رؤية في المستجدات /

تنبهوا.. قبل أن يسكتوا الأقصى ومساجد القدس عن الأذان! [ تقرير ]

[ السبت 19 صفر 1438 هـ ] [ 535 ]

الأذان الذي يرفع خمس مرات في اليوم لتذكير المسلم بربه سبحانه، ويدعوه للاتصال به كي ينال الفلاح والفوز، ويخرجه من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة في بيوت الله تعالى العامرة بالذكر، والذي يمثل شعيرة من أبرز شعائر بلاد المسلمين الدينية، بات مهددا في فلسطين المحتلة. فقد أقرَّت اللجنة الوزارية الإسرائيلية الخاصة بالتشريعات –في 11 نوفمبر 2016م- مشروع قانون يمنع رفع الأذان عبر مكبرات الصوت في مساجد القدس، والمناطق القريبة من المستوطنات، وداخل الخط الأخضر، وذلك تمهيدا لعرضه على الكنيست لمناقشته والمصادقة عليه. ويحظى المشروع بتأييد رئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو"، والائتلاف الحكومي الإسرائيلي.

قانون عنصري:

بناء على نصِّ القانون سيتم تحديد معدلات مكبرات الصوت في "مختلف بيوت العبادة لجميع الديانات" في إسرائيل، علما بأن المساجد هي الوحيدة في فلسطين التي تستخدم مكبرات الصوت لرفع الأذان. وبطبيعة الحال هي المستهدف بشكل خاص من القانون؛ وذلك لإضعاف وجودها وتأثير نداءاتها، ومن ثمَّ تقليص دورها في المجتمع.

ويمنح القانون -حال إقراره- الشرطة الإسرائيلية صلاحية استدعاء مؤذنين واتخاذ إجراءات جنائية بحقهم، وفرض غرامات مالية عليهم. وهو ما يعني تهديد مؤذني المساجد وإرغامهم على الأذان داخل المسجد، وإخفاء هذه الشعيرة التعبدية.

وقد علل القانون الحظر بكون الأذان "يُزعِجُ المواطنين الإسرائيليين، ويُسبِّبُ أذَى بيئيا! ويَضرُّ بمستوى المعيشة! وجاء في القانون أن "مئات الآلاف من اليهود القاطنين قرب التجمعات السكنية العربية يعانون -بشكل يومي وغير اعتيادي- من الضوضاء الشديدة الناتجة عن رفع الأذان عدة مرات خلال الليلة وفي ساعات الصباح الباكرة"!

ويأتي مشروع القانون - ضمن خطة ممنهجة لإكمال تهويد القدس، وكُلِّ فِلسطين. وهذه ليست المحاولة الأولى من نوعها فيما يتعلق بحظر الأذان، فقد سبقت محاولات أخرى.

ففي 26 سبتمبر 2006م منعت شرطة عكا المساجد في حي "وولفسون"، الذي تبلغ نسبة السكان العرب فيه أكثر من 90%، من رفع الأذان؛ لكنها عادت وتراجعت عن قرارها، واشترطت لإعادة رفع الأذان ألا تسبق ذلك تلاوة لآيات القرآن الكريم عبر مكبرات الصوت، وألا يرفع الأذان مساء أيام الجمعة مراعاة لدخول عطلة السبت لدى اليهود. وهو ما وافق عليه سكان الحي.

وفي 13 ديسمبر 2011م تحدثت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية عن مشروع قانون يقضي بتضييق الخناق على المساجد التي تستخدم مكبرات الصوت في رفع الأذان، وأنه تسبب في انقسام مجلس الوزراء الإسرائيلي برئاسة "بنيامين نتنياهو".

وفي 29 أكتوبر 2014م قرَّر حزب "إسرائيل بيتنا" تقديم مشروع قانون يمنح وزير الداخلية صلاحية توقيع مرسوم يمنع فيه استخدام مكبرات الصوت في كُلِّ مكان يُعتَبَرُ "بيتا للصلاة"؛ والمقصود بذلك هو تخويل السلطات الحقَّ في الأَمرِ بـ"إسكات الأذان". لكن القانون جُمِّدَ بسبب حَلِّ الكنيست الإسرائيلي –في حينه.

وفي 26 نوفمبر 2015م قدَّم النائب البرلماني عن حزب "البيت اليهودي" "بتسلئيل سموتريتش" مشروع قانون يسمح بصدور قرارات أمنية بإغلاق "أيِّ مكانٍ يثبُتُ أنَّه صَدَر مِنه تحرِيضٌ" للقيام بعمليات مُسلَّحةٍ ضِدَّ اليهود "بما في ذلك المساجد"، لأنَّه -حسب زعمه- لا يوجد نَصٌّ في القانون "ضِدَّ الأماكن التي يمارس فيها هذا التحريض". وقد حصل المشروع على توقيعات أعضاء في الكنيست من "حزب سموتريتش" وحزبي "الليكود" و"كُلُّنا إسرائيل".

وفي 6 مارس 2016م أجَّلَت اللجنة الوزارية لشؤون التشريعات في الحكومة الإسرائيلية مناقشة مشروعِ قانونٍ تقدَّمَ به عضو الكنيست "مردخاي يوجيف"، عن حزب "البيت اليهودي" المشارك في الائتلاف الحكومي. ويحظر المشروع -وهو عبارة عن تعديل للمشروع الذي قدمه الحزب قبل سنوات- رفع الأذان بواسطة مكبرات الصوت في نحو 500 مسجد، خاصة في ساعات الليل والفجر، بذريعة "إزعاج مئات الآلاف من اليهود والحفاظ على جودة البيئة".

استنكار داخلي وصمت عربي وإسلامي:

في ظروف المنطقة يواجه الفلسطينيون هذا التهديد الصهيوني في ظل صمت عربي وإسلامي؛ فلم تتجاوز ردود الأفعال موجة استنكار واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي ربطت بين قرار السلطات الصهيونية مع ذكرى احراق المسجد الأقصى؛ واعتبرت الخطوة تهويدا للمدينة هدفه سلب معالمها الإسلامية، تمهيداً لإقامة الهيكل المزعوم.

وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي مقطع "فيديو" لأهالي مدينة القدس وهم يصدحون بالأذان مِن على أسطح منازلهم ردا على هذا التوجه، في صورة من صور التعاطف الشعبي. فقد رَفَضَ أئمةُ ومُؤذنو مَساجَدِ القُدسِ والدَّاخلِ الفلسطيني الالتزام بمقتضيات القرار.

وخرجت تظاهرات في مدن وقرى داخل الخط الأخضر ضد قانون منع الأذان؛ ورفع المتظاهرون لافتات تندد بالقانون، وترفع شعارات من أبرزها: "قانون عنصري"، "لن نوقف الأذان"، "أذان بلال لن يسكته الاحتلال".

من جهتهم انتقد البرلمانيون العرب والأحزاب العربية -داخل إسرائيل- القرار بشدة، باعتباره خطوة عنصرية غير قانونية، تستهدف المساجد بشكل خاص. ورأت قيادات دينية -في الداخل الفلسطيني- في المصادقة على منع رفع الأذان انفلاتا خطيرا وانتهاكا لحرية العبادة للمسلمين، واعتداء على الديانة الإسلامية، وإعلان حرب دينية من قبل نتنياهو.

كما أكد الدكتور أحمد الطيبي -عضو الكنيست الإسرائيلي- رفضه القاطع لهذا القرار، ودعا الكنيست الإسرائيلي إلى وقف أشكال العنصرية التي يمارسها بحق الفلسطينيين. وقام الطيبي باعتلاء منصة الكنيست ورفع الأذان مباشرةً عبر سماعات الصوت داخل الكنيست. وكذلك فعل النائب العربي طالب أبو عرار، حيث رفع أذان المغرب في جلسة يوم الاثنين. وذكرت تقارير إعلامية أن كنائس في مدينة الناصرة الفلسطينية داخل الخط الأخضر رفعت الآذان رفضا لمشروع القرار.

وحذرت وزارة الشؤون الإسلامية في الأردن من أي إقرار إسرائيلي يطال الأماكن المقدسة في القدس، بما في ذلك رفع الآذان في المسجد الأقصى، معتبرة أن أي عمل في هذا الصدد "باطل ولا يؤخذ به".

ودان مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبداللطيف دريان قرار السلطات الإسرائيلية منع الأذان عبر مكبرات الصوت بالمساجد في مدينة القدس والأحياء العربية بحجة إزعاج اليهود؛ باعتباره قرارا "يمسُّ الشعائِرَ الدينيةَ الإسلامية، ويُشكِّلُ عدواناً جديداً على المسلمين في فلسطين المحتلة مِن قبل العدو الإسرائيلي الذي تجاوز جميع الشرائع السماوية والقوانين الدولية في قراراته الإجرامية". ودعا المفتي المجتمع الدولي والعالمين العربي والإسلامي إلى التحرك السريع لردع هذا القرار الجائر، والضغط على إسرائيل للتراجع عن قرارها المتطرف والعنصري؛ وطالب خطباء وأئمة المساجد بتخصيص خطبة الجمعة حول هذا الموضوع بالإدانة والتضامن مع المسلمين في فلسطين المحتلة.

خلافا لذلك لم يصدر عن الجامعة العربية والدول الأعضاء، أو منظمة التعاون الإسلامي والدول الأعضاء، أي تحرك يذكر في هذا الشأن. علما بأنَّ القضية الفلسطينية مثلت في عقود سابقة محورا لشعارات الأنظمة العربية والإسلامية التي تقف اليوم عاجزة أو مراقبة لهذا التهديد الديني للمسلمين في ظل الاحتلال الصهيوني.

يهود مع الأذان:

من لطف الله تعالى وعجيب أقداره أن يمانع هذا القرار يهود من داخل الكيان الإسرائيلي المحتل، فليس كل اليهود مؤيدين ومباركين لهذا المشروع، وإن كان موقف الرفض يختلف في منطلقاته بين معارضي المشروع.

فقد انتقد معهد "ديمقراطية إسرائيل" -غير حزبي- مشروع القرار، واتهم سياسيين من التيار اليميني الإسرائيلي باستخدام هذه القضية بشكل خطر لتحقيق مكاسب سياسية تحت غطاء تحسين جودة حياة المواطنين.

وكتبت نسرين حداد الحج يحيى -في صحيفة معاريف- تقول" إن "الهدف الحقيقي" لمسودة القرار "ليس منع الضجيج ولكن خلق ضجيج سيؤذي المجتمع بأكمله، كما سيؤذي مساعي خلق واقع عاقل بين العرب واليهود".

وعرقل وزير يهودي -متشدد- مناقشة مشروع القانون في الكنيست الإسرائيلي، وذلك لخوفه من إمكان أن يؤدي هذا القانون إلى حظر الصفارات التي تعلن بدء السبت اليهودي.

وطعن وزير الصحة "يعكوف ليتسمان"، العضو في حزب "التوراة اليهودية الموحدة"، بقرار اللجنة الوزارية التي صادقت على هذا المقترح وأحالته إلى الكنيست لإقراره. ونقل عن ليتسمان قوله -في رسالة الطعن: إن "التقليد اليهودي استخدم منذ آلاف السنوات أدوات مختلفة، بما في ذلك الشوفار (قرن كبش ينفخ فيه) والبوق"، للإعلان عن بدء السبت (يوم العطلة الأسبوعية المقدس لدى اليهود). وأضاف أنه "مع التطور التكنولوجي تم استخدام مكبرات الصوت للإعلان عن بدء السبت، وذلك بمستويات للصوت يجيزها القانون"؛ معتبرا أنَّ اقتراح القانون ينتهك "الحق في ممارسة المعتقد"، كما يخالف الوضع القائم في إسرائيل بين السلطات الدينية وأجهزة الدولة، منذ قيام الدولة العبرية في 1948م.

وكأي قانون يُقرُّ لا بُدَّ للكنيست من أن يصوت على هذا النص التشريعي في ثالث قراءة له، غير أنَّ طعن الوزير ليتسمان حال دون القراءة الأولى للمشروع، ما دفع بإعادة النص إلى اللجنة الوزارية.

إنَّ هذا الرفض اليهودي هو ما يعيق حتى الوقت الراهن تمرير المشروع الذي يتهدد هذه الشعيرة الإسلامية، رغم الصمت العربي والإسلامي.

عودة القدس كقضية مركزية:

إن القدس المحتلة تعود مجددا في محور أحداث المنطقة؛ وما يجري في المنطقة ليس بعيدا عمَّا يراد للقدس وفلسطين. فإنَّ من طبيعة اليهود أن يستثمروا الأحداث لتمرير مخططاتهم الإجرامية في إطار الفوضى التي تصنعها تلك الأحداث.

وفي حين يقف الفلسطينيون مجردين من أي قوة مادية إلا أنهم يتسلحون بإيمانهم وعزيمتهم وثباتهم ويقفون قدر استطاعتهم ضد عوامل التهويد التي تجري في فلسطين على المستويات المختلفة؛ السياسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية والدينية. وهم جديرون بأن يناصروا ويساندوا ويدعموا للوقوف أمام هذا الطغيان الصهيوني الغاشم.

إن هذا القرار بحسب أحمد عطون -النائب في المجلس التشريعي، المبعد عن مدينة القدس- بمثابة "شنِّ حَربٍ على الإسلام، عبر هذا السلوك الذي يتناقض مع كل المواثيق والأعراف والشرائع السماوية والأرضية، التي تجيز حرية التعبد وممارسة شعائره لكل الديانات"؛ وهو "رسالة واضحة لقيادات وشعوب العالم الإسلامي أن الاحتلال يريد أن يحسم هوية هذه البلاد من وجهة نظره كدولة يهودية بعاصمة يهودية".

إنَّ الاحتلال الصهيوني بهذا القرار يعتدي على كل المسلمين على وجه الأرض، كونه يعتدي على شعيرة من شعائرهم الدينية على أرضهم الإسلامية؛ والمطلوب اليوم أن تتحرك جميع الدول العربية والإسلامية حكومات وشعوبا في حيز الفعل والمقاومة بكل الأشكال المتاحة على الأرض، ومساندة الشعب الفلسطيني من أجل تحرير القدس واستعادة الأراضي الإسلامية من الاحتلال.