النهضة و التغيير /

تعالوا نجتمع! [ مقال ]

[ الأحد 6 صفر 1438 هـ ] [ 714 ]

الإنسان مدني بالطبع، فإذا توحش فلأمر خارج عن طبيعته وغريزته. فهو خُلِقَ يَألَفُ ويُؤلَفُ، ويُقيمَ مُجتَمعاً إنسَانيًّا متآخيًّا، يَقومُ على الرَّحمةِ والإِحسَانِ والعَدلِ. وتوجيه الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- لأتباعهم مع مطلع دعوتهم يقوم على مبادئ: العدل والإحسان والرحمة، والأمانة والصدق والعفاف، وصلة الرحم والإحسان للجار وإكرام الضيف؛ ليمثلوا في المجتمع الجاهلي طليعة القدوات العملية التي تترجم الإيمان عملا، ولا تتوقف به عند القول والدعاوى فقط. لذا فإنَّ جميع الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- لم يخرجوا من ظهور أَقوامِهم إلَّا بإِذنٍ إلهيٍّ، وعند استحالة التعايش وتهديد وجودهم؛ وفيما عدا ذلك فإنَّهم عايشوا قومهم وخالطوهم، ولم يعتزلوا سوى مواطن الشرك والفجور والظلم، أمَّا الحياة العامة لم ينفكوا عنها.

وأَغلَبُ الشَّرائعِ التي نَزلَت على الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- مَطلَع دَعوتهم، وفي حَالِ عَدَمِ استقلالِيةِ المجتمَعِ المُسلِمِ بسُلطَانِه، تَدورُ حَولَ العِبادَاتِ والأَخلاقيات التي تُهذِّبُ الرُّوحَ والعَقلَ والسُّلوكَ، كما تَدورُ حَولَ الكُليَّاتِ والمحكَماتِ العَامَةِ، مع البُعدِ عَن التَّفاصِيلِ الصَّادِمةِ للمُجتَمعِ حِرصًا على عَدمِ تَنفِيرِ غَيرِ المؤمِنينَ مِن دَعوةِ الإيمَانِ. لذا نَجدُ أَغلَبَ شَرائِعِ الإِسلامِ في رِسالةِ محمد -عليه الصلاة والسلام، المتَعلِّقةِ بالأَنكِحةِ والمواريثِ والمعَامَلاتِ والأَموالِ وغَيرِها، نَزلَت بالمدينَةِ، بعد استقلالِ المجتَمعِ وتُمكِّنِ السُّلطَةِ الشَّرعيةِ مِن إنفَاذِ أَدوارِها فيه.

وتتحدث أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- عن هذا الاعتبار في التشريع فتقول: "إنَّما نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنه سُورةٌ مِن المـُفَصَّلِ، فيها ذِكرُ الجنَّةِ والنَّارِ، حتَّى إذَا ثَابَ النَّاسُ إلى الإسلامِ نَزَلَ الحَلالُ والحَرامُ، ولَو نَزَلَ أَوَّلَ شَيءٍ: لا تَشرَبُوا الخَمرَ! لَقَالَوا: لا نَدَعُ الخَمرَ أَبدًا، ولو نَزَلَ: لا تَزْنُوا! لقَالَوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبدًا، لقد نَزَلَ بمكةَ على محمَّد –صلى الله عليه وسلم، وإنِّي لجَارِيةٌ أَلعَبُ: ((بَلِ السَّاعَةُ مَوعِدُهم والسَّاعَةُ أَدهَى وأَمَرُّ)). ومَا نَزَلَت سُورةُ البَقرةِ والنِّساءِ إلَّا وأَنَا عِندَه"، أي بالمدينة المنورة.[1]

ولم تُشرَع هِجرةُ المؤمنين عن أَقوامِهم إلَّا في ظِلِّ الفَتنةِ التي حَصَلت عليهم. وهو ما نجده مُؤكَدا -لَفظًا ومَعناً- في كُلِّ آياتِ الهِجرَةِ في القُرآنِ الكَريم. لأَنَّ مِن العَزيزِ انتِزاعُ المـَرءِ مِن بيئته، وإخرَاجُه مِن أَرضِه، ومُفَارقَتُه لأَهلِه ونَاسِه. قال تعالى عن بني إسرائيل: ((وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا))، النساء: 66.[2]

وقد هاجر الرسول –صلى الله عليه وسلم- كَارِها[3]، وهَاجَرَ الصَّحابَةُ –رضوان الله عليهم- كَارِهُون[4]، بَاحِثونَ عَن بِيئةٍ آمِنةٍ عَادِلةٍ مُتسَامِحةٍ، حتى ولو كانت بعيدة الدَّار، ومُغَايِرةً لثقافِتِهم وعَادتهم ولُغتِهم، كما كان حَالُ الهِجرةِ للحبشة!

إذن الاجتماعُ مَقصِدٌ شَرعِيٌّ كما هَو غَرِيزَةٌ فِطرِيَّةٌ. ومِن الخَطأِ أَن يَعتَقِدَ البَعضُ أَنَّ مَقصُودَ الدِّينَ هو مُفَارقَةَ المجتَمعِ، وخُصُومَةُ الخَلقِ، والانعِزَالُ عنهم، والانبِتارُ مِن صِلاتهم، كأَساسٍ للتَّديُّنِ وإِقَامةِ الدِّين! إنَّ هذا جَهلٌ بفِقهِ السُّننِ والفِطرةِ والغَريزَةِ الإنسَانيةِ، وجَهلٌ بحقيقةِ الدِّينِ ودَعوةِ الرُّسلِ –عليهم الصلاة والسلام. وإنما الوَاجِبُ هو مُفَارَقَةُ أَوضَاعِ الجَاهِليَّةِ مِن كُفرٍ وشِركٍ، وفُجورٍ وفَسَادٍ، وظُلمٍ وجَورٍ، وإنكَارُها مِن مُنطَلقِ الإصلاحِ والتَّغييرِ دَاخِلَها، لعَلَّ الله يُخرِجَ مِن "أَصلابِ أَهلِها" مُجتَمَعًا مُسلِمًا. وهذا لا يتِّمُ في يومٍ وليلةٍ، ولا بَينَ سَنةٍ وأُخرَى، بل يتطَّلبُ عُقودًا وأَجيَالا.

وقَد استَأنَى رَسولُ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- ربَّه في قُريشٍ، وقد أَذَاقَته المرَّ والأَذَى، وهو في مُنتَصفِ عِقدِه الخَامِس، رَجاءَ أَن يُخرِجَ اللهُ مِن أَصلابِهم مَن يكونُ مُوحِدًا. فهو وإن لَمِسَ –فيما يبدو- تَعنُتَ جِيلِ المرَدةِ الكِبارِ، إلا أَنَّه كان مُتطَلِعًا لجِيلٍ جَديدٍ ستَأخُذُ نَشأَتَه قُرابَة عِقدَين مِن الزَّمن: (بَل أَرجُو أَن يُخرِجَ اللهُ مِن أَصلابِهم مَن يَعبُدُ اللهَ وحَدَه، لا يُشركُ به شيئًا)[5]. وهذا ما يَتَّفِقُ مع سُننِ تَغييرِ المجتَمعَاتِ تَغييرًا عَمِيقًا، يَدُبُّ في جُذُورِها مُنذُ الصِّغَرِ، حتى يُصبِحَ مُتمَكِّنًا مِنها، والتي مِن أَهمِها التَّدرُجُ والاستِمرارُ وتَراكُمُ النَّتائِجِ بَعضُها فَوقَ بَعضٍ.

فإذا كان هَذا دَأبُ الأَنبياءِ مع أَقوَامِهم المشرِكين، ودَأبُ رَسولِ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- مع مَن آذَوهُ وآذَوا صَحابَته، ونَالَوا مِنه ومِنهم قَولاً وفِعلاً، فكيف يَنبَغي أَن يكُون دَأبُنا مع الأُمَّةِ المسلِمةِ ذَاتِها؟! ولماذا نُريدُ حَرقَ المرَاحِلِ وجَنيَّ الثَّمرَةِ في لحَظاتِ تَسرُّعٍ مِن الغَفلَةِ؟!

  • عقد الاجتماع:وينبغي هنا الحَذرُ مِن أَمرِين:اعتقاد أنَّ مِن لوازم الاجتماع الشهادة لكل هذه التناقضات والتضادات والاختلافات والتباينات بأنَّها حَقٌّ وصَوَابٌ جميعُها؛ وأنَّها أَوجُهٌ مُختَلِفَةُ للحَقِّ والحَقِيقَةِ. وهذا وإن أمكن في مستويات من الخلاف الذي يكون دَاخِلَ طَيفٍ مُتجَانِسِ الهَوى والهَويَّةِ، والثَّقافَةِ والمعتَقَدِ، إلا أنَّه تكذِيبٌ للواقِعِ، وقَفزٌ عليه، وإنكَارٌ لما هو مَعلٌومٌ بضَرورةِ التَّجرِبةِ والخِبرَةِ. وقيمُ التَّعايشِ لا تتَّطلبُ مِثلَ هذه النَّظرةِ المثاليةِ، وهذا الفِكرِ الاعتبَاطيِّ.ومع تمدُّدِ الدَّولةِ الإسلاميةِ لم تَضِق شَريعةُ اللهِ وسيَاسَةُ رسُولِه –صلى الله عليه وسلم- عن أَهلِ الكتابِ، فجَاءَت أَحكامُ الذِّمةِ لتشَمَلَ أولئك الذين يرغبون بالبقاء في حَاضِنةِ المجتمعِ المسلِمِ وتحت مَظلَّةِ دولته. ومثَّلَت هذه الأَحكَامُ مَرجِعًا أَعلَى للحَاكِم المسلمِ لا يجوز له إلغاؤها، بل الواجبُ عليه أَداؤُها ورِعَايتُها. وأَوَّلُ لَبِنَةٍ في هذا السِّياقِ، هو تَرسِيخُ هذه الحقيقةِ في النفوس، تَرسِيخًا عِلمِيًّا مَعرِفيًّا، وتَرسِيخًا وُجدَانيًّا عَاطِفيًّا، وتَرسِيخًا مِن خِلالِ الممَارَسةِ مع الآخرين عند دَعوتهم للاجتماع. فالتصوراتُ العَميقَةُ والعَقائِدُ الجَازِمةُ تنعَكِسُ ضَرورَةً على الإرادَةِ وتُولِّدُ العَزيمةَ، ثمَّ يتَأسَّسُ العَملُ. وكلما بَهُتَت هذه التَّصوراتُ وخَفَتَت العَقائِدُ وانطفَأت جَذوتُها ضَعُفَت الإرادةُ وغَابَت العَزيمةُ، وكان العملُ شاهِدًا على ذلك.

 

  • إنَّ أَهمَّ جُزءٍ في تَصورِ هذا الاجتماع مَعرِفةُ مُستَوياتِه وحُدودِه، ومَادةِ التَّجسيرِ بين لبِنَاتِه، وآليةِ إدَارتِه وضَمَانِ سَيرِه باتِّجَاهٍ مُتوازِنٍ يُحقِّقُ للجميعِ الضَّروريات والحاجيات. وهنا تبرز الاستفادة من سيرة الرسول –صلى الله عليه وسلم، في كيفية صياغة "وثيقة المدينة"، وقدرته على تحرير موطن الاشتراك وضرورات وحاجيات مجتمع المدينة، وإيجاد المرجع في إدارتها وحلِّ إيَّ خلاف أو صراع قد يقع حولها. علما بأنَّ الوثيقة تأسست على علاقة التحالف القائمة سابقا بين يهود وبين قبائل الأوس والخزرج، والروابط التجارية والمصالح المشتركة التي كانت قائمة بينهم.[6]
  • وفي ضَوءِ الظُّروفِ التي تمرُّ بها بَعضُ البُلدانِ العَربيَّةِ والإِسلاميَّةِ يتَطلَّبُ الأَمرُ قَدرًا كبِيرا مِن الحِكمَةِ والعَقلِ للخُروجِ بـ"عَقدٍ اجتمَاعيٍّ" مُتَّفَقٍ عليه بيَن الجميع. لأنَّ هذا العَملَ بِنَائِيٌّ، والبِنَاءُ دَومًا مُتعِبٌ ومُكلِفٌ. غَيرَ أنَّ الأَمرَ ليس بالمستحيلِ، لأنَّ ثَمَرةَ هذا المسعَى مُحبَّبةٌ عِندَ الجَميعِ، وغَريزةٌ لا يُنكِرُونها، وحَاجَةٌ لا يَنفكُّون عنها وإن أَنكَرُوها.
  • لقد أتى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يثرب وفيها الأوس والخزرج ويهود، ولم يكن دخل في الإسلام جميع الأوس والخزرج، فصَاغَ وَثيقَةً عُرِفَت بـ"وثيقةِ المدِينةِ"، و"صَحِيفةِ المدِينةِ"، لتُمثِّلَ أَوَّلَ عِقدٍ دستُوريٍّ لأَهلِ المدينةِ المنورةِ، ينتظِمُهم جميعًا، باختلافهم الدِّيني والعِرقي. وما زال العمل بها حتى كان يهودُ هُم مَن بدَأُوا نَقضَها، واستَوجَبُوا الخُروجَ مما فيها. فكان جَزَاؤُهم الإِجلاءَ مِنها.
  • اعتقاد أنَّ المقصود بالاجتماع هو جمع كل هذه التناقضات والتضادات والاختلافات والتباينات في صيغة تُلغِي كُلَّ ذلك؛ فإنَّ هذا خَطَلٌ في العَقلِ، وسَفَهٌ في التفكير، ومُعَارضَةٌ لسُنَنِ الخَلقِ والاجتماعِ والحياة. وكُلُّ مَن ينطلِقُ لإقامَةِ المجتمعات على صِيغةٍ وَاحِدةٍ في أَفرادِها –رُوحًا وعَقلاً وخُلُقًا وعَادَةً وسُلوكًا- يَطلُب أَمرًا شَططَا، وغَايةً مُستَحِيلةً. فإذا ما أصرَّ فإنه سوف يَعجَزُ دُونها، وإن جَعلَ القُوةَ مَركبَه والعُنفَ أَداتَه والتَّرهيبَ لُغتَه. وقد حاولت الشيوعية ذلك حِقبةً مِن التَّاريخِ، مُتَسلِّحَةً بِكُلِّ ما يُمكِنُ، ومُؤسِّسَةً أَكبَر إمبراطوريةٍ في العصرِ الحديثِ؛ لكنَّها لم تُفلِح، بل خَارَت وانهدَّت!
  • إنَّ أَهمَّ ما يُواجِهُنا اليوم في مُجتَمعَاتٍ مُفكَّكةٍ، يَنخَرُ فيها التَّنوعُ العِرقِيُّ والعَشَائِريُّ، والاختلافُ الدِّينيُّ والطَّائِفيُّ، والتَّبايِنُ الطَّبقِيُّ والثَّقَافيُّ، والوَلاءَاتُ السِّياسَيةُ والفِكرِيَّةُ، وتتَنَازُعُها المصَالحُ الاقتِصَادِيَّةُ وحَاجَاتُها المعِيشِيَّةُ، هو كَيفِيَّةُ تَحقِيقِ الاجتِماعِ على هذه الجُزرِ المنفَصِلَةِ وعَبرَ الجُسُورِ المـُدَّمَرةِ؟! إنَّها دُونَ شَكٍّ مُهمَّةٌ صَعبَةٌ، وتَكلِيفٌ شَاقٌ، لكنَّ نتائجَها مُبَاركَةٌ ومَآلاتَها حَسَنَةٌ مَحمُودَةٌ.

 

[1] صحيح البخاري، الرقم: 4993.

[2] انظر: قراءة في مفهوم الهجرة في الإسلام، أنور بن قاسم الخضري، مجلة البيان، العدد 325، رمضان 1435هـ- يوليو 2014م.

[3] جاء أن النَّبيَّ –عليه الصلاة والسلام، قال وهو خارج من مكة: (وَاللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أَرضِ اللَّهِ، وأَحبُّ أَرضِ اللَّهِ إليَّ، ولولا أنَّ أَهلَكِ أَخرَجُوني مِنكِ مَا خَرجتُ). انظر: الاستذكار، لابن عبدالبر: ج2/451، وقال عنه: حسن صحيح ثابت، ولم يأت مِن وجه صحيح شيءٌ يُعارِضُه.

[4] قالت أم المؤمنين عائشةُ –رضي الله عنها- بعدما أصاب أباها الصديق –رضي الله عنه، وأصاب بلال –رضي الله عنه، من البلاء: جِئتُ رَسولَ اللهِ –عليه الصلاة والسلام، فَأخبَرتُه، فقال: (اللَّهُمَّ حبِّب إلينَا المدِينَةَ كحُبِّنا مَكَّةَ أَو أَشدَّ، وصَحِّحها، وباركْ لنا في صاعِها ومُدِّها، وانقل حُمّاها فاجعلْها بالجُحفةِ). صحيح البخاري، الرقم: 3926.

[5] متفق عليه.

[6] انظر: يهود المدينة في العهد النبوي- أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، سامـي حمـدان أبـو زهـري، رسالة ماجستير، كلية الآداب في الجامعة الإسلامية بغزة، 1424هـ- 2004م، متوفرة ملف (PDF) على النت. والنشاط الاقتصادي لليهود بالحجاز.. في الجاهلية وفي عصر الرسول، رياض مصطفى أحمد شاهين، سلسلة الدراسات الإنسانية، مجلة صادرة عن الجامعة الإسلامية بغزة، المجلد الثاني عشر، العدد الثاني، 2004م.