رؤية في المستجدات /

ترامب قناع جديد لوجه مألوف! [ تقرير ]

[ الخميس 10 صفر 1438 هـ ] [ 536 ]

المتابع لدورات الانتخابات الأمريكية الرئاسية المتكررة ولمتابعة العالم العربي لها يخرج بنتيجة حتمية أنَّ العرب باتوا تبعا، وذيلا في ركاب الدول؛ وأنَّ الأنظمة العربية –إلا ما رحم الله- رهنت مستقبلها ومصيرها وقضاياها بالتغيرات التي تجري في قصر "السيد"! فهي تعلق آمالها وأمانيها ومواقفها بما يمنحه لها "السيد" ويمُنُّ عليها به. البعض منهم يشير إلى طبيعة القوة والنفوذ الذي تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية عالميا، وأنَّ جميع القوى الدولية تراقب هي الأخرى هذا الحدث وتعلق به مواقفها وسياساتها! وعليه فليس العرب بِدَعًا مِن العالم المعاصر الذي يرضخ تحت سياسة القوة والنفوذ، والتي تستجمعها الولايات المتحدة الأمريكية سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا وعلميا وتقنيا.

ورغم أن التجربة تثبت مع كل محطة انتخابية بأنَّ التعويل على تغيير الإدارة الأمريكية لمواقفها وسياستها في المنطقة مجرد سراب ووَهمٍ تصنعه عقولُ النُّخب العلمانية في المنطقة. إلا أنَّ داءَ التَّعلُّقِ غَلَب على البيئة العربية، حتى باتت تنعكس على النخب والشعوب ووسائل الإعلام والأحزاب السياسية.

ما هي الولايات المتحدة الأمريكية؟

الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة كبرى، أصبحت عَقِبَ الحَربِ العالمية الثانية أَحَدَ أَقطَابِ العالم الذي بدا أنه انقسم إلى معسكرين: شرقي وغربي. وهي تمتلك من القوة العسكرية والاقتصادية والعلمية ما يجعلها دولة عظمى ومحورية في السياسة الدولية. وقد تأهلت بعد سُقُوطِ الاتحاد السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية لتتربع على عرش النظام العالمي كقطب أوحد.

الدولة الحديثة التي نشأت على أسس ليبرالية وديمقراطية تمتلك موارد طبيعية متعددة، وتستضيف على أراضيها أعراقا وأجناسا وثقافات ومذاهب مختلفة. ويقصدها سنويا عشرات الآلاف من المهاجرين الذين يبحثون عن لقمة عيش وعدالة اجتماعية وسيادة للقانون في ظل حياة آمنة، بعد أن أصبحت دولهم بيئات طاردة أو غير آمنة.

وارتبط تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية في نشأتها ببريطانيا وفرنسا اللتان كانتا إمبراطوريتين استعماريتين في العالم، وبلغ نفوذهما القارة الأمريكية الجديدة. ومعظم المهاجرين الذين احتلوها وأبادوا سكانها الأصليين ليقيموا مجتمعهم الخاص كانوا من القارة الأوروبية (المسيحية). وبهذا الاعتبار فالولايات المتحدة الأمريكية تمثل امتدادا طبيعيا لأوروبا (المسيحية)، وإن استوعبت فيما بَعدُ أجناسا وأعراقا أخرى.

وقد وَجَد اليهودُ الفارين بدينهم من الاضطهاد الكاثوليكي في أوروبا في القارة الجديدة بغيتهم، فمثَّلوا شريحة واسعة من المهاجرين إليها. واستطاع اليهود أن يجدوا في المجتمع الجديد فُسحَةً لبناءِ قوتهم الاقتصادية وإمبراطوريتهم المالية ونفوذهم السياسي. وهو ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية –ولمعطيات أخرى- حليفا إستراتيجيا لإسرائيل.

وفي ظل التطور المتسارع للولايات المتحدة وحاجتها لمصادر الطاقة –التي كانت شحيحة لديها- نشأت بين الولايات المتحدة الأمريكية والمنطقة العربية علاقة مصالح إستراتيجية قديمة، على خلفية امتلاك هذه الدول لثروات نفطية هائلة ورَخِيصَةِ تَكَالِيفِ الإنتاج. غير أنَّ هذه الدول -ولمفارقة القدر- كانت في حالة عداء مع دولة إسرائيل التي جاءت لتحتل أرضهم وتشرد شعبا مسلما وعربيا منها!

وهكذا أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية: العدو الصديق والصديق العدو! فهي مرتبطة بإسرائيل في ضوء منظومة أيديولوجية، ومرتبطة بالعرب في ضوء منظومة مصالح إستراتيجية. غير أنَّ الإدارة الأمريكية عَبرَ تاريخها كانت منحازة لإسرائيل، وضد مصالح الأمة العربية والإسلامية في مواقفها السياسية والدولية. بل توجهت مؤخرا لغزو العالمين الإسلامي والعربي باحتلالها لأفغانستان والعراق عقب أحداث 11 سبتمبر 2001م؛ وأصبحت تتبنى سياسة عدائية للإسلام والإسلام السني خاصة.

والعارفون بالسياسة الأمريكية يعلمون أن سياسة أمريكا هي نتاج مفاعيل الدين والعرق والمال والقوة، فلم تخل سياساتها وعلاقاتها ومواقفها وأداء حكوماتها المتعاقبة من تأثير هذه المجالات الحيوية. فاللوبيات المسيحية الأصولية واليهودية الصهيونية، ولوبي الجنس الأبيض (الأنجلوساكسوني)، وطبقة رجال المال والأعمال، والأجهزة الأمنية والعسكرية[1]، حاضرة بقوة في صنع سياسات الولايات المتحدة الأمريكية الداخلية والخارجية.

بالطبع هناك مؤسسات حكومية وسلطات تشريعية وقضائية وفريق إدارة رئاسي، غير أنها واجهة رسمية لتمريرِ مفاعيل الدين والعرق والمال والقوة مشاريعَها وبرامجَها عَبرَ الأفراد المنتخبين أو المعينين في هذه المناصب. وهي في العادة مفاعيل متداخلة وليست مفككة في جزر متباعدة. وهي في ذات الوقت موجودة في الحزبين الرئيسيين: الديموقراطي والجمهوري، ويمكنها الانتقال بينهما بكل سلاسة ودون أي معوقات! فمبدأ الحراك السياسي في الوعي الأمريكي مبدأ براجماتي يبحث عن المصلحة وفق تحالفات متغيرة وغير ثابتة، تدور مع المصالح حيث دارت.

ترامب.. كقناع جديد:

رئيس الولايات المتحدة الأمريكية هو عضو في فريق إدارة البيت الأبيض، والذي يتشكل وفق حسابات مختلفة للحزب الفائز وللرئيس المنتخب. وحيث أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة مؤسسات كما يقال، وحيث أن المؤسسات الرسمية غطاء للوبيات الحاكمة من خلفه، فإنَّ الرئيس الأمريكي –أيًّا كان- هو جزء من منظومة الحكم الفاعلة في الحقيقة، لا يستطيع الخروج عنها، بل لا يمكن أن يصل للحكم بدون أن تقف إلى جانبه!

"دونالد ترامب" اليوم –إذن- يمثل قناعا لوجه مألوف، وجه كشفته قضايا الأمة منذ عام 1948م وحتى معارك التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق وسوريا. لذلك فلن يأتِ ترامب بجديد مهما فعل، فهو إما سينحو منحى "العصا والجزرة" وإما أن ينحو منحى "الجزرة والعصا". وكذلك كانت هيلاري كلينتون.

وما يمكن التوقف عنده في شخص الرئيس الأمريكي المنتخب حديثا هو مدى سقوط المزاج الأمريكي في العنصرية والفحش والذوق بحيث رجح شخصية بمستوى "ترامب"!

فالملياردير الذي لم يسبق له أن مارس أي عمل سياسي بصورة مباشرة، يصنف بأنه قريب من اليمين المتشدد في الحزب الجمهوري، ويشتهر بعدائه للمهاجرين ولا يتردد في الدعوة لإعادة النظر في قوانين الهجرة، كما أنه يدعو إلى وقف دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، وإلى احتلال حقول النفط في المنطقة مقابل دور حكومته في ترسيخ أنظمة الحكم القائمة فيها![2]

وقد عمل اللوبي الصهيوني بمساندته في هذه الانتخابات بشكل مباشر، وكذلك فعل اللوبي الروسي ولكن بشكل غير مباشر؛ وذلك لوعود قطعها للطرفين، ومواقفه من المسلمين وقضايا المنطقة. ولولا نفوذ اللوبي الصهيوني الإعلامي والاقتصادي لما استطاع ترامب تحقيق هذا الفوز الساحق.

وقد أشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية –في 9 نوفمبر 2016م- في إحصائية خاصة بالشرائح التي صوتت لصالح ترامب والتي تسببت في فوزه، إلى أن 71 % من اليهود صوتوا لصالحه، وأنَّ هذا كان السبب الرئيس في فوزه بالانتخابات!

وقد أطلق ترامب –كعادة أي مرشح رئاسي- العديد من الوعود لصالح اليهود خلال حملته الانتخابية، منها اتخاذ قرارا بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، للتأكيد على أن المدينة هي عاصمة "إسرائيل". وكتب على حسابه، بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك": "لقد قلت في مناسبات عديدة إنه في عهد إدارة ترامب فإن الولايات المتحدة ستعترف بأن القدس هي العاصمة الوحيدة والحقيقية لإسرائيل".

وبحسب مستشاره لشؤون إسرائيل ديفيد فريدمان فإنَّ ترامب متشكك بشكل كبير من حل الدولتين بين الفلسطينيين والاسرائيليين؛ ولا يعتقد أن المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية.

لذلك استبشرت الأوساط اليهودية الإسرائيلية بفوزه، ومن ثمَّ كان رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" من أوائل المهنئين لترامب بفوزه، وقال: إن ترامب "صديق حقيقي" لدولة إسرائيل. وخاطبه قائلا: على مدى سنوات عبرت عن دعمك بثبات، وأقدر ذلك بعمق. وقد سبق لترامب أن أصدر -في يناير 2013م- شريط "فيديو" يساند فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" أثناء الانتخابات الإسرائيلية حينها.

وفي مفارقة عجيبة تظهر مدى التناغم الروسي الأمريكي في المنطقة على المدى القريب كان الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" من أوائل المهنئين لترامب على فوزه، حيث بعث ببرقية يتمنى له فيها النجاح والتوفيق، ومعربا عن أمله في العمل معه من أجل إخراج العلاقات الروسية الأمريكية من حالة الأزمة، ومن أجل حل القضايا الملحة على جدول الأعمال الدولي، والبحث عن ردود فعالة على التحديات التي يواجهها الأمن العالمي.[3]

وقد استأنفت الطائرات الحربية الروسية غاراتها على حلب خلال ساعات من فوز ترامب. وسبق أن توجهت حاملة طائرات وسفن روسية إلى البحر الأبيض المتوسط قبالة السواحل السورية لتشارك بالقتال في سوريا. في وقت تتهم فيه الإدارة الأمريكية السابقة بإعطاء روسيا حيزا من الفعل التدميري في المنطقة بعيدا عن أي اعتراض أممي!

ولن يختلف الأمر كثيرا مع ترامب، فقد أبدى عن رؤية مفادها أن تترك واشنطن لروسيا مهمة تدمير "داعش" في سوريا، معتبراً أنَّ عمليات الجيش الروسي في سوريا "أمر إيجابي"![4] كما سبق وأعرب في العديد من تصريحاته عن عزمه على بناء علاقات جيدة مع روسيا، بما في ذلك التعاون في محاربة الإرهاب.

التدافع والإيمان:

إن أيَّ تهديد خارجي تواجهه الأمة المسلمة يفرض عليها أمرين: التدافع والإيمان. فالتدافع هو الجانب العملي الذي تقوم عليه سنن الحياة والاجتماع، ومداره على الأسباب المادية والمعنوية التي تفضي إلى إحداث قوة مانعة؛ والإيمان هو الجانب الروحي القائم على التوكل على الله تعالى، وحسن الرجاء والظن فيه، واستحضار معيته.

ولن تحل قضايا الأمة ما لم ينشأ التغيير في ذاتها ومن داخلها، تحقيقا لقول الله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم))، الرعد: 11. فالنصر مرهون بإرادة الأمة، وقرارها، وقيامها بما يجب عليها في ضوء مقررات الشرع والعقل والواقع.

وهي اليوم تواجه ثلاثة صور من صور العدوان:

  • عدوان صهيوني لا يزال جاثما عليها منذ أكثر من ستة عقود من الزمان. وهو يعمل على تهديد أمنها واستقرارها ودينها ومقدساتها.
  • عدوان صليبي يتخذ شعارات مختلفة ورايات متعددة لاحتلال المنطقة عسكريا، واستنزافها اقتصاديا، وإضعاف بنيتها المادية والثقافية والاجتماعية، عبر أدواته وذيوله.
  • عدوان صفوي مجوسي طائفي، يتخذ من التشيع لآل البيت غطاء لإحياء ثارات مكذوبة وعداوات يتبعها استحلال للدماء والأعراض والأموال. مستغلا وجوده في نسيج الأمة في أكثر من بلد، والهجمة الأجنبية عليها في فترة ضعف من الأمة.

وهنا يمكن الربط بين صور العدوان المختلفة، في إطار الشراكة تارة والتحالف تارة، في ظل تعاون وتخادم بين هذه المشاريع للقضاء على قوة هذه الأمة وإخماد جذوة الإسلام النقي فيها.

ويخطئ من يظن أنَّ أي تحول في أقنعة وجوه الحكومات القائمة على الدول المعادية سوف يتبعه انفراجة للأمة الإسلامية، طالما وأن مرتكزات هذه الحكومات وفلسفاتها المهيمنة هي مرتكزات عدوانية متطرفة. وهنا يأتي أهمية تصريح القرآن الكريم في آيات كثيرة عن عداوة الكفار بكل أصنافهم: يهود نصارى منافقين مشركين، وتأكيده على هذا المعنى بأكثر من أسلوب، وبأكثر من صورة.

وهذا لا يمنع أن يسخر الله –تعالى- بقدرته وإرادته من يخرق تلك الجدران الصلبة ويوهن من قوتها، كيما يجد أهل الإيمان متنفسا إلى حين. كما لا يمنع ذلك من النظر للأمور بميزان المصالح والمفاسد لمعرفة خير الخيرين وشر الشرين، والتعامل مع الواقع في ضوء ما هو ممكن ومتاح. غير أنَّ هذا يأتي بعد رسوخ التصور العقدي والإيماني الصحيح، والفقه الشرعي والسنني السليم.

ومهما أظهر أعداء الإسلام من قدرة وقوة وتغلب فإنَّ حقيقة الأمر لا تعدوا أن تكون جانبا ماديا سرعان ما يذوب أمام وهج الإيمان وقوته. ثمَّ إن من شأن ظهور العداء من الكفار للمسلمين جانب مشرق وإن وجد في جانب مظلم، فإن معرفة العدو من الصديق وتيقن عداوته، ومعرفة عملائه وأذنابه، خير للمسلمين.

 

[1] يقول تقرير راصد للعنصرية والتمييز في امريكا: تبرز العنصرية بقوة عند الجيش الأمريكي، وهي نتاج للعنصرية السائدة في المجتمع، وذلك على الرغم من إن الدستور الأمريكي يمنع التفرقة بين الناس على أساس اللون أو الجنس أو الدين أو غير ذلك، إلا أن العنصرية مغروسة في قلب معظم الأمريكان، إذ يفرقون تمامًا بين السود والبيض. انظر: صحيفة القبس الكويتية، الصفحة الإلكترونية، في 9/7/2016م.

[2] تشير المصادر الإعلامية إلى أنَّ "ترامب" يملك عددا من الكازينوهات في مدينة "أتلانتيك سيتي"، وهو قواد تزوج بنسائه بعد علاقات سابقة للزواج، وطلق بعضهم على إثر خيانة عائلية. وانظر: نساء في حياة ترامب.. عدو المصافحة والخمر والسيجارة، موقع قناة العربية، في 22/5/1437هـ- 1/3/2016م.

[3] كان من أوائل المهنئين أيضا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والرئيس المخلوع علي عبدالله صالح. وقبيل صدور النتائج النهائية للانتخابات نشرت زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي (اليميني المتطرف) "مارين لوبان" تغريدة على حسابها على "تويتر"، هنأت فيها ترامب على فوزه بالانتخابات الرئاسية الأمريكية.

[4] سبق أن امتدح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المرشح الجمهوري دونالد ترامب في أكثر من مناسبة. هذا التخادم دفع بالمدير السابق لوكالة الاستخبارات الامريكية (سي آي إيه) لوصف ترامب بأنه "عميل لروسيا"!