أصول و محكمات /

فاحشة أعظم من الزنا! (2/ 2) [ مقال ]

[ الثلاثاء 15 صفر 1438 هـ ] [ 438 ]

ذكرنا أن الزِّنا فاحشة عظيمة، وأنَّ الله تعالى قرنها بالشرك وقَتلِ النَّفسِ التي حرَّم الله، وأنَّ هذا الانحراف يأتي في إطار الانجذاب الفطري بين الجنسين: الذكر والأنثى. وذكرنا أنَّ ما وراءَ هذه المعصية مِن شُذوذٍ إنما هو خُروجٌ عن الفِطرةِ والطَّبيعةِ والشَّرائعِ التي أَجمعَت –جميعُها- على حُرمَته. ولم تُعاقَب أُمَّةٌ مِن الأُمم على مَعصيةٍ بعُقوبَاتٍ مُتعدِّدةٍ كما عُوقِبَ قَومُ لُوطٍ –عليه الصلاة والسلام- على شذوذِهم. وهنا نتناول حرمة هذه الفاحشة، وأثر هذه الجريمة النكراء والفاحشة الجامعة للرذائل في مرتكبها، وعقوبتها.

تحريم الشذوذ:

تحريم الشذوذ الجنسي ثابت بالقرآن الكريم، وبالسُّنة الصحيحة، وبالإجماع.

أما القرآن، فقد وصف الله تعالى كُلَّ خُروجٍ عَن العَلاقةِ الشَّرعيةِ بين الجنسين عُدوانًا، فقال سبحانه: ((والَّذِينَ هُم لِفُرُوجِهِم حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزوَاجِهِم أَو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم فَإِنَّهُم غَيرُ مَلُومِينَ * فمَنِ ابتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُونَ))[1]. وهو ما ينطبق مع وصف لوط –عليه الصلاة والسلام- لقومه: ((أَتَأتُونَ الذّكرَانَ مِن العَالَمِينَ * وتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُم رَبّكُم مِن أَزوَاجِكُم بَل أَنتُم قَومٌ عَادُونَ))[2].

أمَّا السُّنة الصحيحة، فقد جاء في سنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، عن عبدالله بن عباس –رضي الله عنهما: (مَن وَجدتمُوه يَعمَل عَمَل قَومِ لُوطٍ فاقتُلُوا الفَاعِل والمفعُول به)، وهو في مسند الإمام أحمد[3]. وعنه أيضا، أنَّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: (لَعَن اللهُ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَومِ لُوطٍ، لَعَنَ اللهُ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَومِ لُوطٍ، لَعَنَ اللهُ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَومِ لُوطٍ)[4].

وقد جاء في الحديث المتفق عليه، عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أنَّ النَّبي –صلى الله عليه وسلم- قال: (إنَّ اللهَ يغَارُ، وغَيرةُ اللهِ أن يَأتِي المؤمِنُ مَا حَرَّمَ اللهُ عليه).

كما أجمع العلماء على حرمة فاحشة الشذوذ. وقد حكى الإجماع على تحريم اللواط ابن قدامة في (المـُغني)[5]. قال ابن تيمية –رحمه الله: "بل هم [أي: العلماء] متفقون على تحريم ذلك، ولكن كثيرا من الأشياء يتفقون على تحريمها ويتنازعون في إقامة الحدِّ على فاعلها"[6].

آثار الشذوذ:

للمعاصي عموما آثارها السلبية على الفرد وعلى المجتمع، وخاصة فاحشة الزِّنا التي تمس عرضه وشرفه. فإنَّ من طبيعة الاستمرار فيها أن تضر بجسد الممارس وبصحته، وبنفسيته، وبدينه وأخلاقه. وقد قيل: المعاصي بريد الكُفر.

والشذوذ أكثر ضررا. وإنَّ أعظم ما يصيب الشاذ جنسيا انطماسُ البَصيرَة، وتَغلُّب الشَّهوة، وفَقدُ الدِّيانَةِ، وذَهابُ الحياء. واللواط من أشنع الجرائم وأقبحها وأقذرها، وكل من ابتلي به فوقع فيها، وأدام عليها باختياره، أَدمَنها حتى لا يستطيع عنها انفكاكا. وهذا ما شكا منه السابقون على مَرِّ تاريخ هذه الجريمة، ويشكوا منه السائلون في الوقت المعاصر ممن تلبس بهذه الفاحشة.

ومن آثار هذه الفاحشة كما يذكر العلماء: موتُ الرُّوحِ، وفَسادُ القَلبِ، وظُلمَةُ العَقلِ، والبُعدُ عن الطَّاعةِ، والانشغالُ بالمعصِيةِ، واستمراءُ المنكَراتِ الأُخرَى، واستحسانُ القبيح، وتَركُ الطَّيبِ، وتغلُّبُ القَلَقِ، ووُقُوعُ الوَحشَةِ مع النَّاس، والشُّعورُ بالذِّلةِ نتيجةَ ما يلحقه من مَذمَّةٍ واستقباح، وتُورِثُ أَمراضَ البَدنَ وأدوائه، كما هو معلوم في العصر الحديث[7]. وفي الحديث: (لم تَظهَرِ الفَاحِشةُ في قَومٍ قَطُّ حتَّى يُعلِنوا بِها إلَّا فَشَا فيهم الطَّاعونُ والأوجاعُ الَّتي لم تَكُن مَضَت في أسلافِهِمُ الَّذينَ مَضوا)[8].

ومؤدى هذه الفاحشة إعراض الرجال عن النساء واكتفائهم بأمثالهم، وانصراف النساء عن الرجال وإقبالهن على السِّحاق. فيقع المجتمع كاملا ضحية الشذوذ لزاما. وهو ما جرى لقوم لوط؛ فقد أعرضوا عن نسائهم ورغبوا عنهن. وهذا الفساد مؤذن بانقطاع النسل المراد لبقاء النوع.

ومن سوء هذا الفعل "تلطخ الإنسان بالعَذِرةِ مِن الدُّبرِ، مِن أَخبَثِ الخَبائِثِ. ولا يميل إلى ذلك في الذكور والإناث إلا النفوس الخبيثة خَسيسةِ الطَّبعِ، بهيمِيَّةِ الأَخلاقِ"[9]. وقد حرم الشارع على الزوج جماع زوجته التي تحل له حال الحيض والنفاس رعاية للطهارة، فقال تعالى: ((ويَسأَلُونَكَ عَن الـمَحِيضِ قُل هُوَ أَذًى فَاعتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الـمَحِيضِ ولَا تَقرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطهُرنَ فَإِذَا تَطَهَّرنَ فَأتُوهُنَّ مِن حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويُحِبُّ الـمُتَطَهِّرِينَ))، البقرة: 222.

عقوبة الشذوذ الجنسي:

في إطار الحديث العقوبة الإلهية، ينبغي التفريق بين عقوبة الله تعالى الكونية –الدنيوية والأخروية، والتي تَنالُ كُلَّ مَن خَالفَ أمرَه، وأَتَى محارِمَه، وتعدَّى حدودَه، والتي لا تتخلف عن الأفراد والجماعات؛ وبين عُقوبَةِ اللهِ تعالى المقرَّرةِ شَرعًا والموكُولِ إلى ولاةِ الأَمرِ إيقاعها على مَن ولو عليه، والتي تعتمد على الثبوت والقدرة والسلطان.

وفي الشذوذ الجنسي يلتفتُ البعضُ إلى العقوبة الشرعية، ويغُضُ الطَّرفَ عن العقوبةِ الإلهية الكونية، الدنيوية والأخروية، رغم كونها الأعظم ولا مفرَّ منها! وهنا يتضح مدى اهتمام علماء الإسلام بالوعظ والتذكير والتشنيع على هذه الفواحش، وبيان مدى قبحها وضررها ومفاسدها، كتوجيه للنفس الإنسانية على النظر للمسألة بالبصيرة الإيمانية لا البصر المادي.

وهنا يأتي الحديث عن الخلاف الفقهي الوارد في مسألة عقوبة الشاذ جنسيا، خاصة (اللوطي)، كجانب نظري إجرائي، لا يعني بأي حال من الأحوال هوان هذه الفاحشة وهذا الجرم. وقد فصَّل ابن القيم -رحمه الله- القول في المسألة، وهو يناقش "عُقُوبَةُ اللِّوَاطِ". وقال: "وقدِ اختَلَفَ النَّاسُ: هَل هو أَغلَظُ عُقُوبَةً مِن الزِّنَى أَوِ الزِّنَى أَغلَظُ عُقُوبَةً مِنهُ، أَو عُقُوبَتُهُمَا سَوَاءٌ، على ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ"، وهي:

(1) "أَنَّ عُقُوبَتَهُ أَغْلَظُ مِن عُقُوبَةِ الزِّنَى، وعُقُوبَتُهُ القَتلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، مُحصَنًا كَانَ أَو غَيرَ مُحصَنٍ"، وقد ذهب لهذا "أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ وخَالِدُ بنُ الوَلِيدِ وعَبدُاللَّهِ بنُ الزُّبَيرِ وعَبدُاللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ وخَالِدُ بنُ زَيدٍ وعَبدُاللَّهِ بنُ مَعمَرٍ والزُّهْرِيُّ ورَبِيعَةُ بنُ أَبِي عَبدِالرَّحْمنِ ومَالِكٌ وإِسحَاقُ بنُ رَاهَوَيهِ والإِمَامُ أَحمَدُ -في أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ عَنهُ- والشَّافِعِيُّ -في أَحَدِ قَولَيهِ". وهو بحسب ما ذكر قول "جُمهُورُ الأُمَّةِ، وحَكَاهُ غَيرُ وَاحِدٍ إِجمَاعًا لِلصَّحَابَةِ".

(2) "أَنَّ عُقُوبَتَهُ وعُقُوبَةَ الزَّانِي سَوَاءٌ"، وقد ذهب لهذا "عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ والحَسَنُ البَصريُّ وسَعِيدُ بنُ الـمُسَيَّبِ وإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وقتَادَةُ والأَوزَاعِيُّ والشَّافِعِيُّ -في ظَاهِرِ مَذهَبِهِ- والإِمَامُ أَحمَدُ -في الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنهُ- وأَبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ".

(3) "أَنَّ عُقُوبَتَهُ دُونَ عُقُوبَةِ الزَّانِي، وهِيَ التَّعزِيرُ"، وذَهَبَ لهذا "الحَاكِمُ وأَبُو حَنِيفَةَ".

وما ذهب إليه الجمهور أخذ بالاعتبارات الأدلة التالية بحسب ما حكى ابن القيم عنهم:

أنَّه "لَيسَ فِي الـمَعَاصِي أَعظَمُ مَفسَدَةً مِن هَذِهِ الـمَفسَدَةِ، وهِي تَلِي مَفسَدَةَ الكُفرِ، ورُبَّمَا كَانَت أَعظَمَ مِن مَفسَدَةِ القَتلِ". وأنَّ عقوبةَ الله لقَومِ لوطٍ: "لَم يُعَاقِب بِهَا أَحَدًا غَيرَهُم، وجَمَعَ عَلَيهِم مِن أَنوَاعِ العُقُوبَاتِ"، و"نَكَّلَ بِهِم نَكَالًا لَم يُنَكِّلهُ أُمَّةً سِوَاهُم؛ وذَلِكَ لِعِظَمِ مَفسَدَةِ هَذِهِ الجَرِيمَةِ". وأَنَّ اللَّهَ سُبحَانَهُ "حَتَّمَ قَتلَ اللُّوطِيِّ حَدًّا، كَمَا أَجمَعَ عَلَيهِ أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم، ودَلَّت عَلَيهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ الصَّرِيحَةُ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا؛ بَل عَلَيهَا عَمَلُ أَصحَابِهِ وخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ –رضي الله عنهم". و"أَطبَقَ أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- على قَتْلِهِ، لَم يَختَلِف مِنهُم فِيهِ رَجُلَانِ؛ وَإِنَّمَا اختَلَفَت أَقوَالُهُم فِي صِفَةِ قَتلِهِ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ اختِلَافًا مِنهُم فِي قَتلِهِ فحَكَاهَا مَسأَلَة نِزَاعٍ بَينَ الصَّحَابَةِ، وهِي بَينَهُم مَسأَلَةُ إِجمَاعٍ لَا مَسأَلَةُ نِزَاعٍ".[10]

إنَّ التحريمَ الشرعيَّ مُرتَبِطٌ بالمنَع، وكُلَّما كانت الجَريمَةُ أكبرَ وضَررُها أَعظَم كان التَّحريمُ أَظهرَ وأَقوى؛ وكانت العقوبةُ أَردَعَ وأَمنَعَ. وهذا أمرٌ مَعهُودٌ في القوانين الوضعيةِ البشريةِ فضلا عن القوانين الإلهية الصادرة من لدن عليم حكيم. ولا يَقبَلُ العقلُ أن يجتمعَ تحريمٌ على جُرمٍ معظمٍ، يتعلقُ ضَررُه بمصالح الخاصةِ والعامةِ، مع غياب العقوبة الرادعة والإجراءات المانعة.

وحتى مع فرضية القول الثالث، وأنَّ الشارع لم ينص على حدٍّ في جريمة الشذوذ الجنسي فإنَّ الاستنكار والاستقباح الوارد يظل قائما، كما يظَلُّ بابُ العذابِ الإلهي الكوني –الدنيوي والآخروي- مفتوحا. يقول محمد الشعراوي –رحمه الله: "وهو [أي الله] الذي خَلَقَ النَّفس البشريةَ، ثمَّ قَنَّنَ لها قوانينَ، وبعد ذلك جرَّمَ مَن يخَالِفُ هذه القَوانين، وبعدَ أنَّ جرَّم الخُروجَ عَن القوانين وَضَعَ عُقُوبَةً على الجريمة. والتقنين في ذاته يقطعُ العُذرَ، فساعةَ أن قنَّنَ الحقُّ لا يستطيعُ واحِدٌ أن يقولَ: لم أَكُن أعلم! لأنَّ ذلك هو القانون. وحين يُجرِّمُ فهذا إيذانٌ مِنه بأنَّ النَّفسَ البشريةَ قد تَضعُفُ، وتأتي بأَشياءَ مُخالفةً للمنهج. فنحن لسنا ملائكة؛ وهو –سبحانه- حين يُقنِّنُ يَقطَعُ العُذرَ، وحين يُجرِّمُ فهو إيذانٌ بأنَّ ذلك مِن الممكِن أَن يَحدُثَ؛ وبعد ذلك يُعاقِبُ.

وهناك أَفعالٌ مُجرَّمةٌ، ولكن المشرِّعَ الأَولَ لم يُجرِّمها، ولم يَضع لها قانونا، لا عن تقصِيرٍ مِنه، ولكن التَّجريمَ يأَتي كفَرعٍ.

إنَّ الله –سبحانه- قد قدَّرَ أن النفسَ البشَريةَ قد تَفعَلُ ذلك، كالسرقة -مثلا- فوضع حَدًا للسَّرقةِ، وقد تَضعفُ النفسُ البشريةُ -فتسرق أو تزني، لذلك فالحد موجودٌ. لكن هناك أشياءَ لا يأتي لها بالتجريمِ والعُقوبةِ، وكأنَّه -سبحانه- يريدُ أن يَدُّلَنَا مِن طَرفٍ خَفيٍّ على أنَّها مَسائِلُ ما كان يتصورُ العَقلُ أن تكون. مثال ذلك اللواط، لم يذكر له حَدًا، لماذا؟ لأنَّ الفِطرةَ السَّليمةَ لا تفعَلُه، بدليلِ أنَّ اللواطَ موجودٌ في البَشرِ، وغَيرَ مَوجُودٍ في الحيوان.

لكن ليس معنى ألا يُجرِّمَ الحقُّ عملا أنَّه لا يَدخُلُ في الحسابِ، بل هو داخِلٌ في الحساب بصُورةٍ أَقوى؛ لأن التجرِيمَ والعُقوبَةَ على التَّجريمِ تَدلُّ على أنَّ الفِعلَ مِن الممكِنِ أن يَحدُثَ، وحين يَترُكُ هذه المسألةَ بدونِ تجرِيمٍ، فمَعنى ذلك أنَّ الفِطرةَ السَّليمةَ لا يَصحُّ أن تَفعلَها، ولذلك لم يضع لها حَدًا أو تجريمًا، وتَركَ الأَمرَ لرسولِ الله –صلى الله عليه وسلم، وهو المكلَّفُ بالتشريعِ أن يَضعَ حدًا لهذه المسألة.

إذن فعَدمُ وجُودِ نَصٍّ على عُقوبةٍ على جريمةٍ ليس مَعنَاه ألَّا يُوجَدَ حِسابُ عليها؛ بل هناك حسابٌ، فقد تكونُ العقوبةُ أفظَعُ. وقد أمر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بإلقاء الفاعل للواط والمفعول به من أعلى جبل. إنَّ عقوبتهما أن يموتا بالإلقاءِ مِن شَاهقِ جَبلٍ. إذن فالعقوبةُ أكثرُ مِن الرَّجمِ. وهكذا نعرف أن عدم التجريم، وعدم التقنين بالعقوبة، لأيِّ أمرٍ غيرَ مُناسِبٍ للعقل وللفطرة السليمة دليل على أَنَّ هذا الأمر غير مباح، والحقُّ لم يترك تلك الأمور سُكوتا عنها، ولكن هو إيحاءٌ مِن طَرفٍ خَفيٍّ أنَّ ذلك لا يَصِحُّ أن يَحدُثَ، بدليل أنه لا تحدثُ في الحيوانات التي هي أدنى مِن الإنسان"[11].

إنَّ "تفاوت الذنب يقتضي تفاوت العقوبة. وقد وصف الله تعالى [الزنا] بأنه فاحشة، بصيغة التنكير لكونه من الفواحش، أما فعل قوم لوط فوصفه بأنه (الفاحشة)، ما يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة"[12]. والقوانين تنصُّ على أن العقوبة على قَدرِ الجُرمِ، فإذا كانت فاحشة الشذوذ "فاحشة نكراء، لا يقرها عقل، ولا فطرة، ولا دين،.. كانت عقوبتها القتل للفاعل والمفعول به، إذا كانا بالغين عاقلين، سواء كان محصنين أم غير محصنين"[13]. "ولَمَّا كَانَت مَفسَدَةُ اللِّوَاطِ مِن أَعظَمِ الـمَفَاسِدِ كَانَت عُقُوبَتُهُ فِي الدُّنيَا والآخِرَةِ مِن أَعظَمِ العُقُوبَاتِ"[14].

يقول ابن تيمية في حكم الفاعل والمفعول به: "يجب قتلهما رجما بالحجارة، سواء كانا محصنين أو غير محصنين؛ لما في السنن عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (مَن وجَدتُمُوه يَعمَل عَمَلَ قَومِ لُوطٍ فَاقتُلوا الفَاعِلَ والمفعُولَ به)؛ ولأنَّ أصحابَ النَّبي –صلى الله عليه وسلم- اتفقوا على قتلهما"[15]. وقال: "مذهبُ مَالِكٍ وعُلماءِ المدينةِ أنَّ اللُوطيَّ يُقتَلُ رَجمًا، مُحصنًا كان أو غير محصن، سواءَ تلَوَّطَ بمملوكه أو غَير مملوكه، فإنَّه يُقتلُ عندَهم الفَاعِلُ والمفعُولُ به. كما في السنن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (اقتلوا الفاعل والمفعول به)، رواه أبو داود وغيره. وهذا مذهب أحمد في الرواية المنصوصة عنه، وهو أحد قولي الشافعي"[16].

وقد نسب ابن تيمية إلى الصحابة اتفاقهم على قتل الفاعل والمفعول به: "لهذا اتَّفقَ الصَّحابةُ على قتلِهما جميعا؛ لكن تنوعوا في صِفةِ القَتلِ؛ فبعضُهم قال: يُرجَمُ، وبعضُهم قال: يُرمَى مِن أَعلَى جِدارٍ في القرية، ويتبعُ بالحجَارةِ، وبعضُهم قال: يحرقُ بالنَّار. ولهذا كان مَذهَبُ جُمهورِ السَّلفِ والفُقَهاءِ أنَّهما يُرجمَان، بكرين كانا أو ثيِّبين، حُرَّين كانا أو مملوكَين، أو كان أحدهما مملوكا للآخر"[17]. وحكى أنَّ "الجمهور على أنَّ عُقوبةُ اللُّوطيّ أَعظمُ مِن عُقوبةِ الزِّنا بالأجنبية. فيَجبُ قَتلَ الفاعِلَ والمفعولَ به"[18].

 

[1] في موطنين من القرآن، المؤمنون: 5- 7؛ والمعارج: 29- 31.

[2] الشعراء: 165- 166. وقد أشرنا للآيات الواردة في ذم فعل قوم لوط في المقال السابق بما يغني عن إعادتها هنا.

[3] ج4/257، قال أحمد شاكر: إسناده حسن. وانظر: (صحيح الترمذي)، رقم: (1456)، و(إرواء الغليل)، رقم: (2350). وقال ابن القيم: رواه أهل السنن، وصححه ابن حبان وغيره، واحتج الإمام أحمد بهذا الحديث، وإسناده على شرط البخاري.

[4] رواه أحمد، في مسنده: ج4/292، و326. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وحسنه شعيب الأرنؤوط. وقال عنه الذهبي، في (الكبائر، الرقم: 202): إسناده حسن. وقال الشوكاني، في (نيل الأوطار: ج7/286): بمجموعه ينتهض للاحتجاج به. وانظر: السلسلة الصحيحة، للألباني، الرقم: 3462؛ وصحيح الجامع، رقم (5891).

[5] مكتبة القاهرة، 1388هـ- 1968م: ج9/60.

[6] منهاج السنة النبوية: ج3/437.

[7] من الأمراض التي تنتج عن الشذوذ الجنسي: الإيدز، وهو مرض فقد المناعة المكتسبة الذي يؤدي عادة إلى الموت؛ والتهاب الكبد الفيروسي؛ ومرض الزهري والسيلان اللذان حصدا أرواح مئات الآلاف من البشر؛ ومرض الهربس؛ والتهابات الشرج الجرثومية؛ والديدان المعوية؛ ثواليل الشرج؛ ومرض الجرب؛ ومرض قمل العانة؛ وفيروس السايتو ميجالك الذي قد يؤدي إلى سرطان الشرج؛ والحبيبات اللمفاوية التناسلية.

[8] رواه ابن ماجه، عن عبدالله بن عمر –رضي الله عنهما، الرقم: 3262. وقد حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه. وقال في (السلسلة الصحيحة، الرقم: 106): له طرق كلها ضعيفة إلا طريق الحاكم حسن الإسناد، فهو العمدة.

ينظر مثلا كتاب: الأمراض الجنسية أسبابها وعلاجها، للدكتور محمد علي البار، دار المنارة، جدة- المملكة العربية السعودية، ط2/1406هـ- 1986م.

[9] الذخيرة، للقرافي: ج4/418.

[10] انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، أو (الداء والدواء): ج1/168- 176. ويظهر من خلال عرض ابن القيم لمذهب الفريق الأول ومناقشته لأدلة الفريق الثالث واعتراضاتهم ترجيحه للقول الأول. انظر: (فَصلُ عُقُوبَةِ اللِّوَاطِ وعُقُوبَةِ الزِّنَى).

[11] تفسير الشعراوي: ج4/2066- 2067. بتصرف.

[12] الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: ص260- 263.

[13] تفسير العثيمين: ج1/147. بتصرف.

[14]   الجواب الكافي: ج1/168.

[15] الفتاوى الكبرى: ج3/412.

[16] منهاج السنة النبوية: ج3/436.

[17] مجموع الفتاوى: ج11/543.

[18] الفتاوى الكبرى: ج1/283.