسَادٌ عَريضٌ، وتَفاقَم الأَمرُ، وتعذَّرَ استدراكه"[7].

إنَّ صَلاحَ أَحوالِ المسلمينَ يَبدَأُ مِن صَلاحِ قوانينهم، وصَلاحُ قوانينِهم مِن صَلاحِ شِرعَتِهم، وصَلاحُ شِرعَتِهم مِن صَلاحِ فقَهَائهم. فإذا وُجِدَ الفقيهُ المتمكِّنُ مِن الشريعةِ عِلمًا وفِقهًا، والمتحركُ بها اجتهادا وإصلاحا وتجديدا، فإنه سَيمُدًّ مِن ظِلالِ الشَّريعةِ الوَارِفةِ ليَعمَّ بها أَهلَ الإسلام، ليشعروا بحسنها وجمالها ونفعها وصلاحها وعلوها ومواكبتها لحياتهم وعصرهم.

في المقابل فَسَادُ الفَقيهِ فَسادٌ للمُجتَمع؛ فإنَّ الفقيهَ الجَاهِلَ بحقيقةِ الشَّريعةِ وخصَائِصها ومَقاصِدها ربما أرَادَ نفعًا فأَضرَّ. وهذا يعني ضَرورةَ إعدَادِ الفقيه إعدادا يُناسِبُ العَصر، ويُواكِبُ مُستجَداتِ الظُّروفِ والأَحوالِ والملابسَات، بما يمكنه مِن إنزَالِ أَحكامِ الشَّريعةِ عليها كما هي في واقعها. "فيعطي الواقع حكمه من الواجب"[8].

من هنا نعلم مدى اهتمام الرسول –صلى الله عليه وسلم- بتربية أصحابه –رضي الله عنهم- على ملكة الفقه الشرعي الذي يؤهلهم بالمضي بهذا الدين في حركة دؤوبة تستوعب الشعوب والبيئات والثقافات والأجيال والأزمنة. وهي تربية جديرة بالعناية بها وإفرادها بمؤلفات خاصة تفتح الآفاق لمناهج التعليم لصياغة الفقيه المسلم.

 

[1] إعلام الموقعين عن رب العالمين: ج3/11- 12.

[2] انظر: المرجع السابق.

[3] زاد المعاد: ج5/422.

[4] مجموع الفتاوى، لابن تيمية: ج19/241.

[5] بدائع الفوائد، لابن القيم: ج3/117- 118.

[6] انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم: ج4/283- 285.

[7] انظر: المرجع السابق.

[8] بدائع الفوائد، لابن القيم: ج3/117.