أصول و محكمات /

فاحشة أعظم من الزنا! (1/ 2) [ مقال ]

[ الأحد 13 صفر 1438 هـ ] [ 605 ]

ركَّبَ اللهُ تعالى الأَحيَاءَ مِن الخَلقِ على قَاعِدةِ "الزوجية"، أي أن كل نوع من أنواع الكائنات الحيَّةِ موزعة على فصيلين أو جنسين: ذكر وأنثى. يقول تعالى: ((وأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثَى))، النجم: 45. ومن لقاء هذين الزوجين واتصالهم الجنسي معا تنتج الذرية والنسل، ويستمر وجود النوع الكلي: ((أَلَم يَكُ نُطفَةً مِن مَنِيٍّ يُمنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثَى))، القيامة: 37- 40. فلا يمكن استمرار النوع إلا باتصال الجنس. ولمـَّا أراد الله تعالى أن يستنقذ نوح –عليه الصلاة والسلام، ما شاء الله أن يستنقذ، أمره بأن يحمل في سفينته مِن كُلٍّ زَوجَينِ اثنَينِ (هود: 40، والمؤمنون: 27). وقد جاءت الشرائع السماوية لضبط هذه العلاقة الجنسية بين الزوجين استجابة للشهوة الطبيعية، في إطار الفطرة والأخلاق ومقاصد الدِّين الاجتماعية والإنسانية. فلم تحرم الشرائع السماوية العلاقات الجنسية بين الجنسين: الذكر والأنثى، لأنها نتاج ميول طبيعية، وإنما رشدت هذه العلاقة منذ وجودها ميولا داخلية إلى تحولها إلى ممارسة فعلية. وفي هذا الشأن عززت الشريعة من العلاقة الجنسية النظيفة والطاهرة، فأجازت النكاح الشرعي كإطار لإقامتها، وقيدته في عدد من الزوجات، وأباحت ملك اليمين بدون قيد عددي.

وبرغم أن نصوص القرآن الكريم أسست لمفهوم الزوجية في الوعي الإنساني للعلاقة الجنسية كأمر فطري وطبيعي؛ كما قال تعالى: ((ومِن كُلِّ شَيءٍ خَلَقنَا زَوجَينِ لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ))، الذاريات: 49؛ وقال سبحانه: ((سُبحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرضُ ومِن أَنفُسِهِم ومِمَّا لَا يَعلَمُونَ))، يس: 36؛ إلا أنَّها اعتبرت أي تجاوز للأطر والضوابط الشرعية منافيا للعفة والطهارة وانحرافا بهذه العلاقة عن مقصدها الطبيعي والشرعي.

لذلك حرَّم الله تعالى الزِّنا ووصفه بأعظم صفات النكارة: ((ولَا تَقرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا))، الإسراء: 32. وجعل سبحانه الزنا في مرتبة تلي أعظم الذنوب على الإطلاق الشرك والقتل: ((والَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ ولَا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ ولَا يَزنُونَ ومَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا))، الفرقان: 68. شدد عليه في بيعة المؤمنين –ذكورا وإناثا: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الـمُؤمِنَاتُ يُبَايِعنَكَ عَلَى أَن لَا يُشرِكنَ بِاللَّهِ شَيئًا ولَا يَسرِقنَ ولَا يَزنِينَ ولَا يَقتُلنَ أَولَادَهُنَّ ولَا يَأتِينَ بِبُهتَانٍ يَفتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وأَرجُلِهِنَّ ولَا يَعصِينَكَ فِي مَعرُوفٍ فَبَايِعهُنَّ واستَغفِر لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))، الممتحنة: 12.

وأنزل اللهُ في حقِّ مرتكب هذه الفاحشة آيات خالدات، فقال تعالى: ((سُورَةٌ أَنزَلنَاهَا وفَرَضنَاهَا وأَنزَلنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا مِئَةَ جَلدَةٍ ولَا تَأخُذكُم بِهِمَا رَأفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللَّهِ واليَومِ الأَخِرِ وليَشهَد عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الـمُؤمِنِينَ))، النور: 1- 2.[1] وشنع تعالى على من كان هذا ديدنه حتى وصف به، وقرنه بالشرك زيادة في التشنيع: ((الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَو مُشرِكَةً والزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَو مُشرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الـمُؤمِنِينَ))، النور: 3. هذا بالرغم أنَّ الزِّنا غَيرُ مُوجِبٍ بذاته لكُفرِ صَاحِبِه.

كما جعل سبحانه القذف بهذه الفاحشة جريمة تستوجب الحدَّ، فقال عزَّ وجلَّ: ((والَّذِينَ يَرمُونَ الـمُحصَنَاتِ ثُمَّ لَم يَأتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلدَةً ولَا تَقبَلُوا لَهُم شَهَادَةً أَبَدًا وأُولَئِكَ هُم الفَاسِقُونَ))، النور: 4؛ وشرع من الآداب والأحكام ما يغلق منافذ الوقوع في هذه الفاحشة أو مقاربتها أو إظهارها.[2]

فإذا كانت هذه نظرة الشارع الحكيم للانحراف في العلاقة الجنسية بين طرفين طبيعيين: ذكر وأنثى، فإنَّ نظرته للخروج بهذه العلاقة إلى صورة غير طبيعية منافية للفطرة أعظم تقبيحا وذمًّا وإنكارا. فالشرع يتفق مع الفطرة، بل إن الفطرة هي الأرضية المؤسسة لقبول الشرع: ((فَأَقِم وَجهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا لَا تَبدِيلَ لِخَلقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يَعلَمُونَ))، الروم: 30.

والخروج عن هذه العلاقة تخرج في عدة صور شاذة: إتيان الرجل للرجل "اللِّواط"؛ أو إتيان المرأة للمرأة "السِّحاق"؛ أو إتيان رجل لدابة أو تمكين امرأة لدابة أن تأتيها.

وهذه الصور الشاذة المنحرفة، الخارجة عن حدود الفطرة والطبيعة البشرية، باتت اليوم طاغية في المشهد العالمي: ثقافيا وإعلاميا وقانونيا! وعوضا أن تكون فواحش مستقبحة دينا وخلقا وقانونا، باتت المنظمة الأممية ترعى عولمة هذا السلوك تحت مظلمة قانونية وثقافية دولية. ووفقا للمنظور الأممي:

  • الممارساتُ الجنسيةُ تمثِّل "حُرَّيةً شخصيَّةً"، و"حقًّا طَبيعيًّا"، للأفراد –سواء كانوا ذكورا أم إناثا. ويؤصل لذلك من منطلق أنَّ الجَسَد مِلكٌ خَاص، وأنَّه لا يخضع لحكم الآخرين ومعاييرهم. ومن ثمَّ فإنَّ القوانين التي تدافع عن الإنسان وحريته وحقوقه معنية بالدفاع عن أي فرد في المجتمع طالما وأنَّه يتصرف في حدود ما يملكه ويخصه. وعلى هذا الأساس تتكئ جميع المنظمات الشاذة التي دفعت بالزناة واللوطيين لإظهار ذواتهم وممارسة أعمالهم تحت مظلة الدساتير والقوانين باعتبارها ضامنة للحقوق والحريات!!
  • الإدراك للأدوار الجنسية لا ينطلق من "النوع البيولوجي" وإنما مِن "النوع الاجتماعي"، وعليه فإنَّ "النوع البيولوجي" لا يحدد الهوية الجنسية للفرد! وإنَّما يحددها ثقافة المجتمع وممارساته. وعليه فليس هناك "أنثى" محض، ولا "ذكر" محض، بل هي أدوار تخضع لمعايير الزمان والمكان، وتتغير بتغير ثقافة المجتمع. فلا ينبغي التمييز بين الذكر والأنثى في طبيعة الأدوار الجنسية التي يرغب ويميل لممارستها وإن لم تتفق مع نوعه البيولوجي! فبإمكان الرجل أن يقوم بدور الأنثى وبإمكان المرأة أن تقوم بدور الذكر! دون استثناء؛ وهو ما يعرف بـ"الجندر"! فالجندر يشير إلى الخصائص في السلوك والأدوار والقدرات والهوية التي يحددها المجتمع للفرد على أساس أنها تناسبه، في ضوء ثقافة الزمان والمكان، حسب توقعات المحيط الذي يعيش فيه! فيمكن أن تتغير نظرة الفرد لذاته من بيئة لأخرى وفقا للثقافة.
  • أنَّ العلاقة الجنسية بين طرفين تقوم على التراضي بينهما؛ وهي بذلك لا تخرج عن إطار العلاقات الطبيعية بين أفراد المجتمع التعاقدية الأخرى القائمة على هذا الأساس. وأنَّ وجه الجريمة فيها يتمثل في ممارستها خارج إطار التراضي، بالتحرش أو الاغتصاب، أو دون السن التي تؤهل الطرف الآخر لإدراك فعله! وعليه فالزِّنا واللِّوَاطُ والسِّحاقُ عَلاقةٌ تعَاقُديةٌ طبيعِيةٌ ترعاها الحقوق الدستورية والقانونية. وواجب المجتمع الاعتراف بها، وقبولها، ورعايتها، وترشيدها صحيا، وتقنين ما يحميها وينظمها!

وبهذا تحوَّل الانحرافُ إلى وَضعٍ طَبيعي، والشُّذوذُ إلى عُرفٍ اجتماعي، والفَاحِشةُ إلى عَلاقات مُشَرعَنةٌ. وذهب الأمر إلى أبعد من شرعنة الممارسة إلى شرعنة الرباط الذي تقوم عليه كنوع من صور الاقتران والزواج! فالأسرةُ المكوَّنَةُ مِن ذَكَرٍ وأُنثَى ارتبطا بعقد ليست إلا "أُسرَةً نَمَطيَّةً"؛ ويتجاوز مفهوم الأسرة المعاصر في ظل عولمة الشذوذ إلى الأسرة المكونة من: ذكر وذكر، وأنثى وأنثى؛ أو أي شكل من الاقتران الجنسي.

ومن المعلوم أنَّ بداية هذه الانحرافات انطلقت مع إعلان المساواة بين المرأة والرجل، والتي ترتب عليها تغيير المفاهيم والتصورات والبناء المعرفي الديني والثقافي والاجتماعي المتعلقة بهما. وهذا بدوره ولَّد مساحة واسعة من الفراغ الذي ملأته مفاهيم وتصورات شاذة ومنحرفة. فلما جرى تحريرُ المرأةِ مُطلَقًا مِن قوامة الرجل، وفَتحِ بَابِ الاختلاطِ لها على مِصرَاعيه، وإشَاعةَ فَاحِشةِ الزِّنا، تجاوزت ثورة الشهوات إلى ما هو أَبعَدَ من ذلك!

وفي حين كانت فاحشة "اللواط" و"السحاق"، وغيرها من صور العلاقات المحرمة، تمثل جرما مذموما فاعله، ومنبوذا صاحبه، ومنكرٌ إتيانه، أصبحت برعاية المنظمة الأممية ثقافة وقانونا. وصدق القائل: ((ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيلًا عَظِيمًا))، النساء: 27.

أما شريعة الله تعالى فتجعل هذه الفواحش الشاذة أمرا منكرا، وذنبا عظيما، توجب غضب الله تعالى وسخطه، وعقوبته في الدَّارين. لذا قصَّ القرآن الكريم علينا قصة نبي الله لوط –عليه الصلاة والسلام- مع قومه، وقد كان الرِجَالُ منهم يَأتُون الرِجَالَ شَهوةً مِن دونِ النساء، حتى كان ذلك أمرا ظاهرا ومتفشيا فيهم، يرونه أمرا طبيعيا يتطهر منه لوط وأهله! قال تعالى: ((ولُوطًا إِذ قَالَ لِقَومِهِ أَتَأتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِن أَحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ * إِنَّكُم لَتَأتُونَ الرِّجَالَ شَهوَةً مِن دُونِ النِّسَاءِ بَل أَنتُم قَومٌ مُسرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوَابَ قَومِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخرِجُوهُم مِن قَريَتِكُم إِنَّهُم أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ))، الأعراف: 80- 82.

وقد وصفهم الله تعالى بأنَّهم مجرمون، وقوم سوء، وفاسقون، وعادون، ومفسدون، وظالمون، وجاهلون، فقال تعالى في وصفهم: ((فَانظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الـمُجرِمِينَ))، الأعراف: 84, ((قَومٍ مُجرِمِينَ))، الحجر: 58، ((إِنَّهُم كَانُوا قَومَ سَوءٍ فَاسِقِينَ))، الأنبياء: 74؛ ((بَل أَنتُم قَومٌ عَادُونَ))، الشعراء: 166؛ ((القَومِ الـمُفسِدِينَ))، العنكبوت: 30؛ ((إِنَّ أَهلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ))، العنكبوت: 31، ((بَل أَنتُم قَومٌ تَجهَلُونَ))، النمل: 55.

ووصف سبحانه ما يفعلونه بالسيئات، والخبائث، والفاحشة، والمنكر؛ فقال تعالى: ((كَانُوا يَعمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)) هود 78؛ ((القَريَةِ الَّتِي كَانَت تَعمَلُ الخَبَائِثَ))، الأنبياء: 74؛ ((أَتَأتُونَ الفَاحِشَةَ وأَنتُم تُبصِرُونَ))، النمل: 54؛ ((إِنَّكُم لَتَأتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِن أَحَدٍ مِن العَالَمِينَ))، العنكبوت: 28؛ ((وَتَأتُونَ فِي نَادِيكُمُ الـمُنكَرَ))، العنكبوت: 29.

ونتيجة هذا الشذوذ والانحراف جَمَعَ الله عليهم مِن العذاب ما لم يجمعه على غيرهم من الأمم: فَأَخَذَتها الصَّيحَةُ، وجُعِلَ عَاليها سَافِلَهَا، حيث رُفِعَت للسَّماءِ وقُذِفَ بها إلى الأَرضِ، وأُمطِرَ عليها حِجَارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُود، وهو الرجز والحاصب المشار إليه في بعض الآيات، فلم يغادر منهم أحدا.

 

[1] وهذا الحدُّ في حق غير المحصن وغير الحر من عبد أو أمَّة؛ أمَّا المحصن فإنَّ الحدَّ الثابت في حقه الرجم حتى الموت –ذكرا كان أم أنثى.

[2] ينظر في هذا الشأن كتب الفقه والأخلاق، فيما يتعلق بأحكام العورة والخلوة والخلطة والنكاح وغيرها، وفيما يتعلق بآداب الكلام والنظر وأخلاق العفة والطهارة والحياء والغيرة،.... إلخ.